رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

معرض الكتاب انقراض «كائن الندوات» وتراجع الظاهرة الرومانسية


حسن عبدالموجود
2/9/2019 11:20:30 AM

علي مدار سنوات طويلة كان كثير من المثقفين يصطدمون بذلك الشخص الخرافي، أو »كائن الندوات»‬ الذي يأتي إلي ندوة لا يعرف الجالسين علي منصتها، ولا الكتاب الذي سيناقشونه، ومع ذلك يطلب أن يتحدث مثلما يتحدثون. كان هذا الكائن يظهر معرفاً نفسه، ومهنته، وقائلاً إنه لم يقرأ الكتاب »‬الذي تناقشونه»، و»‬لكن عندي مداخلة أريد تقديمها»، وصار مع الوقت علامة علي المعرض، لكن يبدو أنه في سبيله إلي الانقراض.
هذا الكائن يعبِّر عن قطاع عريض لأشخاص يتوقون للتعبير عن أنفسهم بأي شكل، ورغم أن مواقع التواصل الاجتماعي أتاحت للجميع أن يتحولوا إلي خبراء ومحللين ورؤساء تحرير إلا أن هؤلاء الأشخاص لم يكفوا عن الظهور بالقرب من الكتب والكتَّاب، والمنصات، يبحثون بلهفة عن »‬المايكات»، ليرددوا نفس »‬الإكلشيهات»، وليقولوا رأيهم في كل شيء تقريباً.
ولكن المعرض في نسخته الجديدة افتقر إليهم، كأن بواباته الإلكترونية احتجزتهم في الخارج، أو كأنهم ضلوا الطريق إلي التجمع الخامس، وما زالت أرواحهم تطوف بأرض المعارض في مدينة نصر. اختفي هؤلاء تماماً، فلم يحدث في ثلاثة أيام متواصلة، كنت أنتقل فيها من قاعة إلي أخري، بالمعرض الجديد، أن وجدت شخصاً ينهض ليعرِّف نفسه ومهنته، وليقول بثقة إنه »‬لم يقرأ الكتاب، ولكن لديه مداخلة حوله»، لكني وجدت بعض المثقفين المعروفين يقومون بأداء هذا الدور، فقد تركوا الأعمال الأدبية التي يناقشونها ليتحدثوا حول قضايا عامة في النقد والترجمة، كما جري في بعض ندوات »‬ملتقي الإبداع».
المكان الجديد أيضاً أفقد الندوات بعض الجمهور الافتراضي. قاعات المعرض القديمة كانت أشبه باستراحة للزوار، وعلي سبيل المثال كان الأباء والأمهات يهربون مع أبنائهم من البرد القارس ليحتموا، جميعاً، في المقاعد الخلفية لأحد المخيمات، ولا ضير من الاستماع إلي هؤلاء المثقفين الذين يقولون كلاماً كبيراً، كما كانت بعض الأسر تقتحم الندوات، كذلك، لتتناول غداءها، وبعد أن ينتهوا يتحركون إلي الخارج، وبسبب هذا كانت الندوات في المعرض القديم تشهد فوضي غير عادية، ولا يمكن أن تستقر علي حال، حتي ولو لبضع دقائق. كانت المنصة ثابتة بينما كان الجمهور متحركاً في الأغلب.
القاعات في المعرض الجديد عصرية، ولن تذهب إليها إلا لو كنت تقصد ندوة ما، علي الأقل لأنها في مكان منفصل، تقود إليه سلالم متحركة. القاعات مرتبة في صالتي »‬بلازا» بشكل دقيق، وهي متنوعة من حيث الأحجام، لكنها جميعاً في الأغلب ذات باب واحد، يغلق بمجرد أن تعبره دخولاً أو خروجاً، بعكس المخيمات التي لا تعرف سوي الأبواب المفتوحة، الأبواب التي لا تعرف معني الخصوصية. الإغلاق نفسه يوحي مبدئياً بحالة العزلة التي يعيشها الجالسون بالداخل، ولو قادتك قدماك بالصدفة إلي القاعات فبالتأكيد ستفكر علي الأقل ثواني قبل أن تدفع الباب، لأنك ستتورط، في بضع دقائق، من باب رفع الحرج عن نفسك، فالجالسون ربما يعبِّرون لك عن انزعاجهم لو فتحت الباب وأغلقته أكثر من مرة، كما يحدث في المناقشات الأكاديمية بمدرجات الجامعة. ومثل غرف التحقيقات في الأفلام الأمريكية هناك شباك زجاجي يتيح للواقفين في الخارج مشاهدة المتواجدين بالقاعة، وبالتالي يستطيعون بدون سؤال معرفة الندوة التي يبحثون عنها. ليس مطلوباً من الشخص أن يدخل ويتفحص وجوه الجالسين ليقرر كما يحدث في السابق، أن »‬هذه الأشكال لا تعجبه»، وبالتالي يغادر بدون رجعة. يستطيع اتخاذ القرار دون أن يزعج أحداً، وبدون أن يكلف نفسه الدخول إلي القاعة.
أتاحت القاعات العصرية كثيراً من الخصوصية للمتحدثين، لكنها قلصت أعداد الجمهور، الذين شعروا بأنها ليست مكانهم، وبالتالي كانت معظم الندوات شبيهة بما يتم عقده في مؤسسات وزارة الثقافة أو حتي في دور النشر طوال العام، فباستثناءات طفيفة، كان عدد المتواجدين علي المنصة قريباً أو أقل قليلاً من عدد المتواجدين بالقاعة، وهكذا كانت الغلبة للكراسي المتناثرة في القاعات، ومن المؤكد أن الندوات تحتاج إلي إعادة صياغة، وإلي أفكار جديدة، ابتداء من العام القادم.
الناشرون أغمضوا أعينهم عن تعليمات المعرض بإقامة حفلات التوقيع في أماكن مخصصة، ومقابل مبالغ مالية محددة سلفاً، وأقاموها في أجنحتهم، وهكذا بدا أن هناك ما يشبه »‬الكرنفال» في أجنحة الناشرين، حيث جرت حفلات التوقيع بالتزامن في كثير من الدور، بشكل أعطي إيحاء بأن معظم رواد »‬صالات العرض» من المؤلفين، لكن إدارة المعرض لم تصمت علي هذا الخروج، وبدأ البعض في تداول معلومات بأنه سيتم توقيع غرامة مالية علي الناشر، الذي سيقوم بإقامة حفلات التوقيع في جناحه، ولو استمر في هذا فقد تصل العقوبة إلي الإبعاد لدورات، لكن هذا الكلام لم يرق إلي المستوي الرسمي حتي الآن، وإن كانت هناك تصريحات لمسؤولين تؤكد أن الهدف هو الشكل العام للمعرض، لأن الناشرين وضعوا بانراتهم في كل مكان، بشكل جعل هناك ما يشبه الفوضي البصرية، لكن بغض النظر عن الصراع المكتوم بين الناشرين ومسئولي المعرض إلا أن الدور لم تقم بعمل الدعاية المناسبة لكتَّابها، وبالتالي اقتصرت معظم حفلات التوقيع كما يجري عادة علي مجموعة من أصدقاء الكتَّاب وأقربائهم، كما يجري عادة طوال العام.
ورغم أن مكبرات الصوت التي كان يستخدمها ملتحون في الأغلب اختفت منذ أعوام، إلا أن ظاهرة الذقون نفسها تكاد تكون قد انمحت تماماً، حيث كانوا موجودين في الدورات السابقة يروجون لبضاعتهم، من خلال المنشورات، والملصقات، ومكبرات الصوت، كانوا جزءاً ناتئاً عن المعرض، وتم تذويبهم في الشكل المؤسسي الجديد له، ومعظمهم تقريباً موجود في المبني الأول، لكنك بالكاد تستطيع تمييزهم عن بقية أصحاب دور النشر الأخري، لأنهم خضعوا للشكل العام، وصاروا أكثر هدوءاً، وأدركوا أن قارئ الكتب الدينية سيأتي بحثاً عنها في أي مكان بدون تحويل المعرض إلي غابة أصوات.
الجو الأسري ما زال يطغي كالسابق، ولذلك كان الإقبال أكثر كثافة في أيام العطلات، التي تمددت فيها الطوابير، ومن السهولة ملاحظة آباء وأمهات مع أطفالهم، ومن السهولة كذلك ملاحظة أن المعرض يمثل فرصة للصداقة، حيث كثير من الأقران المتشابهين في نوعية الملابس، والمتقاربين في السن، كما اختفت الظاهرة الرومانسية في هذه الأجواء، وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود شباب وفتيات يسيرون معاً، لكن فكرة »‬الخروجة الرومانسية» لم تصبح موجودة بشكلها »‬الفاقع» القديم، كما أن الشكل النظيف للمعرض فرض نفسه علي الجمهور، حيث لا وجود لأكياس الكشري، أو العصير، وإنما طاولات وكراسي نظيفة مصفوفة أمام المحال، بالإضافة إلي سور نظيف قصير يجلس عليه من لا يجد لنفسه مكاناً، فالكل له مكان، في هذا العالم، المصنوع بعناية.