رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

في الاحتفال بيومها العالمي .. اللغة العربية تندثر عام 2050


د. حسن الشافعي

د. حسن الشافعي

مني نور
1/5/2019 10:43:35 AM

في احتفالاتهم العديدة باليوم العالمي للغة العربية، فشل أهل الاختصاص في إخراج اللغة من عثرتها، فما كان منهم إلا أن طالبوا القيادة السياسية باتخاذ قرار سيادي في هذا الشأن.
وكان من بين هذه الفعاليات، احتفالية نظمها معهد المخطوطات العربية بمعهد البحوث والدراسات العربية، بعنوان »العربية والشباب»‬ قصد بها د.فيصل الحفيان مدير المعهد، طرح أسئلة حول زمن الصورة والتواصل وقد جاءت هذه الاحتفالية بشكل خاص، أراد القائمون عليها طرح المشكلة والمعالجة والحل، ولا شك أن التناول كان مختلفا، وإن كانت النتيجة واحدة.

في البداية أوضح د.الحفيان، أننا نعيش زمن التواصل الافتراضي المعلب، وفي زحام الصورة الخادعة والتواصل المزيف، يضيع الحرف والصوت اللذان يتسمان بالهدوء ويرتبطان بالعقل والمعرفة، لا أريد القول بأن الصورة والتواصل شر خالص، ولا ننسي أن لغة العين لا تلبي حاجة الإنسان ولا تحرك عقله ولا تسكن روحه.
ولفت إلي أن هذا اللقاء من أجل الحرف والصوت، صوت لغتنا العربية الشريفة، شرف القرآن، الشاعرة شعر المتنبي، والشجاعة شجاعة ابن جني.
ووضع د.الحفيان يده علي الخطر، حيث أخذت التقنية الحديثة شبابنا من لغتهم، وتجلي ذلك في الإسراف في استخدام الصورة بدلا من الحرف، وفي استعارة حروف غريبة للغات أخري لتحل محل لغتنا العربية، كنا بالأمس نخاف علي العربية من العاميات، أما اليوم فإن الخطر أصبح أكبر، خطر الازدواجية اللغوية، وخطر ازدواج الحرف.
ولفت د.الحفيان أنه لابد أن يتلو سؤال المكاشفة سؤال التشخيص وهذا ما سيقوم به عدد من المثقفين والإعلاميين الغيورين علي العربية، مؤكدا أن مأزق العربية هو مأزق الشباب، لكن المأزق لا يتحمل وزره الشباب ولا تنوء به لغتنا المصنفة ضمن أرقي اللغات المتصرفة. إن المسئولية الكبري والحقة هي مسئوليتنا نحن تجاه هؤلاء الشباب.
وطرح د.الحفيان سؤالين، الأول خاص بالأستاذ في قاعة الدرس، أين العربية علي لسانه، والسؤال الآخر الأخطر موجه إلي الإعلام الشارد الذي هجر العربية، وخاصمها بل تبرأ منها!
واختتم د.الحفيان، بعد المكاشفة والتشخيص، يأتي السؤال عن مستقبل العربية، ومستقبل الشباب في آن، وهنا يكون الاستكشاف الذي يقوم عليه أعضاء المجامع اللغوية، ونسألهم ماذا فعلتم للعربية؟ مؤكدا أن لغتنا فضاء مفتوح لا يمكن حبسه وراء أسوار المجمع، وداخل قاعات الدرس، وأن إصدار قانون خاص باللغة العربية لن يكفي لحماية عربيتنا، فما الذي يضمن لنا عدم اختراقه، وكم قانون صدر للعربية من قبل، وظل حبرا علي ورق.
وقد تلا الطرح الذي قدمه د.الحفيان عرض فيلم تخيلي عن العربية عام 2050، مدته أربع دقائق، تم فيه استشراف مستقبل العربية بمستواها الحالي، وكيف أن مصيرها الي الاندثار بعدم استخدام حروفها الأصلية.
بعد ذلك قدم الدكتور شريف شاهين وكيل كلية الآداب، جامعة القاهرة لشئون التعليم والطلاب عرضا مستفيضا عن اللغة العربية والشباب، وأزمة القراءة، والكتابة والعيش بحروف حياة أخري، مشيرا الي علاقة الشباب بالعربية، وكيف أنها غريبة في دارها، بعد أن صار هناك غزو من اللغة الانجليزية لجميع مناحي الحياة وحتي يأتي يوم يطالب فيه الشباب بإلغاء التدريس بها نتيجة مجموعة من الأفكار الخاطئة لديهم - عن طرق تعليم اللغتين العربية والانجليزية، وسبل الاستفادة منها في سوق العمل.
وأكد د.شاهين أن الجيل الحالي لا يشبه مجتمعه، وأننا نعيش في عصر التكنولوجيا وهذه التكنولوجيات ليست بالتأكيد باللغة العربية، وحتي باعتراف علمائها، أن لغتنا عاجزة عن تدوين العلوم الحديثة، مشيرا إلي وجود اختلافات جذرية بين الجيل الحالي والأجيال التي سبقته.
وقال د.شاهين بضرورة الدمج بين الحروف العربية أو الأجنبية ضرورة فرضتها التكنولوجيا، البداية كانت مع غرف الدردشة الإلكترونية التي راجت كثيرا خلال فترة التسعينات، والتي كانت بنظام »‬يونكس» الذي لم يكن يتيح الكتابة إلا بالحروف اللاتينية، حينها تم ابتكار كتابة العربية بالحروف اللاتينية ومنح كل حرف أو رقم دلالة لحرف عربي.
ثم تناول سياسة التعليم والتي تنحصر في المناهج، ودور المدرسة، وإعداد المعلم والمكتبة، والكتب، والكتب المساعدة، والمجتمع.
مشيرا الي أن استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامل بارز في خلق كلمات جديدة من قبل الشباب، وأن الشباب يميل الي تكوين مفردات جديدة لإثبات وجودهم، وتأكيد استقلاليتهم وخصوصياتهم.
وفي النهاية قال د.شريف: علينا الاعتراف بأننا جزء من العالم نؤثر ونتأثر به.
وجاءت مشاركة الإعلامي جمال الشاعر، ممثلا للإعلام فقال إن الإعلام صورة للواقع الذي نعيشه، مشيرا في ذات الوقت إلي كم المذابح اللغوية التي ترتكب فيها،مؤكداً أننا لدينا مشكلة خطيرة متعلقة بازدواجية اللغة، وأننا أمام تحديات أمام الغزو اللاتيني أو العاميات، وأن كبار المثقفين، اتجهوا الي المعادلة الممكنة »‬المزيج بين الفصحي والعامية»، ورد علي سؤال، لماذا يقبل الشباب علي العامية، مجيبا، لأنها مرحة، لطيفة.
وأكد الشاعر أنه لا خوف علي العربية لأنها لغة القرآن، وطالب بعودة الكتاتيب المستحدثة، ووضع مناهج دراسية مستحدثة وجذابة، تكون سهلة وبسيطة، قريبة من الشباب، مع تحديث المناهج في كليات اللغة العربية، ودار العلوم، ونحن لدينا فرصة هائلة من التطور التكنولوجي والانفجار المعرفي، يمكن استغلال هذه الإنجازات في تعليمها.
وعبر الشاعر عن رفضه لاسم »‬مجمع الخالدين» والمقصود به مجمع اللغة العربية وقال إن هذا تكريس للفكر القديم، وتساءل: أين جيل الشباب في أعمال وانجازات المجمع، نحن في فترة شراكة بين الإعلام والأكاديميات وأن يكون المنتج اللغوي لهم متاحا للإعلاميين، ويكون الحضور الإعلامي للغة قويا.
وقال د.وليد كساب إن الحل بوجود اتجاه قومي من الدولة، قانون واحد يحسن صناعته وتطبيقه خير مما نفعله جميعا، ولنا في التجربة السورية أسوة، وأن القرار السيادي هو المفتاح لحل مشكلة العربية.
ورد د.حسن الشافعي علي الاعلامي جمال الشاعر بقوله: إن قضية اللغة العربية، قضية مجتمع وليست قضية مجامع، متهما المجتمع بأنه سبب رئيسي في تدهور اللغة العربية، التي انهارت بين المدرسة والأسرة التي علي رأسها أمهات أميات!!
وتحدث د.محمد العبد، عضو مجمع اللغة العربية، وأستاذ ورئيس قسم العلوم اللغوية بكلية الألسن جامعة عين شمس. عن القوانين الحافظة للغة العربية وسلامتها، مشيرا الي أننا لدينا حتي الآن ما يقرب من عشرة قوانين تهدف إلي حماية اللغة العربية من ممارسات أهلها، ومن أية مؤثرات سلبية داخلية أو خارجية وهي قانون 1888 في عهد ناظر المعارف علي مبارك، وقانون 1893، 1932، 1942، 1958، 1960، 1976، 1982، 2008 الذي نص فيه علي إلزام جميع جهات الدولة بما يصدره مجمع اللغة العربية من قرارات من أجل سلامة العربية، ثم هذا القانون المقترح والذي يتبناه المجمع، وقد انتهي العمل فيه وصياغته عام 2017، وقدم الي مجلس الوزراء تمهيدا لعرضه علي مجلس النواب. وفيه عدد من المواد تجاوز العشر عن تمكين اللغة العربية في جميع مناحي الحياة المعاصرة: التعليمية، العلمية، والإعلامية والممارسات اللغوية للزعماء والقادة ونشر الأسماء العربية للشوارع والميادين والإعلانات ولغة البحث العلمي ونحوها.
واختتم د.العبد إلزام المجتمع بهذا القانون بعد إقراره  وألا يطول انتظار هذا الإقرار حتي نعود إلي نقطة الصفر، مؤكدا أنه لا يعوزنا القوانين فهي بين أيديا، ولكن يعوزنا النظر الي هذا القانون باعتباره مسئولية جماعية.
وطالب د.العبد بأن يقدم الإعلام دورا إيجابيا حقيقيا للترويج لهذا القانون، وبيان أهميته للمجتمع وضرورته في هذه الفترة لمواجهة الاعتداء علي العربية لغة القرآن بجميع صوره، وضرورة احترام هذه اللغة في الأعمال الفنية، والأداء الإعلامي والإبداع الأدبي والبحث العلمي.
وفي مشاركته أكد الزميل عبدالهادي عباس، أن الصحف العربية تراجعت عن كثير من دورها التنويري الذي كانت تقوم به إبان بداياتها، حيث كانت ساحة لمعارك أدبية ألهبت حماس الشباب ودفعتهم للاقتباس من بذور الابداع وتذوق حلاوته، واعترف بأن الصحف - الكبيرة لم تقم بواجبها - كما يجب - نحو التوعية بقضية هوية اللغة العربية ولغة الهوية.
شارحا، إنني أفهم تماما ضرورة العمل علي وصل الشباب بلغتهم الأم، وأن بعض تكلسات النصوص الدراسية تحتاج الي تفكيك وتشريح وإعادة تدوير لرفع القشور والوصول الي لب الجمال اللغوي، وأن هذا هو دور مجمع اللغة العربية في المقام الأول، ثم وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة والأزهر والأوقاف وغيرها من مؤسسات الدولة.