رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

أشرف الصباغ بعد »كائنات الليل والنهار«: كلما نظرت خلفي أشعر بعدم الرضا


حوار: حسن عبدالموجود
2/9/2019 11:28:53 AM

برغم كل ما يعانيه “عاشور” بطل رواية أشرف الصباغ الأحدث “كائنات الليل والنهار” من ضغوط، إلا أنه لم يشعر لحظة ما بكراهية تجاه السلطة. التحق عاشور بصالون للحلاقة في “الزمالك”، وتخيل أنه سيحصل علي “الكود” الذي سيجعله جزءاً من المنطقة الراقية، ولكنه فجأة يجد نفسه منبوذاً من الجميع، من السلطة التي تعتصره وتطالبه بدفع مخالفات لم يرتكبها، وفواتير  كهرباء خاصة بدكان لم يفتتحه بعد، ومن سكان مناطق الفقراء، وكذلك الأغنياء. تتداعي المدينة حوله لكنه لا يسقط، ولا يتخلي عن أحلامه، ولا يشعر بالمظلومية، بل إنه يلتمس العذر للجميع..
 أصدر الصباغ ثلاث مجموعات قصصية هي "قصيدة سرمدية في حانة يزيد بن معاوية"، "خرابيش"، و"العطش"، وأربع روايات "يناير"، "مقاطع من حياة أبو الوفا المصري"، "شرطي هو الفرح"، بالإضافة إلي روايته الأحدث "كائنات الليل والنهار" الصادرة عن "العين"، والتي يتحدث حول علاقات أبطالها، وسلطة المدينة الغاشمة عليهم، في هذا الحوار. 

دعنا نبدأ من نهاية روايتك »كائنات الليل والنهار»‬، حيث يطير عاشور مع العصافير. إنها تشبه إلي حد كبير نهاية سابقتها »‬شَرْطِي هو الفرح»، التي يطير فيها الضريح. نهايتان تنتميان إلي »‬الواقعية السحرية» برغم أن الروايتين تستندان إلي الواقع.. لماذا؟
- أظن أن الروايتين بعيدتان تماماً عما يسمي بـ »‬الواقعية السحرية» حتي وإن تشابهت بعض العناصر أو المقاطع فيهما مع هذا الاتجاه. فالطيران والتحليق والاختفاء قد تجد مبرراتها في الخيال والوجدان الشعبيين من جهة، وترتكز إلي ثقافات شعبية ودينية وعقائدية قديمة وجديدة من جهة أخري.
هل جربت كتابة نهايات أخري ووجدت أن الحل »‬الخرافي»، إن جاز التعبير، سيعطي للعملين حيوات أخري في عقول القراء؟
- إحالة إلي السؤال السابق، يمكن اعتبار نهايتي العملين تتأرجحان بين »‬الواقعية السحرية» و»الخرافة» لكن لا تنتميان لأي منهما. وطالما تحدثنا عن “الحلول” بالمعني العلمي - المنهجي، فمن الممكن التأكيد هنا علي أن “الحلول” لا تشبه بعضها البعض في الروايتين. إذ أن “شرطي هو الفرح” لها حلولها المنطقية التي تتسق مع بنية السرد ووعي أبطالها، وطموحاتهم البسيطة، وإيمانهم بحكاياتهم الشعبية. بينما نهاية »‬كائنات الليل والنهار» تحمل الكثير من الاحتمالات التي قيلت علي ألسنة شهود العيان، الذين ينتظرون »‬المهدي المنتظر» ويرون »‬السيدة العذراء» في كنيسة الزيتون، ويؤمنون بالعديد من الروايات حول نهاية السيد المسيح، وحياة ونهايات القديسين والشهداء وأولياء الله الصالحين.
مدخل الرواية يشبه بانوراما عن القاهرة وكائناتها، كأنها تمهيد سينمائي للأماكن التي ستدور فيها الأحداث.. ما رأيك؟ من ناحية أخري ألم تكن قلقاً أن يشعر القراء بالملل من طول ذلك التمهيد؟
- قد يشعر الإنسان بالملل من حياته ومن تفاصيلها، ولكنه لا يشعر بالملل أبداً عندما يري هذه الحياة معروضة أمامه علي شاشة، أو معروضة عليه كمقتَرَح للتفكير. أي أنه مدعو للتفكير في هذه الحياة، وفي تفاصيلها، التي قد يمارسها بتلقائية واعتيادية، ولكنه لا يفكر لحظة في أن ينفصل عنها لعدة سنتيمترات ليراها ويتعامل معها. لم أكن قلقاً علي الإطلاق، لأنني ببساطة أحببت كل أبطالي وتعاطفت معهم، وأردت أن أطرح علي القارئ إحدي زوايا حياتنا جميعاً: الأبطال والقراء والكاتب نفسه.
هل يشكل “عاشور” ذلك المواطن الصالح الذي تتم تربيته علي الانصياع والقبول بأي شيء مهما استبدت به المؤسسات؟
- لا أستطيع أن أتهم عاشور بأي شيء. وفي المقابل، لا يمكنني اتهام لا المؤسسات ولا الحكومة. عاشور ابن المجتمع نفسه، وليس ابن الحكومة أو المؤسسات فقط. وهو أيضاً لا يعمل في أي مؤسسة رسمية، ولم يعمل أبداً. هذا الشخص موجود في كل مجتمعات العالم الفقيرة والغنية. وهو إنسان عادي جداً وطبيعي للغاية، لأن هناك من هو أسوأ علي مستوي الوعي والنزعات والفعل والضمير والأخلاق. عاشور هنا قد يشكل ملامح جيل كامل، أو قطاع ضخم من المجتمع. وهو مواطن صالح وشريف بالمعني الجيد للكلمتين، لأنه ببساطة قابل للتغيير، ولأنه أيضا لم يسقط في فخ العدمية رغم كل الانهيارات حوله وبداخله.
المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية متسع، فمن الوايلي الكبير، إلي الزمالك، إلي رملة بولاق، إلي بولاق أبوالعلا، إلي مثلث ماسبيرو، إلي الكمباوندات والمدن الجديدة علي حدود العاصمة وغيرها.. كيف خططت لتحريك شخصياتك في هذا العالم المتسع؟ وهل يمكن القول إن الرواية عمل عن المكان قبل أن يكون عن الشخصيات؟
- الشخصيات هنا هي ابنة المكان، تشبهه، وتتعامل معه وتراه بقدر وعيها وارتباطها به، وبقدر صلابة العوامل التي تربطها به أيضاً. قد تبدو الحركة عشوائية بقدر التوزيع الجغرافي للمكان وليس للأمكنة. ولكنها تتحرك وفق احتياجات خاصة قد تكون مادية، وقد تكون روحية، وقد تكون مرتبطة بأحلام وطموحات. والسؤال هنا: هل حركة البشر أو الشخصيات في الرواية بداخل المكان الواحد “المتنوع” تلبي احتياجاتها وتحقق طموحاتها وأحلامها، أم أن هناك شيئاً أو أحداً ما آخر يتحكم في هذه الحركة ويوجهها؟!
ارتباطاً بما سبق.. هل يمكن تصنيف تلك الرواية علي أنها عمل عن القاهرة؟ وهل احتجت إلي مراجع عن بعض المناطق قبل الكتابة أم أنك اعتمدت علي خبرتك الشخصية وعلاقتك بها؟
- الرواية قد تكون عملاً عن القاهرة، وقد تكون عن مصر كلها. وربما تكون عن كل الأماكن المشابهة. ولكنها في الأساس عن بشر بينهم الموجود والفاعل والمفعول به بشكل مباشر، وعن الموجود والفاعل بشكل غير مباشر أيضاً. في الحقيقة، لم يكن هناك احتياج ملح للمراجع، بقدر الاحتياج إلي تراكمات الخبرات الشخصية بمناطق وأماكن عشت فيها فترات من حياتي، وعملت في ورشها ومصانعها، وجلست علي مقاهيها، وارتبطت بعلاقات مختلفة مع بشرها. إنها كلها مكاني الواحد المتنوع الذي يحمل كل تفاصيل الذين رحلوا، والذين سيأتون، والذين لا يزالون علي قيد الحياة.
كان عاشور يعرف أنه بحاجة إلي امتلاك “كود” منطقة الزمالك حتي ينتمي إليها.. لماذا كان لديه الأمل، وهو يعرف هذه الحقيقة البسيطة، أن سكانها لا يسمحون لأحد خارج ثقافتهم بأن يكون جزءاً منهم، حتي ولو كان يمتلك الأموال كما حدث مع العائدين من الخليج؟
- هذه هي الخدعة الكبري. خدعة الوعي وخدعة الواقع معاً. وهذه أيضاً هي الحياة بكل تناقضاتها وقسوتها. وقد يكون عاشور أذكي أو أوفر حظاً من آخرين حاولوا ولم ينجحوا رغم ثرائهم. إنه ببساطة اختار أن يكون صالونه علي الحد الفاصل بين عالمين يبدوان مختلفين. ولكن الأحلام والطموحات عادة ما تتبدد في واقع مليء بالفوضي والانهيارات. ويتضح أن الاختيارات التي قد تبدو ذكية أو بها قدر من الحظ، يمكن أن تصبح لعنة علي صاحبها في ظل مرحلة تحول ينهار فيها كل شيء.
لماذا يبدو العالم متداعياً إلي هذه الدرجة؟ لماذا تسقط كل البيوت، إما فوق سكانها أو أمام أعينهم؟ هل قصدت أن تكون الرواية كابوساً محكماً؟
- لم أقصد ذلك إطلاقاً. إنه الواقع بكل عبثيته وقسوته ووقاحته، وحكمته أيضاً. فالبيوت باتت قديمة مثل أصحابها وأفكارهم ومعتقداتهم وتأويلاتهم ونظرتهم للعالم ولأنفسهم. العالم يتغير، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا. وعجلة التغيير تدهس كل ما يمكن أن يعوقها، حتي البشر قبل المكان. إنه قانون التطور القاسي الذي لا يرحم، بالضبط مثل الحياة.
هل الرواية تريد القول إن الحياة تدير ظهرها فقط لمناطق الغلابة التي لا تعرف الخصوصية، خاصة وأنها لا تمتلك أسواراً كالكومباوندات؟
- في الحقيقة، نحن لا نعرف هل هذه الأسوار حول الكومباوندات أم أنها حول عقول الغلابة؟ هل هذه هي الأسوار الحقيقية التي تفصل بين طبقتين اجتماعيتين مختلفتين، أم مجرد عوازل صناعية خبيثة تعكس نمطاً من الأسوار الأخري القاسية والمجرمة؟ إن الحياة تدير ظهرها للجميع، لأنهم أداروا ظهورهم لها منذ زمن بعيد، واكتفوا بالقشور. تدير ظهرها للأثرياء وللفقراء معا لأن كلا الطرفين كفَّ عن التعامل معها وفق معايير إنسانية سليمة. إنها دائرة جهنمية يحاول كل طرف فيها أن يحمي نفسه من الآخر.
يبدو أن الرواية بها نظرة أحادية بعض الشيء لعالم الفقراء، حيث تحكم عليهم جميعاً بأنهم لا يمتلكون أي نوع من الأخلاق، فالجميع يمارس الجنس مع الجميع، والكل يشارك في طقوس الاغتياب والظن والإيذاء البدني.. ما رأيك؟
- هذه هي الحياة بكل تناقضاتها وشرها وخيرها وعفويتها. ولكن علينا أن ندرك أن “الأخلاق” أمر نسبي تماماً. وهناك “الأخلاق” بمعناها الفلسفي، وليس الديني فقط. هناك أيضاً الفقر والجهل والعنف، هناك الاحتياج المادي والروحي والجنسي لكل البشر، ولكن كيف تتم إدارة كل هذه العناصر بما يتناسب مع إنسانيتنا؟! وما العوامل الضرورية اللازمة لإدارة كل هذه الاحتياجات المهمة لكي نخرج من دائرة “الفئران”؟! وفي المقابل، نجد نوعاً من النساء اللاتي يقررن حياتهن بأنفسهن، واللاتي يملكن صلابة روحية وإرادة صلبة لإعالة الأسرة وتصريف أمور الأبناء والأقارب، مهما كانت النظرة الأخلاقية لهن.
بمناسبة حديثك عنها تبدو المرأة مهانة وسيئة السمعة في مجتمع الفقراء، وقاسية في مجتمع الأغنياء.. أليس ذلك نوعاً من التنميط؟
- أنا لا أري إطلاقاً أي أنثي مهانة أو سيئة السمعة في مجتمع الفقراء. “نسائي” قويات وفي غاية الصلابة الروحية. نسائي يقررن ويفعلن رغم الإهانات الجسدية والروحية التي توجه إليهن. من الصعب أن ننظر إلي الأفراد بمعزل عن منظومة العلاقات التي تحكم الشريحة والطبقة، أو بمعزل عن منظومة العلاقات التي تحكم المجتمع ككل. ومن الصعب حصر الناس في منطقة “الأخلاق” بمعناها الساذج والمبتذل، لأننا هنا نجردهن من إنسانيتهن ومن احتياجاتهن البسيطة، نجردهن من حقهن في التجربة والخطأ. أما في مجتمع “الأغنياء”، فهن أيضاً قادرات في حدود المتاح، وأكثر وعياً حتي وإن كان ذلك لا يتجلي إلا في أمور بسيطة. الأمر هنا يتعلق بالمجتمع ككل، وبنظرته للمرأة وبأحكامه القاسية والنمطية والأخلاقية. والأخطر أنه يتعلق بتواطؤ المجتمع وخسته، حيث يهتز ويتزلزل لمشهد جنسي أو نميمة أو فرقعة إعلامية مقصودة، بينما ينظر بضمير مرتاح إلي طفل يتسول أو يأكل من صندوق قمامة، أو لمشهد رجل يؤذي امرأة أو طفل، أو لاختفاء إنسان، أو لرشوة مسؤول أو عدمية ضابط واستهتاره.
أنت تنتمي بشكل ما إلي جيل الثمانينيات، ما الذي تبقي منه في وجهة نظرك؟ وهل تري الساحة الثقافية بشكل مختلف بعد أن ابتعدت عنها لفترة طويلة بحكم عملك كمراسل في موسكو؟
- لا يوجد شيء اسمه “جيل ثمانينيات” علي غرار جيلي السبعينيات والتسعينيات. ولنتفق علي أن مصطلح “جيل” هو مصطلح استثنائي يثير الكثير من الجدل، ولكن ليس لدينا إلي الآن مصطلح آخر يمكن أن نستخدمه. إذن فلنستخدم كلمة “جيل” مجازاً. جيل الثمانينيات جاء بين آخرين مهمين، ولكن في مرحلة انتقالية وظروف استثنائية للغاية. فلم يهتم أحد بوضع هذا الجيل ضمن تيار له ملامحه، ويمكن أن نستثني مجال السينما فقط من ذلك. أما جميع المجالات الأخري، فلم يحدث وأن نظر أحد إلي أبنائها بنظرة منهجية، ولم تكن هناك أي محاولات “لتقنين أوضاعهم” علي مسار الإبداع المصري أو ضمن حلقات هذا المسار. من الصعب الحكم علي طرف بعينه أو تحديد المذنب، خاصة وأن هذا الجيل “المنكوب” كان مشتتاً في ظل سطوة وسلطة جيل السبعينيات، التي ظهرت فيما بعد في السياسة وفي تولي المناصب وإدارة عجلة الصحافة الثقافية. وفي كل الأحوال، فجيل الثمانينيات ليس له لا آباء ولا مثل عليا، ولم يقبل بسطوة الأجيال السابقة، وبالذات جيل السبعينيات. وربما لهذا السبب، انتقم منه الجميع وأهملوه. ومع ذلك، فالأفراد القليلون الذين تمكنوا من الاستمرار حققوا نجاحات ملموسة ومؤثرة. أما بخصوص التغيرات أو التحولات في الساحة الثقافية، ففي الحقيقة هي بسيطة وغير ملموسة، وأعتقد أن هذه الساحة لا بد وأن تلقي مصير نفس البيوت في روايتي »‬كائنات الليل والنهار».
هل تري أنك مظلوم نقدياً، وهل تنظر خلفك برضا.. ولو أنك عدت إلي البدايات هل ستسلك الطريق نفسه؟
- لا يساورني إطلاقاً أي إحساس بالظلم، سواء كان ذلك نقدياً أو بالنسبة لموقعي ضمن زملائي وأصدقائي في المشهد الإبداعي. ومع ذلك أنا أنظر بعدم رضا إلي كل ما كان بالأمس القريب أو البعيد. ولو عدت إلي البدايات، سأغير كل شيء، ولن أكرر ارتكاب الأخطاء والحماقات القديمة، وإنما سأرتكب أخري جديدة.
ما الذي تطمح في أن تقدمه الكتابة إليك.. لماذا تكتب أصلاً؟
- أنا أكتب لأن الكتابة لا تزال تمثل احتياجاً ملحاً بالنسبة لي، بالضبط مثل الأكل والشرب والتنزه والسفر والقراءة والضحك وجلسات الأصدقاء. أنا لا أزال أقف عند هذه المرحلة، ولم أدخل بعد إلي مرحلة الشعارات والكلمات والمثل الكبري مثل الحرية، والعدالة، والحق. وكل ما أريده منها، أن تقدم لي بعض المال.