رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

يوماً أو بعض يوم: ذات وعالم هل حُرِم طه حسين من نوبل 1949 إرضاءً للوبي الصهيوني؟


طه حسين

طه حسين

منصورة عز الدين
1/6/2018 12:45:53 PM

يكمن سحر المذكرات والسير الذاتية في أنها، مهما بلغت ذاتيتها، تنجح دوماً في رسم عالم كامل بتفاصيله الدقيقة ودقائقه المنسية. وفي كتابه »يوماً أو بعض يوم»‬، الصادر مؤخراً عن دار الكرمة، يقدم الكاتب والصحفي محمد سلماويجانباً من التاريخ الاجتماعي المصري في القرن العشرين، ويعيد تشييد عالم خبت الكثير من معالمه وتوارت بفعل اختلاف الزمن وتغير النظم السياسية والاجتماعية.

لا يمكن، بطبيعة الحال، قول إن هذه المذكرات تقدم سيرة وطن كامل، لكنها علي الأقل تستعرض ما يمكن وصفه بسيرة طبقة اجتماعية شهدت الكثير من التقلبات والتغيرات، فيما هم المؤلف الأساسي تسجيل قصته هو وما شهده وشهد عليه من أحداث وأحوال ببساطة وبلا ادعاء.
يبدأ سلماوي كتابه الممتع بجذور عائلة والده المنحدرة من الجزيرة العربية، فالجد الأكبر هو عليّ بن عسر، أحد قادة عمرو بن العاص، والذي لُقب بالسلماوي لأنه من قبيلة سلمي المنسوبة إلي جبل سلمي بالجزيرة العربية.
ومن جده المباشر محمد السلماوي - عمدة محلة مالك - ينتقل للحديث عن عائلة أمه ووالدها الوجيه العصامي محمد شتا، قبل التركيز علي والديه رجل الأعمال سلماوي محمد وسيدة المجتمع المولعة بالفن زينب شتا.
يحكي أيضاً عن طفولته وتأثير مربياته الأجنبيات وسفر والديه الدائم عليه والعوامل المؤثرة في تكوينه ككاتب وإنسان، وعن قصة حبه لزوجته الفنانة التشكيلية نازلي مدكور.
غير أن من بين أهم ما يرد في »‬يوماً أو بعض يوم» ذكريات مؤلفه عن عمله الصحفي، إذ نستشف من خلاله الكثير عن عالم الصحافة والسياسة في تلك الفترة، خاصةً أن سلماوي بحكم إلمامه بأكثر من لغة أجنبية اضطلع بتغطية عدد من الأحداث الدولية المهمة. في فصل »‬حواديت الدور السادس» مثلاً يتوقف صاحب »‬أجنحة الفراشة» أمام ذكرياته عن »‬متحف الخالدين» حسب الوصف الشائع للدور السادس في مبني جريدة الأهرام حيث توجد مكاتب كبار الكتاب مثل: لويس عوض، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، نجيب محفوظ وغيرهم.
ومن بين هؤلاء يركز علي علاقته بتوفيق الحكيم التي تعمقت أكثر حين تزوجت شقيقته هداية سلماوي من إسماعيل ابن صاحب »‬نهر الجنون»، وعلي نجيب محفوظ الذي يحكي عنه تفصيلة صغيرة لكنها كاشفة جداً عن أخلاقياته العالية. فبعد وفاة الحكيم، وعقب حصول محفوظ علي جائزة نوبل، قررت إدارة الأهرام نقل الأخير إلي مكتب الأول باعتباره أكبر مكاتب »‬متحف الخالدين»، فيعطي محفوظ الجميع درساً في التواضع وكرم الأخلاق برفضه طوال السنوات التي قضاها في هذا المكتب الجديد أن يجلس إلي مكتب توفيق الحكيم، حيث: »‬استمر كالضيف يجلس علي الأريكة الجلدية نفسها، ذات اللون الأخضر الداكن، الموجودة بالمكتب، والتي كان يجلس عليها حين كان يحضر إلي مكتب الحكيم».
ويؤكد سلماوي، في كتابه، أن طه حسين كان قاب قوسين أو أدني من الفوز بجائزة نوبل عام 1949، وكانت المنافسة علي أشدها بينه وبين وليم فوكنر، »‬حسبما علمت بشكل مباشر من السكرتير الدائم للجنة نوبل في ستوكهولم ستوري آلين، لكن ذلك كان عام 1949، أي بعد عام واحد من حرب 1948 التي اغتصبت فيها إسرائيل أراضي العرب التي لم يمنحها لها قرار التقسيم، ونشط النفوذ اليهودي في العالم يغطي علي تلك الجريمة فيروج للدولة اليهودية الجديدة ويطمس كل ما هو عربي».
وفقاً لما يحكيه سلماوي فإن ما حدث في ذلك الوقت داخل الأكاديمية السويدية سيظل يمثل علامة استفهام في تاريخ الجائزة لا يملك أحد الرد عليها. فحين بدا أن طه حسين بدأ يتفوق علي فوكنر في التصويت الأخير قررت الجائزة عدم منح الجائزة ذاك العام بحجة عد انطباق شروط الجائزة علي أي من المرشحين، في سابقة هي الأولي من نوعها. ويضيف صاحب »‬سالومي»: »‬والغريب في الأمر أنه أُعلن بالرغم من ذلك عن فوز فوكنر بالجائزة، علي أن يتسلمها في العام التالي لأن الجائزة لم تقدم في ذلك العام، وحين تعود إلي سجلات »‬نوبل» كما فعلت أثناء وجودي في ستوكهولم  تجد أن الذي فاز بالجائزة عام 1949 هو وليام فوكنر لكنه دعي لتسلمها عام 1950 (!)، وقد تحدثت في هذا الأمر مع »‬ستوري آلين»، السكرتير الدائم للجنة نوبل، لكنه لم يملك جواباً شافياً، وستظل هذه الواقعة فريدة من نوعها في تاريخ الجائزة».
وفي سياق غير بعيد عن هذه الحادثة كانت الأكاديمية السويدية قد أعلنت في يناير الماضي أسماء المتنافسين علي جائزة نوبل للآداب 1965، والتي فاز بها الروسي شولوخوف، وكان اسم طه حسين بين هذه الأسماء إلي جانب: بورخيس، أودورنو، آنا أخماتوفا، فريدريش دورنمات، ماكس فريش، هاينريش بول، يوكيو ميشيما، ياسوناري كاواباتا، بابلو نيرودا، ألبرتو مورافيا، عزرا باوند وفلاديمير نابكوف.
من ناحية أخري يستعرض المؤلف تجربة اعتقاله بالتزامن مع انتفاضة 18 و19 يناير 1977، وفي هذا الجزء يورد جملة لافتة علي لسان سيد مرعي، وأحد أصدقاء والده سلماوي محمد ورئيس مجلس الشعب وقتها وصهر السادات، إذ قال له: »‬.... لا أقول إنك كنت تستحق الاعتقال، بل أقول إن الاعتقال بدون وجه حق هو إحدي حقائق الحياة السياسية في بلادنا.....»!
تتوقف المذكرات عند نهاية عصر السادات الذي يري المؤلف أنه أوصل البلاد إلي طريق مسدود لم يكن من الممكن الخروج منه إلا بالانفجار العنيف الذي شهدته البلاد يوم 6 أكتوبر 1981 في ذلك الحادث الدموي المروع الذي وقع علي المنصة الرئاسية يوم الاحتفال بذكري نصر أكتوبر، والذي تفوق في هوله علي الفواجع الإغريقية القديمة. وانهار المشهد المهيب أمام كاميرات التصوير، فانتهت مرحلة من تاريخ مصر المعاصر، لتشهد البلاد بعد ذلك، وتشهد حياتي مرحلة جديدة.
كانت تلك آخر كلمات الكتاب، وكما نلاحظ فهي تحمل في ثناياها ما يشبه وعداً ضمنياً بالكتابة لاحقاً عن هذه المرحلة الجديدة.