رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

الأدب الشعبي.. التاريخ الحقيقي!


شهاب طارق
2/2/2019 11:02:32 AM


خصص الصالون الثقافي بقاعة سهير القلماوي جلسة دارت حول السرديات التراثية واتفق الحضور فيها علي أن التراث الشعبي هو ما يمكن الاعتماد عليه لتأريخ فترات بعينها، لأنه نابع من معاناة الشعب، بعكس التاريخ الذي يكتبه دائمًا الحكام والسلاطين ولا يلتفتون إلي معاناة الشعوب الحقيقية. أدار الندوة الدكتور حمدي النورج الأستاذ بأكاديمية الفنون الذي تحدث عن كيفية الاستفادة من التراث الشعبي في ضبط المرويات التاريخية الموثقة وقال إن المقولة المشهورة  التي تقول إن التاريخ يُكتب بلسان الحاكم أو السلطان المنتصر، وهو واقع موجود بالفعل سواء كان حديثًا أو قديمًا وهذا يؤكد علي أن هناك ما يُسمي بالتراث الشعبي، فسيرة الظاهر بيبرس التي كتبت في العصر المملوكي كتبت بلسان الحكي الشعبي وكيف تفيد من هذه السيرة في ضبط المرويات التاريخية التي كتبت بلسان المؤرخ نفسه، وأضاف بأن جميع المرويات المؤرخة التي تمت في الماضي لم تطرق إلي السرد الشعبي، والشيء الآخر أنها أغفلت ثورات المهمشين.
أضاف أننا لو استطعنا أن نقرأ في السرد الشعبي قد نعيد حينها قراءة ما هو موثق ومعروف من السرد التاريخي الذي روي بلسان المؤرخين، حيث أن المؤرخ في السابق كان يحكي وبعد ذلك الحكيم الذي يؤكد ويصرف كل حكيه إلي العناية الإلهية كأن يقول مثلًا "وهذا ما أراده الله" كما يحكي الجبرتي في عيون الأخبار.
وأشار إلي أن السرد الشعبي كان يساعدنا علي الكشف عن ما هو مسكوت عنه.
من جانبهِ تحدث الدكتور أسامة البحيري أستاذ البلاغة عن تراث السيرة الذاتية في الأدب العربي وقال إن السيرة الذاتية موجودة في التراث العربي منذ عصر الإسلام الأول عكس ما يروجه الغرب عندما يقولون إن تراث السيرة الذاتية هو تراث غربي بامتياز وأن هذا التراث يبدأ من اعترافات القديسين إلي أن وصل إلي اعترافات جان جاك روسو وصولًا إلي جان جينيه وهذا ما تحاول أن تروجه المركزية الأوروبية، وماعدا ذلك من ثقافات ما هي إلا هوامش لذلك يرفضون أن يكون هناك تراثًا سرديًا ينتمي إلي السيرة الذاتية في التراث العربي.
وأضاف أن هناك كتبا من المكتبة العربية مليئة بالسيرة الذاتية فكتاب »المنقذ من الضلال»‬ لأبي حامد الغزالي يحكي من خلالهِ سيرتهِ الروحية فهو يحكي من خلالهِ أنه جاء بعد فترة وقال أنا أريد أن أكون مسلمًا بحق وأن اهتدي بعقلي وليس بالتقليد ويحكي في كتابه بأنه قرأ تراث الفلاسفة فلم يقتنع بهِ وقرأ بعدها تراث الشيعة فلم يقتنع بهِ ثم بدأ بقراءة تراث الصوفية ووجد من نفسهِ ميلًا لهم، حتي أخرج لنا هذا الكتاب الذي يعد من أوائل كتب السيرة الذاتية التراثية.
في كلمته تحدث الكاتب الألماني مارتن روزنستوك عن الكاتب الألماني ويليام هوف الذي وصفه بأنه كاتب عظيم، حيث كتب الكثير من الكتابات والروايات، وكتب الحكايات الخرافية والشعبية وتلك الكتابات كانت من الشروط الأيدلوجية وأثرت علي الثقافة الألمانية في ذلك الوقت، وكانت تعطي القوة للشعب الألماني خاصة وأن ألمانيا في ذلك الوقت كانت تحت الاحتلال الفرنسي بقيادة نابليون، وبعد طرد الفرنسيين أصبحت ألمانيا عبارة عن دويلات متقطعة، وهذا كان الاتجاه الرومانطيقي الذي كان يحظي بهِ هوف.
 النقطة الثانية وهي دخول الكتابات العربية إلي الساحة الألمانية بدايةً بألف ليلة وليلة التي تمت ترجمتها وجميع تلك القصص تم تجميعها من خلال هوف وأثرت في الثقافة الألمانية بشكل كبير وعلي وعي الألمان.
أما الدكتور خالد أبو الليل أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة فقال إنه في الوقت الذي كانت فيه ألف ليلة وليلة تملأ المقاهي بوصفها نصًا شعبيًا جماهيريًا يعبر عن خصوصية ثقافية كانت النخبة العربية تنظر إلي هذا النص علي أساس أنه نوع من الأدب الذي ينشر الفسق والفجور وكل ما يخالف العقيدة والشرع والعرق الاجتماعي وفي نفس الوقت الذي كانت تهاجم فيه النخبة العربية هذا النص كان يحتفي بألف ليلة وليلة في الغرب بوصفها بوابة عبور بين المشرق والمغرب.
أضاف أيضًا بأن الطبري عندما قدم التاريخ قدمه من خلال التراث الشعبي لأنه عبارة عن روايات متعددة.
وقال بالرغم من أن كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة كتابان شعبيان إلا أن النظرة اختلفت إليهما فيؤخذ بكتاب كليلة ودمنة علي أنه نموذج ينبغي أن يحتذي لأنها كتبت بلغة الناس، والنخبة لديها موقف حاد وواضح من الناس ومن لغتهم.
وأضاف أن الشيخ محمد عبده مثلًا عندما ترجمت الإلياذة والأوديسا كتب مقالًا يشيد فيه بهذا النص المهم جدًا الذي تأخرت ترجمته كثيرًا وهي كانت إشادة في محلها، لكن في نفس الوقت النص العربي الموازي للملحمة اليونانية وهي السيرة الهلالية الشعبية يهاجمها ويخصص لها العديد من مقالاته يهاجم فيها رواة هذه السير وهذه النصوص، وهذا هو التناقض بعينه لأنه اعتبر أن الملحمة بوصفها نصًا غربيًا فيمتدح والسيرة لمجرد أنها نص عربي خاص بالفقراء، فينتقد ويهاجم ويتهم من يرويه ومن يتناقله بأنه يقف ضد تقدم هذه الأمة.
وأشار إلي أن المجتمع الأدبي أدرك مؤخرًا أن هذه الإبداعات الشعبية ينبغي أن تصل إلي المكانة التي تستحقها وبالتالي جميع النظريات الأدبية الحديثة تنطلق من الأدب الشعبي.
وحول سؤال أخبار الأدب  إذا كانت الرواية تصلح لأن تكون بديلًا للتاريخ قال الدكتور خالد أبو الليل أنه يعتقد أنه لا يوجد أدب يعتمد علي التاريخ فقط ولا يوجد خيال كامل، إنما هي مسألة نسبية فأي نوع من الأدب سواء كان علميا  أو فنتازيا ينطلق من الواقع، "فلو اعتمد الروائي علي التاريخ فقط لم يعد حينها روائيًا، وإنما أصبح مؤرخًا أو أي شيء آخر".