رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

القاهرة وذكريات المدينة 1 - 4

منطقة الأزهر ترثي تاريخها


شهاب طارق
5/11/2019 10:57:03 AM

في أوائل شهر يناير الماضي طلب مني الأستاذ طارق الطاهر، رئيس التحرير، أن أعيد اكتشاف منطقة القاهرة التاريخية، بتقديمها علي أربع حلقات في شهر رمضان.
لم أرد أن تكون الحلقات سردًا للتاريخ بل أردتُ أن أرصد شكل المدينة اليوم، وكيف تحوَّلت إلي صورتها التي عليها، تتبعتُ الخيط الرفيع فوجدت أن حاضرها لم ينفصل عن ماضيها أبدًا، لذلك رغبتُ في تقديم شيء لم يتطرق إليه أحد، والبحث بنفسي داخل ثنايا هذه المنطقة، أخذتُ الكثير من الوقت لأجيب عن سؤال واحد مفاده »من أين أبدأ؟»‬، تبعه آخر هو »‬ما الجديد الذي أريد أن أقدِّمه للقراء».
بدأتُ زياراتي لتلك المنطقة، وتحديدًا الواقعة جنوب شارع المعز عند مجموعة السلطان الغوري وحتي باب زويلة والمناطق المجاورة لهُ، وعلي مدار خمسة أشهر تقريبًا لم أفوِّت أسبوعًا إلا وأنا اتجول في هذه النواحي، حتي صار أصحاب المحلات يعرفونني شكلًا فيلقون عليَّ السلام.
من هنا عرفتُ النقطة التي يجب عليَّ الانطلاق منها، وعرفتُ أن حاضر هذه المدينة القديمة لم ينفصل عن ماضيها أبدًا، حكايات كثيرة ذكرها التاريخ وظن الكثيرون أنها  اندثرت لكنني فوجئت أنها لم تنتهِ، هي فقط لا تفيض بأسراراها إلا لمن يتحري عنها بصدق. وقد ساعدني الدكتور حسام إسماعيل، أستاذ الآثار بكلية الآداب جامعة عين شمس، الذي لم يبخل عليَّ بأي معلومة خلال هذا التحقيق.
بعدما صِرت عليمًا بكل حارة وزقاق في هذه المنطقة، اصطدمتُ بمشكلة أخري لم أحسبها، حينما بدأتُ السرد، لم تكن تلك بالمهمة السهلة، لأن المكان يحوي الكثير من مظاهر الحياة والحكايات المختلفة وغير المترابطة، لكني وجدتُ طريقي وأدركتُ أن تسلسل الحكي يجب أن يبدأ من واقع هذه المدينة وشكلها الحالي.
 في هذه السلسلة من الحلقات أقدِّم وصفًا دقيقًا لشكل المنطقة اليوم، أظن أن من شأنه إفادة القراء أو الباحثين في التاريخ والعلوم الاجتماعية، خلال أربع حلقات متتالية، تتناول الجامع الأزهر والمناطق المجاورة لهُ، وما اختلف من العادات داخل المنطقة الواحدة، والحركة التجارية والأسواق داخل كل منطقة باعتبارها كانت سوقًا دوليًا يخدم التجارة العالمية قبل أن تصبح سوقًا شعبيًا. بالإضافة إلي مساجد المنطقة ومدارسها والخطأ السائد في تسميتهما، وأخيرًا المتصوفة وعاداتهم، خاصة عند الدرب الأحمر والباطنية.
هذا التحقيق الاستقصائي قد يكون نافذة صغيرة  تسمح بمرور خيط رفيع من الضوء لإعادة اكتشاف »‬القاهرة.. الذكريات والمدينة».

(مشهد تصويري) صغير يلهو وسط الرمال بمنطقة صحراوية بمصر، أبوه يرعي مقابر بجانب دير متهدم يُسمي »‬العظام»، جاءه شاب من صقلية عابرًا البحار يُدعي جوهر الصقلي، أراد أن يعوضهم عن هذا الدير المتهدم، وأن تصبح هذه البقعة عاصمة الخلافة الفاطمية. علِم الرجل أن الوقوف أمام هذا الصقلي مُحال، فقبِل بالعرض.
عوضهم الصقلي عن هذا المكان المتهدم بـ ١٠ آلاف دينار، وأعطاهم قطعة أرض بقرية »‬الخندق» ليبنوا عليها كنيستهم الجديدة. تقع »‬الخندق» اليوم عند الكاتدرائية الكبيرة بمنطقة العباسية وأمامها كنيسة »‬الأنبا رويس»، تلك التي منحها لهم جوهر الصقلي عوضًا لهم عن الدير المتهدم، الذي أطلِق عليه اسم »‬العظام» لأن مقابره كانت متهشمة، وكان السائرون يشاهدون عظام الموتي داخل القبور أثناء مرورهم بجانب هذا المكان.
شهدت هذه البقعة المنسية - آنذاك - علي تاريخ مصر، وتاريخ القاهرة الإسلامية فيما بعد، كما شهدت علي تتابع الحكام والأمراء والسلاطين. وكانت المنطقة تضم قصرًا يُسمي »‬قصر الشوق» غير معروف أصله حاليًا أو مكانه تحديدًا، لكن المثبت أن هذه المنطقة تشمل الآن »‬حارة قصر الشوق».
من سوق إلي سويقة
البداية كانت عند شارع الأزهر المزدحم، الذي لا يخلو من المارة أو سائقي الأجرة، كل شيء هنا يبدو عبثيًا؛ بدءًا من البنايات المرتفعة ووصولًا إلي الباعة الجائلين. يبدو الشارع دخيلًا علي هذه المنطقة، محدِثًا تغييرًا في شكلها العام، حيث فصل القاهرة الفاطمية عن بعضها البعض وقسَّمها إلي جزءين وحوّل المنطقة المحيطة بهِ من منطقة تجارة عالمية وسوق دولية إلي سويقة (السوق عبارة عن مبني مستطيل يقع في الشارع الرئيسي بالمنطقة وبه دكاكين مطلة علي الشارع، والجزء الخلفي منه يحتوي علي دكاكين أخري تطل علي الشارع الخلفي، أما السويقة فهو المكان الذي تعرَض فيه البضاعة في الشارع).
عندما تمشي في الأزهر تشعر أنك أمام مدينتين مختلفتين، فشارع المعز تقطَّع إلي جزءين بسبب شارع الأزهر، ولا يمكنك عبوره أيضًا بسبب السور الحديدي، الذي يمنعك من استكمال السير داخل شارع المعز إلا من خلال نفق للمشاة يقع عند مسجد الحسين تقريبًا، وبالتالي يقطع علي المارِّين فرصة استكمال الشارع، والذين لا يعلمون - في الغالب - أن مجموعة السلطان الغوري هي امتداد لشارع المعز وأن هذا الشارع يمتد إلي باب زويلة.
كانت ظروف بناء شارع الأزهر والموسكي سياسية بحتة، فلم يكن لهما أي أثر قبل عام ١٨٠٠، حيث بُني شارع الموسكي بعد مقتل كليبر علي يد سُليمان الحلبي، قتله تحديدًا عند مقر القيادة بشارع الألفي الموجود عند ميدان الأوبرا حاليًا، لأن الشرارة الأولي للثورة كانت قد بدأت عند الجامع الأزهر، لذلك أرادوا أن يقمعوا هذه الثورات التي تُحشد منه، وكان لابد من طريق يصلهم إليه بشكل سريع ففتحوا شارعا أمام مقر القيادة، ووصل إلي ما يُسمي بشارع بالخليج المصري. عندما جاء محمد علي وأولاده أكملوا شارع الموسكي، حيث جاء عباس حلمي الأول واشتري البيوت حتي ربط بين ميدان الكانتو وشارع المعز الآن، وأكمل سعيد باشا ثم الخديو إسماعيل هذا المشروع حتي وصلا إلي ميدان الحسين.
كذلك شارع الأزهر فقد كان جزءًا لا يتجزأ من منطقة الحسين وشارع المعز وكان به العديد من البيوت والحواري، لكنه بُني حديثًا وبدافع سياسي أيضًا، فبعد ثورة ١٩١٩ والتي كانت شعلة بدايتها عند الجامع الأزهر، قام الاحتلال الإنجليزي بالتفكير في إنشاء هذا الشارع لكي يتم نقل الجنود من مقرهم الواقع الآن بمنطقة قصر النيل (بين الهيلتون والجامعة العربية)، لذلك وضعوا خطة لكبح أي ثورة قادمة من الجامع الأزهر، فيتم نقل الجنود من شارع قصر النيل ومنه إلي شارع ميدان الأوبرا ثم شارع الأزهر الذي بنوه، ومن خلاله يتم قمع أي محاولة للثورة.
روحانية مازالت باقية
عند عبور النفق المخصص للمشاة تجد نفسك واقفًا أمام الجامع الأزهر، هذا الجانب يعَّد مكانًا أكثر روحانية من منطقة مسجد الحسين، فمسجد الحسين تكثر فيه المقاهي والباعة ويبدو أنه أصابه التغريب فأصبح مصطنعًا هدفهُ تحقيق النمو التجاري فقط من خلال المقاهي والمطاعم، وهو ما يمكن ملاحظته بسهولة عندما تسير في هذا الجانب من المنطقة، حيث تجد رجلًا يقف بقائمة مشروباته ويعرض عليك الجلوس داخل قهوتهِ، كل هذه الأشياء جعلت المكان يفقد رونقه التاريخي نسبيًا.
ورغم أن منطقتي الأزهر والحسين متقاربتان من بعضهما إلا أن منطقة الأزهر تختلف اختلافًا كبيرًا لأنه بمجرد الخروج من نفق المشاة المؤدي إليها يمكنك سماع ترتيل القرآن الكريم بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، مما ميَّز المنطقة بطابع ديني سواء في المعاملات التجارية أو في العلاقات الاجتماعية، فمعظم قاطني هذه المنطقة من أصحاب اللحي، والمحال التجارية ذات طابع إسلامي وتشتهر ببيع السِبح والمصاحف وسجادات الصلاة، كما تضم المنطقة دور النشر الإسلامية التي تطبع المصاحف والكتب الدينية الفقهية، باستثناء بعض محلات الأكلات الشعبية والجزارة.
مازال جامع الأزهر يحتفظ برونقه التاريخي؛ فحلقات الذِكر مازالت تقام بداخلهِ وكذلك الدروس الدينية تعقد بهِ، لكنه بالطبع لم يعد كما كان عليه الحال منذ مئات السنين، وذلك لعدة أسباب، منها أن جامعة الأزهر قد نُقلت من هذا المكان ولم يعد الأزهر مكانًا لتلقي الطلاب للعلم، بل أصبح مكانًا لتأدية الصلوات، وهذا لا يمنع أنه مازالت تقدَّم فيه الدروس الدينية بمواعيد منتظمة وبين الصلوات الخمس، كما يتواجد داخله بانتظام الطلاب القادمين من آسيا وأفريقيا لتأدية الصلاة، وهم غالبًا من قاطني المناطق الخلفية للجامع كالباطنية وحواري الدرب الأحمر.
 عندما فكر جوهر الصقلي منذ البداية في بناء الجامع الأزهر تعمَّد أن يكون بناؤه في الربع الجنوبي الشرقي من المدينة بالقرب من باب زويلة، لأنه لم يرغب أن يتجول داخل المنطقة الغرباء القادمون من مناطق خارج حدود القاهرة كالفسطاط والقطائع والعسكر. ولم يكن يُعرف منذ إنشائه باسم الجامع الأزهر، وإنما أطلق عليه اسم جامع القاهرة، وظل هذا الاسم حتي تغير أثناء الحكم الفاطمي وأصبح يعرف باسم الجامع الأزهر، لأن الفاطميين كانوا يحبون أن تكون أسامي مساجدهم علي وزن »‬أفعل» التفضيل، فنجد مسجد الأزهر، وأيضًا مسجد الأقمر.
خارج الجامع الأزهر وتحديدًا بشارع الإمام محمد عبده - خلف الجامع - تنتشر المحلات التي تبيع الكتب الدينية والمصاحف، وبالتأكيد هذه العادات ليست وليدة الصدفة، لأن المنطقة قد تأثرت كثيرًا علي مر العصور حتي أصبحت بهذا الشكل الذي عليه اليوم، فشارع الإمام محمد عبده يعتبر تحفة معمارية بفضل البناء البديع الذي أنشأهُ السلطان قايتباي، وهو اليوم ليس أكثر من دكاكين لبيع الكتب القديمة والدينية بالإضافة إلي محل بقالة في الدور الأرضي، يعلوه طابقان عبارة عن ربع للسكن؛ الطابق الأول مجرد شبابيبك مغلقة والثاني يحتوي علي مشربيات، لكنه للأسف بناء - رغم شكله البديع – متهالك، وأضحي من مكان لاستقبال التجار الشوام إلي آخر لاستقبال المشردين من الناس، فعند مدخله تجد أكواما من القمامة لا تسر الناظرين يتوسطها دكة خشبية يستخدمها المشردون للنوم عليها في الليل وسط كومة القمامة.
معلومات مغلوطة
توقفتُ وسألت صاحب أحد دكاكين الوكالة فقال إن الوكالة في السابق كانت مزارًا سياحيًا يقصده السياح إلي أن أصبح مهجورًا بسبب إهمال المسئولين، فأصبحت الوكالة مأوي للمتسولين وأطفال الشوارع، موضِّحًا: آخر محاولة لترميم المبني وافتتاحه كانت في عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، ومن بعدها لم نجد أي مسئول يدخل هذا المكان.
بعد عدة أمتار وجدتُ عربة للمأكولات أمام حوض السلطان قايتباي، ذلك الأثر المسجل برقم ٧٤، الذي أنشأه السلطان قايتباي ليكون مشربًا للحيوانات. دخلتُ هذا المبني لأجد رجلًا خمسينيًا يجلس القرفصاء وفي يده اليمني سكين وفي اليسري قطعة من البطاطس يقطعها بعناية فائقة لتحميرها علي العربة المقابلة لحوض السلطان قايتباي.
تفاجأ الرجل بدخولي لكنني حاولتُ طمأنته وقلتُ له: جئت لأري المكان من الداخل فقط. عندها قال لي بنبرة حادة: »‬اتفضل بس متصورش أي حاجة هنا». سألته عن طبيعة المكان فترك التقشير الذي بيده وبدأ يتحدث إليّ كالعالم بالتاريخ والآثار ساردًا حكاية المنطقة، وعندما أردت أن أسرد ما قاله وجدتها معلومات مغلوطة لا ترقي إلي الحكي، لكنه جزم وأكد لي بأنه ليس أول من يستغل هذا الأثر لأنه قبل أن يحوّله لمطبخ خاص بعربته كان عبارة عن محمصة لبيع »‬اللب»، وهذا بالفعل ما رواه لي بقية سكان المنطقة وأكد عليه دكتور حسام إسماعيل.
زينب خاتون
أكملتُ السير بشارع محمد عبده، وانعطفتُ يمينًا، وجدتُ  مبني ضخماً يقع علي اليسار، ويتكون من ثلاثة طوابق، ما يميزه غزارة الشبابيك والمشربيات الخشبية بديعة النقوش، وهو أثر رقم ٧٧، منزل زينب خاتون. أمامه مقاه تشعرك وكأنك تجلس بمنطقة الحسين وتحديدًا مقهي الفيشاوي.
هذا البيت هو تحفة معمارية، يبدو عليه النظافة، والاهتمام الشديد من جانب وزارة الثقافة، يحمل ملامح العصرين المملوكي والعثماني، فالبيت تم بناؤه عام ١٤٨٦ ميلاديًا، أيام حكم المماليك لمصر، علي يد الأميرة »‬شقراء خاتون» التي يقال إنها حفيدة السلطان الناصر حسن بن قلاوون، ويقال أيضًا إنها عندما جاءت الحملة الفرنسية، هرب المماليك من ساكني هذا المنزل إلي صعيد مصر، كمحمد بك الألفي ومراد بك، وكانت زينب تعمل عند محمد بك الألفي، وعندما حدثت هذه التطورات في الأحداث منحها الألفي حريتها، فتزوجت من أمير مملوكي يدعي »‬الشريف حمزة الخربوطلي» ومن ثم أصبحت أميرة وحصلت علي لقب »‬خاتون» أي السيدة الشريفة الفاضلة.
واكتسبت هذه السيدة شهرتها الخاصة لأنها كانت شديدة الطموح، ولم تكتفِ بأن أصبحت أميرة، بل دخلت الحياة الاجتماعية من أوسع أبوابها عندما فتحت منزلها لإيواء الفدائيين و المجاهدين المصريين الذين يناضلون ضد الاحتلال الفرنسي والذين كانوا يلجأون إلي البيت عندما يطاردهم الفرنسيون، خاصة خلال ثورة القاهرة الأولي، ولقرب البيت من جامع الأزهر كان يلجأ إليها المصابون، وكانت تخصص منزلها لعلاجهم، وحتي دفن الشهداء منهم، فبعد زمن طويل تم العثور علي أكثر من ٢٥ جثة لأشخاص يُعتقد أنهم كانوا من الثوار المصريين ضد المحتل الفرنسي.
يعتبر منزل زينب خاتون نموذجًا للعمارة المملوكية، فمدخل البيت مصمم بحيث لا يمكن للضيف رؤية من بداخله، كما يضمن تصميمه وصول الضوء والهواء لواجهات البيت، الذي يحتوي علي غرفة الأميرة، وهي تخص الركن الخاص بالولادة في الطابق الثالث، فتتميز تلك الغرفة بالزجاج الملون المتقن الصنع الذي يضيء الغرفة بألوان مختلفة حين يسقط ضوء الشمس عليه.
عندما خرجت من بيت زينب خاتون وجدتُ علي يميني مسجدا ومدرسة باسم »‬العيني»، يلخص هذا البناء عبقرية الفن الإسلامي الماثلة علي جدرانه، فهي مدرسة تاريخية أنشأها أبو محمد بدر الدين المعروف باسم العيني عام ٨١٤ هجريًا، وقد عمل العيني في عدد من الوظائف منها الحسبة بالقاهرة، ثم تولي وظائف دينية كقاضي قضاة الحنفية بمصر في عام ٨٢٩ هجريًا، وتوفي عام ٨٥٥ هجريًا ودفن بها.
 المسجد من الداخل مهمل بشكل كبير، فجدرانه تكاد أن تسقط وينتشر التراب علي جميع أجزائه، من ينظر إليه من الخارج لا يمكن أن يتخيل أن شكله هكذا من الداخل. لقد زرته مرتين أثناء جولتي هذه، عندما دخلته في المرة الأولي كان الظلام قد حل بالمنطقة، ولم يسعني الوقت لأشاهده بصورة جيدة لأن الإضاءة داخله كانت ضعيفة للغاية، وعندما دخلته في المرة الثانية كانت الصورة أوضح؛ يحتوي القبر الموجود بداخله علي سجادة يبدو لونها من بعيد وكأنه أبيض من كثرة التراب الموجود بداخلها.
وسيلة والهراوي
خرجت من هذا المسجد فوجدت أمام بيت زينب خاتون منزلاً آخر يسمي ببيت العود أو بيت الهراوي، وهو يقع تحديدًا في نهاية زقاق العيني، ويشير النص التأسيسي الموجود عليه أن  مُنشئ هذا المنزل هو الحاج أحمد بن يوسف الصيرفي، رغم أنه يُنسب اليوم إلي عبدالرحمن بك الهراوي، الذي كان أحد المبعوثين ممن أرسلهم محمد علي إلي الخارج، فتعلم الطب، وعندما رجع إلي مصر اشتري هذا المنزل وسُمي بعد ذلك ببيت الهراوي، لكن البيت في الأساس هو بيت مملوكي.
بجانبه يقع منزل آخر يسمي بيت الست وسيلة، وهو الآن بيت للشعر شيدهُ عبد الحق وشقيقه لطفي، ثم انتقلت ملكيته حتي وصلت إلي الست وسيلة خاتون بنت عبد الله البيضا، إلي أن رُمم هذا المنزل وأصبح اليوم مزارًا سياحيًا في هذه المنطقة التي تُسمي تحديدًا بالباطنية، تلك البقعة التي عانت كثيرًا بسبب تجارة المخدرات وأصبحت اليوم مكانًا سياحيًا يليق بالقاهرة الفاطمية وذكرياتها.