رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

رفعت سلام:أنتمي إلي جيل «منقرض» من الحياة الأدبية


حوار: عباس ثائر
6/8/2019 9:58:40 AM

شاعر لا يتملكه الوهم، هو السلسلة المتينة بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر في مصر، عامَ في النهرين، ضوءٌ من أضواء الشعر الحديث في العالم العربي، نقل للعرب أفخم الكتب وأهمها، له صداقة وثيقة مع الترجمة والحياة فيها، إنه الشاعر والناقد المترجم رفعت سلام، الذي وُلِد في مصر عام 1951، ودرس الصحافة، وفي عام 1977 شارك في تأسيس مجلة »إضاءة 77»‬، ثم أصدر مجلة »‬كتابات» الأدبية، التي صدر منها ثمانية أعداد.
أصدر سلام سبعة دواوين شعرية: »‬وردة الفوضي الجميلة» (1987)، »‬إشراقـات رفعت سلاَّم» (1992)، »‬إنها تُومئ لي» (1993)، »‬هكذا قُلتُ للهاوية» (1995)، »‬إلي النهـار الماضي» (1998)، »‬كأنَّها نهايـة الأرض» (1999)، »‬حجرٌ يطفو علي الماء» (2008). بالإضافة إلي العديد من الدراسات والترجمات، منها: »‬المسرح الشعري العربي»، »‬بحثًا عن التراث العربي: نظرة نقدية منهجية»، »‬بوشكين، الغجر.. وقصائد أخري»، »‬ماياكوفسكي، غيمة في بنطلون.. وقصائد أخري»، »‬كربرشويك: الإبداع القصصي عند يوسف إدريس»، »‬ليرمونتوف: الشيطان.. وقصائد أخري» »‬دراجو شتامبوك: نجومٌ منطفئةٌ علي المنضدة»، »‬شارل بودلير: الأعمال الشعرية الكاملة» وغيرها.

في عام 1993 حصل سلام علي جائزة كفافيس الدولية للشعر. ومؤخرًا فاز بجائزة أبي القاسم الشابي الأدبية لعام 2018 عن ترجمته لديوان »‬أوراق العشب» للشاعر الأمريكي والت ويتمان للغة العربية، وعلي ضوئها كان لنا معه الحوار التالي..
يخلص فريدريش شليجل إلي أن: »‬كل قصيدة جنس أدبي مستقل بذاته». هل تري أن النص الشعري الحديث في داخله جنس أدبي آخر يتفاعل معه وفق قدرة الشاعر علي الخلق الأدبي؟
النص الشعري الحديث فضاءٌ متاح لتفاعل أجناس أدبية وإبداعية عامةً (كالفن التشكيلي، والسينما، إلخ)، وفقًا لقدرة وطاقة الشاعر. وفي هذا النص، تفقد تلك الأجناس استقلاليتها الذاتية، لتصبح لبنةً - أو لبنات - في بنية النص الشعري، كنص متعدد الطبقات والتضاريس والأزمنة والآفاق. وهي إمكانية متاحةٌ للجميع، لكن ما أندر الشعراء القادرين علي امتلاكها، وتحويلها من أفكار »‬نظرية» إلي نص شعري حقيقي.
في حديثه عن الشعر قال أفلاطون: »‬ذلك الجوهر الخفيف المجنح». بماذا يُعرِّف رفعت سلام الشعر؟ وهل إمكانية أن تصيرَ شاعرًا متاحة للجميع؟
كل التعريفات ناقصة. فالشعر يستعصي علي التعريف، وعلي التحديد. وما أكثر التعريفات والتحديدات التي قدمها الفلاسفة والشعراء؛ لكنها تبرهن - كل مرة - علي نقصانها.
أما إمكانية أن يصبح المرء شاعرًا، فهي بالفعل متاحة للجميع؛ لكن مَن يستطيع ذلك؟ مَن القادر علي أن يصبح شاعرًا حقًّا؟ تلك هي المشكلة.
وأنت تترجم أعمال بودلير الكاملة، وقبل أن تنتهي من الترجمة، هل شعرت بوصال بين قصيدة النثر العربية وقصيدة بودلير؟ وهل وجدت شعرك أقرب إلي الغرب منه إلي العربي، أم العكس؟
ما من وشائج قوية بين أعمال بودلير وقصيدة النثر العربية. فأعمال بودلير لم تترجم بكاملها من قبل (هناك ترجمات سابقة متفاوتة الشمولية والمستوي والدقة لهذا العمل أو ذاك). فلم تتأصل لديهم علاقة وثيقة بإبداعات بودلير، ولا برؤاه النقدية.
أما شعري، فأعماقه تراثية (ذلك التراث الذي قد يبدأ من »‬شكاوي الفلاح الفصيح»، إلي امرئ القيس والمتنبي، وصولاً إلي صلاح عبد الصبور والسياب، إلي نيرودا وإليوت وماياكوفسكي، إلخ). فـ »‬التراث» عندي لا يقتصر علي التراث »‬العربي» (برغم جذوره العميقة المؤسسة لأعمالي الشعرية)، بل يمتد - بلا حدود - إلي كل التراثات الشعرية في ثقافات العالم.
لا أنغلق في تراثي المباشر (المصري/ العربي)، فأراه نهاية العالم، وأري »‬الآخر» - بالتالي - فاقد القيمة؛ ولا أتماهَي مع »‬الآخر»، الأجنبي، باعتباره الغاية والبرهان؛ فأفقد شخصيتي الإبداعية.
هل أتعبك القاموس العربي؟ بمعني أيفتقر القاموس العربي لمفردات تغطي بالكامل المفردات الفرنسية أو الإنجليزية؟ هل وجدت مشتركات بين الشاعر الأجنبي والعربي؟
ليست هناك لغات متكافئة مائة في المائة. ذلك يعني أن القاموس العربي يفتقد الكثير من المفردات والتركيبات اللغوية المتكافئة مع ما في الفرنسية أو الانجليزية. وإذا ما راعينا أن القواميس اللغوية لدينا لا تتطور أو تتجدد، منذ العصور الوسطي، تقريبًا، لاكتشفنا مدي الهوة التي تفصل قواميسنا عن قواميسهم، التي لا يكفون عن تجديدها، وإضافة الجديد إليها في كل طبعة. وهو ما يعانيه المترجمون العرب بفعل تقصير اللغويين العرب.
والمشتركات بين الشاعر العربي والأجنبي ليست كبيرة، إلا في مجال تأثر الشعراء العرب بالتيارات والشعراء الأجانب، ابتداءً من الحركة الرومانتيكية العربية »‬الديوان» و»أبوللو»، وما بعدها (إديث سيتويل، إليوت، رامبو، سان - جون بيرس، إلخ). فهي ليست مشتركات، بل تأثرات.
بوجهة نظركَ كمترجم وشاعر، ما التأثير الذي أحدثته لغة المترجمين بالقصيدة الحديثة؛ ونحن نعلم أن تلقي القصائد المترجمةَ يكاد يكون عالياً بالنسبة للكتّاب والشعراء؟ هل تتفقُ معي أن هناك من أصبحت لغة الترجمة من أهم مغذيات قاموسه الشعري، لدرجة نكاد نقرأ نصوصاً لشعراء عرب وكأنها نصوص مترجمة عن لغةٍ ما، ما تعليقك بهذا المنحي؟
نعم، ذلك صحيحٌ إلي حدٍّ كبير، للأسف الشديد.. خاصةً أن غالبية الشعراء لا يعتبرون أنفسهم معنيين باللغة، بتعميق معرفتهم بها (وهي أداتهم الرئيسية)، بتطوير امتلاكهم لها، باكتشاف مستوياتها المختلفة.. وخاصةً أن لغة المترجمين ليست أفضل حالاً، بل - في العموم - أكثر بؤسًا بكثير. إنها حلقة مفرغة من البؤس اللغوي.
في جوابك علي سؤال صحفي »‬متي تحدث الخيانة في الترجمة»، قلت: »‬حينما لا يفهم المترجم ما لا يفعله، ويدمر التحفة التي قدمها الشاعر، ويقدم نفسه هو، لا الشاعر». في بدايتك مع الترجمة، هل شعرت ذات مرة أنك دمرت تحفةً ما، فاعتذرت لها عندما أدركت خيانة الترجمة، وصرت أكثر معرفة في الترجمة؟
لحسن حظ القارئ، وحظي، أن بداياتي في الترجمة لم تكن تستهدف النشر؛ بل كنت أترجم لنفسي (قصائد بوشكين) لأدرك - علي نحو أدق - تجربته الشعرية، كمؤسس للحداثة الشعرية الروسية. ولأني كنت أترجم لنفسي، كنت أتحري الدقة الشديدة.
ولأني أنتمي إلي جيل »‬منقرض» من الحياة الأدبية المصرية والعربية (ربما هو آخر جيل متشدد في التدقيق اللغوي)، فقد انتقل التشدد في التدقيق معي من الشعر إلي الترجمة.
والحقيقة، أنه عندما طُلب مني كتاب »‬الغجر وقصائد أخري» لبوشكين لإصدار طبعة جديدة منه، بعد سنوات من طبعته الأولي، توقعت - بيني وبين نفسي - أن أكتشف فضائح وكوارث في الطبعة الأولي (وهي أول ترجمة تصدر لي في كتاب). ومن جديد، قمت بمراجعته علي الأصول التي ترجمت منها، وأنا متوجس؛ لكني - لسعادتي - لم أجد تعديلات مطلوبة ذات بال.
لو جاء مترجم شاب وترجم نصك بطريقة لا تعجبك، وخان النص لجهل منه، ووصل النص بطريقة المترجم، ماذا سيكون ردك، كشاعر ومترجم؟
بالطبع، سأرفض الترجمة. فلا مجاملة أو حياء في هذه الأمور. وقد حدث ذلك ذات مرة. فطلبت من المترجم - الذي كان يترجم »‬إنها تومئ لي» إلي الانجليزية - بضرورة إحالة الترجمة إلي مراجع معين. وقال لي المراجع إن الترجمة لا علاقة لها بالانجليزية. وقام بنفسه بترجمة الديوان، بعد موافقتي. وهو الآن منشور، ومتاحٌ بموقع الأمازون.
أيهما أقرب إليك، بودلير أم كفافيس؟ ومن وجدته الأصدق؟ ومع من كنت الأشعر والأكثر معرفة في النص، ولم؟
لا أترجم إلاَّ مَن كان قريبًا مني علي نحوٍ ما. إنهم مؤسسو الحداثة الشعرية في ثقافات العالم القريب منا. ولا أشعر بأفضلية معينة لهذا علي ذاك. فلكل منهم وجهه الشعري الناصع الذي لا يفضل الوجوه الأخري، ولا يمكن الاستغناء به عن سواه. فأنا - في أعماقي - مع تعددية الأبعاد، تعددية الوجوه، تعددية الطبقات الجيولوجية في الشعر. وقد قدم كل منهم ملمحًا خصوصيًّا - أو أكثر - قد لن تجده لدي الآخر، رغم المشتركات »‬الحداثية». وبالمناسبة، فقد تأثر كفافيس نفسه - في بداياته الشعرية - ببودلير، في بعض قصائده الموزونة، وقصائد النثر.
ما رأيك إذا ما حملت قصائد النثر الجهد السياسي، كالماغوط مثلًا؟ هل السياسة تثقل كاهل النص الشعري؟
في الشعر، ليست هناك أحكام عامة مطلقة، صالحة لكل زمان ومكان. فهو مجال النسبي، والمحتمل، والمتغير. ولا ممنوعات، ولا محرمات، ولا خطوط حمراء. فالقصيدة ليست قفصًا، هي أفق مفتوح، يكتنز آفاقًا خفية بعيدة المنال.
فكل ما تتضمنه القصيدة - في »‬قصيدة النثر» أو سواها - مرهونٌ بقدرات شاعرها، وتوجهاته. فحين كتب السياب »‬ما مر عامٌ والعراق ليس فيه جوع» في قصيدته الشهيرة »‬أنشودة المطر» كانت طلقة نافذة في قصيدة غير سياسية. إنها مسألة نسبية، لا مطلق فيها، مرهونة بالشاعر، وبالمتلقي.
إلي أين تسير قصيدة النثر؟ وبرأيك مَن أهم الأجيال التي كتبت قصيدة النثر في الوطن العربية عامة، وفي مصر خاصة؟ وهل تري جيل ما بعد 2000 - وصولًا ليومنا هذا - هو جيل قادر علي إنتاج قصيدة نثر حقيقية؟
انطلقت قصيدة النثر - في موجتها الأولي - بلبنان، مع الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس، إلخ. لكنها ظلت محصورة ومحاصرة داخل مجموعة مجلة »‬شعر». ومع مجيء »‬شعراء السبعينيات»، قاموا بانتشالها، وبث الحياة فيها، خارج البؤرة البيروتية. وانتشرت بعد ذلك »‬من المحيط إلي الخليج».
لكن الغالب عليها الآن تحولها إلي »‬نمط» تكراري، جاهز، يعيد إنتاج ذاته بلا ملل. وهو ما يدفع إلي اعتباره حالة »‬طارئة»، عابرة، تشير إلي ضرورة تجاوزها إن آجلاً أو عاجلاً.
اللغة سلاحك الحاد في النص الشعري الذي تكتبه. وبعض الشعراء والنقاد يري أن التركيز علي اللغة هي دعوة ضمنية للعودة إلي السالف الشعري، وإلي ما مضي من الشعر، كالاهتمام بالبلاغة، وهذا عكس ما تريده الحداثة بحسب بعض الآراء. ما الذي تقوله أنت؟
هي آراء مَن لم يقرأ لي، مَن لم يُمسك بيديه عملاً شعريًّا واحدًا لي. فالبعض يتناقلون الشائعات حول شعر هذا وذاك، إلي أن تصبح عامة، بلا حاجة إلي قراءة.
وبالرغم من عدم اهتمامي بما تريده »‬الحداثة» و»ما بعد الحداثة» أو سواها، إلا أن هذه الملاحظات السابقة هي نقيض ما ينتهي إليه النقاد الجادون، لدي تناولهم أحد أعمالي الشعرية، أو كلها. ولن أشير إلي مراجع، فليبحثوا بأنفسهم عنها، إن أرادوا، وليقرأوا قبل إصدار الفتاوي المسمومة.
بعد الخروج من عباءة الفراهيدي الرجل الحكيم هل يصح الدخول لعباءة سوزان برنار، والتقيد بشروطها؟ ألم تكن قصيدة النثر انتفاضة علي التقيد وخنق الحرية؟ وعند اللجوء لسوزان، ألا يعني أننا وضعنا أنفسنا تحت بند آخر لا يختلف عن بنود الفراهيدي المحاصرة للنص؟
لا شروط مسبقة في الشعر، لا قادمة من الفراهيدي ولا من سوزان برنار. فالحرية »‬المطلقة» هي أفق قصيدة النثر، الذي لا يعيه، ولا يسعي إليه، شعراؤها الراهنون في الشعرية العربية. و»السلفية» الشعرية واحدة، بصرف النظر عن مصدرها. والسمات التي استخلصتها سوزان برنار من رحلتها الطويلة مع قصيدة النثر الفرنسية، لم تزعم أنها قوانين مطلقة، »‬صالحة لكل زمان ومكان»؛ بل بعض »‬كبارنا» هم مَن عمموها باعتبارها كذلك، وجري بعض الصغار وراءهم في ذلك (لي مقال منشور - منذ سنوات - في نقد أطروحات سوزان برنار).
كيف وجدت الأسلوبيّة لدي والت ويتمان، والصورة والفكر والفكرة؟ هل وجدت شاعرًا عربيًا مترجمًا يشبهه ومتأثر به؟
هي أسلوبية متحررة من التقاليد السابقة، المكبلة للخيال الشعري. ولهذا، فهي تأسيس لحداثة شعرية غير مسبوقة في الشعر الأمريكي (والشعر المكتوب بالانجليزية عامةً). أسلوبية تمزج بين اللغة »‬الأدبية» ولغة الشارع العادية الخارجة علي القواعد والمعايير. وصورة مستمدة من حركية الشارع والناس العاديين، وأحلامهم وطموحاتهم وعذاباتهم الحياتية، بحثًا عن عالم واحد بلا انقسامات عنصرية أو طبقية أو دينية. ولأن هذا الحلم يظل عصيًّا علي التحقق، حتي الآن، بعد أكثر من قرن من وفاة ويتمان، فسيظل شعره حاضرًا في الوعي والضمير الأمريكيين والإنسانيين.
وربما لو اكتشفه الشعر العربي مبكرًا، وعلي نطاق واسع، لكانت فاعليته - في الشعر العربي - أقوي من فاعلية إليوت، علي سبيل المثال. لكن حضوره الشمولي بترجمة أعماله الشعرية الكاملة جاء متأخرًا.. وربما نكتشف تأثيرات ذلك فيما بعد.
كيف فضضت النزاع الذي يحدث في عمق الروح بين الشاعر رفعت سلام والمترجم رفعت سلام؟ كيف منعت الشاعر من أن يمدَّ أنفه في أعمال المترجم؟ وما هو الألم الذي كابدته؟
في الشعر، أترك نفسي كاملة للكتابة. وفي الترجمة، أراقب نفسي تمامًا في العمل، مع كل جملة. والأفدح أن الشاعر بداخلي يسخر كل إمكانياته - اللغوية، والخيالية، والإيقاعية، والثقافية عامةً - لصالح المترجم، لكن مع الانتباه البالغ إلي »‬عدم التدخل»، إلي استقلالية النص المترجَم المطلقة كتعبير عن شاعر آخر، والحرص علي عدم الخلط بين »‬الأنا» و»الآخر»، وكراهيتي لفرض الوصاية علي »‬الآخر» بالإكراه.
وربما كان إحساسي بالتحقق الشعري الذاتي هو ما ساعد علي ذلك؛ فلست بحاجة إلي فرض ذاتي علي »‬الآخر»، أو تأميم نصه الذي أترجمه، أو مصادرته لحساب رضائي عن نفسي.
ولم يعد ثمة ألم في ذلك. كانت هناك صعوبة، في البداية. أما مع الزمن، وتكرار العمل، فقد أصبح ذلك أساسًا بديهيًّا بداخلي.
لو قالوا لك: انصح بعض القراء أن يختاروا من أعمالك التي ترجمتها: كفافيس، رامبو، بودلير، ليرمونتوف، بوشكين، ماياكوفسكي، والت ويتمان، ولم؟ وأي الترجمات التي ترجمتها أقرب لنفسك ولقصيدتك؟
سأنصحهم بقراءة الجميع، لكن مع تأخير قراءة رامبو بالذات إلي المرحلة الأخيرة، لصعوبة تلقي تجربته الشعرية، فحسب.
ولا يمكن لشاعر من هؤلاء أن يحل محل الآخرين، أو ينوب عنهم. ولو كان ذلك ممكنًا لقمتُ بنفسي - قبل الترجمة - بفعله، واستبعدت مَن يُعتبَر »‬الأقل أهمية». فهم جميعًا المؤسسون لحداثة الشعر في ثقافاتهم »‬المختلفة». وهذا »‬الاختلاف» هو ما يمنح طبيعة متمايزة لكل منهم، ومذاقًا خاصًّا لتجربته الشعرية.
وربما كانت »‬غيمة في بنطلون» لماياكوفسكي هي الأكثر اشتباكًا مع نصوصي الشعرية السابقة واللاحقة لترجمتي لها؛ فالمشتركات - في النزوع الشعري - متعددة بيني وبين ماياكوفسكي.
شاعر وناقد ومترجم وصحفي، سأقتطع شاعر وناقد، وأسألك عنهما: هل حدث شجار بينك كشاعر وبينك كناقد؟ هل تدخل النقد في عملية كتابة  القصيدة؟ وإن تدخل النقد في الشعر، ألا يعني أن كتابة الشعر أصبحت آلية ومتاحة للجميع؟
لم أعتبر نفسي - في أي يوم - ناقدًا. ولم أذعن إلا متأخرًا لفكرة أني مترجم. فالشعر عندي يأتي أولاً وثانيًا وعاشرًا.. وبعده يأتي أي شيء. وما أكتبه من مقالات تبدو »‬نقدية» يأتي كصدي لكتابتي الشعرية، أي إنه لاحقٌ عليها، ربما لفهمها علي نحو أعمق، أكثر منهجية.
ولأنني أكتب - منذ الثمانينيات - »‬أعمالاً شعرية»، لا دواوين تجمع القصائد المتتالية في شكل كتاب، فإنني ممتن للمَلَكة »‬النقدية» عندي التي تراقب وتضبط توجهات البنية خلال فعل الكتابة المتواصلة، طويلة الأمد.
فما أكتبه - خارج الشعر - لا يزيد عن أفكار، أو تأملات، أو خواطر يعرفها الشعراء، مثل صلاح عبدالصبور وإليوت وأدونيس وأنسي الحاج.
ما رأيك في انتفاضة وسائل التواصل الاجتماعي الشعرية؛ وهل تراها أنتجت أدباءً قادرين علي أن يخلقوا واقعًا داخل عالم افتراضي، أم أنها أساءت للشعر بوجه خاص، وهي »‬تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقي، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فورًا. أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء».. كما يذهب الكاتب الفيلسوف أمبرتو إيكو؟
وسائل التواصل الاجتماعي هي أدوات للنشر، لا أكثر. هي حل لدي الكثيرين- الجادين والهزليين- لنشر أعمالهم المتفاوتة، بصورة آنية. وتوصيف »‬إيكو» - برغم طرافته - صحيح؛ لكنه يبدو لي منزعجًا أكثر من اللازم. فحتي البلهاء لهم الحق في الكلام.. وعلي الآخرين التمييز بين المتكلمين، بين الكلام وسواه، لا التوحيد بينهم. تلك مسئولية المتلقين، لا وسيلة التواصل..
هل تري أن قصيدة النثر بديلًا حقيقيًا عن شعر العمود والتفعيلة؟
لا بدائل في الإبداع عمومًا، ولا في الشعر بالتالي. والحركات الشعرية (والفنية عمومًا) لا تنشأ برغبة ذاتية، فردية. فصعود قصيدة »‬التفعيلة» في الخمسينيات، وإزاحتها للقصيدة العمودية من موقع صدارة الشعر العربي، كانت له ضروراته الثقافية والإبداعية الموضوعية. وهو ما حدث - في السنوات الأخيرة - مع »‬قصيدة النثر»، بعد أن بلغت قصيدة التفعيلة حالة من الركود العاجز عن التطور الذاتي (ما يؤكده أن النماذج المطروحة حاليًّا من قصيدة »‬التفعيلة» لا تقدم إضافة، بأي معني علي تراث النص »‬التفعيلي»، بل ترتد إلي حالة متهافتة من الرومانتيكية البالية). وهو ما سيحدث مع »‬قصيدة النثر» إن واصلت دورانها في الحلقة المفرغة التي تنسجن فيها حاليًّا من »‬النمطية» وإعادة الإنتاج والتكرار شبه الآلي.
ما الانعكاسات التي تركتها مرآة قصيدة التفعيلة علي قصيدة النثر، أو ما الخواص التي ورَّثتها التفعيلة لقصيدة النثر. وهل ثمة ترابط بين الشكلين، وهل وجدت اختلافًا بين قصيدة رفعت سلام - التفعيلة - وبين قصيدته - قصيدة النثر - وبأيهما كان الأكثر دقة ووضوحًا؟
أبسط وأوضح هذه الانعكاسات هي طريقة الكتابة علي الصفحة. فهم يقطعون الجملة ويوزعونها علي أسطر متتالية بلا ضرورة »‬إيقاعية» أو دلالية.. بل وراثةً عمياء من قصيدة التفعيلة، بلا إعادة نظر. وقد كان الإيقاع »‬التفعيلي» هو ما يغطي علي فقر الخيال والرؤية والافتقار إلي أفق جديد في القصيدة. والآن، فغالبية ما يُنشر باسم »‬قصيدة النثر» يفضح فقر الخيال والرؤية والافتقار إلي أفق جديد، عاريًا حتي من الإيقاع.
وبالنسبة لي، فلم يطُل بي المقام في رحاب »‬التفعيلة» إلا في الديوان الأول »‬وردة الفوضي الجميلة». وبعده، في »‬إشراقات رفعت سلام»، امتزج »‬النثري» بـ »‬التفعيلي»، وأصبح »‬التفعيلي» إحدي أدوات بناء النص إيقاعيًّا.. بلا أحادية.