رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أخبار

في مؤتمر دولى بين جامعتى القاهرة وبابل

توجيه البحث العلمي لحل مشكلات المجتمع


مني نور
4/13/2019 11:06:49 AM

انتهت فعاليات المؤتمر العلمي الدولى لكلية الآداب جامعة القاهرة عن البحث العلمى والدراسات البينية، وخرج المشاركون فيها بعدة توصيات منها، حث الجهات المعنية (وزارات التعليم العالى، والتربية والثقافة والمؤسسات البحثية ذات العلاقة) على تقديم الدعم اللازم للنشاطات البحثية فى مجال العلوم البينية، مع تفعيل الدراسات البينية بما يرتقى بالإنسان نحو الأفضل، كما أوصوا بتبنى النظريات الجديدة، والبحوث التى تصب فى مجال الدراسات البينية وإيجاد طرائق متعددة للترويج لها ونشرها لأنها تمثل جهداً أكاديمياً عربياً جديداً، مع تذليل كل ما من شأنه إتاحة اللقاء العلمى والبحثى بين العلماء والباحثين المختصين بالعلوم المختلفة، مع ضرورة سعى المؤسسات الأكاديمية لتطوير المنظومة التربوية والتعليمية التى ترتقى بالبحث العلمى والدراسات البينية، مع العمل على إعادة الوحدة التى تشمل تنوع العلوم الإنسانية واختلافاتها، وتستعيد الصلات المهملة بينها، مع التأكيد على أهمية العمل على تطبيق البحوث التى تخدم التنمية فى مصر والعراق، وفى النهاية طالبوا بتطوير أساليب التعليم فى المدارس والجامعات العربية بالانتقال من التعليم إلى التعلم والتعليم، وشددوا على التوصية بزيادة البعثات فى الوطن العربى، حيث إن الدراسات البينية تؤكد على عدم جدوى أحادية التفكير.
وكان المؤتمر قد تم نتيجة تعاون علمى مشترك بين كلية الآداب جامعة القاهرة، وكلية التربية الأساسية بجامعة بابل بالعراق، واستمرت أعماله يومين، تم فيهما- حسب قول الدكتور جمال الشاذلى وكيل كلية الآداب للدراسات العليا والبحوث ورئيس المؤتمر- مناقشة 158 بحثاً علمياً، من بين 342 بحثاً تم تقديمها فى التخصصات المختلفة.
كانت أولى المشاركات عن فلسفة الصورة الذهنية بين لوحة العشاء الأخير لدافنشى وقصيدة تراتيل الوداع لعمر هزاع، أوضحت فيها د. ابتهال تركى (بغداد) أن الدراسات البينية بين الفن الشعرى اللسانى والفن التشكيلى من مشتركات عدة وثوابت معينة أهمها وحدة البناء الأيقونى الذهنى، مشيرة إلى أن الصورة الذهنية واللسانية الشعرية لا يمكن تجريدها من كونها أيقونات من رسائل الخطاب الإنسانى الجمالى الإبداعى لها رؤية، وأطراف تتلقى هذه الرؤية وتفكك شفراتها بتشغيل الراجع الثقافى للمرسل والمرسل إليه، ولذلك وجدنا مشتركات فلسفية ثقافية ثابتة وأخرى محورة بين لوحة دافنشى (العشاء الأخير)، وقصيدة (تراتيل الوداع) لعمر هزاع.
وعن الخطاب الأيديولوجى من (دون كيخوتى) إلى عيسى بن هشام، قال د. أحمد عبدالعزيز (آداب القاهرة) إن مثل المويلحى كمثل ثربانتيس، فإذا كان المويلحى يأتى تاريخياً بعده بما يقرب من ثلاثمائة عام (1858- 1930) فإنه آثر أن يودع فكره فى (حديث عيسى بن هشام) ويخرج من القبر شخصية باشا ينتقد المجتمع الذى أتى إليه، وتكاد أخلاقيات الباشا وأيديولوجيته تتشابه مع مبادئ الفروسية التى يحاول الكيخوتى تطبيقها، ويتشابه الاثنان فى السخرية المرة مما يدور حولهما، وما لا يجوز أيضاً، ومحاربة طواحين الهواء بلا جدوى تكاد تعادل ما يحدث للباشا مع الشرطة والحمار ومن حوله، واختتم د. عبدالعزيز بقوله: إن كليهما عاش فى عالم من خياله أو موته، وجاء إلى عالم مغاير، ولابد من الصدام بينها وبينه، تلك إذن أيديولوجيا الخطاب التى قام عليها هذا البحث.
وخص د. أحمد لفته (جامعة القادسية) المؤتمر ببحث عن تقنية الكتابة فى بلاد الرافدين ودورها فى التواصل الحضارى مع حضارات الشرق الأدنى القديم، أوضح فيه أنه لم تكد تمضى خمسة آلاف عام على بداية العصر الحجرى الحديث الذى أنهى العصور الحجرية القديمة فى بلاد الرافدين، حتى توصل العراقى القديم إلى الاختراع الأعظم فى تاريخ البشرية، وهو اختراع الكتابة، لينهى عصور ما قبل التاريخ التى بدأت مع ظهور الإنسان على الأرض، فبالكتابة ابتدأت العصور التاريخية التى شغلت الخمسة آلاف سنة الأخيرة وازداد إيقاع التطور الحضارى سرعة، ولم ندخل إلى الألف السادسة بعد اختراع الكتابة، إلا وتحققت الثورتان التاليتان لذلك الاختراع الأساسى، وهاتان الثورتان هما الثورة الصناعية والثورة المعلوماتية وأنه لو لم تخترع الكتابة فى بلاد الرافدين قبل خمسة آلاف عام، لما تراكمت خبرات الأجيال وتصاعد العطاء الحضارى حتى وصل إلى الثورة الصناعية ومن ثم الثورة المعلوماتية.
وأكد د. أحمد أن الثورة المعلوماتية ليست إلا الصفحة الثانية من ثورة حضارة واحدة كانت صفحتها الأولى اختراع الكتابة فى بلاد الرافدين قبل خمسة آلاف عام، فكلاهما بدأ من الحساب والعد، وكلاهما حفظ المعرفة ووضعها فى خدمة الإنسان، وكلاهما عبر بالمعرفة حدود الزمان والمكان.
وعن البينية فى فكر جمال حمدان: شخصية مصر نموذجاً، أكدت د. فاطمة الزهراء على (آداب القاهرة) أن البينية والتداخل بين العلوم لمد جسور معرفية تسهم فى تطوير البحث العلمى فهماً وتحليلاً وتنظيراً، ويسعى المنهج البينى إلى تحقيق أربعة أهداف أساسية هى دمج المعرفة والإبداع فى طريق التفكير، وتحقيق التكامل، وإنتاج المعرفة، تلك الأهداف قد تبلورت بصورة جلية فى فكر جمال حمدان، خاصة فى كتاب (شخصية مصر)، فقد استطاع من خلال (شخصية مصر: دراسة فى عبقرية المكان) أن يحدد القسمات الواضحة فى الشخصية المصرية بأنها فلتة جغرافية نادرة لها عمقها الاستراتيجى، وموقعها السياسى وموضعها الحضارى الذى يحمل بين طياته تفاعلات الإنسان المصرى مع البيئة عبر التاريخ من خلال تبنيه للرؤية البينية محققاً للأهداف الأربعة، فشخصية مصر عنده (لا تنسب إلى ما يسمى بالجغرافيا التقليدية، وإنما ترتفع إلى رؤية عمرانية استراتيجية شاملة، تبدأ من الواقع الجغرافى الطبيعى) لتمتد فتشمل مختلف القضايا الإنسانية والاقتصادية والإقليمية والسياسية والاجتماعية والثقافية.  وتناولت د. جيهان عمران (آداب القاهرة) دور الوثائق العربية فى إحياء التراث الإنسانى، حيث أوضحت أن بحثها يسعى إلى دراسة ونشر لإحدى الوثائق العربية التى ترجع إلى العصر العثمانى ق12هـ/ 16م، المحفوظة بدار الوثائق القومية بالقاهرة، بأحد سجلات محكمة الباب العالى وبالتحديد سنة 1110هـ/ 1691م، التى تكشف عن تراث إنسانى كان قائماً فى تلك الفترة، وذلك من خلال ما تحويه الوثيقة من تحرير لمقتنيات مكتبة إسلامية داخل منشأة دينية تعليمية من العصر المملوكى، وهى مكتبة السلطان الأشرف أبوالنصر قايتباى، والتى وقفها بجامعه وبتربته بجبانة المماليك 879هـ/ 1470م.
وترجع أهمية الوثيقة فيما تحويه إلى أن نص الوثيقة يعتبر بمثابة مصدر أولى فى الكشف عن رصيد مقتنيات الواقف السلطان قايتباى والخاصة بعمارة مدرسته، الكشف عن الإجراءات والنظم التى كانت متبعة فى ضبط وتحرير مقتنيات المكتبة بين يدى قاضى القضاة لتسليم المقتنيات لخازن الكتب حينذاك لوفاة خازنها السابق، وفى حضور موظفى المكتبة، حيث يعد هذا الإجراء بمثابة جرد لمقتنيات المكتبة، كما يعد فهرساً مفصلاً لما تحويه المكتبة من المصاحف والكتب، موضحاً العمليات الفنية التى كانت متبعة فى تصنيف الكتب، كما تعد الوثيقة أحد المؤشرات للقياس الفكرى الذى يمكن من خلاله رصد مستوى التنوع التعليمى والثقافى، وبما تشمله الكتب من تعددية الموضوعات الدينية والدنيوية لخدمة العملية التعليمية والثقافية.
وحول الأدب الحديث والمرض، تحدثت د. جنان وحيد (آداب المستنصرية) عن المسرح كأداة للعلاج النفسى، لافتة إلى أن بحثها يتناول السيرة الذاتية للمرض وكيفية بروزها كأسلوب أدبى، يفيد كمصدر للمعلومات علماء الأنثروبولوجيا الطبية، وقد حاول المرضى الذين يصفون تجربتهم الشخصية تثقيف المهنيين الأطباء والناس بشكل عام حول تأثير المرض على عملهم وحياتهم الاجتماعية، الجوانب التى فى الغالب يتم إهمالها فى عالم الطب.
وتمهد الدراما الطريق للمشاركة الفعالة فى العالم، ومن هنا يمكن رؤية إمكانية قوية للشفاء من الأمراض فى المسرح، وأوضحت أنه فى الدراما يظهر المرض فى الأداء الحى من خلال الآثار المطهرة لكل من الشفقة والخوف، وأن الدراما الحديثة تهدف إلى خلق مناخ علاجى لمساعدة الأشخص الذين يعانون من مشاكل جسدية أو عقلية ليستطيعوا التغلب على مشاكلهم، كما يسلط البحث الضوء على ما يُعرف بالعلاج بالمسرح، والذى يركز على الخصائص العلاجية للدراما، والتى تستخدم لمساعدة الأشخاص المصابين بالاضطرابات العقلية والنفسية كالفصام والتوحد، وتساعد فى تقليل أعراض هذه الاضطرابات، من خلال نصوص تناسب المجموعة.
وتحت عنوان (علم النفس الثقافى.. دراسة بيئية أم تخصصية) كانت مداخلة د. إيمان الصادق (السودان)، حيث إن الدراسة تهدف إلى التعرف على علم النفس الثقافى، وهو فرع من فروع علم النفس، يهتم بدراسة أوجه الشبه والاختلاف بين الخصائص النفسية الشائعة فى مجتمعات أو ثقافات مختلفة، كما تهتم بالدراسة المقارنة بين أكثر من مجتمع وأكثر من بيئة بالنسبة لموضوع واحد.
وأوضحت الدراسة أن الاهتمام كان منصباً فى الدراسات الثقافية إلى المقارنة بين الأمريكيين والأوروبيين واليابانيين، ويمكن تفسير هذا الواقع بكون التكنولوجيا تعتبر أهم عنصر فى تقييم الثقافات الإنسانية حالياً، وبما أن الشعوب الثلاثة المذكورة هى المنتجة للتكنولوجيا المتقدمة، فمن الطبيعى أن يتركز الاهتمام على ثقافتها، وتهمل الثقافات المتخلفة تكنولوجيا مثل ثقافة الدول العربية الإسلامية.
وفى ختام الدراسة إن المتفق عليه أن النهضة الثقافية لا يمكن أن تحدث التغيير المطلوب، إلا إذا ترافقت مع نهضة عامة فى المجالات الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وترى الباحثة أن علم النفس الثقافى هو دراسة تخصصية لأنه فرع من فروع علم النفس، وهو أيضاً دراسة بيئية لأنه يتم فى بيئات مختلفة.