رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

البحث عن إحسان عبد القدوس في مئويته


طارق الطاهر فوتوغرافيا : انتصار محمد
1/5/2019 10:50:32 AM

ما إن وصلت إلي 23 ش الجبلاية بالزمالك، حتي سألت بواب العمارة »هي شقة الأستاذ إحسان عبد القدوس في أي دور؟»‬، علي الفور أجابني »‬الدور العاشر.. شقة 20»، وأشار إلي الأسانسير المواجه للمدخل، وأثناء الصعود تعجبت من سؤالي ومن تلقائية الإجابة، فالموعد بالتأكيد لم يكن مع إحسان، بل مع ابنه محمد ، الذي يعيش في ذات شقة  والده، فهي الآن شقته وأنا ضيفه.
زاد الأمر تعقيدا عندما وجدت لافتة »‬شقة إحسان عبد القدوس» علي الباب، وعندما هممت بوضع يدي علي الجرس، وجدت ذات الاسم، مرة أخري سألت نفسي: هل أنا علي موعد مع إحسان عبد القدوس؟.لا أريد أن أقدم إجابة علي تساؤلي هذا، إلا بعد أن أتجول في شقته، فربما وجدته، وأرشدني عن إجابات تمنيت أن أسمعها منه.

بمجرد أن ابتعدت يدي عن الجرس، فتح لي الباب زميلي الكبير الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس، الذي أنهي ترحيبه بي في ثوان، ليقول لي: أنا لم أحرك شيئا من مكانه منذ غادر والدي الحياة.. كل قطعة تراها في هذا البيت، تعود إلي والدي ووالدتي، لم أغير شيئا سوي بعض الدهانات عندما أري السقف قد تشقق، وحتي هذه بذات اللون الأصلي للشقة.
محمد كان يتكلم وأنا استمع له، بينما غالبية حواسي مشغولة بالبيت، الذي أمضي فيه إحسان قرابة ثلاثين عاما، منهما عشرة أعوام لم يغادره إلا نادرا، كنت مشدودا لتامل تفاصيل المنزل، ولم تعد »‬المكتبة» التي اتفقت مع ابنه علي رؤيتها، هي ما تستهويني في هذه اللحظة، إنما كنت مشغولا في البحث عن صاحب المكتبة وليست المكتبة فقط.
بصراحة إحسان أصبح هو همي أن أراه وأتحدث معه، وربما أتجرأ وأناقشه في تكوينه، الذي جعل منه صحفيا صاحب صولات وجولات، وكذلك أديبا أضاف الكثير للأدب العربي والإنساني، وتذكرت وأنا في بيته حيرتي الشديدة أثناء كتابة مؤلفي» ملحمة الدم والحبر.. »‬الأخبار» دفتر أحوال المصريين في أكتوبر 1973»، عندما اطلعت علي مقال إحسان، الذي نشر في صدر الصفحة الأولي للأخبار بعنوان »‬رفض أي قرار بوقف إطلاق النار» وهو المقال الذي كتبه بحرفية عاليه، وفيه أعلن أنه لا وقف لإطلاق النار مع العدو الإسرائيلي في حرب أكتوبر 1973؛ إحسان أعلن ذلك قبل الرئيس أنور السادات، وقال نصا: »‬إن القتال سيستمر إلي أن يتحقق الوضع الذي لا يطلب القتال.. ومعني هذا أننا نرفض أي مناقشة لوقف إطلاق النار قبل أن تنتهي الأسباب التي تدعو إلي إطلاق النار.. وبالتالي نرفض أي قرار بوقف إطلاق النار حتي لو كان قرارا اتخذه مجلس الأمن، أو اتخذته الأمم المتحدة، أو كان قرارا يتخذ بمسمي الولايات المتحدة بين الدول الكبري الصديقة.. كما يحاول كيسنجر الآن..وأني لأسجل هذا لا تعبيرا عن رأيي ولا مجرد صرخة وطنية، ولكن لأني أعلم أن هذا هو ما تقرر للمعركة» .
كنت أبحث عن إحسان في شقته لأسأله من أين جاء بكل هذه القوة، أن يعلن موقف الدولة الرسمي في حدث جلل وهو »‬حرب أكتوبر»، بالتأكيد نبع ذلك من ثقل ثقافته وتنوعها، ومن قراءته الجيدة للمشهد، الذي أصبح واحدا ممن يديرونه، وليس ناقلا له، فإحسان من الذين ساهموا مع عدد من أبناء جيله في كتابة تاريخ مصر وأحداثه الرئيسية، من هنا عندما بحثت عنه ليجيبني: من أين أتي بجملة من قبيل: »‬ أني أعلم أن هذا هو ما تقرر للمعركة»، وجدت الإجابة في كلمات أنور السادات التي دونها في إهدائه لكتابه »‬البحث عن الذات.. قصة حياتي»، فيكتب صاحب قرار العبور لمن أخبرنا عن الاستمرار في العبور: (للأستاذ إحسان عبد القدوس.. صديق وزميل رحلة طويلة. أنور السادات 30 / 4 / 78 )، هذه الجملة عندما يكتبها رئيس دولة لكاتب، إنما تؤكد علي ثقله وقوته لدي الرئيس والشعب علي حد سواء، هذا الشعب الذي استمتع بأعمال إحسان الروائية، سواء كانت في كتبه أو تحولت لأفلام، بقدر درجة استمتاعه بمقالاته السياسية المدوية.
> > >
بيته مازال يحتفظ بإحسان وتاريخه، للحظات لا تشعر أنك في بيت، إنما في متحف من العيار الثقيل، لوحات لكبار الفنانين، تماثيل وقطع فنية من خارج مصر، ليخبرني محمد أن التمثال الذي توقفت لتأمله طويلا، يعود لأكثر من 105 عاماً، وهو هدية تلقاها والده من جورج أبيض، أثناء زيارته لباريس 1912، أما قطعة القماش المرسوم فيها منمنمات، وهي التي تقابلك بمجرد أن تخطو خطوات قليلة داخل البيت، وتحتل أعلي »‬الكنبة» الرئيسية المعدة لاستقبال الضيوف، فقد اقتناها إحسان أثناء رحلته لكوريا 1987، قبل أن يتعرض لمحنة المرض، في حين جلس علي هذه الكنبة كبار المثقفين والفنانين، ويتذكر محمد الحفلات التي كان يقيمها والده، ويحضرها نجوم المجتمع في كل المجالات: فاتن حمامة، فريد الأطرش، أم كلثوم، صلاح جاهين، جورج البهجوري وغيرهم، ويصمت محمد للحظات كأنه يتذكر حدثا مهما، فيقول: هذا المكان الممتد حتي البلكونة، كان دائما ما يمتلئ بمحبي إحسان، خاصة في 31 ديسمبر من كل عام، حيث يقيم احتفالية عيد ميلاده، الذي يقدمه يوما، فهو رسميا الأول من يناير، لكنه اختار 31 ديسمبر لكي يحضر إليه كل الشخصيات التي تحتفل برأس السنة، ويكون هذا البيت هو المركز الذي يترددون عليه، إما وهم ذاهبون لاحتفاليتهم، أو قادمون منها، ويستمر إحسان وعائلته في استقبالهم طوال الليل.
 هذا البيت »‬المتحف»، بالفعل كل شيئ فيه معد لاستقبال الضيوف، بأثاثه المتفرد الذي مازال يحتفظ برونقه حتي الآن، رغم مرور ما يقرب من المائة عام علي تأثيث »‬حجرة الصالون» فهذا الصالون يعود للعام 1919، وكان ضمن »‬جهاز» أخت زوجة إحسان، وعندما توفيت، انتقل »‬الصالون »‬إلي شقيقتها، ليكون جزءا رئيسيا من المشهد ، الذي حافظ عليه محمد بتركه »‬كل شيئ كما هو»، فحجرة الاستقبال تقودنا إلي البلكونة التي أعدها إحسان بنفسه لتكون ركنا يطل علي النيل، يستقبل فيه الأصدقاء والأحفاد فيما بعد، فهذا الركن يؤرخ بالصور لعلاقته بأحفادة الثلاثة، وبإبنيه وأمهما، وتقودنا »‬البلكونة» مباشرة إلي حجرة السفرة، ذات الكراسي العشر، وهي مجهزة علي الدوام لاستقبال الضيوف، وكان هناك تقليد دائما في هذا المنزل، أن من يجلس علي قمة المائدة هي زوجة إحسان، أما هو فمقعده الكرسي الأول علي اليمين، وهو تقليد داومت عليه الأسرة، سواء كانوا يتناولون الطعام بمفردهم أم في حضور ضيوف، فقناعة إحسان بالمرأة ودورها لم تكن تغيب عنه للحظة، سواء وهو يكتب ليناصرها ويعبر عن همومها في إبداعاته الروائية والقصصية أو في مقالاته، وكذلك في سلوكه الشخصي مع زوجته، فهو لم يكن سوي شخصية واحدة، هذا ما تشعر به وأنت تتجول في هذا البيت، الذي مازال يحمل دفء إحسان، وتاريخه المقترن بتاريخ أسرته، فلا يوجد متر واحد، إلا وتجد نفسك أمام صورة له أو لولدته أو والده، هذه الصور إنما تدل علي مدي تعلقه بهذين الشخصين اللذين أثرا عليه كثيرا، وفي واحد من الكتب التي يحتفظ بها إحسان وسط مكتبته، يروي لنا عن تأثير الوالد عليه، وفي كتاب »‬13 رجلا وصحفية» للكاتبة زينب عفيفي، يقول لها إحسان: أنا ولدت وعشت في جو المسرح.. لأن أبي وأمي كانا من أهل المسرح وكان أبي الأستاذ محمد عبد القدوس يكتب المسرحيات وله مسرحية بعنوان »‬إحسان بك» أي علي اسمي وقد عرضت أو تعمد عرضها في عيد ميلادي، وقامت ببطولتها المرحومة عزيزة أمير. هذا الجو الذي عاشه إحسان تتلمس خطاه في تكوين هذا البيت، الذي يعد وثيقة ليس فقط علي مشوار إحسان، بل علي مسيرة عائلة آمنت بالفن والكتابة وسيلة لتغيير المجتمع.
فالصور تكاد تنطق بتاريخ هذه العائلة، إذ يبدو أن إحسان كان لا يريد فقط أن يوثق لحياته بالكلمة، بل بالصورة – أيضا – فكل مراحل تكوينه وسيرة عائلته، تجدها في كل ركن من أركان هذا البيت، فهناك صورا لوالدته روز اليوسف في مراحل عمرها المختلفة، وكذلك كان يحتفظ إحسان علي يمين مكتبه بركن لصور والدته، ولشهادات حصلت عليها، تشعر أن هذا الركن الذي، هو الحافز الدائم له لاستمرار إبداعاته بتفرده المعهود، وكأنه يتواصل يوميا مع والدته صاحبة السيرة الفنية والصحفية المبدعة، لذا يحتفظ بجانب صورها، بشهادة حصلت عليها لإجادتها التمثيل عام 1926، وجاء فيها: »‬الحكومة المصرية.. وزارة الأشغال العمومية.. لتشجيع التمثيل العربي.. تشهد لجنة التحكيم في التمثيل العربي أن حضرة السيدة روز اليوسف قد تقدمت أمامها للمباراة ونجحت في الدرامه، وحازت الجائزة الممتازة لعام 1926.. تحريرا في 29 مارس 1926» ، وقد وقع علي هذه الشهادة ثلاثة بحكم مناصبهم: رئيس لجنة التمثيل الاستشارية، رئيس لجنة التحكيم وكيل الوزارة، وأخيرا وزير الأشغال العمومية، ولم تكن هذه الشهادة وصور والدته هي ما يحتفظ به إحسان، بل هناك درسا تعلمه منها، وأراد الاحتفاظ به، هذا الدرس عندما سمح للأديب الكبير فتحي غانم أن ينتقد أحد أعماله بقسوة، ونشر ذلك علي صفحات مجلة روز اليوسف، وعندما قرأت والدته هذا المقال، هاجمته بشدة، يحتفظ إحسان بتفاصيل هذا التوبيخ من خلال الكتاب السابق الإشارة إليه، إذ يقول لزينب عفيفي في إجابة عن سؤال حول أين النقد من إبداعاته؟: »‬لقد كنت رئيسا للتحرير ويتعمد النقاد أن ينتقدوا رئيس التحرير هذا حتي يثبتوا أنهم لا يخافون رؤساءهم حتي أيام كنت صاحب روز اليوسف.. أذكر أن فتحي غانم كان قد بدأ معنا.. وكان متخصصا في النقد الأدبي وكتب نقدا عن إحدي قصصي يهاجمني بعنف وقرأت هذا النقد بصفتي رئيس التحرير ورغم ما فيه من هجوم فني عليّ، نشرت له في روز اليوسف، وجاءت يومها والدتي السيدة روز اليوسف وتشاجرت معي.. وصرخت في وجهي كيف تسمح بنشر هجوم عليك في مجلتك، ورغم هذا فهذه طبيعتي حتي اليوم وهو أن اضع حرية الرأي فوق كل شيئ».
> > >
في ذات اللحظة التي قرأت فيها عبارته الأخيرة »‬أن أضع حرية الرأي فوق كل شيئ» ، أثناء وجودي في حجرة مكتبه، لفت نظري »‬كوز نحاسي» موضوع علي منضدة واقعة علي يمين المكتبة، فذهبت لأستطلع ما الذي جعل هذا الكوز ضمن مقتنياته التي يحتفظ بها، ويضعه بجانب تمثالا ضخما له، ويصل ما بين »‬الكوز» و »‬تمثاله» ورقة مكتوبة بخط جميل، ما أن اقتربت لأقرأ ما دون علي هذا »‬الكوز» وقتها أحسست أن إحسان عبد القدوس يرشدني إلي الطريقة التي يجب أن أطلع فيها علي سيرته الذاتية كما دونها هو شخصيا من خلال مقتنياته التي تملأ جنبات البيت والمكتبة.
فقصة هذا  »‬الكوز» تعود لفترة سجنه في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، فقد كتب عليه »‬السجن الحربي 28 إبريل 1954 – 31 يوليو 1954.. زنزانة رقم 19» وفي هذا إشارة إلي سجنه بعد عام ونصف من ثورة 23 يوليو 1952، وقصة هذا السجن أنه كتب مقالا بعنوان »‬الجمعية السرية التي تحكم مصر» وذلك في 22 مارس 1954، وبعد ستة أيام فقط تم حبسه بالسجن الحربي بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، وقضي هناك 95 يوما، ولم تشأ روز اليوسف الكتابة عن سجن ابنها، حتي خرج ليكتب مقاله الشهير »‬95 يوما في السجن»، بدأه بهذه الفقرة »‬هذه حقيقة لم أعد أستطيع السكوت عليها، بعد أن عرفها العالم الخارجي كله، ولعل أصحاب الخطابات الذين لا يزالون يسألونني: أين كنت؟ لعلهم يستريحون الآن، وقد قضيت في السجن خمسة وتسعين يوما متهما – وزميلي الأستاذ إسماعيل الحبروك – بأخطر تهمة يمكن أن يتعرض لها مواطن تهمة العمل علي قلب نظام الحكم»، وقد عبر في هذا المقال عن شعوره الرافض لهذه التهمة، وعن القلق النفسي الذي عاشه في الزنزانة رقم 19:  »‬أخفيت صورة أولادي التي كنت أحملها فوق صدري، وأخفيت الكتب التي سمح لي بها، أخفيتها تحت السرير، أخفيت ساعتي حتي لا تشعرني بالزمن الذي يمر بي».
ولم يكن هذا »‬الكوز» وحده الذي يعود لمرحلة سجن إحسان، وإنما الورقة الممتدة ما بين »‬الكوز» و »‬تمثاله» ، و ما هي إلا قصيدة كتبها أحد زملاء إحسان في السجن، وهو الشاعر والكاتب أحمد فهمي خطاب ( 1915 – 2002 )، وقد سبق أن عمل مع إحسان في روز اليوسف، وهو حاصل علي ليسانس الصحافة بالجامعة الأمريكية، ودبلوم في الصحافة والسياسة والاجتماع، وأسس جريدة الأساس ومجلة النصر، وعمل محررا في جريدة الأهرام، وله قصص ومقالات منشورة في »‬طبيبك الخاص» و »‬مجلة الثقافة العمالية»، تروي هذه القصيدة التي احتفظ بها إحسان في مكتبته قصة سجنه التي تتجاوز الآن الستين عاما، وعنوانها »‬إحسان .. بالبيان حارب الطغيان !! »، أما نص القصيدة التي تضمنت من المعاني ما جعلها جزءا من مقتنيات إحسان: ( عنك.. ماذا يقول يا إحسان/ شاعر.. أدمت قلبه الأحزان/ يا زميلي.. وجار زنزانتي.. في/ المعتقل.. والجريمة.. الإيمان/ بالذي يبتغي لشعب كريم/ من حقوق.. يحيا بها الإنسان/ والبيان سلاحنا.. وسلاح/ الظالمين الأغلال والقضبان / لم تكن.. بل حاربتهم بيراع/ كان أقوي مما افترق البهتان/ واليراع الحر المبين مكين / لم يرعه الفرعون والهامان / فارس باليراع أحرزت نصرا / لم ينله بجيشه الطغيان / بالحروف الوضاء.. ضوأت ليلا / عبثت في إظلامه الغيلان / بالمقالات .. بالروايات.. بالرأي/ سديدا..حاربت يا إحسان / ما خلت ساحة الوعي منك جبنا / أو فررت.. كما يفر جبان / بل صمدت محايها.. دون خوف / بحروف.. كأنها النيران / وبساج الكفاح.. كنت شجاعا / يقيه السلطان والأعوان / وحروف الحق المبين ضياها / ولظاها للظالمين ).
> > >
ولأن بيته شاهد له، فبعد ان انتهيت من مشاهدة ما تبقي من ذكريات السجن والتهمة التي طالته، لم أتعب نفسي كثيرا في أن أثبت براءته بعد كل هذه السنوات، فإحسان لم يضع ورقة ولا صورة ولا رسمة ولا كتابا، هباء، إنما بحسه الروائي وخبراته الصحفية، كان يعرف أنه سيأتي يوما ما صحفي، سيحاول أن يقرأ سيرته من خلال هذه المقتنيات، من هنا حرص علي أن يضع للعيان ما يبرهن علي تناقض هذا النظام معه، فبعد أن وجه له تهمة قلب نظام الحكم، يعود بعد سنوات ليمنحه أكبر وسام للدولة المصرية، ممهورا بتوقيع الرئيس جمال عبد الناصر.
وقفت لأتأمل ما جاء في براءة هذا الوسام من كلمات تعبر عن حقيقة ما يشعر به الوطن تجاه، فهو واحد من أنبغ أبنائه: »‬بسم الله الرحمن الرحيم. من جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة إلي الأستاذ إحسان عبد القدوس رئيس مجلس إدارة مجلة روز اليوسف. تقديرا لحميد صفاتكم وجليل ما قدمتم للصحافة قد منحناكم وسام الاستحقاق من الطبقة الأولي وأمرنا بإصدار هذه البراءة. تحريرا بقصر الجمهورية بالقاهرة في اليوم الثامن عشر من شهر رجب لسنة ألف وثلاثمائة واثنتين وثمانين من هجرة خاتم المرسلين.. جمال عبد الناصر».
لم تكن هذه هي الشهادة الوحيدة، التي تعبر عن تفرد إحسان عبدالقدوس ومنزلته وسط جيله والأجيال المتعاقبة، باعتباره واحدا من الرموز الصحافة والأدب، فالبيت بمثابة أرشيف يذكرنا ونحن في مئوية ميلاد إحسان عبد القدوس ( 1 يناير 1919 - ١٢ يناير 1990 ) بتفرد هذه الموهبة وتعدد مجالات العطاء، وقد جاءت إليه شهادات التقدير والأوسمة غزيرة بغزارة عطائه، توقفت طويلا أمام هذه الشهادات، باعتبارها تشكل ملمحا أساسيا من ملامح سيرته، ملمح حرص إحسان عبد القدوس علي أن يبرزه في مختلف أرجاء البيت، وليس فقط في حجرة مكتبه ومكتبته، لذا أخذت وقتا طويلا وأنا أتأمل مشواره من خلال الإقرار بمساهماته البارزة، التي جعلت جهات عديدة داخل وخارج الوطن تسعي إلي تكريمه، وقد أضاف إليها ابنه محمد كافة الشهادات والتكريمات التي حصل عليها إحسان بعد الرحيل، ليكتمل المشهد، ومن ذلك فوزه بجائزة الدولة التقديرية، وبراءة هذا الفوز: »‬جمهورية مصر العربية..المجلس الأعلي للثقافة.. جائزة الدولة.. نال اسم المرحوم الأستاذ إحسان عبد القدوس جائزة الدولة التقديرية في الآداب لعام 1410 الهجري، 1989 الميلادي.. رئيس المجلس فاروق حسني»، وتبع ذلك حصوله علي وسام رئاسي آخر، هذه المرة من الرئيس الأسبق حسني مبارك ورد فيه: »‬محمد حسني مبارك رئيس جمهورية العربية إلي أسرة المرحوم إحسان عبد القدوس تقديرا لما اتصف به المرحوم فقيدكم من حميد الصفات وما قدمه للدولة من جليل الخدمات قد منحناه وسام الجمهورية من الطبقة الأولي. وأمرنا بإصدار هذه البراءة إيذانا بذلك تحرير بالقصر الجمهوري بالقاهرة في اليوم السابع من شهر ذي القعدة لسنة ألف وأربعمائة وعشر من هجرة خاتم المرسلين.. 31 مايو 1990».
وبتوقيع صديقه سعد الدين وهبة يحتفظ إحسان بشهادة تكريمه: »‬في عيد السينما الأول أكتوبر 1982 قرر مجلس نقابة المهن السينمائية بجلسته المنعقدة يوم الثلاثاء الموافق 12 / 10 / 1982 إهداء السيد الأستاذ إحسان عبد القدوس ميدالية طلعت حرب في خدمة السينما المصرية.. نقيب المهن السينمائية سعد الدين وهبة»، وفي ذات العام يكرمه اتحاد الإذاعة والتليفزيون: »‬شهادة تقدير.. يسعد اتحاد الإذاعة والتليفزيون أن يهديها إلي الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس عن تأليف قصص »‬مايوه بنت الأسطي محمود، ودمي ودموعي وابتسامتي، واستقالة عالمة ذرة»، القاهرة في 25 فبراير سنة 1982.. رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون حسن عنان.. وزير الدولة للإعلام صفوت الشريف»، ومن واحدة من أعرق الكليات المصرية ينال إحسان عبد القدوس تكريما من جمعية خريجيها تكريما لعطائه في مجال الدراما: »‬جمعية خريجي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. شهادة تقدير.. يسعد مجلس إدارة جمعية خريجي كلية الاقتصاد والعلوم والسياسية أن يهدي هذه الشهادة إلي السيد الأستاذ الكبير إحسان عبد القدوس لإضافتكم الممتازة في الدراما التليفزيونية المستمدة من الأعمال الأدبية. مع أطيب التمنيات بمزيد من الامتياز في خدمة الوطن. تحريرا في 14 / 11 / 1983. رئيس مجلس الإدارة مصطفي كمال أحمد».
وفي العيد الخامس والعشرين لتأسيسها تكرمه منظمة الصحفيين الدوليين، بإعطائه ميدالية المنظمة، وشهادة البراءة المدونة باللغة الفرنسية، وجاء في حيثيات المنح أنها »‬لجهوده في مجال المعلومات والتعاون الدولي بين الصحفيين» بتوقيع رئيس المنظمة جون موريس هرمان، السكرتير العام جيري كوبكا..براغ في 25 أكتوبر 1971.
> > >
لم تكن فقط »‬السلطة» هي التي رأت تفرد إحسان وتميزه، من خلال الأوسمة وشهادات التقدير التي أصبحت جزءا هاما من تقييم مسيرته ومشواره، بل – أيضا - جيله من الفنانين والمبدعين، الذين ينظرون إليه باعتباره صاحب موهبة استثنائية، ولم يترددوا في أي لحظة، حتي في الأوقات التي انقلبت فيها السلطة عليه  وسجنته، في أن يرونه طوال الوقت رمزا للحرية، وقد اعتبر إحسان ما سجله عدد من الفنانين التشكيليين جزءا من سيرته، فحرص علي الاحتفاظ بها، وما يؤكد وعيه التام بقيمة هذا الجزء في التأريخ لحياته، ما كتبه هو شخصيا في كتابه »‬أيام شبابي» في مقالته التي حملت عنوان »‬الرقص والشخصية» ومما جاء فيها: »‬ما هو الفن؟ إنه تعبير عن معني. وكل ما يثيرك ويؤثر فيك من الفن هو معناه، ولا يوجد فن بلا معني، ولا توجد موسيقي بلا معني، ولا أدب بلا معني، ولا رقص بلا معني.. وقد يكون معني وضعيا، أو معني تعبيريا..أو معني واقعيا أو معني رمزيا.. ولكن هناك دائما معني لكل فن» ، انطلاقا من هذه الفلسفة، احتفظ برسومات كثيرة من فنانين تعبر عن رؤيتهم له، فقبل أن تدخل مباشرة لغرفة مكتبه، لابد أن تمر علي إحسان بريشة فنانين موهوبين، كان يكفيه واحد منهم فقط، لكي يرضي نفسه، بأنه بالفعل متفرد وموهوب، فما بالنا بهذا الكم، الذي هو أشبه بمعرض فني دائم في منزله، فيرسمه الفذ صلاح جاهين علي هيئة الكاتب المصري، ويكتب له: (الكاتب المصري صحي شعبنا النعسان، وعلمه كلمة »‬الحرية» و »‬الإنسان» وكلمة »‬الثورة» أهداها لكل إنسان. عاشت بلادنا وعاش الكاتب المصري وعشت للشعب كاتب مصري يا إحسان .. صلاح جاهين.. 24 / 8 / 1955)، فهذه الكلمات التي تؤكد علي قيمة كتابات إحسان في المجتمع المصري، تأتي بعد أشهر قليلة من خروجه من السجن، ولعل أهميتها أنها من فنان أحبه الشعب، وأصبحت رسوماته وأشعاره جزءا من الضمير العام.
وقبل صلاح جاهين بسنوات يرسمه الفنان الكبير طوغان، ويكتب في ذات الوقت ما يشعر به اتجاه صاحب البيت، (أهديتني الوفاء يا إحسان، فلتكن هديتي إليك »‬أنت».. طوغان 26 / 11 / 1948)، ويقصد بـ »‬أنت» الصورة التي رسمها له وقدرها إحسان تقديرا كبيرا، وجعلها واحدة من مقتنياته الراوية لصفاته في الوفاء لأصدقائه، وأعتقد أن هذا الوفاء يمتد ليشمل الوفاء لمعتقداته ولمفهوم الحرية لديه.
ومن بين الرسوم التي توقفت عندها، وأنا في طريقي إلي مكتبته، ما رسمه الفنان الكبير حجازي، الذي أبدعه وهو جالس وحوله حروف الأبجية العربية، باعتباره واحدا ممن أحسنوا استخراج ما فيها، واستطاع تطويعها لخياله وسحره، ولم يكتف حجازي بهذا البعد الرمزي، بل كتب عددا من أعماله بتعبيرات رسمها علي وجوه فتيات، كل واحدة أشارت لعمل من أعمال إحسان: »‬النظارة السوداء، أين عمري، أنا حرة، الوسادة الخالية، الطريق المسدود، شيئ في صدري، لا أنام، في بيتنا رجل، لا تطفئ الشمس، قلبي وعقلي، البنات والصيف، الخيط الرفيع، بائع الحب، الله محبة، زوجة أحمد» ، ومن الأعمال الفنية المتواجدة بجانب لوحات صلاح جاهين وحجازي، أعمال للفنانين: ناجي، زهدي، جورج البهجوري، رجائي، عبد السميع، وهذه اللوحات جميعها تعود للفترة من الأربعينيات وحتي 1962، لذا قسمها إحسان إلي قسمين، علي اليسار اللوحات التي تنتمي للفترة الزمنية قبل 52، أي رسمت له في العصر الملكي، والثانية من 52 حتي 62.
> > >
ما إن انتهيت من هذا الممر الفني، الذي هو أشبه بمتحف صغير للفن الحديث، حتي وجدت نفسي أمام الكنز الذي كنت أبتغيه وأبحث عنه، مكتبة ومكتب إحسان عبد القدوس، هنا وقف محمد علي المدخل ليقول لي : »‬أنت هنا في الصومعة» وبسرعة أضاف : »‬هذا هو المكان الذي كتب فيه والدي كل أعماله التي نشرت بدءا من 1960 وحتي رحيله.. هذا المكان الذي كان يشعل دائما بالأضواء في الليالي.. فمنذ أن خرج والدي من »‬بيته »‬روز اليوسف، لم يعد يكتب إلا في بيته أعماله الإبداعية، حتي عندما التحق بالعمل في الأخبار ثم الأهرام.. كان يفرغ نفسه في لصباح للكتابة الصحفية هناك.. أما إبداعاته فكان لا يكتبها إلا هنا.. في بيته» .
هذه الصومعة التي وقفت علي بابها لأول مرة، كنت تخيلتها من قبل، وأنا أقرأ كتابه »‬أيام شبابي»، لاسيما مقالته التي حملت عنوان »‬النوم والموت» ، والتي وصف فيها كيف أنه يقرأ في كل المعارف: »‬وأضيء النور وأقرأ.. وبجانب فراشي دائما كل أنواع الكتب.. كتب في السياسة.. وكتب في الأدب.. وكتب ثمينة وكتب رخيصة وكتب بيضاء وكتب صفراء، وأظل أقرأ حتي تضيق عيناي وتعجزا عن التقاط السطور فأطفئ النور وأحاول أن أنام فلا أنام»، بحثت عن هذه الكتب ، وتساءلت قبل لحظات من دخول مكتبته، ياتري ماذا تضم؟، وفي هذه اللحظة تذكرت ـ أيضا ـ ما قاله للكاتبة الصحفية زينب عفيفي في كتابها »‬صحفية و13 رجلا» وهو الكتاب الذي اطلعت عليه منذ سنوات، ووجدته محتفظا به في مكتبته – كما سبق أن أشرت – إذ إنني كنت متوقفا قبل هذه الزيارة عند ما ذكره عن فكرة الإهداءات ونصيحة طه حسين له، التي جعلته قليلا جدا في كتابة أي إهداء، لذا تساءلت هل يحتفظ إحسان بإهداءات تساعدني في رسم مشهد سيرته الذاتية التي أبدع فيها الفنانين التشكيليين رسما وكتابة، فماذا عن أبناء مهنته؟!.
وقبل ان أجيب استعرض ما ذكره إحسان لزينب عفيفي عن فكرة الإهداءات : »‬لم أتعود أن أهدي كتبي إلي أي ناقد إلا بعد أن يطلبه هو شخصيا مني.. لأني أنا شخصيا يصلني كثير من الكتب المهداة ولا أجد وقتا لقراءتها.. وقد قرأت كتابا للمرحوم الكاتب رشدي صالح كان قد أهداه لي منذ أكثر من خمس سنوات وأنا لا أحب أن يكون هذا هو مصير كتبي التي أهديها أي لا يقرأها المهدي إليه أو يؤجل قراءتها.. ولذا فأنا لا أهدي كتباً.. وقد قال لي مرة المرحوم طه حسين إنه من كثرة الكتب التي تهدي لا أجد مكانا لحفظها فاضطر أن أجمعها في »‬بانيو الحمام» وأن زوجتي تتشاجر معي لهذا السبب.. ومن يومها وأنا أخاف أن أهدي كتابا.. ليلقي في البانيو» .
> > >
عندما بدأت في الاطلاع علي مكتبة إحسان عبد القدوس، كنت واعيا أنني أبحث عن إجابة لسؤالين أساسيين: ما المعارف التي حرص علي قراءتها، والثاني هل احتفظ بإهداءات من الأدباء والمثقفين أم أن مصيرها كان مثل مصير الكتب التي أهديت لعميد الأدب العربي د. طه حسين »‬البانيو».
ما يتعلق بالإجابة عن السؤال الأول، بالفعل كون إحسان مكتبته من شتي أنواع المعارف من سياسة واقتصاد وأدب وديانات وسير ذاتية، باللغتين العربية والإنجليزية، وقد فصل بينهما، فالكتب المدونة بالعربية تحتل يمين المكتبة، والأخري الأجنبية علي اليسار، وما بينهما مكتبة ثالثة تخص إصداراته، كشف لي عن سر تواجدها في هذه المنطقة ابنه محمد قائلا: »‬والدتي كانت تحرص علي أن تقتني النسخة الأولي من كل عمل يصدر لوالدي، وعلي الفور تقوم بإرساله للمطبعة لتجليده، باللون البني الفاتح، ومع مرور الوقت احتفظت بكافة كتبه بطباعتها المختلفة بذات اللون، وأصبح هذا الركن مميزا في مكتبة الوالد.. وكان من السهل علينا عندما نحب أن نقرأ له عملا، أن نتجه إلي هذا الركن»، الذي يحتفظ بصورة لا تظهر فيها سوي أصابع إحسان عبد القدوس، وآية قرآنية »‬إن ينصركم الله فلا غالب لكم».
أما ما يخص سؤالي الثاني هل يملك إهداءات أم تخلص منها في »‬البانيو»، الحقيقة أن المكتبة تضم عددا لا بأس به من الإهداءات التي تتراوح بين »‬التقليدية»، والأخري التي تعبر عن وجهة النظر في مسيرته ومكانته، وهي إهداءات بأقلام نخبة من المثقفين من مختلف الانتماءات، وقد ساعدتني هذه التعليقات، في استكمال المشهد الإنساني والثقافي حول صاحب المئوية، الذي سبق أن سارع الفنانين التشكيليين في رسمه والكتابة عنه.
فتكتب له د. عائشة عبد الرحمن »‬بنت الشاطئ» في إهداء كتابها »‬قراءة في وثائق البهائية»: ( إلي أخي الزميل الصديق الكاتب الأصيل الحر الإنسان .. إحسان عبد القدوس.. تحية التقدير والمودة مع اطيب الدعوات..بنت الشاطئ 25 / 3 / 1986 )، وهي هنا تشير إلي الصفة التي لازمت إحسان وهي الحرية التي دافع عنها في كل مراحل حياته.
وبفلسفته وخبراته العميقة، يأتي إهداء محمد حسنين هيكل علي كتابه »‬ملفات السويس»، وفيه يتوحد مع إحسان في نظرته للحياة والإبداع: ( ألا نري أن بعض الحياة قصص، كما أن بعض القصص حياة.. مع كل المودة..  هيكل ).
> > >
بلاشك أن السينما هي جزء أصيل من تكوين صاحب »‬في بيتنا رجل»، من هنا فلا عجب أن يحتفظ بكتاب يعود إلي عام 1969 بعنوان »‬اقتصاديات صناعة السينما» لمؤلفه د. محمد العشري، الذي كتب له كلمات تقليدية ( إهداء إلي الأستاذ إحسان عبد القدوس.. مع موفور تقديري. 7 / 1 / 69 ).
ويكتب له بمودة شديدة مصطفي أمين إهداءين، في الإهداء الأول يستخدم الصديق العزيز، أما في الثاني فيصفه بالأستاذ الكبير، ففي كتابه من عشرة لعشرين يكتب ( إلي الصديق العزيز إحسان عبد القدوس مع تحياتي مصطفي أمين ) ، في حين أهداه »‬صاحب الجلالة الحب» بقوله (للأستاذ الكبير إحسان عبد القدوس.. أرجو أن تقبل إهدائي مع تحياتي مصطفي أمين 31 / 3/1981).
ولأنه بالفعل يقرأ في كل المعارف، ويحتفظ – أيضا – بكتب في شتي أنواع الثقافة والمعرفة، ليس غريبا أن نجد من بين مقتنياته كتاب »‬قوة الطوارئ الدولية ودورها في قضية السلام»، بإهداء من المؤلف مصطفي مؤمن ( إهداء تقدير وإعزاز للصديق الفاضل اإنسان إحسان عبد القدوس. المهندس مصطفي مؤمن ).
ويخصه يوسف السباعي بالمودة، حينما كتب له ( إلي أخي العزيز الأستاذ إحسان عبد القدوس.. مع أخلص مودتي وأطيب تحياتي وتقديري.. المخلص يوسف السباعي ) وذلك في الصفحة الأولي لعمله »‬لست وحدك».
وفي 12 ديسمبر 1985 يهديه المفكر الإسلامي خالد محمد خالد كتابه »‬دفاع عن الديمقراطية» بقوله ( الأخ الكريم الأستاذ إحسان عبد القدوس مع خالص تحياتي ومودتي. خالد محمد خالد).
بشعور الأصدقاء الذين يعرفون بعض بعمق، ولا يحتاجون إلي كلمات كثيرة للتعبير عن ما يربطهم من قيم كثيرة وصداقة عميقة، جاء إهداء الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين علي كتابه »‬اقتراح دولة فلسطين وما دار حوله من مناقشات» بثلاث كلمات: العزيز، مع تحياتي، ليكون الإهداء كاملا: ( العزيز إحسان عبد القدوس. مع تحياتي. أحمد بهاء الدين 30 / 1 / 68 ).
وبإهداءين يفيضان برؤية عميقة، وبذكريات عمل مشترك جمعهما في روز اليوسف، وبتقدير لقيمة ما فعله إحسان عبد القدوس من تقريب الأدب لفئات مختلفة إلي الحد الذي جعله غذاء يوميا، تأتي كلمات شاعرية من شاعر بحجم أحمد عبد المعطي حجازي، ففي ديوانه »‬مدينة بلا قلب» ، يدون حجازي (إلي القصاص الفنان الذي جعل الأدب غذاء يوميا لأبناء هذا الجيل إلي الأستاذ إحسان عبد القدوس، مع خالص التقدير احمد عبد المعطي حجازي 6 / 3 / 59 )، في حين جاء إهداؤه الثاني بعد ست سنوات من الإهداء الأول متذكرا ما كان يجمعهما من عمل مشترك، وذلك بمناسبة صدور ديوانه »‬لم يبق إلا الاعتراف» وكأنما أراد بهذا الإهداء أن يكون عنوان الديوان دالا ليس فقط علي قصائده، بل – أيضا – علي إهدائه لإحسان، فيكتب حجازي ( إلي الكاتب الفنان الأستاذ إحسان عبد القدوس.. ذكري أيام طيبة وتعاون مخلص 13 / 3 / 1965 أحمد عبد المعطي حجازي ).
ويهديه نجيب محفوظ عملين له، »‬رحلة ابن فطومة» و»‬التنظيم السري»، بعبارات مختلفة إلي حد ما، فيبدو الإهداء الأول تقليديا، أما الثاني فيشير بوضوح إلي أستاذية إحسان والإعجاب بفنه، فكتب محفوظ في الصفحة الأولي لعمله ابن فطومة ( أخي الأستاذ الكبير إحسان عبد القدوس.. مع الحب والإعجاب والتقدير. نجيب محفوظ )، في حين جاء إهداء التنظيم السري ( الأستاذ الكبير إحسان عبد القدوس رمز إعجاب وتقدير لفنه وأستاذيته. المخلص نجيب محفوظ ).
وبإهداءين متقاربين في المعني والكلمات يجيئ إهداء الشاعر فاروق جويدة علي ديوانيه »‬حبيبتي لا ترحلي» و»‬يبقي الحب»، في الأول كتب ( استاذنا الكبير إحسان عبد القدوس مع كل الحب والتقدير والاعتزاز. فاروق جويدة ) وجاء إهداء الديوان الثاني قريبا من الأول ليكتب ( أستاذنا الفاضل الأستاذ الكبير إحسان عبد القدوس مع كل مشاعر حبي وتقديري ).
وبإحساس عال بريادة إحسان، يكتب له الشاعر صلاح عبد الصبور إهداءه علي »‬الأميرة تنتظر»: ( الأستاذ إحسان عبد القدوس. صديقا وأستاذا ورائدا. صلاح عبد الصبور).
ويقدم الشاعر إبراهيم سلامة ديوانه »‬قصائد من خشب» باعتباره هدية صغيرة إلي المهدي إليه ( هدية صغيرة إلي الأستاذ الكبير في الأدب إحسان عبد القدوس. مع احترامي. إبراهيم سلامة ).
كان من الطبيعي أن تهديه كتابها، فله فيه صفحات يتحدث فيها عن تجربته في الحياة والأدب، من هنا جاء إهدائها حاملا لهذا المعني، فتكتب زينب عفيفي صاحبة كتاب »‬13 رجلا وصحفية»: ( إلي الأستاذ الكبير إحسان عبد القدوس. أهدي كتابي ربما تتذكر صاحبة هذا الحوار. زينب 14 / 10 / 87 ) .
ولا يكتفي صلاح جاهين بأن يدون ما يريد علي بورتريه لإحسان، بل يؤكد علي محبته له، عندما أهداه عمله »‬إليهم ..» بقوله : ( إلي أخي وصديقي الأستاذ إحسان عبد القدوس مع حبي. صلاح جاهين 1 / 12 / 1962).
وعلي ديوانه »‬لا تكذبي» يشيد كامل الشناوي بموهبة من أهدي له لديوان (إلي الموهبة والعبقرية والفن الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس مع تحيتي وحبي. كامل الشناوي ).
ويعبر ثروت أباظة عن معزته الشخصية لإحسان عبد القدوس، عبر هذا الإهداء الذي جاء علي مجموعته القصصية »‬هذه اللعبة» إذ كتب : ( إلي أخي وصديقي الفنان الكبير إحسان عبد القدوس مع كل حبي وتقديري وإعجابي. ثروت أباظة ).
ويعد الإهداء الأطول بين كل الإهداءات التي تزخر بها مكتبة إحسان، ويجيئ من الصحفي الكبير مصطفي بهجت بدوي، الذي يصف فيه مشاعره تجاه إحسان والقدر الذي جمعهما في الأهرام، وإعجاب مصطفي منذ أن كان يكتب في الجمهورية بإبداعات صاحب »‬شيئ في صدري»، وقد عبر عن هذا الإعجاب سواء في مقالاته أو كتبه، وقد جاء الإهداء علي كتاب بدوي »‬سلام علي النبي وصحابته» ونصه: ( أخي الأعز وربيع خريف العمر الأستاذ إحسان عبد القدوس. لست أدري كيف كان يمكن أن يبدو لي الأهرام بغير جيرتك العذبة المؤنسة؟!. لم يكن كافيا أن أحبك كاتبا سياسيا ولا روائيا ولكم أحببت قلمك وترجمت عن ذلك كتابة في جريدة الجمهورية ثم في كتابي، ولكن اكتملت المحبة الثلاثية بهذا الجوار القدري الذي أقضي في ظله علي مدار كل أسبوع، طوال عشر سنين، فلا حرمني الله منه ومن صفائه وصحبته، ويسعدني أن أهديك كتابي الجديد في أعقاب عمرتك المباركة. مع خالص تمنياتي بالعافية والسعادة واستمرار العطاء. مصطفي بهجت بدوي. 5 / 5 / 1981 ).
> > >
 المكتبة هنا جزء من مشهد كامل للحالة التي كان يكتب فيها إحسان، ففي مواجهة المكتبة، مكتبه الذي لم يتغير، الكرسي باللون الأخضر، مازال كما تركه صاحبه، وكذلك كل مقتنياته من وراقة وفتاحة ورق والمقص، وذات الآية القرآنية المكتوبة بحجم كبير في المكتبة، مكتوبة بحجم أصغر وموضوعة في صدارة المكتب »‬إن ينصركم الله فلا غالب لكم».
المكتبة والمكتب والبيت هو تاريخ حي وشاهد علي عائلة فريدة في تاريخ مصر، ساهمت في إثراء الحياة الفنية والثقافية والصحفية، وأصبح ابنها أحد من قادوا مسيرة وطنه؛ مشاركا في أحداثه الكبري، وفي ذات الوقت يمتلك من ذكاء المؤرخ ما مكنه من أن يؤرخ لوطن بأكمله في شقة؛ وعندما تغادرها تبتسم، لأنك اقتربت وتعاملت معه ، فعندما أغلق مضيفنا الكاتب الصحفي الكبير محمد عبد القدوس الباب، لم يكن أمامنا سوي »‬إحسان عبد القدوس»، المدون علي الباب والجرس والحياة.