رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البريد

الحياة لم تأت بعد


حاتم نعام
2/2/2019 12:35:20 PM

لعلها المرة الأخيرة التي يتأهب فيها لمثل ذلك الموعد. انتظره بفارغ الصبر قبل أن تميل سماؤه إلي لون الاختناق، فقد شارف علي فقد جاذبيته وبدأ الزمن مبكرا في رسم تجاعيد علي وجهه، وانسحب شعر الرأس إلي الوراء ليكشف عن جبينه العريض، الذي ترك لديه حساسية مفرطة وشعورا بالحرج  أمام الآخرين خاصة  الجنس الآخر. ثقته بحضوره المميز تهتز أحيانا أمام  تلك المرآة التي كان يقف أمامها بالأمس القريب مزهوا بنفسه، أما اليوم فتسكن نفسه غربة مسافر، متاهات كثيرة تزاحمه، والروح ترسل رسائل كثيرة لا يفسرها ولا يريد، لم يتوقف أمامها كثيرا، فاليوم ليس يوما عاديا لكنه يساوي عمرا بأكمله.
استمتع بحمام ساخن واهتم بنظافة اسنانه وأظافره، حتي يكسر الجليد في نفسه، وحاول أن يظهر بثياب مثالية تجعله جذابا، فالناس يحبون من الانطباع الأول، كذلك الحياة لا تخلو من الانطباعات الأولي.
قلبه ينبض بسرعة عالية مع رنة الهاتف. الموعد قد اقترب وعقارب الساعة تشير إلي التاسعة والنصف صباحا. دقائق معدودة حملته خلالها خطواته التي لم يشعر بها إلي المكان المحدد. إنها فرحة الغبطة مع أول لقاء بمن التقي بها صدفة في ممرات الحياة، وتسللت إلي مشاعره لتصبح كل شئ في حياته، لم ينتظر كثيرا حتي أشرقت بطلتها التي حلقت بالقلب عاليا، ليكون في مصاف الملائكة، فكم كان مشتاقا لتلك الأنفاس العطرة. أحسها عندما بدأت اليدان بالعناق، الحب ينبض من أطراف أصابعها التي أكملت كل ما يفتقد إليه.
تحدثا قليلا واتجه بها مباشرة إلي كافيه اعتاد  العشاق الجلوس فيه، حتي يتحدثوا بحرية،  كما أن العاملين فيه معتادون علي مشاعر العشاق الفياضة. كانت لديه الجرأة اللازمة للنظر في عينيها مباشرة يريد أن يتزود منها، ارتبكت خجلا عندما أطال النظر في عينيها، لم تقو علي ذلك في اللقاء الأول فاستدارت هربا من نظراته. شدت انتباهها منضدة جانبية يجلس حولها مجموعة من البنات في سن المراهقة، إحداهن تدخن السيجار وبعضهن تدخن الشيشة بعظمة وتحررية ومزاح، وضحكات مع النادل الذي اعتاد علي حضورهن كل صباح في أيام الدراسة.
ابتسمت من المنظر وداعبته:  لم أفعل ذلك في المرحلة الثانوية، أخيرا جلسنا وسط المراهقين بعد هذا العمر، قال: كنت أتحدث معك كثيرا قبل أن أراك، انتظرتك دوما ودعوتُ ربي في كل ليلة أن يجمعني بك، دعيني أسافر في براح عينيك، ففي وجودك عادت روحي إلي جسدي، لمس يدها وطبع قبلة ساخنة عليها أشعلت حبا قد نام من سنين، وربما لم يعرفه قلبها من قبل، يهمس في أذنيها: دعيني أصنع معك دنيا لم يألفها الناس من قبل، دنيا أصنعها بنفسي وندور سويا في دوائر العشق ونتوه ونتمني ألا نعود. عيناها تلمعان، الآن  تنطقان بحب الحياة بعد أن كانت تحيا الحياة كميتة، بعد أن كانت جميع الأشياء  تصبغ باللون الرمادي، همست بصوت خافت: أراك كسحابة سماء تمطر حبا، شعرتُ معك أني لا أري، لا أفكر، لا أفسر، قال: في الحب نفقد قدراتنا المنطقية، في الحب يتساوي العالم والجاهل، الكهل والمراهق، العاقل والمخبول، أشياء منطقية كثيرة لا توجد في أبجديات الحب.
لم يمهلهم الوقت كثيرا فمر سريعا، وامتلأ الكافيه برواده  فقررا المغادرة، تبادلا الوداع لكنهما لا يزالان مستمرين في الإمساك بلحظة جميلة نقلتهما إلي عالم آخر، افترقا ويشعر كل منهما أن له جناحين قويين يحلق بهما فوق السحاب. عادا  أكثر شبابا ونضارة. عندما نحب نشعر أن كل الأشياء ممكنة، أحسها عندما توجه بناظريه إلي أعلي، وأيقن أن السماء لديها الكثير، فربما تعيدك في لحظة ما لحياتك الحقيقية، وربما أجمل ما في الحياة لم نعشه بعد!