رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

من جديد


11/10/2018 1:38:15 PM

كعادتها تستيقظ باكرا قبل أن تفتح الشمس أعينها علي الدنيا، وقبل أن يتسلل شعاعها الذهبي من خلال تلك الثقوب الخشبية المطلة علي غرفتها. تتجه إلي الشرفة لتتربع علي الأريكة العتيقة، تستمتع بنسمة الصيف المنعشة عندما تختلط برائحة الحقول الخضراء. تسهم ببصرها تجاه ذلك البستان البعيد المحاط بسلك شائك، لتستعيد معه الذكريات المتداعية من مخيلتها كالسيول، تحاول أن تلملم ذلك الجرح الغائر في القلب كلما رأت حبات الندي تلمع علي أوراق الشجر، بعد ليل طويل موجع كألم الانفصال التي عاشت أسيرة بين جدرانه، يتراقص امام عينيها بين الحين والآخر ذلك الخيط الذي يشدها إلي أيام الطفولة، حيث الحياة المريحة الخضراء التي تشبه ذلك البستان عندما تري علي صفحته وجهي أبويها. كانت تري الحياة في وجودهما بمنظار أبيض، الآن تشعر بغربة حقيقية وسط ما تبقي من العائلة التي لايشعر فيها فرد بالآخر، فلكل منهم عالمه الخاص وهي أشبه بذلك السلك الشائك الدامي. عندما تصر أن ترفع في وجهها ثقافة المجتمع تجاه المطلقة لتجرح إنسانيتها، وتكسر ذلك الجزء القوي في إرادتها، كلما تحاول القفز كسمكة تريد العودة إلي عالمها الماضي الذي يشبه البحر الواسع، وكل مرة تجد نفسها في مكان لا يتسع لخطواتها، لكن اليوم ربما يكون الآخير لتضع حدا فاصلا لتلك الحياة المملة، وتغادر إلي عالم آخر وتترك هنا كل ما تعرضت له كلا في مكانه، لا يجب أن ينتقل معها الماضي، لكي تستطيع أن تثأر من الظلام قبل أن تتوقف بها سفينة الحياة في منتصف العمر. الأمل يراودها، لابد أن يأتي اليوم الذي تنتصر فيه الشمس علي عتمة الليل. حلم بسيط أصبح وجهتها وقبلتها هو الحصول علي مؤهل جامعي، تحقق فيه الذات والسعادة الحقيقية. في رحلة الحصول عليه التي ستبدأ بعد قليل مع إطلاق قطار السكة الحديد صافرته في الواحدة ظهرا متجها إلي القاهرة .. الآن تلقي نظرة أخيرة علي الأشياء التي تجرها إلي حنين الماضي بدموع ملتهبة، تشهد عليها ورقة بيضاء مبللة من خدها مسكتها بيديها تفكر في شئ ما، تضغط بأصابع يدها الآخري علي القلم الذي يذرف مداده علي الورقة كدموعها. تتجه إلي باب الغرفة في خطوات مثقلة، تارة من مخاوف المجهول القادم والتحدي الكبير الذي رسمته لحياتها، وتارة أخري تدفعها خطواتها للأمام، عندما تري شبح حياتها المملة وتخاذل من تبقي لها في الدنيا يطل أمام عينيها. جرت حقيبة السفر الكبيرة خلفها وتركت الورقة علي باب الغرفة، تحمل رسالة لعائلتها التي لم تشعر بإنسانيتها وقلبها المكسور: أحبكم كثيرا لكن الآن سأحيا من جديد.
قصة: أحلام الأحمدي ـــ القاهرة