رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

مساءلة نقدية


إشراف : منصورة عز الدين
6/2/2018 1:01:28 PM

يطرح مقال منشور في »بستان الكتب»‬ لهذا الشهر تساؤلاً مفاده: هل لا يزال علينا قراءة نورمان ميلر؟! وبغض النظر عن الإجابة المناسبة عنه، والتي قد تختلف بطبيعة الحال من شخص لآخر، فإن المهم هو السؤال ذاته سواءً بخصوص ميلر أو غيره، أي القدرة والجرأة علي طرح مثل هذه الأسئلة الأقرب إلي مراجعة شاملة وإعادة نظر في تجارب كتابية امتدت لسنوات وحفرت لنفسها مكاناً في تاريخ الأدب الحديث.
فمهمة النقد الأولي عدم الركون إلي المسلمات، ومواصلة طرح الأسئلة (خاصة المزعج منها)، فمع النقد الحقيقي والمؤثر لا أصنام، ولا أيقونات. لكن من الضروري طبعاً أن يبتعد الأمر عن الشخصنة أو الانتقام سواء من شخصيات أو أفكار بعينها.
لا تعني المساءلة النقدية هنا طمس هذه التجربة الإبداعية أو تلك، إنما مجرد النظر إليها من مسافة زمنية ملائمة، والتساؤل إن كانت قد صمدت أمام اختبار الزمن أم لا. فهناك كتاب أبناء عصرهم وحده وهؤلاء لا يكون لأعمالهم الألق نفسه في عصر تالٍ، في المقابل هناك كتاب لا يتقادمون وتظل أعمالهم مشعة رغم تعاقب الأعوام، بل قد يزداد إشعاعها مع الوقت ويكسبها الزمن قيمة إضافية.
لهذا فمن الشائع أن يصادف المتابع للصحافة الثقافية الغربية أسئلة من قبيل: أمازال شكسبير صالحاً للقراءة الآن؟ أيعبِّر جوته عن حياتنا المعاصرة؟ ما الذي تبقي من تولستوي؟ لماذا مازلنا نقرأ هوميروس؟
خلف كل الأسئلة المماثلة، يطل سؤال مفاده: هل انتصر هؤلاء علي اختبار الزمن؟!
لا مجال لـ»‬الأيقنة» أو »‬التصنيم» مع هكذا أسئلة، كل شيء مفتوح علي المراجعة وإعادة النظر، وهذا يدفعني للتساؤل: لماذا لا تشيع مثل هذه المراجعات والتساؤلات في ثقافتنا العربية؟ لماذا يسود بدلاً منها الميل لخلق أصنام فوق المساءلة والنقد؟ أظن أن الجواب الأسهل هو غلبة المجاملات وغياب النقد بمعناه الحقيقي، غير أن المسألة لا تتوقف عند هذا وحده، إذ ثمة أيضاً الخوف من الاختلاف وعدم الرغبة في مخالفة الرأي السائد الممجد لكتاب معينين أو نوعية كتابة بعينها، يترافق مع هذا انتشار الثقافة السماعية بدلاً من القراءة، وهي ثقافة تتيح للبعض الحكم (لا يهم سلباً أم إيجاباً) علي أعمال لم يقرأوها اكتفاءً بما سمعوه من أحكام إطلاقية علي كتابها.


م.ع