رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أحمد خالد توفيق..الذي واجه أشباحه وحيداً


إسراء النمر
4/14/2018 2:09:17 PM

لا يزال الذين أحبوا أحمد خالد توفيق، والذين لم يحبوه، والذين اتخذوا موقفاً محايداً منه، لا يستوعبون ما حدث له. لقد مات هكذا سريعاً، وقبل الأوان. مات رغم أنه قال مراراً إنه سيموت في أقرب فرصة، وإنه رغم يقينه بذلك، ورغم تنبؤه بيوم وفاته، إلا أنه لم يكن مستعداً، ولم يكن يعرف كيف سيواجه خوفه هناك وحيداً. إذ ظل طيلة حياته يغلب عليه الخوف من كل شيء. من المجهول، ومن المستقبل، ومن الأشباح التي طاردته صغيراً، وكبيراً أيضاً. لكنه علي كل حال مات دون أن نعرفه جيداً، رغم أنه يكاد يكون واحداً من الكُتّاب الذين حققوا شعبية هائلة، لكن هذا لم يشفع له لدي النقاد، النقاد الذين رأي بعضهم أنه من العيب التصدي لأعماله، رغم أن النقد ليس مهمته أن يصدر أحكاما علي الأعمال الأدبية، إنما أن يصلح مسارها، وأن يكشف ما بها من مناطق وعرة. ربما لأجل ذلك ظلت صورته ككاتب مشوشة لدي البعض، خصوصاً لدي أولئك الذين يحكمون علي الكاتب بالموت قبل موته. هنا نحاول الاقتراب منه، ومن أفكاره، ورؤيته التي علي أساسها اختار هذا الطريق.

لم يكن أحمد خالد توفيق حاسماً -في البدايات- بشأن نوع الأدب الذي يريده، وأصابته في سنوات شبابه حالة من الاضطراب والحيرة الشديدة، إذ بدأ ولعه بالقصة، وكان لكتاب (فن القصة القصيرة) للدكتور رشاد رشدي الدافع الأكبر في ذلك، وبالفعل كتب عددا لا بأس به من القصص، وحين جرب النشر مرة، لم يحظ بالقبول، فقرر أن يتوقف تماماً عن كتابتها، وذلك لأنه كان شديد الحساسية، ثم اتجه لكتابة الشعر، ولم يكن بحاجة إلي تجربة أخري قاسية تجعله يدرك أنه لن يتقن هذا النوع، لأنه وجد نفسه عاجزاً عن كتابة قصيدة سياسية وأن أمل دنقل قال ما يريد قوله، ولأنه كان يعرف جيداً أن الشعر معني أولاً. تعلم ذلك من الشاعر السوفيتي يفجيني إيفتوشنكو، الذي خصصت له مجلة الهلال في الستينيات عدداً خاصاً يحمل صورته، احتفاءً بزيارته لمصر عام 1963، وقد اطلع أحمد خالد توفيق علي هذا العدد بالصدفة في مكتبة والده، فتأثر بأفكاره عن الشعر، التي كان من بينها أنه »علي الشاعر أن يقول شيئاً آخر غير أنه شاعر»‬، وربما كان هذا سبب آخر جعله يتوقف عن كتابة الشعر، لأن لم يكن لديه ما يقوله سوي أنه شاعر.
شيء واحد أنقذه من هذا التخبط، هو الخوف، الذي كان يتملكه منذ صغره، والذي كان يتخلص منه - للغرابة - عبر قراءته لقصص الرعب، إذا رأي نفسه فيها يقف خلف المدفع وليس أمامه، فقرر أن يكتبها كي يحمي نفسه، متأثراً في ذلك بما قاله ستيفن كينج كاتب الرعب الأشهر أن من يكتب الرعب يظن أنه بذلك يصنع دائرة سحرية تبعده هو شخصيا و من يحبهم عن الأخطار فالمسألة لها بعد نفسي واضح، وكان أحمد خالد توفيق مدركاً لذلك، ومع الوقت وجد أن هذا النوع من الأدب يحقق له متعة خاصة، كما أحس أن بإمكانه أن يتفوق فيه، خصوصاً أن أدب الرعب لم يكن شائعاً في مصر في تلك الفترة، وهو ما جعله يغلق الباب في وجه أي أحد بإمكانه أن يهز ثقته في نفسه، ربما هذا الذي دفعه إلي الكتابة بإيقاع سريع ومتواصل، إذ أنجز عددا من السلاسل التي حققت نجاحاً غير مسبوق، أشهرها سلسلة (ما وراء الطبيعة)، وسلسلة (رجل المستحيل).  
كان إقبال القراء علي كتاباته، وتعلق الشباب به علي وجه التحديد، يعوضه عن النقاد الذين تعمدوا تجاهله، ورغم أن هذا كان يسبب له ألماً، إلا أنه مع الوقت رأي أن هذا في صالحه، لأنه يعلم جيداً أن منهم من ينام مرتاحاً حين يعرف أنه جعل أحدهم يتوقف عن الكتابة، ولم يكن يرغب في أن يمنح لأحدهم هذه الراحة، كما أنه لمس حالة التعالي من قبلهم في دراسة أدب الرعب، وأنهم يهاجمون بلا معايير واضحة، والأسوأ، بلا قراءة، لكنه في الوقت نفسه لم يوجه اللوم طيلة حياته لأحد منهم، لأنه كان يعرف أن أسلوبه بدا لهم خفيفاً، رغم تعمده ذلك، لأن رأي أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لجعل الشباب يقرأون، وكان هذا يشعره بالتزاماً، خصوصاً أنه كان مديناً لهم بكل ما حققه، في المقابل لم تمنعه قناعاته من نقد كتاباته، إذ كان يقسو علي نفسه للحد الذي كان يشعر فيه بالحزن والضيق.
لذا لم ير نفسه يوماً من كبار الكُتّاب، أو العظماء، كما كان يحب أن يصفهم دوماً، أمثال طه حسين ونجيب محفوظ وجمال الغيطاني وتشيكوف ودستويفسكي، لكنه أحب ما كتبه، بل كان يستمتع به ويشعره بالنشوة. وكان هذا بالنسبة له منطقي وعادل، لسببين، أولهما أنه كان يؤمن فعلاً بما يفعله، ويجد أن من دوره أن يقدم ما لديه من معرفة ثقيلة ومعقدة بأسلوب مُبسط للشباب، وثانيهما أنه كان يعتقد أن علي الكاتب أن يعجب -ولو قليلاً- بكتاباته حتي لا يكون مخادعاً لنفسه، وحتي لا يكون كالذي يبيع خبزاً فاسداً عن علمٍ. وهذا لا يعني أنه كان سعيداً، علي العكس، كان يشعر طيلة الوقت بالخوف، وكان لا يكاد يخرج من اكتئاب حتي يدخل في غيره، وذلك لأن الكتابة عنده نوع من الجحيم، إذ جعلته يحيا في شك دائم، ولم تتركه ينعم بشيء.
كان واعياً من البداية لما سيتعرض له ككاتب، ليس فقط من هجوم وتشويه وتقليل من شأنه، بل من مزاجية وانعدام ثقة وأحياناً كراهية لكل سطر يكتبه، لذا اختار أن يلزم نفسه بكتابة أي شيء يخطر في باله، لأن »‬الكتابة تضمر بعدم الاستعمال، وتصدأ كمفاصل البوابة، كما أن التوقف عن الكتابة لفترة طويلة يجعل الرهبة مضاعفة. فيصير الحرف علي الورق مغامرة مخيفة غير محسوبة العواقب»، حتي تراكمت لديه مئات القصاصات، وعشرات الملفات، التي دوّن فيها أفكاراً ومشاهد ورموزاً وعبارات لم يكن يعرف في كثير من الأحيان المغزي والقصد من كتابتها، مثل: (البريد الإلكتروني للشيطان).. (الحياة دائرة مفرغة من التجاهل المتبادل).. (رائف ولوحة فتيات أفنيون.. أتيليه القاهرة).. (الفتاة والبخور).. (لن يسمحوا بتعليقهم علي المشانق)، وغيرها من العبارات الغريبة، وغير المفهومة، التي لم يتوقف عن كتابتها، لأنها صارت طريقته، أو بالأحري، طقسه اليومي، الذي يسعفه حين يُطلب منه تقديم قصة ويكون بلا فكرة، فيذهب إليها كي ينقب عن شيئاً يصلح ليكتبه.
كان طبيعياً إذن أن يكون أحمد خالد توفيق كاتباً غزيراً، لأنه لم يعتمد فقط علي الإلهام، إنما علي العمل باستمرار علي ما يرصده من مشاهد حياتية، وعلي ما يستوقفه من قراءات، وبالطبع علي ما يستهويه من أنواع الأدب، ولأنه اختار أن يكون من أصحاب السلاسل والمقالات الدورية، وليس من الأدباء الذين يكتبون ثلاث أو أربع روايات في حياتهم، الأمر الذي جعله يتوصل إلي حل توافقي، »‬لابد أن جميع من يكتبون بانتظام وصلوا إليه، وهو الحل الذي يلجأ له المحترف وشبه المحترف: أن يصير إنجاز القصة خليطاً من الإلهام الفني والالتزام بخطة نشر». وكان يضرب بكل من أجاثا كريستي وشكسبير المثل في ظاهرة الإنتاج في مواعيد محددة، فالأولي كانت تنتج رواية كل عام، والثاني كان يكتب بالطلب وحسب مواعيد مسرح »‬جلوب».
وفي مقال له، قال: »‬نحن ننتظر الرواية القادمة لعلاء الأسواني أو صنع الله إبراهيم أو إبراهيم عبد المجيد.. إلخ، فنعطي الكاتب وقته ليدرس ويجمع المعلومات، ويكتب ويمزق ما كتبه، ويشرب جالونات من القهوة. ربما ننتظر عاماً أو خمسة أعوام. لا مشكلة. فليأخذ وقته. لكنك ستصاب بدهشة بالغة لو قيل لك إن جمال الغيطاني مثلاً ملتزم برواية كل ستة أشهر».
اللافت، وربما تكون هذه معلومة لا داع من ذكرها، والتأكيد عليها، أنه كان يوضح دائماً أنه يضرب المثل بهذه الأسماء فقط للتوضيح، وليس لأنه يعتبر نفسه واحداً منه!
اللافت أيضاً، أن أحمد خالد توفيق كان ككثير من الكُتّاب والنقاد والقراء يصنف الأدب إلي نوعين: أدب جيد، وأدب رديء. وكان يتورط كثيراً في الحكم علي أعمال يراها لا تليق. وفي مرة حكي عن صديق له يكتب الشعر، وكان كثير الانزعاج والاندهاش منه، لأنه لم يبدي له يوماً أي إعجاب أو اندهاش بقصائده، وأن هذا الصديق ظل يكتب غير مبال بأحد، لكنه لم يصل لشيء. لذا يري أن »‬ميزة أن تكتب عملاً رديئاً أن تكون في القاع، فلا أحد يتوقع منك معجزة في العمل التالي. لهذا تشعر بحرية كاملة. بينما القمة ضيقة جداً، وباردة جداً، ولا يمكن أن تتحرك منها إلا لأسفل». كما كان يبدي رأيه بصراحة في شأن أي روائية، هو لم يحب مثلاً رواية (أولاد حارتنا)، ليس لأسباب دينية، وفق ما أعترف به في مقال، بل لأنها »‬نوع واضح وسهل جداً من رواية المفتاح» أو الرواية المُقنّعة وهي رواية ظهرت في القرن السابع عشر وكانت لها شعبية عظيمة- ويمكن بسهولة استبدال الأسماء بها»، مضيفاً: »‬لم أشعر فيها بالجذوة الفنية الحارقة التي تميز أعمال نجيب محفوظ كلها، وأعتقد أنه لم يحب هذه الرواية وأراد أن ينساها الناس، لكنها ظلت تطفو علي السطح ويعاد طبعها بلا توقف».
كان نجيب محفوظ بالنسبة له سيد الرواية، وكان لا يكف عن إعادة استكشافه، هو وماركيز ودستويفسكي، ليتذكر في كل مرة كيف كان الأدب الجيد بالضبط. واستطاع أن يضع لنفسه رؤيته الخاصة عن الأدب، إذ رأي أن »‬الأدب فن شديد التعقيد والمراوغة. فمن السهل أن تخدع القارئ، وتجعله يعتقد أنك أعمق مما تبدو عليه».. »‬وأن العمل الأدبي الجيد يجب أن يكون شائقاً، يجذب القارئ ويجعله ينتظر - في شغف- الساعات التي يخلو فيها لكتابه». وهو ما جعله يضع القارئ في مكانة عالية، لأنه يري أن بدونه لن يكون هناك كُتّاباً، لأن القارئ يستقطع من وقته دوماً ليقرأ لك، كما أنه في وقتنا الحالي صار ناقداً بإمكانه أن يضع عملك في القمة، أو ينسف به الأرض.  
هكذا كان أحمد خالد توفيق، متصالحاً مع القارئ، ومع الناقد، ومع ما يدور حوله، ومع ما يمر به الأدب من تغيرات وتقلبات، وقبل كل هذا كان متصالحاً مع نفسه، ولعل ما جاء في حوار الزميل سامح فايز معه والمنشور في جريدة القاهرة في عدد 28 أكتوبر 2014 دليل علي ذلك، إذ قال: »‬يظن البعض أني متواضع لكن الحكاية ليست كذلك، كل ما في الأمر أنني أعرف حجمي بالضبط لا أكثر ولا أقل، ولو تحدثنا عن المسئول عن دفع جيل كامل للقراءة فالإجابة ستكون نبيل فاروق ومن قبله محمود سالم، الذي أضفته هو أنني عندما توجهت لمثل ذلك النوع من الكتابة حاولت فقط أن أزيد عليه».