رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

طاقة نور في النفق المعتم


فاروق عبد القادر يستمع إلي سعيد الكفراوى وعفيفى مطر يبتسم

فاروق عبد القادر يستمع إلي سعيد الكفراوى وعفيفى مطر يبتسم

3/10/2018 1:58:43 PM

1  
رحل فاروق عبد القادر ولم يترك وراءه سوي كتبه، سوي آرائه وأفكاره الحادة التي أثارت جدلاً كبيراً، لم يترك سوي ضميره الحي وأفعاله الصاخبة، فلا أسرة ولا زوجة ولا أطفال، ولا بيت أيضاً، فبعد رحيله تم تسليم شقة العائلة التي عاش فيها لصاحب العقار بينما ذهبت أغراضه، الأثاث، الملابس، الأحذية، أواني المطبخ إلي جمعية خيرية لتفعل شيئاً طيباً مع آخرين وتعيش حياة أخري ودون شك سوف تتذكر صاحبها، أما كتبه فقد استقرت في غرفة صغيرة في قصر ثقافة روض الفرج الذي كان سوقاً للفاكهة والخضار من قبل، ورقد هو في مقبرة بعيدة عن ضجيج الثقافة الذي سئمه في سنواته الأخيرة تاركاً كل شيء حتي الجائزة التي مُنحت له وهو غائب عن الوعي في سرير المرض قبل رحيله بيوم واحد ذهبت قيمتها المادية صدقة جارية كما قرر ابن اخيه وأخبرني بذلك ونحن في سرادق العزاء، كما ذهبت من قبل قيمة جائزة العويس التي حصل عليها في حياته قرباناً لليالي القاهرة الصاخبة دون أن يدخر منها شيئاً! فلا شيء تبقي سوي أفكاره وآرائه في الثقافة العربية، معاركه، الهزائم والإنتصارات التي سجلتها العديد من الصفحات في كتبه والتي تجسد حياة قاسية لرجل اختار أن يسبح دائماً عكس كل التيارات.

2
الفاروق عبد القادر السيد وشهرته فاروق عبد القادر الذي ولد في يناير عام 1938 ورحل في 23 يونيو 2010 عاش حياة يمكن وصفها بحياة المحارب الذي كان يخوض المعركة تلو الأخري قضي طفولته في قرية علي تخوم القاهرة سرعان ما أصبحت جزءاً منها وهي منية السيرج فعاش حياة القرية المصرية بكل تجلياتها في طفولته في العقد الأخير من النصف الأول من القرن العشرين قبل أن يصيبها ما أصاب المجتمع المصري من تشويه! وحصل علي الثانوية العامة عام 1954 ليلتحق بكلية الآداب ويختار قسم الدراسات الإجتماعية والنفسية وسوف يكون هذا الإختيار له دور كبير ومؤثر في أسلوب فاروق عبد القادر في النقد وخاصة المسرحي، وهناك حظي بأساتذة كبار كما حكي في مقدمة كتاب »نفق معتم ومصابيح قليلة»‬  مثل مصطفي زيور رائد المدرسة الفرويدية في مصر، ويوسف مراد صاحب مجلة علم النفس، ومصطفي صفوان صاحب ترجمة كتاب  »‬تفسير الأحلام» وأحد مؤسسي الحزب الشيوعي المصري في باريس، وعلي بعد خطوات من القسم كان العملاق عبدالرحمن بدوي الداعية الأكبر للفلسفة الوجودية في مصر، وهكذا أتيح له أن ينهل من الفرويدية والوجودية والماركسية في وقت مبكر فكان لهذه النظريات التأثير الأكبر في تكوينه الثقافي.
أما المسرح الذي أصبح من أعلامه فدرسه في دور العرض وتنفس عبق ازدهاره في مناخ الستينات حيث كانت الكلمة العليا في المجتمع لهذا الفن وكانت خشبات المسارح تجتذب الجماهير كل يوم بالإضافة إلي دراسته الخاصة للمسرح من خلال المنهج الذي أعده لنفسه عن طريق المرجع الرئيسي الذي حدثني عنه كثيراً وأهداني إياه قبل أن يعتزل العالم في سرير المرض أساتذة الدراما»Master of the drama» لجون جاسنر فكان هذا المرجع دليله إلي المسرح الذي يبدأ بأساتذة الدراما الإغريق الذين اشتغلوا بالمسرح قبل اسخيلوس الكاتب المسرحي الأول الذي احتفظ التاريخ ببعض من نصوصه ووصولاً إلي العصر الحديث، وكان يقرأ عن الكتاب في هذا المرجع ثم يعود للبحث عن أعمالهم لدراستها، هذا بالإضافة إلي ارتباطه العميق بأعمال بيتر بروك والتي ترجمها إلي العربية فيما بعد بدءاً من المساحة الفارغة ووصولاً إلي »‬خيوط الزمن» سيرة بيتر بروك الذاتية والذي تنازل صاحبها عن حقوق النشر العربية لفاروق عبد القادر حين علم بمرضه.
وفي سنوات الدراسة الجامعية وبالتحديد عام 1956 سافر إلي بورسعيد للإشتراك في المقاومة الشعبية أثناء العدوان الثلاثي وأصيب في يده، وأنضم في تلك الفترة إلي حزب الراية الذي مارس فيه العمل السياسي منتمياً إلي الفكر اليساري، ولم يندمج في هذا الحزب أو غيره فقد ظل طيلة حياته لا ينتمي إلي إلي إتجاه سوي نفسه، وماحدث في حياته الوظيفية خير دليل، فقد سافر إلي السعودية مابين عامي 1960، و1961 علي الأرجح وعمل في صحيفة الندوة ونشر بها بعض المقالات في الأدب والسياسة، وظني أن ما دفعه إلي السفر ماحدث عام 1959 بعد عام من تخرجه حين كان يعد نفسه للعمل الأكاديمي، ففي تلك الفترة أعلن المركز القومي للبحوث الإجتماعية عن ثلاثة من الباحثين المساعدين وكانت تنطبق عليه الشروط ولكن الاعتراض الأمني أطاح بالوظيفة وبالتالي بالمشوار الأكاديمي، فعمل في بعض المجلات ثم سافر إلي السعودية، وبعد عودته صدر أول كتاب له ترجمة مسرحية »‬فترة التوافق» لتينسي وليامز عام 1962 عن سلسلة روائع المسرح العالمي »‬فقد قر في وعيي أن الكتابة مستقبلي الذي لا تستطيع أجهزة الأمن الإعتراض عليه» ونشر بعض المقالات في مجلة روزاليوسف ثم سافر إلي قطر لمدة عام بناء علي طلب مكتب الحاكم وفقاً للأوراق التي احتفظ بها وننشرها في هذا الملف، ولم تستغرق الرحلة سوي عام واحد فهو لا يستطيع الحياة خارج مصر بالإضافة إلي ارتباطه بفن المسرح في مطلع حياته منذ منتصف الخمسينات والذي يصفه في ذلك الوقت قائلاً.. »‬وبدا للكثيرين أن هذا الفن يمكن أن يقوم بدور في ردم الهوة التي عمقتها مئات السنين بين الثقافة الجادة من ناحية والجماهير من الناحية الأخري» .
وبينما كانت مطرقة النكسة تهوي علي رؤوس الجميع التقي فاروق عبدالقادر بالشاعر صلاح عبد الصبور في ذلك اليوم القائظ من أيام أغسطس 1967 حيث عرض عليه أن يعمل سكرتيراً لتحرير مجلة المسرح مع الدكتور عبد القادر القط، واستمر فيها حتي عام 1970 رغم تغير رؤساء التحرير حيث تولي سعد الدين وهبة بعد الدكتور القط ثم صلاح عبد الصبور ثم توقفت المجلة بجرة قلم من الدكتورة سهير القلماوي وفقاً لتعبير فاروق عبد القادر الذي ترك عمله في هيئة الكتاب أو هيئة التاليف والنشر وقتذاك عام 1972 علي إثر حوار عبثي مع الدكتور السيد الشنيطي رئيس مجلس الإدارة في ذلك الوقت دون عودة لهذا المبني مرة أخري، كما سيترك مبني الأهرام بعد خمس سنوات عام 1977 بعد إغلاق مجلة الطليعة لأنه رفض أن يتنازل عن أفكاره، لقد أدار ظهره لعدد من المؤسسات الثقافية، وقد كتب عام 1994 تحت عنوان سيرة ثقافية عن بعض من هذه الأحداث واختتم قوله بأنه غير نادم علي أنه أدار ظهر لهذه المؤسسات، لأنه حافظ علي مبادئه واستقلاليته ككاتب حر، بل كانت الأقدار تساعده في الحفاظ علي هذه الاستقلالية حين كان علي وشك التعيين في مؤسسة روزاليوسف وتولي رئاسة مجلس الإدارة الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي وكان فاروق عبد القادر قد نشر مقالين عن مسرحيته »‬وطني عكا» في مجلة روزاليوسف بتاريخ 21/ 12 1969 و5/1 / 1970وكان العنوان الأصلي »‬وطني عكا.. جيش الدفاع الإسرائيلي في خدمة القضية العربية» واختارت المجلة للمقال الأول عنواناً »‬ماذا تقول مسرحية الشرقاوي» والعنوان الثاني »‬عن الشعر والدراما والعرض المسرحي في وطني عكا» وهاجم المسرحية فبعثت له الأقدار بعبد الرحمن الشرقاوي ليتولي رئاسة مجلس إدارة المؤسسة! فلم يرفض فاروق عبدالقادر المؤسسة الثقافية الرسمية، لم يناصبها العداء لكن المؤسسة لم تقبل بشروطه وجوهرها الحرية، حرية الكاتب غير المشروطة.

3
هنا بعض من الصفحات المنسية التي احتفظ بها صاحبها، وعثرت علي بعضها في خزانة مكتبه، وأنا أسلّم المكتبة لقصور الثقافة حتي لا تذهب إلي المجهول أيضاً، وكنت أبحث عن الرسائل التي حدثني عنها كثيراً، والتي تبادلها مع بعض الكتاب العرب ومنهم سعدالله ونوس، ولم أعثر عليها ولا أعرف أين ذهبت؟ ولكني عثرت علي هذه الأوراق في نهاية يونيو 2010 بعد رحيله مباشرة، وفقط احتفظت بها لأنه هو احتفظ بها ووضعها في مكان خاص، احتفظت أنا أيضاً بها حوالي سبع سنوات، ولم أتوقف أمامها كثيراً ربما لأنني كنت أبحث عن الرسائل المفقودة، أو لأن بعضها أوراق ومكاتبات رسمية، ولكن حين تأملتها وجدت أنها ربما تلقي الضوء علي جانب من شخصيته فهي جزء من سيرة حياته وخاصة كمثقف عربي له حضوره المؤثر والفعّال في الواقع الثقافي العربي، وقسمتها إلي ثلاثة أقسام، الأول المكاتبات الرسمية والتي تتعلق بسفره وعمله في الخليج وبالتحديد قي دولة قطر، والرسائل التي تسلمها من مؤسسات ثقافية وعربية والتي تؤكد دوره وتبرز مكانته الكبيره، وهذا ما شجعني علي نشرها بعد تردد دام سنوات. والقسم الثاني الرسائل الشخصية وإن كانت قليلة ولكنها تدل بقوة علي شخصيته مصرياً وعربياً وتؤكد مدي اعتزاز المبدعين برأيه حتي وإن كان قاسياً في أحيان كثيرة. أما القسم الثالث ماكتبه فاروق عبد القادر من مقالات قديمة وحديثة ولم تنشر بين دفتي كتاب لأسباب متباينة فبعضها استبعده ربما لأن سياق هذا الكتاب أو ذاك لا يتناسب وهذه الأعمال وبعضها لم يمهله القدر لنشرها. واخترت منها نماذج في هذا الملف، حوار نادر مع ألفريد فرج مكتوب علي الألة الكاتبة وجاهز للنشر، ولكن علي الأرجح لم ينشر، وربما تم نشره ولكنني لم أعثر عليه! مع مقال هو الوحيد الذي كتبه عن لينين الرملي في مسرحية »‬أهلاًيا بكوات» ونشره في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 3 / 8 / 1989، بالإضافة إلي بعض المقالات التي نشرها بدءاً من عام 2007 وحتي محنة المرض وغيابه عن الوعي بالتدريج، وكان الإصدار الأخير لفاروق عبد القادر »‬من أوراق الزمن الرخو» في جزئين »‬شرفات ونوافذ - وجوه وأحداث» وقد اخترت بعضاً من هذه المقالات المنسية ليس فقط لأهميتها ولكن لأنها تجسد علاقة الراحل ببعض الكتاب وخاصة ألفريد فرج وصلاح عبدالصبور وسعدالله ونوس، وقد احتفظ فاروق عبد القادر بعدد كبير من مخطوطات مسرحيات محمود دياب وعلي الأرجح أنه كان يرسل له هذه المخطوطات قبل نشرها، وأيضاً بعض أعمال نعمان عاشور بالإضافة إلي حورات ومقالات نشرها من قبل مثل المواجهة التي تمت بينه وبين الدكتور علي الراعي ونُشرت في مجلة العربي الكويتية بمناسبة حصول الأخير علي جائزة الدولة التقديرية عام 1993، وقد انتزعها فاروق عبد القادر من المجلة واحتفظ بها بين أوراقه مع مخطوطات أخري بعضها تضمنتها كتبه فيما بعد أو تم نشرها فقط في الصحف والمجلات وبعضها لم ينشر بعد.
توقفت كثيراً أمام حوار ألفريد فرج الذي أجراه فاروق عبد القادره معه علي الأرجح عام 1986 وكان في زيارة للقاهرة أثناء إقامته في لندن إذ يبدأ الحوار بتحديد عمره وقتذاك »‬ألفريد فرج 57 عاماً» وهو من مواليد 1929 ليس فقط لأهمية الحوار الذي يناقش الإنكسارالذي أصاب المسرح المصري في السبعينات وما آل إليه من تراجع في منتصف الثمانينات مع نظرة عميقة علي واقع المسرح العربي بعين العليم ببواطن الأمور ولكن أيضاً للعلاقة الحميمة بين طرفي الحوار، فلم يجد فاروق عبد القادر أنسب من مونولوج لسليمان الحلبي من مسرحية ألفريد فرج التي تحمل نفس الاسم ليكون فاتحة أول كتبه »‬ازدهار وسقوط المسرح المصري» وهو يناجي القاهرة »‬القاهرة.. ما أعظمها وما أتعسها!وطني ومنبت أفكاري...» للتأكيد علي عمق العلاقة الفكرية بين الكاتب المسرحي والناقد، والحوار يشخص بدقة الأمراض التي وضعها الناقد علي طاولة المؤلف بعد أن تفشت بضرواة في جسد المسرح المصري في ثمانينات القرن الماضي وأهمها تعاظم دور الرقابة وتراجع دورالمكاتب الفنية التي تدير المسارح بعد أن أصبحت الكلمة العليا للرقيب! ويثير ألفريد فرج قضية شائكة وهي دعم الدولة للفنون وخاصة المسرح حيث يؤكد علي أن الدعم للجمهور حتي يحظي بمنتج فني جيد وليس للفنانين! وبالطبع هو لا يعرف أن ميزانية المسرح الآن المستفيد الأول منها جيش الموظفين!
أما ما كتبه عن مسرحية »‬أهلاً يا بكوات» والذي لم ينشره في كتبه يثير الدهشة، فعلي الرغم من الثناء علي المسرحية - مع بعض الملاحظات وهذا أمر طبيعي - إلا أنه لم يكتب عن هذا الكاتب أو عروضه بعد ذلك وأظنه لم يكتب قبل هذا المقال شيئاً، ربما للعداء الذي ناصبه فاروق عبد القادر للمسرح التجاري والذي اعتبره شاهداً علي تدهور المسرح المصري، وكان لينين من ألمع نجوم المسرح التجاري بل وقد أستطاع تغير صورة هذا المسرح عند الجمهور والنقاد وبمعني أدق تحسين صورته.
ثلاث مقالات أخري اخترتها من الأوراق المنسية لهذا الملف ماكتبه تحت عنوان »‬سرد أحداث موت صلاح عبد الصبور» بعد أن حقق في الواقعة وسأل كل أطرافها أي من حضروا تلك السهرة، ناهيك عن علاقته الوطيدة بصلاح عبد الصبور من خلال العمل معه منذ عام 1967. بالإضافة إلي المقال الذي نشره في مجلة روزاليوسف عام 1995 دفاعاً عن الدكتور نصر حامد أبوزيد »‬إعدام رجل قال : (ربي الله) ثم اجتهد!!» في مواجهة الحملة الشرسة التي اتهمته بالكفر وحكمت بالتفرقة بينه وبين زوجته. وأخيراً القراءة النقدية لمسرحية سعدالله ونوس التي نشرت بعد موته »‬الحياة أبدًا».