رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

غياب الأرقام

بستان الكتب


إشراف : منصورة عز الدين
1/6/2018 12:50:12 PM

قرأت مؤخراً أن أدب الإنترنت الصيني يشهد حالياً ازدهاراً غير مسبوق، لدرجة نما معها في 2017 إلي قرابة ملياري دولار، بزيادة 32 % عن العام السابق. ليس هذا فقط، بل أصبح مصدر إلهام للسينما والتليفزيون والألعاب الإلكترونية. ومن المتوقع وفق الدراسات والإحصاءات أن يواصل هذا السوق الازدهار خلال 2018 أيضاً. فالكثير من الناس مستعدون لدفع المال مقابل قراءة الأعمال الأدبية الجيدة المنشورة علي الإنترنت، وقد ساهمت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الصينية لمكافحة القرصنة في زيادة أعداد المهتمين بقراءة هذا الأدب، ليبلغ عددهم 333 مليون صيني في نهاية 2016، بينهم 304 مليون مستخدم يقرأون عبر هواتفهم المحمولة. وعلي مدار العشرين سنة الأخيرة، سجل قطاع نشر الأدب الإلكتروني في الصين نمواً ضخماً، بمعدل سنوي بلغ نسبة 20 %.
لا أكتب ما سبق لاهتمامي بنجاحات أدب الإنترنت الصيني علي وجه الخصوص، إنما لإعجابي بقدرة الإحصاءات هناك علي متابعة كل صغيرة وكبيرة في عالم صناعة الكتاب، وما يستحضره هذا من مقارنات بين حال النشر هنا وهناك، فشتان بين الاهتمام بالأرقام والدراسة المعمقة لأبسط التفاصيل في أسواق النشر المنظمة عموماً، لا في الصين وحدها، وبين الإهمال التام في سوق النشر العربي، حيث يسود التعتيم والضباب.
فحتي المعلومات الأولية عن عدد النسخ المطبوعة أو المباعة تحاط بقدر عالٍ من السرية. معظم دار النشر تعتبرها لا تخص المؤلف نفسه، أما الإحصاءات الخاصة بالمقروئية واتجاهات القراء، فلا وجود لها تقريباً. وإن حدث وأصدرت هذه الجهة أو تلك إحصائية ما بخصوص سوق النشر، نجد عشرات المشككين في نتائجها، أو نقرأ اعترافاً من المسئولين عنها (أي الإحصائية) بأن العينة ليست ممثِلة بما يكفي.
يضاف إلي هذا غياب أي ضوابط لسوق النشر، فبعض الناشرين تحولوا إلي مجرد وسيط بين المؤلف والمطبعة، وبعضهم الآخر يأخذ نفقات النشر من المؤلفين، ثم لا يهتم بتوزيع الكتب بعد نشرها بما أنه حصل علي أمواله مسبقاً، بل وهناك من يشترطون الحصول علي نسبة من أي جائزة ينالها الكاتب عن كتابه المنشور لديهم.
لكن لو عدنا للإحصاءات التي بدأنا بها والخاصة بسوق نشر أدب الإنترنت في الصين، سنعرف أن الفارق بيننا وبينهم لا يتوقف فقط عند نقص الشفافية وغياب الإحصاءات الخاصة بدراسة السوق من أجل فهمه ومن ثم العمل علي تطويره، إنما يمتد أيضاً ليشمل كل تفصيل آخر، فحتي لو ازدهر لدينا ما يسمي بأدب الإنترنت، فأغلب الظن أن الكاتب لن يستفيد مادياً من ازدهاره، هذا بخلاف أن السينما والتليفزيون هنا لا تكاد تجمعهما علاقة بالأدب الحديث.
قد يبدو كلامي مغرقاً في التشاؤم، لكنه غير بعيد عن الواقع. فأي متابع لصناعة الكتاب في العالم العربي يدرك مشكلاته جيداً. الفارق فقط أن كل طرف يحمل غيره مسئولية هذه المشكلات.
م.ع