رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

التيه النقدي:الرواية في متاهة القارئ العادي


ممدوح فرّاج النابي
1/6/2018 12:42:33 PM

نشر موقع القراءة الشهير جود ريدز قائمة تضم »أفضل مئة رواية عربية»‬ شملت هذه القائمة الجديدة، بعضًا من الروايات التي  كانت تندرج تحت »‬قائمة أفضل مئة رواية عربية» والتي  أصدرها اتحاد كتاب العرب، ونشرتها جريدة أخبار الأدب بتاريخ الأحد 9 سبتمبر 2001. وقد ضمّت روايات شهيرة مازالت حيَّة كأولاد حارتنا لنجيب محفوظ، وموسم الهجرة إلي الشمال للطيب صالح ومدن الملح لعبد الرحمن منيف، وغيرها من الروايات العلامات في  تاريخ الرواية العربية.

الفارق بين القائمتين، ليس فقط في  خروج بعض الروايات العربية المهمّة من القائمة الأولي، ودخول روايات جديدة بحكم الفترة الزمنية الطويلة بين صدور القائمتين، وإنما الفارق الأساسي  يتمثل في  أن القائمة الأولي جاءت وفقًا لشرائط خاصّة تحتكم إلي المنهجية العلمية،أما القائمة الجديدة فغابت المنهجية وانحازت في  اختياراتها وكذلك في  ترتيبها لذائقة الجمهور أو القارئ العادي  دون الاعتداد بالعلمية أو حتي الاعتداد بشرائط الأدبيّة التي  كانت هي  المعيار الأساسي  عند الاختيار في  القائمة الأولي. علاوة علي أن قائمة أفضل مئة رواية عربية التي  نشرها اتّحاد الكُتَّاب العرب، راعت تنوُّع الأجيال والأقطار، أي أنّها كانت تمثيلاً حقيقيًّا للبلدان العربية، باستثناء دولة واحدة، لم يكن لها تمثيل روائي، لأسباب تتعلق بحداثة نشأة هذا الجنس عندهم.فنجد أسماء كُتَّاب من موريتانيا مثل موسي ولد ابنو برواية »‬مدينة الرياح»، وأحمد ولد عبد القادر برواية »‬القبر المجهول»، ومن البحرين فوزية رشيد وروايتها »‬الحصار»، وبالمثل فلسطين بأربعة أعمال. نعم، ثمة هيمنة مصرية حيث احتوت القائمة علي 29 عملاً روائيًا (تعادل تقريبًا ثلث القائمة) لكُتَّاب مصريين من مختلف الأجيال، إلا أن هذا لا ينفي  نزعة التمثيل الحقيقي  لكافة البلدان، بعكس القائمة الجديدة، التي  تخلو من أي  تمثيل للبلدان العربية، باستثناء الجزائر ممثلة في  أحلام مستغانمي  بأربع روايات، وبعض الروايات العربية المهمة مثل »‬باب الشمس» لإلياس خوري، »‬ودروز بلغراد: حكاية حنا يعقوب» لربيع جابر، »‬وأرض البرتقال الحزين» لغسان كنفاني، و»‬الخبز الحافي» لمحمد شكري، »‬وزمن الخيول البيضاء» لإبراهيم نصر الله. لكن هذا التمثيل لا يمثل البلاد العربية ولا الروايات المهمة، وإن راعت ظهور جيل جديد من الكُتّاب، إلا أن القائمة اعتمدت علي الروايات الرائجة أو المعروفة بالبيست سيلر، ومن ثمّ نري أسماء أحمد مراد، وخولة حمدي، وأحلام مستغانمي  وأشرف العشماوي  ويوسف زيدان، ومحمد السالم وغيرهم.
أفضل مئة رواية
المثير في  هذه القائمة ليس فقط في  بعض الأسماء التي  ضمتها القائمة تحت عنوان »‬أفضل مئة رواية عربية» أو حتي أن القائمة ضمت أكثر من عمل للكاتب الواحد، وهو ما لم يحدث في  القائمة الأولي؛ فنجد أربعة أعمال لأحلام مستغانمي  هي  كالتالي: ذاكرة الجسد (رقم 4 في  القائمة) والأسود يليق بك (رقم 6 في  القائمة)ونسيان (رقم 22 في  القائمة) وأكاذيب سمكية(رقم 86 في  القائمة) وهو ما تكرَّر مع أكثر مِن كاتب مثل: أحمد مراد، ويوسف زيدان، وعلاء الأسواني. المثير حقًّا أنّ القائمة التي  تُعلن في  عنوانها أنها تشمل مئة رواية عربية، ضمت في  قائمتها روايات أجنبية مثل »‬قواعد العشق الأربعون» لأليف شفق التركيّة، وكذلك شملت بعض الروايات العربيّة في  ترجمتها إلي اللغة الإنجليزية كرواية »‬أرض البرتقال الحزين» لغسان كنفاني، ورواية »‬موسم الهجرة إلي الشّمال» للطيب صالح، ورواية »‬عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني. ربما الملاحظة الجديرة بالتأمُّل لمعرفة التغيُّرات في  الذائقة الأدبية للجمهور، واندياح الحدود بين الأجناس الأدبية،تتمثل في  احتواء القائمة علي أعمال لا علاقة لها بجنس الرواية علي نحو: كتاب »‬أرني  الله» لتوفيق الحكيم وهو مجموعة قصصة ذات طابع فلسفي  يتناول فيه حياة الإنسان الروحية والمادية، وبالمثل كتاب »‬حبة هوا» لوليد طاهر، وهو كتاب يمزج بين الفن التشكيلي  والسفر والمعمار، وأيضًا »‬ضحك مجروح» لبلال فضل، و»‬أرز باللبن لشخصين» لرحاب بسّام وهو كتاب مدونات.
من الأسماء الجديدة التي  ضمتها القائمة، نور عبد المجيد، وخولة حمدي، وأثير عبد الله النشمي، وسارة درويش، وشيرين هنائي، ومحمد صادق، وعز الدين شكري  فشير، ورحاب بسَّام، والغريب أن الأخيرة كتابها »‬أرز باللبن لشخصين» هو كتاب مدونات، وأيضًا أشرف العشماوي  وأحمد مراد وأدهم العبودي. قائمة الأسماء الجديدة المضافة في  الأصل تميل في  كتاباتها إلي الحكايات دون التركيز علي جماليات الكتابة كما في  أغلب روايات نور عبد المجيد. الغريب أنَّ أسماء مهمّة غابت عن القائمة سواء أسماء لِكُتَّابٍ من الأجيال الماضية كسليمان فيّاض، وخيري  عبد الجواد، وعلاء الديب، ومحمود الورداني، أو أسماء عربية كليلي العثمان وإسماعيل فهد إسماعيل من الكويت،وعبد الرحمن منيف من السعودية، وبالمثل غاب الليبي  إبراهيم الكوني، وأيضًا حنان الشيخ وغيرها من الكُتَّاب أصحاب الروايات العلامات.كما غابت أسماء الكتاب الجدّد في  كافة البلدان العربية باستثناء القليل من أصحاب الجوائز، وهو ما يشير إلي قصور في  الإلمام بالخريطة الروائية، ومن ثمَّ فساد في  النتائج التي  خرجت بها القائمة؛ لافتقارها للبيانات والإحصاءات الكاملة للنصوص الروائية التي  صدرت في  جميع الدول العربية.
الذائقة الجديدة
الروايات المئة في  قائمة اتحاد الكتاب إلي جانب بعض الروايات الأخري تمثّل روايات علامات، ومن ثم بأي  حالة من الأحوال لا يمكن تجاوزها وزحزحتها لفئة أقلّ منها. ومن هنا يأتي  التساؤل عن ماهية السلطة التي  منحتها مواقع القراءة للجمهور أو القارئ العادي، والتي  جعلته يزحزح تراثًا أدبيًا مازالت نماذج منه تحتل الصدارة في  قائمة أفضل مئة رواية في  القرن العشرين، أو قائمة أروع الأعمال في  القرنين التاسع عشر والعشرين،علي نحو ما اختارت المجلة الفرنسية "لونوفيلأوبسرفاتور" في  أحد أعدادها رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلي الشمال"إلي جوار أعمال غربية مهمة، مقابل الانصياع لآراء الجمهور العادي، التي  في  معظمها انطباعية كما يبدو من الريفيوهات التي  يتركونها علي بعض الأعمال. أو هي  مُنساقة لإكراهات الجوائز التي  صارت هي  الأخري عاملاً مُهمًّا في  تغيير بوصلة القرِّاءة. سُلطة القارئ العادي  أو الجمهور، التي  امتلكها حاولت أن تقوّض ما صاغه من قبل أ.أ. رتشاردز في  كتابه "مبادئ النقد الأدبي" 1924 من "طرائق منهجية للنقد" لتنظيم الذائقة ورصد استجاباتها، وهي  المبادئ التي تمّ اعتمادها في حقل الدراسات الأدبية، أو حتي ما تبناه في  عمله اللاحق "النقد التطبيقي  أو العملي" 1929، وطرائق القراءة الدقيقة المتفحصِّة وهي  التي  كان لها بالغ الأثر في  النقد الأمريكي، حتي وإن كانت آراء رتشاردز خاصة بالشعر نظرًا "لاعتباره الشعر أبلغ مثال لاستعمال اللغة في  الأدب".
ثمة تفسير لأسباب انحياز الجمهور لهذه الروايات التي  هي  أقرب إلي الروايات المثيرة والمسليّة، مستمدٌّ من عالم الاجتماع بيير بورديو (1930 - 2002) في  كتابه: "التمييز: نقد اجتماعي لأحكام الذوق" (نشر عام 1979) يري بورديو من خلال البحوث المسحية والإحصائيات أنّ »‬الثقافة المتحذلقة الأوبرا والروايات الأدبيَّة علي سبيل المثال ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالطبقات الاجتماعية (العُليا) في  الوقت الذي  تنجذب فيه الطبقات الأدني  إلي الموسيقي الشَّعبية والروايات المثيرة التي  تَلْقَي احترامًا أقل في العادة". وهذه النتيجة أكّدتها سماح سليم في  دراستها عن "وسائل تسلية الشعب: الترجمة والرواية الشعبية والنهضة في مصر" حيث أكدت علي رواج سوق الرّواية الشّعبيّة، في  هذه الفترة المهمّة من تاريخ نشأة الرواية (نهاية القرن التاسع عشر)، تبعًا لجمهور هذه الرواية الذي  هو من أبناء الطبقة الشعبيّة مِن حرفيين وفنيين وأصحاب أعمال يدوية، ومن ثمّ تري أنّ الرواية في  نشأتها وتطوُّرها أيضًا مَدينةٌ إلي الجمهور مع اختلاف ذائقته، التي  كانت بمثابة سُلْطة حقيقية استطاع الروائيون أن يستجيبوا لمتطلباتها، فقدّموا هذه الروايات التي  حققّت الانتشار، ثم حَدَثَ التراجع بعدما انحازت الطبقة المتعلِّمة لثقافتها، فجاءت الروايات المترجمة والمعرّبة، ثمّ في  مرحلة الاحتلال غلبت الروايات التي  تبحث عن الهوية، وتخلق الوعي  بالحسّ القومي  والمطالبة بإعادة الروح لقوي الشعب.
بصفة عامة وفقًا لتمييز بيير بورديو يتضح أن الأذواق وأساليب الحياة تختلف من طبقة اجتماعية إلي أخري حسب طبيعة الرأسمال الموروث وأيضًا حسب الحقل الذي  تنتمي إليه في الحقيقة أن مواقع القراءة لا تتيح لنا معلومات عن هُويَّات القرَّاء والمستوي  الثقافي  لهم، ومن ثم لا يمكن الأخذ بما افترضه بيير بورديو علي محمل الثقة. فمثلاً علي المستوي النقد الرسمي  / الأكاديمي  وقعت رواية "ربع جرام" لعصام يوسف موقعًا حسنًا عند الدكتور سيد البحراوي  واستفاض في  تحليلها علي حسابه الشخصي علي الفيسبوك، مظهرًا علاقة الفن والأخلاق حتي أنه يري أن المؤلف قد نجح "عبر تقنيات الفن الروائي، مثلا اللغة البسيطة الدقيقة  والحوار الذكي والفكاهة ووسائل التشويق المختلفة، في أن يجسد هذه الأزمة علي نحوٍ جميل، يحقِّق مفهوم الفن الجيد وهوالمتعة المفيدة أوالفائدة الممتعة،التي تجمع بين الفنون والأخلاق وإن كان رأي "لا ضرورة للصفحة الأولي أوللوصية الأخيرة، لأن القيمة الفنية المتحققة في الرواية أهم ّوأكثر تأثيرًا من الوعظ المباشر". في  حين لم تحتملها ذائقة الدكتور جابر عصفور، فوضعها في  قائمة الروايات الرائجة، وينتهي إلي حكمه "بالتأكيد لايمكنني أن أضع روايات الشباب الرائجة هذه الأيام في كفة واحدة مع رواية "النحات" لأحمدعبداللطيف ولارواية طارق إمام عن الشاعر اليوناني السكندري كفافيس مع أشباههما من أصحاب الروايات التي تطرح رؤي عميقة للعالم في بنية فنية متميزة."
موت الناقد وصعود الجمهور
في  كتابه "موت الناقد" يُعلن رونان ماكدونالد عن موت الناقد معنويًّا، أي  الناقد الأكاديمي، وانسحابه من المشهد والاكتفاء بالعمل داخل أسوار مؤسسته الأكاديمية، مديرًا ظهره للعالم الصاخب من حوله. كان انسحاب الناقد في  جزء منه مِن رفض السُّلطة أعقاب موجة ثورة الشباب 1968، وصعود التيارات المعادية للسُّلطة والكارهة لها في  المجتمع الشّاب الدَّاعي  إلي التحرّر من جميع أشكال السُّلطة، بما فيها سلطة الناقد الأكاديمي. لكن المشكلة كما يشخصها الدكتور فخري  صالح في  مقدمته للكتاب تتمثل في  "أن الناقد لم ينسحب من المشهد وحده، بل أنه أطفأ نور القاعة بعد انسحابه؛ لقد فصل بسيف بتّار بين النقد المتخصص والقارئ المتعطش إلي معرفة رأي  النقاد في  النصوص التي  ما تفتأ دور النشر الكثيرة تدفعها للسوق" وأيضًا يشير إلي ما تولَّد عن هذا، فقد "ترك العمل لبعض نقاد الصحف غير المتخصصين، أو لمقدمي  برامج التليفزيون الحوارية وأحكامهم الشخصية القادرة علي توجيه ذائقة القراء أكثر من أي  ناقد كبير في  هذا العصر" (موت الناقد: المقدمة، ص 14). صعود القارئ العادي  واحتلاله منصة النقد في  المدونات أو علي مواقع القراءة أو حتي علي صفحاته الشخصية، لم يكن وليد الصدفة بل كان نتيجة طبيعيةلانسحاب الناقد المتخصص إلي صومعته، إضافة إلي استغلاق النظرية، وصعوبة فهمها وقاموسها المعقد المحتشد بلغة الرطانة؛ فعلمنة النقد التي  سعي إليها النقاد الأكاديميون انتهت إلي استقالة النقد ودخول الممارسات النقدية في "التيه النقدي" بمصطلح عبد العزيز حمودة. كان لهذا تأثيره الكبير في  نفور جمهور القرّاء وكذلك الكُتَّاب من جمود النقد بعدما تبنّي  المفاهيم التفكيكية التي  تنظر إلي اللغة نظرة متشكِّكة ومرتابة. فلم تعد لأحكام القيمة أيَّة مِعيارية بل سَعَي النقد لأن يكون جُزءًا مِن حقل المعرفة العلمية، وفي  طريقه إلي العلمنة كما أطاح بالجانب الشَّخصي  والفردي  في  تذوق الأدب بتعبير فخري  صالح.
مات الناقد بالمعني المجازي  وفقًا لرؤية رونان ماكدونالد، وترك مكانه للقارئ الذي  يستطيع الآن، وفي  ضوء تطوّر وسائل الاتصال أن يُضفي  قيمَة علي الأعمال الإبداعية التي  يقرأها دون إلي حاجة إلي ناقد مُتخصِّص يرشده علي ما يستحق القراءة وما لا يستحق. ويعزو ماكدونالد ضعف دور الناقد في  اللحظة الراهنة إلي انتشار المدونات والمواقع التي  تتيح لأي  شخص (بغض النظر عن معرفته وتضلّعه في  الموضوع الذي  يكتب عنه) الكتابة عن الكتب والأفلام والمسرحيات والعروض الموسيقية. ومن هنا يجب الاعتراف بأن هذا النوع من الكتابة كما يقول ماكدونالد "حلّ محل الكتابة المتخصصة التي  كانت فيما مضي، توجّه القرَّاء وتدلهم علي الكتب الصادرة حديثًا ممّا يستحق القراءة، أو الأفلام التي  تجدر مشاهدتها، أو المسرحيات التي  علي عشاق المسرح أن يشاهدوها"
يُخفِّف فخري  صالح من حالة الفزع التي  يثيرها هذا المصطلح "موت الناقد" ويقول علي الرغم من انتشار البديل الذي  صار يُمارس سلطته عبر المدونات الإلكترونية أو المواقع المتخصِّصة وغيرها أو حتي علي الصفحات الشخصيّة علي الفيسبوك إلا أنّ القول بأن هذا النوع من الكتابة النقدية غير المتخصصة قد حلّ محل النقاد ليس صحيحًا تمامًا. ويمكن إدراجه في  حالة التخوّف علي تلاشي  المؤسّسة النقدية وحلول نوع من الكتابة السريعة التي  تعتمد علي الذائقة لا المعرفة. ربما محقٌّ الدكتور فخري  صالح في  اعتبار الأمر نوعًا من المبالغة ولكن سياق الواقع يقول غير ذلك فيكفي  التدليل بقائمة أفضل مئة رواية المنشورة حديثًا علي صفحة جود ريدز، وبالمثل متابعة الآراء التي  تُنشر في  مدونات القراءة والكتب، وكذلك قنوات اليوتيوب، ليتأكّد لنا أن الأمر لم يعد خيالًا، بل صار واقعًا ملموسًا، فالقائمة التي  اعتمدت في  اختياراتها علي الذائقة دون المعرفة، أقصت أعمالاً مهمَّة، بالإضافة إلي أنها روَّجت لأعمال ضعيفة لا يمكن أن تدخل في  إطار الأدب الرسمي  أو الأدب الرصين علميًّا وليس أخلاقيًّا.
القارئ العادي
حضور مصطلح »‬القارئ العادي» في  حقل الدراسات النقدية والأدبية قديمٌ وليس جديدًا، وقد كان عنوانًا لكتاب فرجينيا وولف "القارئ العادي" الصادر عام 1925(ترجمته الدكتورة عقيلة رمضان، بمراجعة الدكتورة سهير القلماوي، وصدر عن الهيئة المصرية العامة للنشر والتأليف عام 1971). وفي  الحقيقة استعارت وولف المصطلح من الدكتورصموئيل جونسون في  معرض حديثه عن رواية »‬حياة جراي». في كتابه "الناقد والمثقف" أثناء تفرقته بين القارئ العادي والناقد والعالم،فكما يقول "القارئ العادي  يختلف عن الناقد والعالم، لأنّه أقلّ ثقافة منهما، فالقراءة بالنسبة إليه متعة قبل أن تكون سبيلاً للمعرفة أو مجالاً لتصحيح آراء الآخرين. وهو فوق كل هذا قادر - بطريقة فطرية - علي أن يخلق من جميع المفارقات التي  يلتقي  بها نوعًا من الكل - بخلق صورة رجل أو مخطّط عصر أو نظرية في الرواية".البدايات الحقيقية لتدشين دور هذا القارئ كانت مع صيحة رولان بارت عام 1968 عن "موت المؤلف" والتي  كانت مؤشرًا لانطلاق روح ثورية معادية للسلطة والمرجعيات الخاصة، فعندما صرّح بأن معني النص لا يقيم في  قصد المؤلف، وإنما النصُّ ينفلت حُرًّا بعيدًا عن يدي  صانعه، ويمكننا إدراك معانيه المتكاثرة دون انقطاع من خلال فعل القراءة لا من خلال فعل الإنتاج" كأن يدشن - بصورة غير مباشرة - لميلاد القارئ وهو ما يعني  وفقًا لرؤية بارث "موت المؤلف" ومن هنا حلّ القارئ عنده محلّ المؤلف.
فعلي مدار تاريخ الرواية وكذلك علي كثرة الدراسات التي  اهتمت بنشأة هذا الجنس واعتنت بمقولاته النظرية، إلا أن علاقة الرواية بالجمهور لم يتوقف عندها أحد في  أدبنا العربي، وإن كان ثمة إشارات "نادرة وعلي استحياء - إلي تأثيرها البالغ في  مرحلة النشأة علي نحو ما ذكر عبد المحسن طه بدر في  كتابه الرائد "تطور الرواية الحديثة في  مصر" وإن جاءت في  سياق التحقير لهذا الدور. كما وردّ مصطلح القارئ العادي  في  عنوان كتاب غالي شكري "خطاب إلي القارئ العادي" ووفقًا لتصدير سلامة موسي للكتاب فالقارئ العادي  عنده هو "الذي  يستطيع أن يحيا علي نحو أفضل مما كان عليه قبل القراءة، هذا هو القارئ العادي  حقًا، أما الذي  يختزن مكتبة في  رأسه دون أن يتأثَّر بسطر، فهو ليس قارئًا عاديًا، إنه مخزن لا أكثر". استعارة القارئ العادي  هنا تأتي  كتأكيد علي طبيعة المقالات التي  تخاطب قارئ الصحيفة الذي  كتبتُ من أجله هذه الصفحات كما يقول في  المقدمة "فقد كتبت" أصلاً كمادة صحفية أسبوعية، وليست بحثًا أو فصولاً أكاديمية اعتادها قرائي". أما دراسة التأثير الحقيقي  لدور القارئ فقد جاءت لاحقًا في  دراسة سماح سليم السابقة الذكر؛ حيث ربطت بين نشأة الرواية الشعبية التي  كانت هي  مقابل الرواية المترجمة، والجمهور. وقد أكدت خلالها علي عمق العلاقة بين الجمهور والرواية، وبالتالي  فهي  ليست علاقة جديدة أو حتي طارئة وإنما هي  علاقة عميقة تمتد جذورها إلي النشأة والتكوين، حيث كان لذائقة الجمهور الدور الأول في  انتشار أجناس معينة وجدت رواجًا مع الجمهور من أبناء الطبقة الشعبيّة مِن حرفيين وفنيين وأصحاب أعمال يدوية ... إلخ.
سلطة القارئ
في  الحقيقة عاد الاهتمام بالقارئ / الجمهور بقوة في السنوات الأخيرة، ووضعته الدراسات البلاغية وبالأخص بلاغة تحليل الخطاب موضع اهتمام وعناية بعد الطفرة التكنولوجية الحديثة،وانتشار المدوّنات الخاصة والمواقع المتخصِّصة ووسائل السوشيال ميديا. وقد حصل القارئ / الجمهور في  ظلها علي مزايا عديدة منها اكتسب سلطة، فمنحت القارئ (أيَّاكانت طبيعته) الحق في  إبداء الرأي  فيما يقرأ أو يشاهد، أي  منحته فرصة الاختيار والتقييم . وهي  سُلطة جديدة تجاوز بها دوره العادي  كمتلقٍ إلي مُنتج ومشارك، وهو ما أهّله لأن يحلّ محل الناقد الأكاديمي  الذي  شحب وتضاءل حضوره.
لا يستطيع أحد أن يُنكر المكانة التي  حظي  بها القارئ العادي  / الجمهور علي مستوي الدراسات التي  اهتمت بتحليل بلاغة الخطاب السياسي، كما هو واضح في  جهود الدكتور عماد عبد اللطيف. وأيضًا علي مستوي قوائم البيست سيلر، والتعويل عليه في  رفع روايات إلي صدارة القائمة، وهو ما أكّدته الرهانات التي  بات يأمل فيها كُتَّاب الرِّواية منه. حتي خلنا أننا نعيش عصر "الثقافة الجماهيرية بالمعني الردئ" علي حدِّ تعبير الناقد إبراهيم فتحي، وهو ما خلق جوًّا مواتيًا للرواية. وبقدر الدور الذي  لعبه الجمهور للرواية، خاصة في  زيادة نسبة التوزيع وظهور قوائم البيست سلير، إلا أن الضرّر الأكبر يكمن في  انحياز الجمهور لروايات ذات موضوعات معينة، وهو ما يعني  تقليل القيمة لحساب النوع أو احتياجات الذائقة الجديدة، وهو ما يتشابه لحد بعيد مع المشكلة التي  أثارتها المدرسة الاجتماعية في  جانبها الإمبريقي  كما في  أطروحات الفرنسي  "سكاربيه" في  دراسته للأدب كظاهرة إنتاجية ترتبط في  آلياتها وفي  قواعدها بقوانين السوق، فأغفل الطابع النوعي  للأعمال الأدبية كما أوخذ عليها فيما بعد. ومن ثمّ أؤكِّد علي مخاطر الانسياق خلف آراء الجمهور، لأنها ستقود إلي إهمال للأعمال العظيمة علي حساب الروايات الرائجة، وهذا مكمن الخطورة. الخطر الثاني  يتمثل في  أن سلطة الجمهور قضت علي أن يكون الروائي  حرًّا وهي  الصفة التي  اعتبرها جويس أهمَّ صفة يجب أن يتحلّي بها الروائي  "فله أن يختار الموضوع الذي  يروقه ويعالجه بالطريقة التي  يراها خير الطرق لعلاجه." ومع الأسف صارت هذه الحرية غير فاعلة بسبب السلطة الجديدة التي  مارسها القارئ العادي  / الجمهور علي الكُتَّاب.
وقد ظهرت استجابة الكُتَّاب لميول الجمهور، قديمًا (مع نشأة الرواية) في  عناوين الروايات وقد أشارت إلي هذا سماح سليم، باعتبار العناوين العتبةَ الأبرز لشدّ التفات الجمهور، ودافعًا لإغرائه بالقراءة أي  أشبه بالوظيفة التحريضية( حيث فضول المرسل إليه ومناداته) كما عند هنري  ميتران، أو لما يقوم به من "التعيين والإعلان"علي نحو ما ذكر "ليوهوك". فبدأ الكُتّاب في  مغازلة هذا الجمهور، بعناوين مثيرة تلفت الانتباه، فطغت علي معظم عناوين الروايات في  هذه الفترة، العناوين الفرحيّة، التي  توزَّعت بين الطَّابع البوليسي  والطّابع الرُّومَانِسي، وبعضهم جمع بين الطابع البوليسي  والرومانسي  في  العنوان علي نحو ما عَنْوَن "لبيب أبوستيت"روايته "الأبرياء" بعنوان فرعي  "أدبية غرامية بوليسيّة"، وكذلك رواية محمد رأفت الجمالي  "قوت الفاتنة" فأردفها بعنوان فرعي  هكذا: "تاريخية مصرية غرامية". وحديثًا استجاب الروائيون لهذه السّلطة، واهتموا في  كتاباتهم بموضوعات محدّدة تتناسب مع ذائقته كالروايات العاطفية كما في  روايات أحلام مستغانمي  أو روايات الخيال العلمي  وقصص الرعب كما في  روايات حسن الجندي، وعمرو العادلي  وشريف عبد الهادي، وعمرو الجندي  أو قصص ذات إطار اجتماعي  مطعم بنزعة دينية وعظية كما في  روايات خولة حمدي  ودينا عماد، ودعاء عبد الرحمن وحنان لاشين، ووصلت سلطته في  ترجيح عناوين الأعمال أو أغلفتها حسب ما ينشر الأدباء علي صفحاتهم وينتظرون آراء القراء.
في  الأخير نتساءل مع ماكدونالد من جديد: هل انتشار سلطة المدونات والمجموعات الحوارية علامة علي تمكين الجماهير؟،وهو ما يعني أن زمن الناقد بوصفه الحكم الفيصلي  الذي  يُحدِّد ذائقة الجمهور ويُقرِّر ما يستهلكه ذلك الجمهور علي الصعيد الثقافي  قد ولّي؟!يمكن بكل اطمئنان أن نقول إن الجواب نعم، ولا في  نفس الوقت!.