رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

يوميات فيتولد غومبروفيتش: النصب الرائع للنثر البولندي!


فويتشيخ كاربينسكي ترجمة: أجنيشكا بيوتروفسكا ومعتصم بهائي
5/5/2018 1:17:03 PM

أعتبر »اليوميات»‬ لغومبروفيتش من أهم أعمال الكتابة البولندية طوال تاريخها. هذا النوع من صوغ الكلام الذي يكاد ينتمي إلي أسلوب المعلقين الرياضيين، عادة ما يكون خطيراً في علاقته بالفن، أو في أحسن الأحوال غير مثمر. إلا أنني عندما أفكر في »‬اليوميات»، فإن هذا التقدير الحاسم يفرض نفسه عليّ منذ سنوات عديدة كشيء واضح وضروري لفهمها. لن أجرؤ علي اختيار العمل الأهم للشعر البولندي: أري الكثير من الأعمال العظيمة، لا واحد منها يطغي علي الآخر ولا يبرز بشكل ظاهر للمركز الأول. وأيضاً لن أكون قادرا علي أن أشير إلي أهم الأعمال في مدارس الأدب ذات النثر القوي: الفرنسية، الإنجليزية، الألمانية أو الروسية. لكنني سأحاول بأقصي ما يمكنني أن أشرح حكمي عن مكانة »‬اليوميات».
>>>
فيتولد غومبروفيتش الذي ولد سنة 1904، نضج جسدياً وعقلياً في أواخر الحرب العالمية الأولي وفي السنوات الأولي من الاستقلال. في ذلك الوقت تشكل أسلوبه، ورؤيته للعالم، ولنفسه ولغته. كانت هذه سنوات التحول، ليس فقط في الأدب في المقام الأول. ظهرت بولندا علي الخريطة السياسية بعد أكثر من قرن من اختفائها، صغيرة وكبيرة في السن، بتقاليدها وبغياب للجذور. أنشئت المؤسسات التي من شأنها مواجهة الوضع الجديد. نُظِر إلي الماضي بتفحص، لكنه كان المصدر الأساسي للأشكال.
وجد الأدب البولندي نفسه في وضع جديد. في القرن التاسع عشر تم إبداع أهم أعماله في المنفي، ليس فقط من الناحية الفكرية، ولكن أيضاً من حيث الشكل. تم تشكيل الصوت البولندي في الخارج لأكثر من مائة سنة. وأحدث أدب المهجر العظيم احتجاجاً وطنياً، احتجاجاً لمجتمع مُستعبد من قبل الآخرين. وبدا أن هذا الدور انتهي باستعادة الاستقلال.
سعي الناس في الواقع الجديد إلي أشكال جديدة وأسلوب جديد يمكنه أن يواجه التحدي الذي يجابه الثقافة. في الأراضي البولندية كان التشابك بين القديم والجديد معقداً في سنوات الحرب. وراء الجدار الحدودي، علي كلا الجانبين، في الشرق والغرب، اهتاجت الشموليات، الحمراء والبنية، تدمر فردية الإنسان وتفرض صوتاً جماعياً. فتنت القوة الحديدية الكثيرين. تخلوا عن حريتهم مقابل المشاركة في الطقوس الجماعية. وتخلوا عن صوتهم المناضل ضد الصعوبات التي ولدت للتو في مقابل المشاركة في هذه الجوقة الجماعية.
صارع فيتولد غومبروفيتش منذ سنواته المبكرة ضد مسألة الشكل. اهتم بشكل استفزازي بعلم الأنساب، الأمر الذي أزعج الكثير من الناس. ولكنه كان يحتاج إلي اهتمامه بالماضي من أجل أن يجد لنفسه مكاناً في العالم الوليد. نسبه الروحي سمح لنا بفهم القوي التي ناضل ضدها، التي شكّلته. أمضي طفولته في »‬ماوشيتسي» و»‬بودزيخوف» علي أرض بولندا الصغري(١)، في عزبة للإقطاعيين كانت من آثار القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. من جهة الأب انحدر من النبلاء الليتوانيين، المستقرين لعدة قرون في مقاطعة واحدة، وينمّون أساطيرهم الخاصة وعالمهم الخاص، عالم سارماتي(٢)، القرن السابع عشر البولندي. ذهب إلي المدرسة في وارسو، مع أبناء الطبقة الأرستقراطية، وأثّرت ميثولوجيا هذه الطبقة في عقليته. درس، عرضاً، القانون، ولكنه أمضي وقته، آنذاك وفي ما بعد، في المقاهي الأدبية وسط ممثلي الطليعيات المتنوعة الذين أجري معهم مناظرات فنية وفلسفية لا تنتهي.
إنها سلالة روحية بمزيج لا يصدق من التناقضات. علي الأرجح كان لا بد أن يحدث هذا الخليط المتفجر، حتي يتم تشكيل صوت جديد في الأدب البولندي وفي الوقت نفسه يكون راسخاً في الثقافة بقوة. كان أيضاً مطلوباً التقاليد الإقطاعية ويُنظر إليها من خلال عقلية معاصرة وناقدة، كان مطلوبا الميثولوجيا السارماتية المرتبطة بالاهتمام بالطليعيات، كان مطلوباً الأسلاف الليتوانيون  من أرض »‬ميتسكيفيتش»(٣)، كان مطلوباً الطفولة في ريف بولندا الصغري، أرض »‬كوخانوفسكي(٤)». كان مطلوبا بالمدرسة  الثانوية بدروس اللغة البولندية في قراءة الشعراء العظام بالأسلوب القديم، الذي سخر منه في ما بعد في »‬فيرديدوركه»، ولكنه ترك آثاراً في الذاكرة والخيال والأسلوب إلي النهاية، كان مطلوباً قراءة الكلاسيكيين الأجانب والروايات الطليعية، والأدب البولندي الرخيص، والفلاسفة، وكتّاب المذكرات، وشكسبير، ومونتين، وباسكال، وغوته، وديكنز، ونيتشه، وأيضاً »‬باسك»(٥)، وميتسكيفيتش، و»‬منيشكوفنا»(٦). كان مطلوباً التدريب غير المثير في المحكمة، كان مطلوباً الساعات التي أمضاها إلي طاولة مقهي »‬زيميانسكا» أو »‬زودياك»، حيث بشكل سلوكه وأسلوب تعبيره أوقع محبي الطليعيات في الاضطراب. كان مطلوباً الأيام الطويلة في بيوت الإخوة، في »‬فسولا» وفي »‬بوتوتشيك»، اللقاءات مع الجيران الإقطاعيين، الذين حاول أن يزعجهم بهجومه علي التقاليد البولندية، وأيضاً اختلس النظر بإعجاب إلي تصلب أسلوبهم وهوسهم اللغوي، كان مطلوبا كل ذلك، سلسلة التناقضات والتعارضات المستحيلة التي لا تزال تتفاعل لإنشاء عمل يتناول مسائل العهد المعاصر المهمة بأسلوب جديد وراسخ في التقاليد تماماً. وكان مطلوباً شخصية استثنائية من ِشأنها أن ترتب هذه التحديات المتضاربة في نموذج معقول، وتستخدمها وفقا لاستراتيجيتها الداخلية. وأخيراً كان مطلوباً - كيف نسمي هذه القوة الدافعة الحميمة؟ - الموهبة، العبقرية، الصوت القوي والأسلوب الجديد لصوغ الاكتشافات الخاصة في الكلمات المُحركة، الطويلة الأمد وغير الخاضعة للموضات العابرة.
>>>
كان مطلوباً أن ينظر بنظارة جديدة إلي نفسه في العالم وإلي العالم، وأن يعبر عن ذلك بلغته الخاصة والدائمة، المتأصلة في التقاليد والمرتبطة بتيار قوي. انسحابه نحو نفسه واكتشافه لنفسه في مناطق جديدة وجد تعبيراً عظيماً في الأعمال الأولي لغومبروفيتش، في قصصه القصيرة، التي مثلت ظهوره الأول في المشهد الأدبي، والتي تسمي »‬مذكرات من مرحلة المراهقة»، وخصوصاً في روايته »‬فيرديدوركه». إنما هل هي في الحقيقة رواية؟ إنها علي الأصح حكاية فلسفية، ساخرة، أو ربما مقالة عن الأسلوب، عن الشكل مكتوبة بطريقة أوبرا »‬بوفه» (buffa)، لكنها تلمس أهم القضايا، أو أخيراً، كما وصفها هو نفسه، الكوميديا الساخرة - من نفسه، من المدرسة، من الفن، من الطليعية، من التقليد، من البرجوازية، من الإقطاعيين، من تاريخ الأدب، من نظرية الثقافة، ومن الآخرين.
>>>
أطلق علي فترة ما قبل الحرب »‬فترة الحراك الشكلي الشيطاني». ضد هذا الحراك شن حربه الخاصة، دافع عن نفسه ضدها بالغروتسك في القصص القصيرة، في »‬إيفوانا أميرة بورغندي»، وفي »‬فيرديدوركه». حينما بدا أن »‬الحراك الشكلي» الشامل ينتصر نهائياً، وأسلوب غومبروفيتش، أسلوب الصوت البولندي الفردي الحر بدا أنه هزم أخيراً، رفع غومبروفيتش »‬الإصبع» ووضعها علي الجانب الآخر من الكرة الأرضية، »‬تحت سماء الأرجنتين الزرقاء». هل كان أسلوبه وصوته لا يزالان في حاجة إلي هذه المحنة أيضاً؟ إذا كان غومبروفيتش بدأ يصبح حقيقياً، أن يوجه تحدي »‬الحراك الشكلي الشيطاني»، فربما ينبغي أن يكون حتي أقل حراكاً، أقل عمومية، أن يكون نفسه، مبتعداً أيضاً عن ثقافته الأصلية التي تفرض عليه أشكالها المتجمدة والمغرية بالأوهام الجديدة والتي تكافح ضد هذه التحديات.
في »‬اليوميات» وصف رحلته من بولندا إلي الأرجنتين. كان كما لو أنه كان سكرانَ لكن ليس من الكحول. »‬وضعي في القارة الأوروبية بمرور الأيام أصبح أكثر إيلاماً وصعوبة» - تكلم عن فترة ما قبل الحرب. رحلة عشوائية وضرورية إلي الأرجنتين. كثيراً ما تأمل في معناها. فر من نفسه، من هلوساته الخاصة، من شكله الخاص ومن حراكه الشكلي المتعصب الذي يهاجم شخصيته وصوته. كان ذلك الهروب من نفسه وأيضاً من ماضيه، باحثاً عن نفسه وشخصه وصوته علي مر الزمن ويمتد لسنوات عديدة، طوال حياته. لقد كرس أجمل الصفحات من عمله لتأسيس علاقة بنفسه السابقة، للحديث مع نفسه ولإخبار نفسه عن هذه الرحلة عبر الأطلسي. (...) كتب عنها في المجلد الأول من »‬اليوميات»: »‬وعندما مررتُ، وأنا علي متن »‬خروبري»، علي الشواطئ الألمانية والفرنسية والإنكليزية، جميع هذه أراضي أوروبا، المتجمدة خوفا من جريمة لم تولد بعد، في جو من التوقعات الخانقة، فبدت كأنها تصرخ: كن طائشاً، أنت لا شيء، لن تنجز شيئاً، والشيء الوحيد المتبقي لك هو السُكر! لذا جعلتُ نفسي سكرانَ بطريقتي الخاصة وذلك ليس بالضرورة بالكحول - لكن أبحرتُ وأنا مخمور، تقريباً في حالة ذهول تام ...
ثم انكسرت حدود الدول وألواح الشريعة، وانفتحت بوابات تحكم القوي العمياء و- أوه! - فجأة أنا في الأرجنتين، وحدي تماما، منعزل، ضائع، مبعثر، مجهول. كنتُ متحمساً قليلاً وخائفاً قليلا. ولكن في الوقت نفسه شيء ما في داخلي جعلني أرحب بتأثر عاطفي بالصدمة التي دمرتني وانتزعتني من نظامي السابق. الحرب؟ تدمير بولندا؟ مصير أقربائي وعائلتي؟ مصيري الخاص؟ هل كان يمكنني أن آخذ الأمر بشكل ... - كيف يمكنني أن أقول ذلك - بشكل عادي، أنا الذي كنتُ أعرف هذا كلّه مسبقاً وجربته منذ فترة طويلة؟ - نعم، لا أكذب حين أقول إنني منذ سنوات أتعايش مع كارثة في داخلي. عندما حدث ذلك، قلتُ لنفسي شيئاً من هذا القبيل - أوه، لقد قضي الأمر ... وأدركتُ أنه قد حان الوقت لاستغلال القدرة علي الفراق والرحيل التي تطورت في داخلي. في النهاية لم يتغير شيء، هذا الكون هذه الحياة التي كنتُ محاصراً فيها، لم يحدث لهما تغيير لأن نظام وجودي المحدد قد انتهي».
>>>
طوال السنوات الأولي في الأرجنتين ظل في حالة سكر من الحرية، وهو يصغي إلي هاتين الكلمتين: فيتولد غومبروفيتش. ماذا يعنيان؟ كيف أنقل هذه المعرفة للآخرين، وكيف أنقلها لنفسي فوق نهر الزمن؟ كيف أتحدث إلي نفسي؟ كيف أكتسب الصوت؟ هناك، في الأرجنتين، لمس غومبروفيتش درجة الصفر للأسلوب وللأدب. لم يكن فقط نفيا من وطنه، من طبقته، من ماضيه، من ثقافته الأصلية، بل أيضاً نفياً من مجتمع المهاجرين، علي هوامشه. وقد عادت المشكلات السابقة بشكل حاد.
إنه - متمرداً ضد التقاليد - عاد إلي الأدب. مع مجموعة من الزملاء، بدأ بترجمة »‬فيرديدوركه» إلي الإسبانية. بُعث الكتاب إلي الحياة في عينيه. الآن، في النصف الآخر من الأرض بدا له موضوعه - النضال ضد الشكل والبحث عن الصوت الخاص - لا يزال مجارياً للأحداث، شكّل مضمون حياته. إلا أن ظهوره الثاني علي المشهد الأدبي لم يبدُ ناجحاً. »‬فيرديدوركه» لم تشتهر في الأرجنتين.
بعد سنوات من الاستراحة، عاد إلي الكتابة باللغة البولندية. لم يستطع التعبير عن نفسه حقيقة إلا بهذه اللغة. كتب »‬زواج»، دراما مغلفة بالأحلام، عن نفسه التي تحولت. سيقول في »‬الوصية»(٧): »‬»‬فاوست» و»‬هاملت» كانا المثل الأعلي لي، ولكن فقط كشكل، كنتُ أهدف إلي كتابة مسرحية كبيرة ورائعة، عدت بتفكيري إلي هذه الأعمال التي قرأتها في شبابي بخشوع. ورافق طموحي الكبير بعض المكر، التخمين الماكر، أنه من الأسهل كتابة عمل »‬كبير» بدلاً من عمل »‬جيد». لقد بدت لي الروعة أن تكون أكثر سهولة ...». (...)
ذات مرة بدأ يحكي لنفسه، مراراً وتكراراً، عن وصوله إلي الأرجنتين، وأعجبته جدّاً نبرة حكايته المتصلبة وطبيعتها السارماتية التي اتخذتها قصته، حتي إنه واصل يغزلها بخيال أكثر. مع تزلج بالخيول(٨)، puto ومبارزة. هكذا ولدت »‬عبر الأطلسي»، من روح »‬باسك» ومن »‬ذكريات سوبليتسا»(٩). كانت محاكاة ساخرة للأسلوب البولندي، يذكر نفسه بأنه أراد أن يخلق »‬السيد تادئوش»(١٠) بشكل عكسي، أن يخرج البولنديون من أسر الشكل الاصطناعي الذي يمكثون فيه منذ قرون. (...)
بينما هو يبحث عن ناشر لـ»‬عبر الأطلسي» و»‬زوج» بدأ في مايو 1950 علاقة بـ»‬كولتورا». في مايو 1951، ظهر الجزء الأول من »‬عبر الأطلسي» في »‬كولتورا»(١١). وكانت الظهور الثالث لغومبروفيتش علي المشهد الأدبي. في العدد نفسه من »‬كولتورا» في مايو ظهر أيضاً النص الأول لـ»‬تشيسواف ميووش»(١٢) بعد قراره بالإقامة في الغرب. أثار نشر »‬عبر الأطلسي» هرجاً في المهجر. ألقي غومبروفيتش نفسه في المناقشات بحماسة. نشر المقالة »‬ضد الشعراء» التي سببت الكثير من الجدل. قام بترجمة نص قصير لسيوران عن المنفي وكتب تعليقاً مهماً عنه، حيث قدم فيه قراءته للأدب والهجرة (لاحقاً سيدرج هذا النص في إصدار الكتاب لـ»‬اليوميات»). يبحث، كما كتب في رسالة إلي »‬جيدروئتش»(١٣) عن »‬ما هي العلاقة بين الفن والواقع». يبحث عن الشكل الذي من شأنه أن يحمل محتويات مهمّة له.
>>>
في مايو 1952 يرسل غومبروفيتش إلي »‬جيدروئتش» مذكراته من إقامته في الجبال، في ساليسبوديس. ستظهر في »‬كولتورا» في أبريل 1953. وهي بداية اليوميات. يكتب إلي »‬جيدروئتش» في الـ 29 مايو 1952: »‬بينما كنتُ في عطلة في جبال قرطبة، قمتُ بتدوين هذه المذكرات. اليوم وأنا أتصفحها، أري كم هي شظوية. ولكن لنترك للعقل الجاف توليد الأفكار - أنا، الفن، يمكنني فقط إعطاء الدافع، وعموماً أعتقد أنه في الظروف الحالية الدافع هو أكثر قيمة من الأفكار. بالتالي، يا عزيزي المحرر، إن اعتبرت »‬هذا الشخير له أهمية»، فأرجو منك أن تنشره. بعد فترة قصيرة، في رسالته إلي »‬جيدروئتش» بتاريخ الـ 6 أغسطس 1952 سيكتب بشكل مفصل عن »‬معني هذا الشخير»: »‬أكتب الآن نوعاً من اليوميات - شيئاً من قبيل »‬تسجيلات يومية من ساليسبوديس» التي أرسلتها لك من قبل - لدي الكثير جدّاً منها، وعندي فضول عن مدي إمكانية نجاحها. للأسف! لا يمكنني الاعتماد علي النقاد ولا علي أية دراسة عن كتاباتي، لذا يجب عليَّ أن أصبح ناقداً لنفسي أو حتي مخرجاً. علي أن أشكّل المفكر غومبروفيتش - العبقري غومبروفيتش - غومبروفيتش عالم شياطين الثقافة، والعديد من الغومبروفيتشات الأخري التي لا غني عنها. صبيانية هذه المهمة وعلانية هذه العملية ولعبة الـ»‬روح» تلك أو اللعبة مع الـ»‬روح» تكمن فيها الكثير من المخاطر، إلا أنني أعتقد بأنني الشخص المناسب لكتابة يومياتي. لم تلهمني مذكرات »‬جيد» بقدر ما أظهرت لي إمكانية التغلب علي بعض الصعوبات الأساسية، التي منعتني حتي الآن من تحقيق هذا المشروع (لأنني اعتقدت أن اليوميات يجب أن تكون »‬خاصة»، بينما هو كشف لي إمكانية كتابة مذكرات خاصة - عامة). رد »‬جيدروئتش» علي الفور: »‬فكرة اليوميات جيدة جدّاً. إنها شكل ممتاز لك. وإضافة إلي ذلك هي موضة الآن! جيد، مورياك، جوليان جرين، دو بوس، بيران، الخ. أعتقد أنه سيكون مفيداً لو اطلعت عليهم قبل بدء الكتابة.
أية سلالة يمكن أن ننسب »‬اليوميات» إليها؟ لقد عرف غومبروفيتش أنه يختار طريقاً أصلياً. علي الرغم من أنه ذكر مذكرات »‬جيد»، فإنه، كما أشار بحق، رأي فيها مجرد إيحاء لحل شكلي معين. بعد كل شيء إنه يعمل بطريقة مختلفة تماماً عن جيد، الذي دوّن ملاحظات عن القراءات، المقابلات، والحفلات الموسيقية المذيلة بالتواريخ اليومية، وفقط هنا وهناك، نادراً جدّاً ما تضمن أيه اعترافات حول حياته الحميمة. كذلك يطبق غومبروفيتش استراتيجية مختلفة عن بول فاليري، الذي لم يضع التواريخ اليومية، لم يهتم بالحياة اليومية للعالم الخارجي، ولم يطمح أن يكون مؤرخاً للثقافة، بل راقب بعناية عمل عقله. يستخدم غومبروفيتش كل هذه الأنماط، لا يخاف من أن ينغمس في مجري الحياة، إنها ليست تسجيلات »‬للذكري» وليست قائمة مخزون، احتفالية أو فاضحة للأيام والساعات. يخلق عمله أمام ناظري الجمهور، والمفروض أنها تحتوي علي التجارب الخاصة لغومبروفيتش، إلهاماته، مخاوفه، بورتريهه في العالم وصورة للعالم المنعكس في عينيه. لذا ربما لا ينبغي في حالة اليوميات، عمل أصلي ومتجذر بعمق في الثقافة، أن نشير إلي المؤثرات ونتصرف في مجال الفن كما العمة »‬حورليتسكا لين» في »‬فيرديدوركه»: أذن من »‬بروست»، أنف نموذجي من »‬ببيس»، إلخ. ينبغي أن نبحث عن التقارب الاختياري، وليس القرابة، وليس النواتج والاعتمادات الحتمية، بل انسجامات، مصادفات وتطابقات الأمزجة الفنية، طرق الرؤية والإحساس المقربة و»‬نماذج الحساسية الوجدانية» المماثلة من ناحيتها الديناميكية.
»‬الوصية - محادثات مع دومينيك دي رو» التي كانت في الواقع محادثات فيتولد غومبروفيتش مع نفسه، التي كتبها كلها - بدأها باعتراف: »‬هل يجب علي أن أروي لك حياتي من منظور علاقتها بعملي؟
لا أعرف حياتي ولا عملي. أسحب الماضي ورائي مثل ذيل دخان للمذنب، أما بالنسبة إلي عملي فأنا لا أعرف الكثير أيضاً، القليل جدّاً. الظلام والغموض»... ولكن من الظلام تنبثق صفحات مضاءة من خلال تعويذة سحرية، صفحات »‬اليوميات» أولاً وقبل كل شيء. كيف حدثت هذه التغييرات؟
»‬اليوميات» تجمع بين الثوري والكلاسيكي. الموهبة والعقل يجدان هنا معيارهما. يتشابك أسلوبان منخفض وعالٍ ويعززان بعضهما بعضاً. ما الذي نصح به هذا المتمرد، المحطم، الطليعي والمستهزئ، كما تعامل معه العديد من الناس، عند غروب حياته؟ لقد عاد من الأرجنتين واتجه إلي أوروبا بـ»‬كلمته الأخيرة»: »‬كيف نجعل الفن يتوقف عن أن يكون تعبيرا عن ضحالتنا وأن يعود تعبيراً عن عظمتنا، جمالنا وشعرنا؟ إليكم برنامجي: أولاً - ينبغي إدراك بلاهتنا إلي أقصي حد. ثانياً - ينبغي رفض جميع النظريات الجمالية المصنعة إبان الخمسين سنة الأخيرة، التي تهدف خلسة إلي إضعاف الشخصية. كل هذه الفترة مسمومة بالسعي إلي إزالة القيم والناس، لترحل! ثالثاً - بعد التخلي عن النظريات، ينبغي الاتجاه إلي الأشخاص، الشخصيات العظيمة من الماضي وبالتوازي معهم إيجاد، في أنفسنا، مصادر دائمة للبراعة، الإلهام، الزخم والفتنة.
نعم! هكذا تصرف من البداية. هرب من الأدب المعاصر الممل الفاتر، من تلك الروائع المجهدة، التي لا تمكن قراءتها حتي النهاية، نحو كتّاب آخرين. ويشير إليهم في »‬اليوميات». في بدايتها يكتب عن مهمات الفن الجاد، التي لا يمكن قصرها في المهجر وفي الغرب علي محاربة الشيوعية. ويدعي بأن الصراع الحقيقي ضد الشيوعية هو »‬تقوية الفرد في مواجهة الجمهور»، ويوجه إلي مكافحي الشيوعية، الذين لا يرون دور الفن ودور الصوت الفردي، الجمل ذات البصيرة المدهشة، الفنية والسياسية والوجودية. »‬وإما أن يبقي الفن الجاد وإلي الأبد علي ما كان عليه منذ بداية العالم، أي صوت الفرد والوسيط عن الإنسان في صيغة المفرد، وإما أنه سينتهي. في هذا الإطار، فإن صفحة واحدة لمونتين وقصيدة لفيرلين وجملة لبروست، تكون أكثر مناهضة للشيوعية من جوقة الاتهام التي يشكلونها، إنهم أحرار، وبالتالي إنهم يحررون». وكان علي حق. تأكد ذلك مع الوقت. بعد سنوات من الحظر، في خريف عام 1986، في الفترة التي كما نعرفها اليوم، بالشيوعية المحتضرة، صدرت أخيراً كتبه في الوطن بالطريقة التي كان يطالب بها، بما فيها »‬اليوميات» التي أثارت أكبر عدوانية عند السلطات، فإن الرقابة نجحت في تشويه »‬اليوميات» للذكري الخالدة وشطب تلك الجملة عن »‬مونتين المحرر».
في مكان آخر يذكر أنه يعتبر نفسه حفيد رابليه. يرجع إلي هذين الاثنين في أكثر الأحيان وخصوصاً مونتين. هو راعي »‬اليوميات». وأيضا نيتشه - كفنان، وليس كفيلسوف، كطريقة معينة لصوغ المشكلات، إلا أنه نيتشه بحس الدعابة وليس المتحيز جدّاً، الذي غالبا ما يرافقه جاري والسيد بيكويك.
أسوة بمونتين أخذ طعامه من حيث كان ذلك ملائما له. من رابليه استقي المتعة الطفولية للعب بالكلمات وحرية الخيال. وكان بينه وبين كاتب »‬المقالات» كثير من القواسم المشتركة، في آرائه، في موقفه تجاه الحياة والأدب، وفي وجهة النظر. عندما أعد المجلد الأول من »‬اليوميات» للإصدار وأضاف إليه افتتاحية فخورة بالمانيفستو الخاص به - »‬أنا» تدق أربع مرات تحت أسماء أيام الأسبوع المتتالية - ابتسمت روح مونتين في الآخرة. قرأ لكلا الرجلين الفرنسيين في ترجمات أمينة رائعة لـ»‬بوي-جيلينسكي»(١٤). بالنسبة إلي لأجانب، وخصوصاً الفرنسيين الذين يدرسون رابليه في المدرسة كنصب تذكاري لغوي مهم، متعذر الوصول إليه، فإنه من الصعب أن يفهموا أن من بين رواد الأسلوب البولندي الحديث والخيال المتحرر والكلمات المظفرة بفرح، بين رواد »‬فيتكاتسي»(١٥) وقبل كل شيء غومبروفيتش، ينبغي أن يذكر مؤلف »‬غارغانتوا وبانتاغرويل». أصبح رابليه ومونتين رعاة اللغة البولندية في ذلك الوقت. باختيار مثل هؤلاء الأسلاف، أضاف غومبروفيتش إلي النثر البولندي المنشأ الذي كان يفتقر إليه. باستخدام لغة جديرة بـ»‬ميتسكيفيتش» يمكننا القول: لغة »‬باسك» المستخدمة بعد باسكال ونيتشه - كان قادراً علي أن يبني هذا النصب الرائع للنثر البولندي الذي هو »‬اليوميات»، نصباً فنياً وعقلياً متأصلاً في التقاليد المحلية، ولكنه مفتوح لإنجازات الآخرين، عملاً سهل المنال بشكل عام، لأنه يعبر عن وعي الفرد الذي تمت صياغته من منظور فردي وعالمي، وكفاحه الصلب ضد العالم والحاضر والماضي.
في »‬اليوميات» توجه إلي نفسه، لم يكافح ضد الاستعباد الوطني، ولكن ضد تهديد الفرد، ضد القوي التي تهاجمه، هنا والآن. جَرُؤَ علي أن يكشف نفسه. رأي نقاط الضعف الخاصة به. أصبح أقوي بذلك. وأكثر أصالة. أحياناً كان يشك في وجوده. وعلي أي حال، فإنه تفادي وضعه في إطار الأفكار والتعريفات. بذلك كان موجوداً أكثر. لا يمكن تحديد »‬اليوميات» إلي مناخ سياسي معيَّن. إنها لا تفقد معناها عندما ينتهي أو يتغير. لكونها دفاعية عن الإنسان، هنا والآن، تدافع عن الحرية الفردية وتكرمها، دائماً وفي كل مكان.
يحكي غومبروفيتش في »‬اليوميات» - من حلقة إلي حلقة - عن نفسه وعن عالمه. ذات مرة، في عصر »‬فيرديدوركه»، كان يعتقد بأنه ليس لديه الحق في كتابة كتاب »‬واقعي». الآن، بما أنه أكثر ثراء بتجربة الحياة والعمل، أولاً في الأرجنتين، ثم في أوروبا، يقرر تقديم واقعه. تنشأ »‬اليوميات» - محاولة لاستعادة الطبيعية في ظروف غير طبيعية، للكلام بصوت الفرد الخاص، وليس »‬الفني ولا الحالم أو الساخر، يروي علي المستويات المختلفة، حياته اليومية ويري فيها حقيقته الخاصة الأدبية، الميتافيزيقية، الإروتيكية، ويري نفسه مع الآخرين، وهو متعب، سعيد، محتضر، حي، بولندي، مهاجر، نفسه: الكائن البشري فيتولد غومبروفيتش. ليس هو فقط الذي سمع هاتين الكلمتين، نحن قراءه نسمعهما كذلك، ونسمع صوته، الذي ليس له النظير، ويتلألأ بألوان عديدة، حيث يكتب »‬اليوميات»، إطلاله الرابع علي المشهد الأدبي، تحقيقاً لفنه، العمل الكلاسيكي للغة البولندية التي أعطاها صوتها.
>>>
كتب »‬ميووش» في »‬حديقة العلوم»(١٦) وهو يتأمل في العلاقة بين الواقع والأدب: »‬إن مقياس واقعية العمل لا يمكن أن يكون إلا البطل الذي يؤمن بوجوده المؤلف والقارئ». أؤمن براوي »‬اليوميات»، هو واحد من الأبطال القليلين للأدب المعاصر (وليس فقط البولندي)، الذين أؤمن بهم. أصبحت »‬اليوميات» مقياساً للواقع، مقياساً للأدب البولندي وأؤمن بوجود بطلها أكثر مما أؤمن بوجود بطل »‬زواج» و»‬إباحية» و»‬كوزموس». أظن أن غومبروفيتش شعر بالطريقة نفسها. كان يؤمن بـ»‬اليوميات»، وبالراوي الذي قُدّم هناك وبعالمه.
لقد كتب في »‬المذكرات البولندية» قائلاً: »‬... لا أهتم بهذه »‬اليوميات» بأن أسهب في مناقشة القضايا النظرية بقدر ما أهتم بنقل نفسي لكم - حياتي وشخصي - آملاً بأنه كلما اخترقتم في داخلي أكثر، أصبحت أقرب إليكم وربما أقل كرهاً لي. وأهدف أيضا إلي أن »‬اليوميات» المكتوبة بمنتهي الصدق الذي أستطيعه وتسمح لي به الظروف، صارت مدرسة للأسلوب وساعدت في تطوير الموقف البولندي الجديد تجاه العالم. إن ذلك ليس مدعاة للفخر جدّاً كما قد يبدو للوهلة الأولي. أنا لست من أولئك الذين يريدون أن يعظوا - أترك ذلك للمعلمين البيروقراطيين للأمة هناك في الوطن. أنا فقط أفتح نفسي أمامكم كما أنا، وأقول: لا أريد أن أعلمكم، ولكن علموا علي مثالي. إليكم: مغامراتي الروحية، أفكاري، ردود أفعالي، خبراتي، وجودي كله... دعوا الجميع يحكموا عليها ويحللوها علي طريقتهم الخاصة للوصول إلي حلولكم الخاصة، ليتها تكون جيدة.
في »‬الوصية» يستدعي اللحظة حينما أعد فيه المجلد الأول من »‬اليوميات» لطبعة: »‬فكرت هل أكتب مقدمة. بدلاً من ذلك، أخذت القلم وكتبت تقديم:
الإثنين
أنا.
الثلاثاء
أنا.
الأربعاء
أنا.
الخميس
أنا.
ورأيت نفسي في معارضة شديدة مع جميع التيارات لما بعد الحرب التي لعنت الـ»‬أنا». هذه الـ»‬أنا» تم حرمانها كنسيّاً لكونها لاأخلاقية، من قبل العلم لكونها متعارضة مع الموضوعية، من قبل الماركسية وكل تيارات العصر التي تطالب الإنسان بأن يحتقر هذه الأنا الخاصة به الأنانية، المتمركزة حول الذات، قديمة الطراز والمعادية للمجتمع. كانت تدوي من كل مكان التحذيرات الصارمة: أنت لا شيء، انسَ نفسك، عش من خلال الآخرين! حين كتبت الـ»‬أنا» الخاصة بي للمرة الرابعة، شعرت كأنني »‬عنتي»(١٧) الذي يلمس الأرض! لقد وجدت الأرض تحت قدمي!
أن أؤكد علي نفسي في هذه »‬الأنا» علي الرغم من كل شيء، بأقصي حد من الوقاحة، ببعض الإهمال العنيد، ليس بطريقة مفرطة، بل طبيعية - رأيت أن ذلك كان مهمة يومياتي. وانطلاقاً بالطبع من احتياجاتي وضرورياتي الأكثر شخصية.
أيْ، قبل كل شيء، أن أحصل علي الحق في الكلام».
في مكان ما في »‬اليوميات» يعبر عن شكره لله علي »‬اليوميات».
ربما في هذه الجمل سخر بأقصي قدر ممكن من دور »‬اليوميات» كمدرسة للأسلوب وأداة للنضال العام من أجل الصوت، صوته الخاص، والذي، بما أنه فردي ويدوي بقوة لافتة، يصبح صوتاً قريباً للإنسان المعاصر، أينما كان ومهما كانت اللغة التي يتكلم بها: »‬إحدي اللحظات الأكثر مأساوية في تاريخي كانت تلك قبل عشر سنوات حين ولدت المقاطع الأولي من »‬اليوميات». أوه، كنت أهتز آنذاك! تخلصتُ من لغة الغروتيسك لأعمالي السابقة، كما يُخلع الدرع - شعرتُ في هذه »‬اليوميات» بالعجز مثله وتغلب علي خوف من أن في هذه الكلمات البسيطة سوف أبدو شاحب الأسلوب! ألم يكن ظهوري الرابع هو الأكثر خطورة؟ ولكن في ما بعد (...) عندما اكتسبتُ سلاسة في اليوميات، شعرتُ بأن القلم تحت سيطرتي التامة - شعور رائع لم تعطني إياه »‬فيرديدوركه» ولا الأعمال الفنية الأخري التي كتبت نفسها بنفسها... كما لو أنها خارجة عن إرادتي... ومنذ تلك اللحظة بدأ القلم يكون في خدمتي ... كان ذلك كما لو كنتُ أرافق فني إلي حيث يترسخ في وجود الآخرين، ليصبح معادياً لي».
بالتزامن مع صدور الجزء الأول من "اليوميات 1953-1958" للكاتب البولندي الكبير فيتولد غومبروفيتش عن دار الجمل بترجمة عن البولندية مباشرةً أنجزها كل من: أجنيشكا بيوتروفسكا ومعتصم بهائي، ننشر هنا مقدمة هذا الكتاب المهم.