رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أخبار

في مؤتمر دولي بجامعة الفيوم:برامج أكاديمية توثيقية للتراث والآثار القبطية


الجلسة الافتتاحية للمؤتمر

الجلسة الافتتاحية للمؤتمر

مني نور
5/11/2019 11:17:37 AM

بحضور مائة باحث من مختلف الجامعات والمعاهد المصرية، ومن روسيا واليابان، نظمت كلية الآثار بجامعة الفيوم بالتعاون مع مركز الدراسات القبطية بمكتبة الاسكندرية، مؤتمرا دوليا حول التراث والآثار القبطية في رحاب الحضارة الإسلامية: التأثير والتأثر، برعاية الأنبا آبرام مطران الفيوم، ود. صلاح الجعفراوي، مستشار محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية.
وقد اتفق المشاركون في ختام المؤتمر، حسب قول د. ناجح عمر، عميد الكلية، علي أن جلسات المؤتمر انتهت إلي عدد من التوصيات تتجه كلها نحو ضرورة تكاتف جهود الجهات والمؤسسات المعنية بالتراث والآثار والسياحة والبيئة للاهتمام بالتراث والآثار القبطية والإسلامية علي السواء، وخلق برامج سياحية نوعية مبتكرة تربط فيما بينها، بما يعكس هوية مصر وتاريخها وثقافتها.
وفي الشق الأكاديمي، قال د. ناجح ان جميع التوصيات آلت إلي أن هذا المؤتمر رغم أهميته غير كاف، وإنما يجب أن تكون هناك برامج أكاديمية متخصصة مستقلة للتراث والآثار القبطية لمرحلتي التعليم الجامعي، والدراسات العليا، وهو حق وضرورة ملحة.
وأعلن د. لؤي سعيد، مدير مركز الدراسات القبطية بمكتبة الاسكندرية، عن مدي اهتمام مكتبة الاسكندرية بالتراث القبطي، والعمل علي نشر الأعمال العلمية الجادة لدراسة هذا التراث، ونشر الوعي لفهم جوهر هذا التراث ودلالاته.
كما أعلن د. أحمد أمين، أستاذ العمارة الإسلامية بكلية الآثار، ومقرر المؤتمر، عن مجموعة الأوراق العلمية التي تم مناقشتها خلال يومي المؤتمر، لافتا إلي أنها كانت ترجمة حقيقية لمحاور المؤتمر، مما ساعد في خلق مشروعات علمية يتم تنفيذها مستقبلا.
من هذه الأوراق،ورقة علمية متميزة للدكتورة مروة ابراهيم عيد، كلية الآداب جامعة القاهرة، وهي بعنوان (أثر التراث الحضاري المصري في التراث الحبشي) وفيها ألقت الضوء علي نواح حضارية اجتماعية ودينية وسياسية وأدبية، ليتبين من خلالها أثر هذا التراث في رحاب الحضارة القبطية والإسلامية عبر عصورهما المختلفة علي التراث الحبشي الذي أستمد معظم مصادره من خلال التراث المصري الأصيل، فقد أرتبطت الحبشة بمصر بروابط قبل كتابة التاريخ، ويتجلي ذلك من خلال ارتباط كنيسة الحبشة بالكنيسة الأم المصرية الأرثوذكسية، وارسال مطران قبطي للحبشة وقيامه بمهام عظيمة عند الأحباش، وكيف أحدث هذا تفاعلا علي التراث الحضاري للحبشة، وتأتي أهمية هذه الورقة من خلال ابراز هذا الأثر العظيم الذي تركه التراث الحضاري المصري في بلاد الحبشة والمتمثل في الهوية المصرية المشتركة.
وفي موضوع انتصار الخير علي الشر وطريقة تناوله في الفنين القبطي والإسلامي، أوضح أحمد أبوبكر (باحث، جامعة المنيا) أنه في التصاوير الإسلامية، تناول بعض الفنانين موضوعات فنية متشابهة تماما مع الموضوعات القبطية، من حيث الموضوع العام، ومحتوي القصة مع التباين الواضح والصريح في السرد القصصي.
وفيما يخص تداول ملكية الدور السكنية العثمانية بين المسلمين والمسيحيين، وأثر ذلك علي التخطيط (دار علي كتخدا الربعماية نموذجا) كان عنوان البحث الذي قدمه د. أحمد محمود، تناول فيه دراسة آثارية وثائقية لبعض الدور السكنية التي تداولت ملكيتها بين المسلمين والمسيحيين، وتأثير هذا التداول علي التخطيط المعماري للدور وفق متطلبات المالك الجديد، وعرض لبعض الدور والقاعات السكنية المندثرة حاليا، والتي انتقلت من المسلمين إلي المسيحيين، وقد تنوع استخدام تلك الدور والقاعات، إما للعبادة والطقوس الكنسية، ومثال علي ذلك قاعة كمال الدين القادري، بحارة الجوانية، أو استخدامها للسكن، ومثال علي ذلك الدار التي استأجرها قنصل البنادقة بحارة الافرنج، وبيان علاقة التجاور المكاني للطوائف المسيحية وأثر ذلك في التحول الوظيفي للقاعات السكنية، بما يخدم الطقوس الكنسية للمسيحيين.
وعن احتفالات القبط في مصر المملوكية تحدث الباحث أحمد عبدالفتاح، فقال بأن ثمة نوعا من التأثير والتأثر كان له مظهره في أعياد واحتفالات كل عنصر من العناصر السكانية التي تشكل منها المجتمع المصري، فقد ظل القبط يمارسون عاداتهم وتقاليدهم في اقامة مناسباتهم الدينية والاجتماعية بكل حرية، ولم تقتصر هذه الاحتفالات علي المناسبات الدينية، أمثال عيد البشارة،  عيد الزيتونة، عيد الفصح، خميس الأربعين، عيد الخميس، عيد الميلاد، عيد الغطاس، عيد الصليب، عيد الشهيد، وغير ذلك، بل كانت هناك أعياد أخري ليست دينية أو شرعية يطلق عليها بأنها أعياد تاريخية أو وطنية مثل عيد النيروز، عيد الشهيد، والاحتفال بوفاء النيل.
وتميزت ورقة بعنوان (ترميم وتجديد الكنائس بمدينة القاهرة في ضوء الوثائق العثمانية)، من اعداد: أحمد عطية غازي، د. أحمد أمين، مجدي جرجس، د. محمد عبدالودود، تم فيها مناقشة ترميم وتجديد بعض الكنائس بمدينة القاهرة خلال العصر العثماني، عبر تقسيمها إلي فئتين رئيسيتين: الأولي: الكنائس التي تم تجديدها، وهي الكنائس، التي أعيد بناؤها بشكل كامل تقريبا، وتتمثل في ثلاث كنائس: كنيسة العذراء قيصرية الريحان، وكنيسة العذراء الدمشرية، وكنيسة الأمير تادرس، أما الفئة الثانية فهي تمثل الكنائس التي تم ترميمها، وهي تلك الكنائس التي أعيد بناء (أو استكمال) بعض أجزائها، وتتمثل في ثلاث كنائس الكنيسة المعلقة، وكنيسة أبي سفين، وكنيسة العذراء بحارة زويلة.
وفي ورقة بحثية أدبية تحدث فيها د. أحمد محمد محجوب (جامعة الاسكندرية) عن أثر الموروث القبطي في شعر محمود درويش، أوضح أن الرمز من أهم الأسس الأسلوبية التي يقوم عليها تشكيل الصورة عند محمود درويش، وأحد مكوناتها الأساسية، فالرمز الوطني في شعره يبرز رؤية الشاعر الخاصة تجاه الوطن الأم (فلسطين) فتصبح عنده الكلمات القريبة المعني محملة بالدلالات، ولأن كل مفردات اللغة لها أن تستخدم في الشعر استخداما رمزيا كي تبرز قدرة الشاعر في اكتشافه العلاقات الحسية التي تربط الشيء بغيره من الأشياء، فالرمز يعد من الوسائل الفنية المهمة التي تحقق الخطاب الشعري المعاصر، علي اعتبار أن الشاعر يعد من خلاله إلي الإيحاء والتلميح بدل المباشرة والتصريح، فهو الية للتجاوز والاستحضار، تجاوز للواقع اللغوي الحاضر، واستحضار للغائب الأدبي المحتمل، وقد تأثر درويش في ذلك بالتراث القبطي.
وثمة تأثير آخر في التوجيه علي مبني الكنيسة والمسجد من اعداد، د. أحمد أمين د. محمد عبدالودود، اسراء ابراهيم، وهي ورقة علمية بين فيها واضعوها أن التوجيه في عمارة الكنيسة يكون ناحية الشرق، وهو ما انعكس بالضرورة في تحديد تخطيط الكنيسة حيث الامتداد، وموضع الأجزاء المعمارية الرئيسية المكونة لها وعلاقتها ببعضها البعض، ونجد في المقابل في عمارة المساجد الإسلامية، والتي تتجه جميعها تجاه المسجد الحرام، قبلة الإسلام والمسلمين، وانعكس هذا التوجيه في تخطيط المساجد ومساحاتها، وتموضع أجزائها وعناصرها المعمارية وأثاثها، ونظام الحركة بها، كما كان له أثر جوهري في صياغة النسيج العمراني المحيط بها.
وخص الباحث أشرف أيوب معوض المؤتمر ببحث عن وحدة الموروث الشعبي بين الأقباط والمسلمين، أوضح فيه أن الوجدان الشعبي يقدس ايزيس وبعد فترة يقدس العذراء مريم، وبعد فترة أخري يقدس السيدة زينب، فهي شخصية واحدة مقدسة: الأم، القديسة، الطاهرة، الحامية، المنقذة، وان تعددت الأسماء، وان اختلفت الأزمنة، والإله حورس ممتط جوادا يطأ (ست) إله الشر تحت أقدام جواده هي نفس صور (مارجرجس) الذي يطعن التنين، وهي نفس صورة أبوزيد الهلالي، هي صورة البطل الشعبي.
ويواصل في بحثه: أيضا نجد المسلة الموجودة أمام المعبد، تدعو الناس للدخول إلي المعبد، وعنها جاءت المنارة في الكنيسة، تحمل الجرس لدعوة الناس للصلاة، ثم جاءت المئذنة، يدعو منها المؤذن إلي الصلاة في الجامع وفي ظاهرة الموالد، والتي يرجع أصولها إلي مصر القديمة، فإنك تري التشابه الشديد في الممارسات والطقوس التي تجري عند ضريح الولي، أو عند مزار القديس، بالاضافة إلي اشتراك كل من الأقباط والمسلمين في زيارة موالد بعضهم البعض أو زيارة الموالد عموما.
وهناك تبادل الاعتقاد بين الأولياء والقديسين، فقد ينذر شخص مسيحي نذرا لولي مسلم، وقد ينذر شخص مسلم نذرا لقديس مسيحي، وكما يشتري الأقباط عروسة المولد، وحصان الحلوي في المولد النبوي، كذلك يصوم بعض المسلمين صوم العذراء مريم، وهناك تبادل أطباق الحلوي والكعك في الأعياد بين الأقباط والمسلمين، ويعود كل هذا إلي ثقافة شعبية واحدة، وموروث شعبي واحد، وجذور تاريخية واحدة للأقباط والمسلمين.
ومن جانبها قدمت الباحثة (دينا سمير العزيري) بحثا عن حقوق المرأة في مصر العثمانية: قراءة في وثائق عقود الزواج والطلاق للأقباط والمسلمين، قالت انها رؤية مغايرة تماما في مجملها لما شاع عن سوء أوضاع المرأة في مصر في العصور الإسلامية لافتة إلي اشتراك كل من المرأة القبطية والمرأة المسلمة في التمتع بكافة حقوقهن في العلاقات الإنسانية الشخصية، وروابط الزواج والطلاق، والذي يعد موضوعا بالغ الأهمية في ابراز جانب من التراث المجتمعي الحياتي للمرأة، من خلال مدي التأثير، والتأثر ما بين النظام السائد في المحاكم الشرعية، وبين الموروث من العادات والتقاليد في تحرير عقود الزواج والطلاق بين الأقباط والمسلمين.
وأظهرت الوثائق تمتع السيدات المصريات بعدة حقوق، سواء عند ابرام اتفاق الزواج، أو تحرير عقد الطلاق، فتظهر لنا عقود الزواج انه غالبا ما كان يتم اقراره إلا بموافقة العروس، ونادرا ما يتم بالاجبار، كما يلاحظ قيام عدد من النساء بتزويج أنفسهن، وقد نصت الوثائق علي وجود حالات غير مألوفة، كأن تقوم المرأة بدور الولي في تزويج ابنتها، وقد أجازت بعض المذاهب ذلك، وتعج سجلات المحاكم الشرعية بعدد كبير من عقود زواج الأقباط التي كانت تتم أمام القاضي المسلم، وبقراءة تلك العقود، نجد أنها لم تختلف عن عقود زواج المسلمين، وعن أسباب لجوء الأقباط للقاضي المسلم، قيل إن ذلك حرصا منهم علي التمتع بمميزات العقد الإسلامي، من حيث حق الطلاق، أو اضافة شروط معينة للعقد، وهذا الأمر شمل معظم الشرائح الجماعية للأقباط، وكان يمثل تحديا خطيرا لسلطة الكنيسة القبطية، كما أظهرت الكثير من الوثائق، حالات خاصة بالخلع، الذي تمتعت به السيدات المسلمات والأقباط، وهو أحد أهم الحقوق التي تمتعت بها المرأة المصرية في العصر العثماني، الذي ساد فيه المذهب الحنفي.
وعن كنيسة القيامة ببيت المقدس في ضوء تصاوير  بعض المصورين المستشرقين، قدم د. ربيع أحمد سيد (اثار الفيوم) دراسة فنية، أوضح فيها أن بيت المقدس حظي برسوم العديد من المصورين المستشرقين الذين زاروا البقاع المقدسة، ورسموا أدق التفاصيل للشوارع والعمائر وعادات وتقاليد الناس، وتناول الباحث كنيسة القيامة في ضوء تصاوير المستشرقين، باعتبارها أحد أهم الآثار ببيت المقدس، وقد حظيت الكنيسة بزيارة العديد منهم وعلي رأسهم (دافيد روبرتس) الذي زار بيت المقدس عام  1838م، ضمن جولاته في الشرق العربي، ونفذ بواقعية شديدة العديد من اللوحات في بيت المقدس وكنيسة القيامة من أعرق كنائس بيت المقدس، استغرق العمل في بنائها أحد عشر عاما، إذ بدأ عام ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وأنتهي عام ثلاثمائة وستة وثلاثين للميلاد، وهي كنيسة داخل أسوار البلدة القديمة في القدس، وقد بنيت الكنيسة فوق الجلجلة أو الجلجثة، وتحتوي الكنيسة علي القبر المقدس.
وتحدث الباحث عاطف عوض عن الأقباط ودورهم في العمارة في رحاب الحضارة الإسلامية، لافتا أن للأقباط دورا مبكرا مع الكعبة المكرمة قبل الإسلام، حيث أوضح في بحثه، أن الكعبة - قبل الإسلام - تعرضت لحريق، فقررت قريش تجديد البناء واستعين في ذلك بمصري، وكان يعمل نجارا بمكة، وكان بارعا في بناء الأحجار، والأخشاب، وكانت ثقافة العرب بدوية، ولم يكن لهم دراية بالمعمار وكان معروفا عن أقباط مصر تقدمهم في فن العمارة والخشب، وبراعتهم بالبناء  ثم قام عمربن عبدالعزيز والي المدينة المنورة بزيادة مساحة واعمار المسجد النبوي، ولم يجد من الفنانين سوي أقباط مصر، الذين استحدثوا فيه أشياء لم تكن معروفة في العمارة العربية، وعندما أنشأ عبدالعزيز بن مروان ضاحية (حلوان) أنشأ بها الدور والقصور والبساتين، وأمر ببناء كنيسة، معتبرا ذلك من العمران، وأيام (ابن طولون) ظهر مهندس قبطي يدعي (سعيد بن الفرغاني) أقام مقياس النيل في الروضة، وعندما فكر (ابن طولون) في بناء جامع يكون أعظم ما بني من المساجد، ويقيمه بثلاثمائة عمود، وبلغ الأمر (الفرغاني) فكتب لابن طولون أنه يستطيع أن يبني المسجد بلا أعمدة، سوي عمودي القبلة ورسمه علي الجلود فأعجبه، وأمر له بجائزة 10000 دينار.