رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

بعد التحية والسلام

جرائم الحناجر.. وديموقراطية القتل!


[email protected] إيهاب الحضري
5/19/2018 1:35:00 PM

تبدو الحروف عبثية، وتتراجع كل الأزمات أمام القضية الأم وإفرازاتها. يغيب المنطق في عالم يذرف الدموع علي جرائم الطائرات الورقية في حق مستوطنين أبرياء، ولا يتحرك له جفن أمام ضحايا الغدر الذين يتساقطون شهداء ومصابين، لمجرد أنهم أزعجوا المحتل بصرخاتهم، واحتجوا علي تكريس الاحتلال بنقل سفارة الراعي الرسمي للدم إلي المدينة المقدسة! أتابع تقارير مُفصّلة عن طائرات الأطفال المشتعلة التي تنطلق إلي مزارع المُحتلين فتحرق بعضها، وأتعجب من تجاهل الحرائق التي اشتعلت في قلوب أمهات فقدن أبناءهن، لمجرد أنهم ارتكبوا جريمة استخدام الحناجر! هنا تفقد الكلمات معانيها، ونحن نحيي ذكري النكبة بأخري جديدة، وسط عبارات ممجوجة عن صفقة القرن، التي تحاول تهيئتنا لصفعة جديدة، مطلوب منا أن نتجرعها بوصفها إنجازا لن يتكرر!
أنتمي لجيل عاش في طفولته المعارك في ذروتها. في قريتي الأكثر قربا من » الجبهة»‬ عشتُ وقائع لم أكن أفهم دلالاتها، لكن أجواءها كانت كافية لأن تزرع بداخلي بذرة رفض الكيان الصهيوني. ذات صباح استيقظتُ لأذهب إلي مدرستي، شعرتُ بالسعادة عندما علمتُ أن المدارس مرفوعة من الخدمة مؤقتا، كان ذلك يعني وقتا إضافيا للعب الذي تُضيّعه ساعات الدراسة، لكن عندما أخبروني بالسبب شعرت بحزن لا يناسب طفولتي، فمع اشتعال القتال، ساد خوف من تكرار مأساة مدرسة بحر البقر، التي دمرها العدو بدم بارد، وفق سيناريو يتكرر حتي الآن، دون أن يتحرك ضمير العالم. في سنوات البراءة الأولي كان الموت حدثا لايمكن استيعابه، خاصة إذا ما حصد حياة أطفال في مثل عمري. كان الرحيل بالنسبة لي مرتبطا بسن الشيخوخة، وكان صوت الطبلة الضخمة في القرية نذير شؤم، لأنه الوسيلة التي اختارها أبناؤها للإعلان عن حدوث وفاة. بمجرد سماع دويّها كنا نجري إلي مكان من يقرعها لنعلم اسم المتوفي، ونهرع بالخبر إلي الكبار، وفي كل المرات كان الراحل شيخا كبيرا أو سيدة عجوز، لهذا تعجبتُ حينها من أن عشرات الأطفال ماتوا، ووقتها فقط علمت أن الموت ليس حكرا علي أحد. بعدها بسنوات قرأت قصيدة الراحل الكبير صلاح جاهين »‬الدرس انتهي لموا الكراريس»، وتجرعتها بعد ذلك كثيرا مع كل جريمة يرتكبها الصهاينة، ويحصدون خلالها ضحايا كثيرين، لا يفرقون بين عمر وآخر، ويعدلون بين الرجال والنساء، ليكونوا أول من طبقوا مبدأ »‬ديموقراطية القتل»!
تتتابع الصور علي شاشات الفضائيات، ونتفرج علي القصف والدموع ونحن ممدون علي الأرائك نشعر بالأسي أو نفتعله إرضاء لضمائرنا، ويتحول الشهداء إلي أرقام صماء، نتابع مؤشر أعدادهم الذي يرتفع كل ساعة، ونقلب الشاشات بعدها لنشاهد مسلسلا أو مسرحية هزلية، يفصلنا عن الدراما السوداء التي يحياها غيرنا، وتغيب صور الصرخات المكلومة وسط مشاهد تتوالي، التي لم تعد تستدر من دموع بعضنا، ذلك القدر الذي يتساقط تعاطفا مع موقف مأساوي في فيلم عربي!
الحروف تتداعي، والكلمات تتساقط، وتفقد القصائد قدرتها علي التعبير، فصرخة طفل واحد حزنا علي فقد أبيه، تجبّ كل دواوين شعراء المقاومة، التي حوّلها الإعلام الغربي إلي فعل سيء السمعة، ليمنح القتل شرعية في مواجهة الهتاف!