رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

الأكاديمي والمترجم الياباني نوتاهارا يستعيد ذكرياته عن مصر في حوار خاص لـ » أخبار الأدب«:نجيب محفوظ لم يجد مكانه اللائق في اليابان


حوار: د. عبد الرحمن الشرقاوي - اليابان
1/5/2019 10:35:47 AM

نوبواكي نوتاهارا، أستاذ جامعي ومترجم ياباني قدير . ربما لا يعرف القارئ العربي عنه كثيرًا. فلن يتذكر له الجمهور إلا اسم كتابه »العرب – وجهة نظر يابانية»‬ وما تضمنه من آراء بدت صادمة للقارئ العربي الذي يفضل الإطراء والمدح علي سماع وجهة نظر مختلفة. كما أن اسم نوتاهارا جاء في كتاب يوسف القعيد: »‬مفاكهة الخلان في الرحلة إلي اليابان» وإن في صورة أكثر من مبسطة. لكن من المهم أن نضيف إلي العنصرين السابقين بعض العناصر الأخري: فهو ما زال - رغم السنوات الكثيرة، وبعده عن استخدام اللغة العربية – يستطيع التحدث بها دون كثير من الصعوبات، أما العنصر الأهم فهو اهتمامه بالأدب العربي باعتباره أدبًا له قيمه الجمالية ورسالته الفنية والاجتماعية. إنه لا يتعامل مع هذا الأدب علي أنه وثيقة اجتماعية أو تاريخية أو مجرد مصدر معلومات عن العالم العربي. ونوتاهارا عمومًا مشغول بالأدب في مختلف اللغات، وما يتحدث عنه وما يضربه من أمثلة يأتي من الأدب بشكل عام – الياباني منه وغير الياباني.
وتبدو حياة نوتاهارا أسطورية في تحولاتها وانتقالاتها التي خاضها بشجاعة وحسم . فهو من مواليد 23 أغسطس عام 1940. وبدأت رحلته مع الأدب العربي بالصدفة وبشكل غامض عندما كان في مرحلة الالتحاق بالجامعة حين سمع أن جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية ستبدأ في تدريس لغة جديدة هي اللغة العربية فهتف به هاتف أن يترك رغبته في دراسة الأدب الياباني أو الألماني وأن يخوض مغامرة تعلم تلك اللغة التي لا يعرف عنها شيئًا. 
استغرقت رحلته مع اللغة العربية وأدبها السنوات بين بداية الدراسة والتقاعد: من 1961 حتي 2004. وقد قطعها سن التقاعد فتوقف نوتاهارا عن دراسة الأدب العربي وترجمته وإن كان قد احتفظ بحبه للناس والذكريات الجميلة والصور التي جمعها بدأب المؤرخ وحس الفنان. ولا شك أن الذكريات كثيرة بعدد الأشخاص والأماكن التي تنقل فيها نوتاهارا بين البلاد والناس حيث سكن في المدن والقري والبوادي ، بل وزار العرب في أكثر من مدينة أوربية. قرر نوتاهارا في نهاية رحلة عمله أن يترك صخب العاصمة وزحامها وأن ينتقل إلي أبعد نقطة يستطيع أن يفكر بها وتتوفر له فيها أسباب الهدوء والسكينة فاختار أن يعبر البحر خارج الجزر الكبيرة ليستقر في جزيرة من جزر أرخبيل جوتو في جنوب اليابان. وعند مغادرة طوكيو، أخبر زملاءه وطلابه أنه سيذهب إلي مكان بعيد وأكد عليهم ألا يتبعوه خلف البحر إلي حيث سيذهب. وقد التزم محبوه بطلبه التزامًا صارمًا، حتي أن مرافقه في تلك الرحلة – الأستاذ علاء الدين سليمان، وهو صديقي العزيز – رفض أن يخبرني بمكانه إطلاقًا علي مدي سنوات تطلعت فيها للقاء هذا الرجل .
  قطع الرجل وزوجته مسافة تزيد علي ألف كيلومتر بالسيارة إلي مكان بعيد جدًا ليبدأ حياة جديدة يترك فيها الدراسة الأكاديمية والترجمة والعمل مع الكتب والطلاب إلي تعلم الجديد والاقتراب من الطبيعة وتعلم الصيد وقيادة المراكب. أراد تحديًا جديدًا بعد أن رأي أن حياته يجب أن تتغير وتتخلص من كثير من القيود. وقد قرر الأستاذ نوتاهارا الخروج من عزلته أخيرًا، تلك العزلة التي غلفتها الوحدة والحزن منذ رحيل زوجته إلي الحد الذي جعله يقول: لقد مات نصف جسدي عندما ماتت زوجتي.
عندما أخبره صديقي علاء الدين سليمان برغبتي في زيارته أبدي ترحيبًا ودهشة، وكرر عليه السؤال : هل حقًا سيأتي للقائي رغم المسافة البعيدة؟! هل سيقطع أكثر من ثمانمائة كيلومتر لمجرد لقائي؟! لماذا؟!وظل متشككًا في عزمي . عندما اتصلت به هاتفيًا كرر الأسئلة وأضاف إليها سؤالًا آخر: هل لك أصدقاء بالقرب مني ستأتي إليهم؟ فأكدت له أنني سأسافر فقط للقائه وأن هذا شرف كبير. قال : حسنًا، سأنتظرك في الميناء أو في المطار عندما تصل. أم تحب أن أسافر أنا فأعبر لك البحر إلي مدينة ناجازاكي؟ ثم أضاف: سمعت أنك من المنوفية، أما أنا فسأريك كرم الشراقوة الذي تعلمته في قرية الصحافة بمحافظة الشرقية. وحقًا كان شديد الكرم ومبالغًا في رعايتي وإكرامي بكل الطرق.
سألني كيف أستطيع أن آتي، وكيف سأعرف المكان، ثم أخبرني أنه يحب أن يستقبلني بنفسه وأوصاني أن أنتبه للتفاصيل حتي لا أفقد الطريق .
أكدت له رغبتي في أن أذهب أنا إليه. وعندما وصلت إلي المطار الصغير في جزيرة فوكُووِ وجدته جالسًا علي أول مقعد أمام باب الخروج فقام ليصافحني. قال: الآن فقط زال الشك في مجيئك.
سألني عن الرحلة فأخبرته أنها طويلة فقد استغرقت مني سبع ساعات ونصف تقريبًا. ركبت خلالها طائرتين وأتوبيسًا لكنها رحلة مليئة بالحماسة والرغبة في المعرفة.
أخبرني أننا سنتحدث في اليوم التالي عن موضوعي وأنه يفضل أن نتعارف ونتناول الطعام في مطعم يحبه في وسط المدينة. كان يعتقد أنني لا أعرف كثيرًا وأن الحوار سيكون سريعًا. أعطيته معلومات كافية عن هدفي من الزيارة وتركت له الوقت حتي اليوم التالي. كان يفكر أنه لا يستطيع الحديث معي باللغة العربية بعد التوقف عن استخدامها خمسة عشر عامًا . قلت له إنني لا أعتقد ذلك.
علي العشاء، سألني: ماذا كنت تعرف عني لتأتي كل هذه المسافة؟ وكيف سمعت بي؟
قلت: حدثتني عنك محررة في دار نشر يابانية جاءت للدراسة في القاهرة وللتعرف علي الأدب العربي الحديث، ثم قرأت عنك كلام الأديب المصري يوسف القعيد في كتابه عن رحلته إلي اليابان، ثم حدثني عنك صديقي علاء الدين سليمان في مناسبات مختلفة، كما تحدث الزملاء المختلفون في اليابان عن جهودك في الترجمة.
قال : إذن في الصباح نتحدث. أما الآن فنكتفي بالطعام والقهوة.
قضيت ليلتي في فندق صغير قريب من المدينة، بينما عاد هو إلي بيته برفقة شاب من السكان القريبين منه، يأتي للعمل معه ومساعدته في بعض الشئون ،. كان هذا الشاب يقود السيارة في كل المرات التي خرجنا فيها ليلاً. قضيت ليلتي متطلعًا إلي الحوار في الغد. وعند الصباح وجدته في الفندق قبل الموعد بربع ساعة، فصحبني إلي بيته للمرة الثانية فعرفت أنه قضي ليلته يفكر في أسئلتي ويبحث عن الكتب التي يريد أن أراها معه.
تحدثنا عن ما كتبه وما كُتب عنه وعن تصنيفه ضمن أهم 100 مترجم ياباني. ثم بدأنا في الحديث عن تجربته بشكل منظم.
سألته عن حياته قبل الجامعية وعن اختياره للغة العربية.
قال: أنا مولود في فيرموزا في تايوان ثم انتقلت مع أسرتي إلي طوكيو عندما كان عمري 4 سنوات. عشت مع أسرتي في طوكيو ثم انتقلنا سريعًا إلي سايتاما القريبة من طوكيو نتيجة الأوضاع الصعبة في زمن الحرب وما بعدها. ولم تكن هناك معلومات كثيرة عن العرب في ذلك الوقت. وتعلمت في مدارس يابانية عامة قبل أن ألتحق بالجامعة في عام 1961. درست اللغة اليابانية واللغة الإنجليزية فقط.
 من أين جاءت فكرة دراسة اللغة العربية ؟ هل كنت تريد تحدي نفسك في لغة جديدة؟
دخول الجامعة كان صدفة بحتة، فقد خططت أن أدرس الأدب الياباني أو الأدب الألماني علي أقصي تقدير. لكنني عدلت رأيي عندما عرفت أن جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية ستفتح باب الدراسة في قسم جديد هو قسم اللغة العربية. لا أعرف لماذا تحول اهتمامي سريعًا إلي هذا القسم الوليد. أدرك الآن أنني استفدت جدًا من البداية مع أول دفعة، كما أدرك سبب الصعوبات التي واجهتها. طبعًا كانت الصعوبات راجعة إلي قلة خبرة المدرسين ، وكانوا باحثين في جامعات أخري قبل أن ينتقلوا إلي هذا القسم الوليد، وليس عندهم خبرة في التدريس. لكنني في أول دفعة ، فحصلت علي فرصة كبيرة جدًا أن أبدأ بلا منافسة وأن أكون الرائد في تخصصي في هذه الجامعة وأن أتحرر من قيود السابقين.
ويجب أن أعلق أنا هنا أن الدراسة كانت أقدم في جامعة أوساكا للدراسات الأجنبية وأن قسم اللغة العربية فيها كان عريقًا وبه عدد من كبار الأساتذة الذي قدموا دراسات مهمة وترجمات مهمة أيضًا للأدب العربي ولكتب التراث العربي المشهورة لكنها كلها تعود إلي التراث ولم تصدر في طبعات تجارية. ويبدو أن الوجود في مدينة غير العاصمة قد حد من فرص نجاح وانتشار هؤلاء الأساتذة. كما أن زمن الحرب صرف انتباه الناس عنهم زمنًا. كان هذا تعليقي الذي لم أطرحه علي الأستاذ نوتاهارا.
سألته عن ذكرياته عن الأساتذة الذين تعلم منهم اللغة العربية في اليابان أو خارجها.
أجاب : قلت لك إن الأساتذة في الجامعة لم يكونوا مفيدين لي جدًا وأنني لم أتعلم منهم كثيرًا، سواء في ذلك الأساتذة اليابانيون أو الأستاذان المصريان اللذين أوفدتهما الحكومة المصرية علي نفقتها لتعليمنا. ويبدو أن الحكومة المصرية كانت غنية لترسل إلينا اثنين في ذلك الوقت.
 فقاطعته : بل إنها كانت تدرك دورها وأهمية تبنيها لهذا العمل. أما الآن فإن اللغة العربية تبدو يتيمة مع غياب دعم الدول العربية للبرامج والمدرسين في مناطق مختلفة من العالم.
فقال: صحيح. لكنني تعلمت كثيرًا عندما سافرت إلي مصر في منحة دراسية للإقامة والدراسة في جامعة القاهرة. كنت وقتها معيدًا في جامعتي وسمحوا لي بالسفر سنة. وفي نهايتها طلبت المد فوافقوا، ثم طلبت مدًا إضافيا فغضب أساتذة القسم ورفضوا وأصروا علي الرفض فتوقف مرتبي كما كانت المنحة قد انتهت وعشت شهورًا صعبة. لكنني اكتسبت سمعة طيبة مع الباحثين اليابانيين الذين زاروا مصر فتحسنت صورتي وبقيت وظيفتي في انتظاري. خلال تلك المدة، تعلمت كثيرًا من رؤوف عباس الذي كان يدرس التاريخ في جامعة القاهرة. كان الأستاذ رؤوف يزورني يوم الأحد من كل أسبوع لندرس معًا. كما تعلمت من الناس في رقرية الصحافة التي زرتها وأقمت بها لأتقن الفروق بين الفصحي والعامية حيث كنت بصدد ترجمة عمل كبير يعتمد كثيرًا علي اللغة واختلاف مستويات اللغة، وأقصد رواية "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي . وبعد عودتي إلي اليابان أصبحت قادرًا علي الاستفادة من الأساتذة الأجانب الذين جاءوا للتدريس في جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية. وأذكر منهم الأستاذ علي السمني والأستاذ شرف وهما من مصر، كما أذكر السوريين الذين تعلمت منهم وشاركت في اختيارهم بنفسي. وكنت أدعم الاختيار للشعراء من بينهم لقدرتهم علي الإحساس بالتفاصيل الدقيقة للغة. وطبعًا كانت هذه ميزة لنا نحن المدرسين أكثر من الطلاب.
ما الأعمال التي قمت بترجمتها؟ كيف اخترتها؟ وهل تدخل أحد في اختيارك؟ هل طلب منك ناشر أن تترجم شيئًا بعينه؟
 كل الأعمال اخترتها بنفسي وبما يتفق مع ذوقي الخاص وما أريد أن أقدمه للقارئ الياباني . تعرف أن الأدب العربي متنوع جدًا لكنني كنت أبحث فيه عن نصوص ممتعة ذات ذوق أدبي مميز وتحمل قيمة ورسالة إنسانية حقيقية. طبعًا لم يطلب مني أي ناشر أن أترجم شيئًا إلا فيما يتعلق بكتب الأطفال، فقد طلب مني ناشر أن أترجم كتابًا عن ألف ليلة وليلة يصلح للأطفال، فبحثت وبحثت ثم اكتشفت أنني لا أستطيع أن أختار للأطفال إلا نفس الأعمال المشهورة بينهم مثلا قصة علاء الدين أو السندباد . أما باقي القصص فلا تناسب الأطفال. وبالمناسبة فقد نشرت ترجمة أخري لكتاب كان عنوانه "لكي لا تموت الأسماك" وهو كتاب مصور عن قصة مصطفي عبد الله ورسومات حلمي التوني. كان هذا الكتاب من اختياري وكانت الروايات أيضًا من اختياري. وكنت أبحث عن إعجاب ولو قارئ واحد بما أترجم.
 كيف كانت البداية؟
جاءت البداية بالصدفة البحتة. خلال زيارة أحد الباحثين لغسان كنفاني ، تحدث معه وعند الانصراف أعطاه كنفاني بعض أعماله، فقرأت كتابه »‬عائد إلي حيفا» عند لقائي بهذا الباحث وأدهشتني لغته وأفكاره العميقة التي فتحت أمامي عالمًا مجهولًا يتصل بالقضية الفلسطينية. أحسست يومها أنني يجب أن أترجم هذا الكتاب للتعلم وللفهم خصوصًا وأننا كنا أسري الصورة الأوربية والأمريكية حتي ذلك الوقت. كانت ترجمة هذه الرواية فاتحة خير كبير في حياتي . طُبعت الرواية عدة مرات. أشعر بالأسف أن كنفاني رحل قبل نشرها. لها خمس طبعات منذ صدورها لأول مرة في سبعينيات القرن الماضي، ومن بين هذه الطبعات طبعة شعبية، وهذا لا يحدث إلا عند تحقيق نجاح تجاري كبير بين القراء في اليابان.
وماذا عن المحطة الثانية؟
 كانت المحطة الثانية والكبيرة والصعبة مع رواية»‬الأرضي. فهي رواية كبيرة الحجم ومتعددة المستويات اللغوية وفيها صراع كبير من ناحية اللغة. وكانت مشكلة المستويات اللغوية في هذه الرواية من المشكلات التي أرقتني. تعرف أنني طبعًا لم أجد كثيرًا من المفردات التي بحثت عنها في القواميس فصرت أبحث عنها في مصادر أخري منها سؤال الأصدقاء من المثقفين والقراء . وأخيرًا انتهي بي الأمر في قرية الصحافة بالشرقية للإقامة في بيت العمدة حتي أفهم حقيقة تلك اللغة. وكان قرار انتقالي إلي القرية قد صدر من حارس الفندق في جاردن سيتي بعد مداولات مع الأستاذ رؤوف عباس. لكنني انتهيت من الرواية علي خير ولها طبعتان : واحدة في 1979 والثانية في 1988. (وقد أهداني نسخة من الطبعة الثانية)
سألته عن استخدام القواميس.
 فقال: كانت مشكلة كبيرة بالنسبة لي فليس هناك قاموس يستطيع حل مشكلة المترجم. القواميس العربية توقفت عند مرحلة مبكرة من التاريخ. والقاموس المشهور هو "هانز فير" وهو لا يشفي الغليل. لم أجد فيه كثيرًا من الكلمات ولا يشرح الفروق في الاستخدام. أما القواميس اليابانية فهي بدائية جدًا ولا تساعدني. كان الحل مبنيا علي استخدام قاموس عربي إنجليزي ثم قاموس إنجليزي ياباني. وبعد كل هذا يصعب أن تحدد المعني ، فاتبعت أسلوب البحث عن دليل لغوي يرشدني من الناس الذين أثق بهم . ولكني أحيانا لم أكن أجد ضالتي . وكان الحل الثالث هو المعايشة في البيئة. لهذا سكنت في مختلف البيئات التي تتفق مع عالم الروايات التي قرأتها وترجمتها. سكنت في الحضر وفي الريف وفي البادية. وكتبت عن البادية كتابًا أحبه جدًا . هذا الكتاب ثمرة جهدي وخبرتي مع البادية وأدبها واسمه »‬أدب البداوة». وكنت قد زرت دار نشر وتحدثت عن أدب البادية مع بعض الأدباء اليابانيين لكنهم لم يبدوا اهتمامًا، أما الناشر فقد تحمس لفكرة الكتاب ونشره رغم أنه يعرف أن الكتاب لن يحقق له عائدًا . لكن الناشرين في اليابان لهم حس أدبي وفني خاص وأحيانًا يتحولون من العمل في النشر إلي احتراف الكتابة.
خلال إقامتك في العالم العربي، كيف ناداك الناس؟
في مصر قالوا لي »‬يا خواجه»، أما في بادية الشام فقالوا لي »‬يا ميستير» وليس ميستر. لا أدري ما السبب في هذا النطق الخاص. لكنني لا أتذكر لقبا خاصًا في المغرب.
سألته: هل تستطيع أن تخبرني بما يفضله اليابانيون في الأدب العربي؟
قال: ما زالت معرفتهم بالأدب العربي في البداية وعلينا أن نقدم لهم نصوص الأدب العربي الجيدة ، ولكن الطريق صعب لأن تقدم مستوي الترجمة وتحسن جودتها وزيادة دقتها أمر مرتبط بالتاريخ والاستمرارية، فالأدب الروسي أو الفرنسي أو الإنجليزي المترجم إلي اليابانية يأتي الآن في وضع مميز مع توالي الأجيال التي توفرت علي ترجمته وسهلت الطريق. علي العكس، الأدب العربي يحتاج إلي أجيال تالية من المترجمين يتعلمون منا ثم يطورون أسلوبهم ومعارفهم فيتحقق النجاح والانتشار. قلت لك أنا محظوظ وسيئ الحظ في وقت واحد: فأنا رائد بالمعني الإيجابي والسلبي معًا. وهناك شباب نابغون بدأوا الطريق منذ سنوات ويمكنهم أن يحققوا المزيد والمزيد في السنوات القادمة . عندك مثلاً »‬أوكا ماري» و»‬ياماموتو كاورو» وهما اثنتان من تلاميذي، وعندك أيضًا »‬موري» الذي أسميه ترجمان، هو موهوب جدًا رغم أنه لم يجد عملاً مستقرًا يناسب مهاراته حتي الآن.

 كيف تري وضع نجيب محفوظ في اليابان؟
نجيب محفوظ اسم كبير ، وإنتاجه الروائي ضخم، لكنه لم يجد مكانه اللائق به في اليابان. كنا نتوقع له مكانًا أكبر في اليابان بين القراء. لكن في الحقيقة خاب أملنا . صحيح أن اسمه معروف ، لكن كتبه لم تترجم كثيرًا إلي اللغة اليابانية. وربما كان من ترجم له يعرف اللغة العربية لكنه لا يحسن الأسلوب الياباني المناسب الذي يمكن أن يجذب القراء. أنا شخصيًا لم أقم بترجمة نجيب محفوظ.
كيف تقيم تجربتك الطويلة مع اللغة العربية، دراسة وتدريسًا وترجمة؟
تجربتي قصيرة وربما غير مهمة . كل ما أفكر فيه أنني كنت رائدًا بالمعنيين السلبي والإيجابي كما قلت من قبل. خلال هذه التجربة قمت بالعمل الذي أحبه بصورة ترضيني إلي حد ما، لكنني أعترف أنني ارتكبت الأخطاء الفادحة. لم أكن أستطيع فهم بعض العبارات، وكان عليَّ بذل المزيد من الجهد. لكنني قلت كلمتي بكل إخلاص فيما كتبت وفيما ترجمت.

سألته: لماذا توقفت عن العمل والبحث في اللغة العربية قبل 15 عامًا؟
قال: المسألة ببساطة أنني بلغت سن التقاعد في اليابان ، (كان سن التقاعد في ذلك الوقت 63 سنة، لكنه صار الآن 65، وفي طريقه إلي الارتفاع إلي سن السبعين). عند وصولي لسن التقاعد ورأيت أن من الواجب أن أترك المكان والحياة التي عشتها وأن أفكر في حياة جديدة وبتحديات جديدة. وفي نفس الوقت، يجب أن أترك السبيل لمن يأتون بعدي، وأريدهم أن يأتوا بسرعة وأن يحققوا الخطوات الناجحة المنتظرة منهم.
جئت إلي هنا في أرخبيل جوتو الذي يبعد أكثر من ألف كيلومتر عن طوكيو لكي أعيش بعيدًا عن الناس الذين تعتصرهم المدينة الكبيرة. اخترت الأرض وبنيت عليها بيتًا يناسبني أنا وزوجتي. وقد وضعت في البيت ما أحب من الصور التي حملتها من مصر، صور رسمها محيي الدين اللباد وحلمي التوني وشلبية التي ربطتني بها وبزوجها علاقات صداقة طويلة. أنا أحيط نفسي بالطبيعة الجميلة وأتعايش معها بلا جيران. أقضي وقتي في تحديات جديدة فأتعلم اللغة الفرنسية وأقرأ بها كثيرًا . كما أنني تعلمت قيادة المراكب والصيد. أتسلق الجبل ثلاثمائة مرة في السنة تقريبًا. أقرأ الروايات وأشاهد الأفلام لكي أهرب من حياتي إلي حياة الناس، منذ رحيل زوجتي.
سألته عن كتابه الشهير »‬ العرب وجهة نظر يابانية » وعما قاله فيه.
فقال: هذا الكتاب أعتز به كثيرًا ومتمسك بكل ما قلته فيه. كنت أعرف أنك ستسألني عنه وأنني إذا عدت إلي عالمي القديم فمن المتوقع أن يسألني الناس عن تفاصيله، فعدت إلي قراءته قبل وصولك إلي هنا. طبعًا تعرف كم كان صعبًا علي ياباني مثلي أن يعبر عن نفسه باللغة العربية. وقد حصلت علي مساعدة كبيرة من صديقي وزميلي في العمل وفيق خنسة في الوصول بالكتاب إلي هذه الصورة. كما أحب أن أقول لك إن الكتاب تعرض لتشويه كبير علي يد ناشر لا يحترم عمله ولا يحترم من ينشر لهم. لقد أعطيت هذا الكتاب إلي كل من دار ابن سينا في باريس وإلي منشورات الجمل في ألمانيا. وسمعت ردًا إيجابيا من دار ابن سينا، وكنت أنتظر أن أسمع ردًا من دار الجمل وخصوصًا من خالد المعالي، لكنه لم يرد. وبعد سنوات، وجدت اتصالاً من الأستاذ إيكيدا وهو أستاذ كبير في جامعة أوساكا للدراسات الأجنبية (عمل الأستاذ إيكيدا في قسم اللغة العربية بجامعة أوساكا للدراسات الأجنبية وتولي في تلك الجامعة عدة مناصب كان آخرها منصب رئيس الجامعة، وهو مترجم مرموق وصبور ترجم الكثير من نصوص التراث العربي، واشترك في ترجمة للقرآن الكريم وما زال ينشر ترجماته للمفضليات)، خلال الاتصال أبلغني الأستاذ أكيدا أنه زار معرضًا للكتب فأوقفه شخص وسأله إن كان يابانيًا فرد بنعم. فسأله الرجل إن كان يعرفني، فقال إنه يعرف اسمي. فطلب منه ذلك الرجل أن يحمل لي ثلاث نسخ من كتابي. هل تصدق أن تصلني نسخ كتابي بالصدفة ومع شخص بعيد عني كثيرًا، وبدون سابق ترتيب؟! ليس هذا كل شيء، فقد فوجئت عندما أمسك الكتاب أنه غير العنوان. كان العنوان الذي اخترته للكتاب هو "رحلة البحث عن الأشياء المفقودة" فقرر الناشر من تلقاء نفسه أن يغير العنوان. ونشر كتابي دون علمي ودون اتصال معي ودون توقيع عقد.
أخبرته أن كتابه من أفضل الكتب مبيعًا في العالم العربي لسنوات طوال منذ نشره حتي الآن.
فلم يعلق بغير ابتسامة. قال إنه يسعده أن تصل أفكاره للناس في كل عمل يقوم به. وقال إنه يريد أن يري نوعًا من العقاب للناشر علي سوء تصرفه وإن كان يعتقد أن هذا لا يتوقع حدوثه في عالم غاب فيه العدل. قال : لو كان هذا الرجل في اليابان لاستطعت أن أحاسبه بشكل قانوني لائق وعادل، لكنه ليس هنا. كما أنني لا يهمني كثيرًا الجانب المادي من المشكلة قدر ما يهمني الجانب المعنوي . كنت أحب أن نتحدث وأن نتأكد من تفاصيل العمل وشكله معًا قبل أن يصدر الكتاب.