رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

لطفي الشّابي: نعيش زمن كثرة الكتّاب ووفرة الشّعراء وقلّة المغتبطين بالكتابة!


حوار: سليم دولة
12/14/2018 12:55:32 PM

ولد في مدينة قصر هلال، ودرس في مدرسة أحمد عيّاد الابتدائيّة بقصر هلال ثم بمعهدها الثانوي. حصل علي بكالوريا الآداب ودرس اللغة والآداب والحضارة العربيّة في دار المعلّمين العليا بسوسة وتخرّج منها بشهادة أتاحت له العمل في مهنة أحبها صغيرا ووهبها منذ أكثر من ربع قرن، جلّ جهده وأغلب طاقته فمنحته ثروة طائلة من المحبّات والوفاء الجميل. أنجب إلي حدّ الآن سبعة أبناء، ولدين (ياسر ومازن) »رسمت لهما أجنحة ولم أدلّهما علي القبلة ولم أحذّرهما من العواصف، ولكنّي أراقب طيرانهما الرّشيق بغبطة وأنتظر تحليقهما أبعد ممّا أطلب لهما»‬ وخمسة أبناء حبريين: ثلاث روايات ومجموعتين شعريّتين. يعيش بين مدينة نابل، وبين المهديّة (مرورا بقصر هلال) حين يرتاح من تعب العمل والكتابة والأنشطة الثقافيّة التي يمارسها في إطار جمعيّتين كان من مؤسّسيهما منذ دخل نابل سنة 1991. هنا يتحدث أكثر وبالتفصيل عن الإبداع والكتابة والأحلام.

 ـ كيف أتيت إلي الكتابة؟
ـ صُدفةً... أتيت إلي الكتابة من طريق لا واعية، ولم أخترها. حياتي كلّها تقريبا كانت محكومة بالمصادفات التي أهدتني ما أنا عليه الآن ولم أذكر يوما أنّي كنت أخطّط لحياتي أو أسطّر لها مسلكا.  كنت في فترة مراهقتي مهووسا بممارسة كرة القدم وبالمطالعة معا.  بدأت أستعذب ما كانت تجود به عليّ كرة القدم من لذائذ ومغانم: بعض الحظوة وقليل من المال كان كثيرا وقتها، وكنت أحلم بمسيرة رياضيّة ناجحة كادت تحملني علي الانقطاع عن الدّراسة لولا إصابة خطيرة كسرت ذلك الحلم الذي كان معلّقا بقدميّ ووجّهتني إلي الطّريق الأطول والأقلّ إبهارا..(أبتسم حين أري نفس الحلم يسكن ابني المراهق الآن). الصّدفة قادتني أيضا إلي دار المعلّمين العليا، والإغراء كان ماديّا بالأساس بحكم أهميّة المنحة الماليّة التي كان طلبتها يتلقّونها، وبحكم ظروف الحياة المريحة التي كان يحظي بها كلّ من يُقبل فيها. لم أكن أتصوّر يوما أنّي سأصدر كتابا، رغمّ أنّي كنت أخالط الشعراء والأدباء وأحضر الأمسيات الشعريّة والنّدوات... كنت أكتفي بمتعة القراءة والاستماع، وأجد في الغبطة التي يهديها إلي نصّ سرديّ أو شعريّ أو مسرحيّ كفايةً.  غير أنّ الصّديق الشاعر آدم فتحي فتح لي باب النّشر وأغراني به حين اطّلع علي نصّ قصير كتبته سنة 2009 في مئويّة الشّابي. كان نصّا من ثلاثين صفحة بعنوان »‬عودة روح» وحين قرأه طلب منّي أن أشتغل عليه وأجعله رواية. هكذا ولدت روايتي الأولي »‬ما لم يقله الشّاعر» وهكذا ولدت هي أشقّاء لها بلغ عددهم الآن أربعاً: مجموعيتن شعريتين وروايتين.
  غالبا ما يمثّل المعلّم أو الجدّ أو الأب أو الأمّ أو الجدّة أو شخصيّة نموذجيّة مرجعا استلهاميّا للكتابة، خاصّة السّرديّة منها، فهل حوّلت شخصا ما إلي شخصيّة روائيّة؟
  كلّ عمل روائيّ يستلهم من الواقع وقائعَه ويبني أحداثه وشخوصه... الروائية فعل تركيب ونحت وتفكيك ولصق. والرّوائيّ البارع هو الذي ينجح في إعادة تشكيل التاريخ: تاريخ المكان والشّخوص، وتركيبها علي نحو طريف مغر وفصيح. في كلّ رواياتي حضور لرجال ونساء أثّروا في تكويني ووجهوني من حيث قصدوا أو لم يقصدوا. منهم ثلاثة معلّمين أهديهم كلّ ما أكتب لأنّي علي وعي تامّ بأنّهم يملون عليّ، رغم غيبتهم، ما أكتب.. ثلاث نساء: والدتي فاطمة وجدّتي لأمّي زينة وجدّتي لأبي صحرة (كان يحيّرني اسمها منذ طفولتي المبكّرة ويغريني بصحبتها رغم صرامتها)، أخذتُ عنهنّ متعة السّرد العفويّ الشّفويّ في ليالي السّمر المضيئة بالحكايا وبعجيب الخرافات، ورجل: خالي عليّ نباوي، علّمني وهو يسرد عليّ تجاربه في السّياسة معني الالتزام والحريّة والإيثار والشّجاعة... هو من كان يحثّني علي القراءة كثيرا والكتابة قليلا.. وهو الذي وجّه خطواتي في سنوات مراهقتي، فكنتُ كما كان يريد لي. سيكون له حضور بارز في روايتي الجديدة التي أرجو أن أفرغ منها قريبا، لأنّها أنهكتني.
  التّيمة العامّة لروايتك »‬المائت» هي محاورة الذّاكرة، والذّاكرة المركّبة بانغراسها في المكان، الذّاكرة الحليبيّة والعاطفيّة باستحضار مكثّف للخيبات والأوجاع. فهل لك أن تحدثنا عن مخاوفك من انفلات الشّخوص وتمرّدها؟
 أحبّ أن أعكس مسار سؤالك فأقول: أشعر في أحيان كثيرة أنّي شخص روائيّ وأنّي أرجو من شخوص روايتي أن تحميني من كلّ انفلات ممكن وأن تكبح قابليّتي الفطريّة للتمرّد. حين أكتب أحرص علي أن أكتب الواقع كما أراه بعين الرّوائيّ المحكوم بواجب الرّواية الأشدّ نُبلا: صيانة الذّاكرة الجمعيّة ومقاومة النّسيان. ولكنّ ذاكرتي الشّخصيّة تحضر بقوّة وتصرّ علي اكتساح عوالمي التي أبنيها بوعي وتزرع في أرجائها المشاهد اللاّواعية والوقائع الرّاسخة في أعماقي كما الوشم. في المائت، مثلا، حاولت أن أوظّف ذكري المكان لخدمة المعني القائم علي الخيبة الجمعيّة والأوجاع الواسعة لجيل كامل.. ونجحت في ذلك حين رسمت ملامح مكان لم أعش فيه أبدا هو زغوان، ولكنّي وقعت في الوجع الشّخصيّ المرير حين رسمت ملامح الطفل ثمّ المراهق الذي عاش في قصر هلال.. كان ذلك من أكثر المخاوف التي أواجهها حين أكتب، أخشي من أن تفيض الذّاكرة بأوجاع شخصيّة تسيء إلي من رافقوا طفولتي وقد كانوا أهلا وأحبّة، دون أن تُريح من يتذكّر ويدوّن. لا أخشي من أن تنفلت الشّخوص وتتمرّد عليّ، ولعلّ ذلك من صميم العمل الرّوائيّ لحظة إنجازه، بل أخشي من أن أتماهي معها في الواقع فتسرقني منه وتسلبني ما به أكون مطمئنّا حين أنزعها غبّ الفراغ من معاشرتها.  
  أيّ علاقة بين أوّل نصّيك الرّوائيّين »‬ما لم يقله الشّاعر» و »‬المائت»؟ هل أراد الرّوائيّ الحكّاء أن يستنطق، مثلا، ما سكت عنه الشّاعر من مسرّات وأوجاع؟
 قد نجد بينهما أكثر من وشيجة متينة حين نتدبّر متنهما بعين الباحث المدقّق، فروايتي الأولي، وإن جاءت احتفاء بالشّاعر الشابي في مائويّته، حاولت من خلالها أن أرصد التحوّلات التي طرأت علي المجتمع التونسيّ، وعلي وجه الخصوص علي نخبته الأدبيّة، ومنها خيانة روح الالتزام في الشّعر وفي الفنّ، بسبب هيمنة السّياسي واستفحال الهاجس المادّي الذي لا يوازيه إلاّ انحدار في القيم وتخلّ عن المبادئ الكبري... وكذلك كانت رواية المائت، التي رغم صدورها سنة 2013 إلاّ أنّها ظلّت وفيّة لزمن كتابتها ( صيف 2010 ) وما كان يعيشه المجتمع التونسيّ آنذاك، بالتّركيز علي نخبته المثقّفة أيضا، من تدهور قيميّ لا يمكن تفسيره إلاّ باكتساح الاستبداد كلّ مجالات الحياة ومستوياتها علي نحو فظيع لم يكن يدفع إلاّ إلي أحد مسارين: الموت انتحارا واعيا أو الثّورة انفجارا غريزيّا سادرا. الحكاية هي أنسب من الشّعر في مثل هذه المقامات وأنجع، لأنّها تملك كلّ أدوات التّصوير الممكنة وتتيح كلّ أشكال الفضح والتّعرية التي لا يتيحها الشّعر، ربّما، علي النّحو الأكثر وضوحا ومباشرة ومضاء. ما قاله الشّعراء ، منذ البدء شعرا، والشابي أحد أكثر الأوفياء لروح السّلالة، يقوله الرّوائيّون علي نحو أكثر وضوحا ومباشرة وقابليّة للتوغّل في التّفاصيل البسيطة في ظاهرها والعميقة في مدلولاتها.
ـ إذا كانت الرّواية حقّا هي اسفنج الأجناس الأدبيّة، فهل سمحت لك مساحاتها السّرديّة بقول ما أردت قوله؟
ـ نعم، ولكن بتفاوت. روايتي الثانية كانت أبلغ. لقد اشتغلت عليها بما يكفي حتّي تكون كما أحببت لها أن تكون: تصويرا بليغا لحال الفراغ التّي كانت تمرّ بها البلاد بعد حال الصّخب المكتوم الذي عاشته منطقة الحوض المنجميّ، وبعد الصّمت البذيء الذي انحدرت إليه النّخب (وأستثني عددا قليلا كان يشقي بما اختار في عزلة قاتلة).. كان لا بدّ من رواية »‬المائت» لكي تبقي الذّاكرة حيّة ودليلا تقود إلي المعني وتمنع من السّقوط  في المتعاود من دورة التّاريخ المحكمة الانغلاق.
ـ أحيانا يرسم الكاتب دون وعي منه قدره الشّخصيّ في نصّ. فهل حدث لك أن عشتَ لاحقا ما كنت قد كتبتَه سابقا؟
ـ ولو قلبنا لصحّ القول أيضا.. لقد كتبت في روايتي »‬ما لم يقله الشّاعر» أنّ الإنسان يكتب حياته في الخيال ثمّ يعيشها في الحقيقة. هكذا أري الحياةَ. والكاتب في نظري أيضا لا يكتب إلاّ من وحي حياة عاشها ووقائع رسخت آثارها في أعماقه وطبعت شخصيّته ووجهت ذائقته وطبائعه واختياراته... أمّا أن أكتب قدري الشّخصيّ في نصّ، فهذا ما يرعبني فعلا. مصائر شخوصيّ كلّها فاجعة أو موجعة، ومن يدري، قد أكون في حال الكتابة بصدد رسم ملامح حياة تنتظرني، أو صدي حياة عبرتني.. كتبت غربة المثقّف وعزلته ورعبَه في ظلّ نظام استبداديّ موروث قديم، وحين انتصب النّظام الذي يزعمون أنّه ديمقراطيّ صرت أشدّ خوفا وأكثر شعورا بالغربة والعزلة. كأنّي أصبحت علي مثل اليقين من أنّ من يتصدّي لتجربة الكتابة عليه أوّل أن يقبل بالضّريبة الباهظة التي يدفعها من حياته ومن دمه ومن لحمه وأن يسلك الدّرب إليه وهو يعرف أنّ آخره، مثل أوّله، وجعٌ.
 يبدو لي أنّ الأشعار التي تستند إلي نفَس سرديّ روائيّ هي أكثر الأشعار مقبوليّة الآن، وإن كانت الأشعار الشّذريّة المصاغة علي طريقة البلاغات الإشهاريّة أكثر شهرة من المطوّلات. فأيّ الصّيغ الإشهاريّة أقرب إليك؟
ـ لا أميل كثيرا إلي المطوّلات.. ولكنّ أغلب نصوصي الشّعريّة طويلة.. أفضّل عند قراءة الشّعر النّصوص القصيرة وأرتاح إلي النّفس السّرديّ الذي يتخلّل الشّعر، ولكنّني أحيانا أشعر أنّي لا أختار حجم القصيدة، وأسترسل في تقفّي أثر الحكاية فيها حتّي تعلن عن وقفتها الواجبة. نحن نعيش زمن السّرعة في كلّ شيء، والصّورة هي أنسب الصّيغ الكتابيّة لذائقة قرّاء هذا الوقت، ولكنّ الشّاعر لا يجب أن يخضع دائما للذائقة المهيمنة، بل عليه أحيانا أن يكتب ما يراه مناسبا سواء تعلّق الأمر بالاختيار الجماليّ أو بالطّرح المضمونيّ. من يكتب، عليه أن يعي أنّه يكتب لذائقة أخري غير التي تقرأ له في زمن الكتابة، لذلك عليه أن يثق بحدسه ويصدّق مع تقول أعماقه.
 تتكرّر تيمات »‬الغربة» و»‬الحبّ المفجوع والموجوع» و»‬اليُتم» و»‬الخيبة في الصّداقات وفي المحبّات» و »‬خرابات الصّيدليّات العاطفيّة»... ألاحظ ما يُشبه المفارقة العجيبة لديك: أنت كائن هادئ بملامح صوفيّة وبوذيّة ، في حين أنّك انفجاريّ علي مستوي الكتابة، إذ لا أكاد أصدّق أحيانا أنّ الشّخص الذي أحاور هو نفسه من كتب »‬المائت».
 يختزل هذا السّؤال حقيقة ما أعيش وأكابد فعلا، ويعرّي أعماقي القصيّة التي أحرص علي إخفائها حتّي عن نفسي. حين أخلو إلي نفسي وأحاور أعماقي أنتبه إلي هذه المفارقة وأحتار في طرفيها كيف اجتمعا في ذات واحدة. أبدو هادئا كما تقول، وأظهر في إهاب الحكيم الصّوفيّ وطمأنينة البوذيّ، نعم، ذلك ما يراه الأصدقاء البعيدون، أمّا القريبون (وأعني القرّاء والأشقّاء الحبريين ومن فتحت لهم حديقتي السريّة فجالوا في أرجائها) فيدركون جيّدا أنّي أنهل من كلّ الأوجاع التي عرفت وأستلهم كلّ الموروث المعاش والمكتوب من الفجائع البشريّة ولا معني للحدود بين تاريخ الأفراد وتاريخ الأمم والجماعات حين يتعلّق الأمر بمحاورة الكائن البشريّ ورسم تركيبته الثّابتة. الغربة قدر ذي العقل والضّمير الحي، لأنّ الحياة لا تصفو كما يقول المتنبّي، إلاّ لجاهل أو غافل عمّا مضي في الحياة وما يُتوقّع منها، أمّا الحبّ المفجوع والموجوع واليُتم في كلّ معانيه وأبعاده، والخيبة وامتناع الشّفاء، فتلك مسألة علي أطبّاء النفس السريريّ أن يخضعوا موضوعها إلي مشارطهم لعلّهم يكشفون أسبابها ويغوصون في أعماقها فأرتاح حين أعي ما وراء الظّاهرة السّلوكيّة التي أكابدها، ولو أنّي ألفتُها وأحببتها لأنّها تمنحني أكبر معين للكتابة.
 هل تخاف حين تكتب؟
 كلَّ الخوف.. أصاب برعب مواجهة الأوراق البيضاء منذ بارقة مشروع النصّ الأولي.. ويستمرّ ذلك الشّعور علي امتداد مرحلة الكتابة وبعدها بوقت.. ما من شيء أقدر علي إثارة الرّعب في قلب المرء كالتصدّي للكتابة عند من يعي جوهر الفعل الإبداعي وحقيقته. تتلبّسني الشّخوص التي أخلقها وتسكنني المصائر والوقائع وتحتويني الأمكنة والأزمنة حتّي لكأنّي أحلّ فيها حلولا يفقدني كلّ وعي بالواقع الذي أتحرّك فيه. كلّ مشروع نصّ جديد هو عندي مغامرة مرعبة، ولا أكاد أرتاح من مغامرة حتّي أدخل في أخري. هذا قدر الكاتب الذي لا يملك له ردّا.
  هل تمثّل الكتابة لديك حقّا »‬طقسَ عبور»، كما الصّلاة التي يفترض أن تنقطع فيها الذّات عن الزّمن الحسّي، زمن الحساب المشار إليه بالسّاعة للانخراط في زمن آخر يعلو علي الأزمنة اليوميّة. والدّليل علي ذلك أنّ الكاتب حين يراجع مكتوبَه بعد مدّة لا يكاد يصدّق أنّه هو عينه إيّاه من كتب ذلك النصّ، ويحدث له أن ينسي شرط كتابته.. هل الكتابة عندك »‬طقس عبور» بهذا المعني؟
  هي كذلك عندي، فعلا، وخاصّة حين أكتب الشّعر. الشّعر عندي بحث مستمرّ عن الحديقة التي أطلبها منذ وعيت ذاتي وأدركت معني أن أكون إنسانا وفيّا لمعدن الإنسانيّة الحقّ. القصيدة عندي جسر يقود إلي المحلوم به وإن كانت مرثيّة له وإقرارا باستحالة إدراكه.. في مجموعتي الأخيرة »‬نصف قمر علي ليل الحديقة» اختزال بليغ لهذا المعني. وحين أقرأ علي الجمهور القليل من الشّعراء الذين يواكبون المحافل الشّعريّة الصّغيرة أجد صعوبة في تذكّر اللحظة التي وهبتني ذلك النصّ والظّرف الذي أملي عليّ معناه. أتقبّل قصائدي كما يتقبّلها القرّاء، فأنبهر بها وكأنّ من كتبها شخص آخر غيري. يقدّم الشّعر عزاء وتسلية، فهو كالمسكّنات التي تحفظ السّير وتمنع من الوقوف أو السّقوط.
 هل توفّر الكتابة عندك ضربا من الإشباع العاطفيّ؟
  قد تكون كذلك.. لا أدري. ولكن ما أنا واثق منه أنّها توفّر لي حال غبطة مستمرّة.
  هل حقّا أنّ من لا يُدرك الغبطةَ (والتي هي الفرح العقليّ) لا يدرك حقيقة محنة الكتابة؟
  تماما... من لا يعرف الغبطة والحالات الموجبة لها هو أبعد ما يكون عن معني الكتابة باعتبارها محنة ومسؤوليّة. نعيش زمن كثرة الكتّاب ووفرة الشّعراء من جهة وقلّة المغتبطين بالكتابة والبالغين درجة النّشوة العقليّة التي لا تكون إلاّ حين نحفر عميقا في أنفسنا ونسلك إلي ذواتنا طريقا بكرا نسلكها ونغري بها السّالكين من بعدنا.
هل يمكن اعتبار الكتابة تأجيلا للانتحار؟
 بل هي كذلك حتما.. هكذا صرت أعتقد منذ وقت ليس ببعيد. أصبحت أكتب (وأقرأ أكثر ممّا أكتب) حتّي لا يأكلني الفراغ ويلتهمني ذلك الشّعور المقيت باللاّمعني وهو المرادف الأصدق للانتحار...
  يكفي أن نتصفّح ما تقذف به المطابع من كتب حتّي ندرك موتَ القيم الكبري: »‬الحبّ» والصّداقة والحريّة والعدالة والكرامة والإيثار، في مقابل استئثار فظيع بالمكاسب والمغانم وسائر الثّروات الطبيعيّة، كما نبّه إلي ذلك الحكيم الهنديّ »‬أوشو». لكن ألم يكن الوضع البشريّ كذلك دائما؟ لا تنبني حضارة إلاّ علي حطام أخري، ولا ينهض شعب إلاّ علي حساب سواه من الشّعوب.
  في ثنايا سؤالك يتحرّك الجواب. أقرأ كتب التّاريخ، وبي ولع جديد بها، فلا أكاد أعثر فيها إلاّ علي هذه الحقيقة: طبع الإنسان واحد منذ كان، وسيرته نفسها منذ عرف »‬الثقافة» وهجر الطبيعة وبني »‬الحضارة» التي لا أراه غير تقنين مهذّب للوحشيّة التي تسكن البشر ولغريزة الافتراس والقنص وإلغاء الآخر ومحو المنازع علي الثّروة.. أغلب الحكماء اهتدوا إلي هذا المعني، والشّعراء هم علي رأس طبقة الحكماء عندي.
  كيف يقرأ الشّاعر الرّوائيّ كتاب أنباء العصر؟
 لا أري إلاّ كلّ ما يدفع إلي الإحباط ويعجّل بحالات يأس موجعة.. كنت شاهدا في العقود الخمسة الأخيرة علي وقائع ليس فيها من البهجة إلاّ ما تعلّق بالوقائع الشّخصيّة والمنجزات الذاتيّة المنتظرة والمتاحة للجميع. أمّا عن جوهر الحياة فلا نكاد ننهض من خيبة حتّي نقع في أخري أشدّ وأقسي.
ـ بمَ يحلم السيّد الرّوائيّ الشاعر؟
ـ علي المستوي الشّخصيّ لا أحلم إلاّ بأن أقطع ما تبقّي لي من الطّريق محتفظا بنفس الرّوح الذي قادني منذ أوّل خطوة عليها. كتبتُ حياتي، ورسمت مساراتها وأنا أكتفي الآن بالمشي فيها.. لا أطلب غير ما أري، وما أري لا يعني شخصا غيري، ولا يقاس بأيّ مكسب ماديّ أو غنيمة، لهذا ربّما لست قلقا علي ما أحلم به، فهو لي ولا أخشي عليه من أيّ منافس. وعلي المستوي المحلّي فالحلم عسير والإحاطة به في هذا الحيّز صعبٌ، ولكنّي أكتفي بهذا: أحلم بوطن صاحٍ، يعرف كيف يستخلص من العواصف دروسها ومن الأعاصير وصاياها ومن البراكين والزلازل ما يجعله بمنأي عن البراكين والزلازل القادمة... أحلم بوطن يعرف كيف يصون ذاكرته حتّي لا يقتل عشّاقه ويفتح أحضانه لقاتليه. أمّا علي المستوي الكوني فأحلم بخلاص نهائيّ من هذا الوله القاتل بهذا القبيح الذي وجهه حسنٌ والذي نسمّيه »‬حضارة». أحلم بأنّ يكفّ هذا الغول الذي يسمّونه رأس المال عن افتراس البشر، لأنّه لا يفترس في الحقيقة إلاّ نفسه.. علي العالم أن يكفّ عن هذا التّفاني المحموم الذي يزداد جنونا يوما بعد يوم.
ماذا تتمنّي علي تونس؟
لا أتمنّي لتونس التّراب والشّجر والجبال والحجر والأنهار والبحار، وسائر ما يسمّيها تونس ويجعلها حسناء علي الدّهر، شيئا.. لأنّها تحفظ الوصايا جيّدا وتعرف كيف تصون فتنتها وتحفظ مدارها جيّدا. أمّا تونس العباد والبشر فإنّي أتمنّي عليها أن تنتبه من غفلتها عين همس عشّاقها المخلصين وأن تكفّ عن التنكّر لعذابات الرّحيل بها إلي ما يحبّون لها.. أتمنّي عليها أن تصيخ إلي همس الصّادقين وأن تميّز بين الأيادي التي تغتال والأيادي التي تداوي، وبين القلوب الجشعة والقلوب المعطاءة، وبين العقول المريضة والعقول الطّيبة... أتمنّي علي تونس البشر أن تهتدي إلي إنسانيّتها وتحفظ خير ما فيها.