رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

تقرير ميليس: رواية البينيّات المقلقة!


د. سمية عزام
8/5/2018 5:30:50 PM

 تقرير ميليس هو الحدّ الفاصل لاتّخاذ القرارات، وكشف المصائر رهن إعلانه. عليه تتوقّف الحياة، أو به تتوقّف: "الحقيقة ساكتة والنّاس يموتون". هي صرخة اعتصام بالحقيقة والعدالة والإنصاف، أمام حالة التّرويع، رمز القتل المعنوي حيث تسود البَينيّة السّالبة؛ إذ لا حياة ولا موت، لا بقاء ولا رحيل، لا حقيقة ولا كذب، بل علامات استفهام تنتشر كالذّباب على جبل النّفايات فى برج حمّود، وكما الجرذان تعبر من نهر جحيم عالم الموتى.


 
كتب ربيع جابر رواية "تقرير ميليس" بُعيد اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري. رواية تحكي الماضي والحاضر وانجدالهما المأزقيّ في محاولة لتقصّى الآتى من الأيّام. تبوح بالقلق وتحكى كلّ شيء، إلّا الحدوث، إعلان الحقيقة فى تقرير ميليس. تذكّرنا بالمسرحيّة العبثيّة لصموئيل بيكيت "فى انتظار جودو" التى لفظت مقولتها: "لا شيء يحدث، لا أحد يجيء". إنما فى هذه الرواية، أحدهم يجيء، لا شيء يحدث، لا شيء يُعلن!

 
ديتليف ميليس، في هويّته المرجعيّة، هو القاضي الألماني، مسئول لجنة التّحقيق الدّوليّة في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبنانى رفيق الحريرى ورفاقه إبّان تفجير استهدفه عام 2005. وتقريره بات علامة انتظار اللبنانيّين لإشهار الحقيقة. وشخصيّة ميليس غدت رمز الأمل والخلاص، كما أنّ التّقرير أضحى رمز الكشف والعدالة. يرتبط التّقرير بنتائج التّحقيق بحادثة تفجير، ليس للاقتصاص من المجرمين وحسب، بل إنّ الأهميّة تكمن فى ما بعد إعلان التّقرير، ألا وهى الرّغبة فى الاستقرار وإنهاء كابوس التّفجيرات. 
 تتبدّى الرّواية رواية "البينيّات القاتلة" أو العلوق فى "المابين"؛ وذلك من خلال شخصيّاتها الرّمزيّة وثيماتها المعالجة . فميليس "أمام طريقين: يكشف الحقيقة أو لا يكشف الحقيقة... المشكلة ليست ما سيقوله التّقرير، المشكلة ماذا سيحدث لنا بعد ذلك". تتعمّق مأزوميّة العلوق أكثر فأكثر بين الرّغبة فى كشف الحقيقة وعدم كشفها؛ إذ إنّ "قول الحقيقة يجرّ حروبًا عالميّة" كما تعبّر إحدى الشخصيّات.
 كلّ شيء مبهم وملتبس، يطرح غير علامة استفهام تؤشّر إلى المآزق المتوالية: فهل سيقول ميليس كل الحقيقة أم يختار منها ما يقتضيه التّوازن الدّولي؟
> > >
 شخصيّة المهندس سمعان يارد الشّابّ الميسور وعليل القلب استحال رمز العبثيّة والعيش فى اليوميّات حين ترك مشاريعه الأصيلة مترقّبًا صدور التقرير، مثل جميع سكّان مدينته المسمّرين أمام شاشات الفضائيّات والجرائد، كما يعلن صوت أخته جوزفين:"ما هذه الحياة الفارغة التى تعيشها؟ أنت معلّق وحائر، ومقسوم على نفسك". أو كما يخبر هو نفسه: "كأنّ إرادتى ليست لي. تحرّكت بليدًا كبزّاقة أو سلحفاة. جسمى لم يعد لي". وبات على مفترق طريقين، بين أن يبقى فى مدينته بيروت رغم القلق، أو أن يهاجر كما فعل العديد ممّن يعرفهم، فيلحق بأختيه فى القارة الأميريكيّة.
 ينشطر الفضاء الرّوائى إلى عالمين: عالم الأحياء وعالم الموتى بدلالة "بَينيّة" تتكافأ مع الرّموز السّابقة، شابكةً، زمنيًّا، الماضى ومآسيه بالحاضر وآفاق المستقبل المرعبة. رمز هذا الرّبط بين الحياة والموت أدّت دلالته شخصيّة جوزفين القتيلة فى زمن الحرب الأهليّة، والّتى تناجى أخاها من عالمها محاولةً مهاتفته. فالهاتف بين عالمَى الأموات والأحياء يرنّ كثيرًا فى منزل سمعان. فآلة الاتّصال هذه لها دلالة الخشية من الاستجابة للفتنة التى تعيد ذكرى مأساة الحروب السّابقة. كأنّ الموتى يراقبون ويشهدون. الموت بات قريبًا جدًّا قرب رفع السّماعة للردّ على المتّصل. 
 جوزفين، بدورها، عالقة بين عالمى الأموات والأحياء، لأنّ "الجرذ آكل الأرواح" لم يرتشف ما تبقّى من دم فى عروقها، وبقايا روحها. فهى تتعذّب لأنّ الحياة الباقية فى جسمها كثيرة. تطاردها صور الحياة والرّؤى:" لم أنسَ ذلك الجانب بعد". فرمزيّة العلوق تتجسّد فى مكان مقتلها: خطّ التّماس تحت الجسر الّذى شبّهته بنهر الجحيم فى الأوديسّه، إذ تقول:"قطعت النّهر ولم أقطعه. لكلّ نهره. نهرى خط التماس بين الشرقيّة والغربيّة، ومستنقع وحل".
 يرمز الجسر إلى العبور من حالة إلى أخرى، ومكان عبور بين ضفّتين وعالمين مختلفين. مجازيًّا، هو الرّابط بين الحياة الدنيويّة المرئيّة والعالم الآخر غير المرئي، أى بين الحياة والموت، وبين الناس والخالق. وبقول الرّاوى على لسان إحدى شخصيّاته: "الجرذ الكبير إذا خرج من هذا العالم إلى عالم الأحياء قلب المدينة"، يتّخذ الجرذ، إذ ذاك، دلالة الفتنة الكامنة التى تنذر بالموت، فخروجه ينبئ بالمآسي. يعضد هذه الدّلالة رمز الوقت والعَود المتمثّلان بالسّاعة الأثريّة المعلّقة على حائط بيت عائلة سمعان: "تدقّ السّاعة بحركة البندول منذ ستين سنة. لم تدخل محلّ تصليح ساعات. مرّت كوارث وحروب عليها. مالت واستندت إلى الدريسوار ولم تقع وتتهشّم. أثناء قصف الأشرفيّة صارت تؤخّر، فى حرب السنتين لم تتعطّل، أثناء النصف الثّانى من الثمانينات صارت تقدّم. يومًا بعد يوم تفاقمت أخطاؤها. عام 1990 تمّ إصلاحها، وعام 1999 رجعت تؤخّر لكنّها لم تتعطّل. تدقّ دقّاتها وتتكرّر بصداها المعدني. قديمة ساكتة تنظر ولا تنظر". فبحركة السّاعة وسلامة دقّاتها إحالة إلى صحّة الزّمن وتطوّره، وبتأخيرها تقدّم القهقرى. أمّا إذا تعطّلت، وخشية سمعان أن تتعطّل بفعل التفجيرات، يعنى ذلك إيذانًا بوقوف الزّمن وابتداء ساعة الصّفر، ساعة حرب أهليّة أخرى: "حين تتكرّر الدقّات المعدنيّة فى بيت العائلة الفارغ، يشعر سمعان يارد أنّ الأشياء لم تتغيّر". 
 يؤثّث عالم الموتى فى الإقليم حيث جوزفين، رموز ثلاثة: مكتبة لانهائيّة أصبحت عالمها، أى قراءة صامتة، وأوراق وأقلام للكتابة، وظمأ أزلى إلى الماء. المكتبة رمز الثقافة والشّمول والامتداد الحضاري، هى متاهة مضاءة إزاء المتاهة المظلمة لجحيم الموت والتّرويع، والقراءة تعدل الكشف والفهم. 
 يطرح أحد سكّان عالم الموتى سؤالاً وجوديًّا: "كيف تعثر على قصّة لحياتك، كيف تكتب قصّة حياتك؟" ممنوع عليهم تمزيق الأوراق، كأنّ ما كُتب قد كُتب وانتهى الأمر، لا يُمحى ولا يزول. هوذا القدر!! الورقة إذا كانت تمثّل حياة الإنسان فهى هشّة، ودقيقة وسريعة التمزّق، وهى البديل الهزيل من الحقيقة. وفتح صفحة جديدة لتدوين قصّة حياة فى عالم الموتى يشير إلى بدء عمل جديد ونسيان الماضي، وضرب الصّفح عنه. 
> > >
 أمّا الظّمأ إلى الماء فيناسبه الظمأ إلى الحبّ والحنان والارتواء من المعرفة فى الأمور الرّوحيّة والفكريّة والإنسانية. ويرمز العطش إلى الحاجة إلى الارتواء من نعمة التطهّر من الخطيئة. 
 تقرير ميليس هو الحدّ الفاصل لاتّخاذ القرارات، وكشف المصائر رهن إعلانه. عليه تتوقّف الحياة، أو به تتوقّف: "الحقيقة ساكتة والنّاس يموتون". هى صرخة اعتصام بالحقيقة والعدالة والإنصاف، أمام حالة التّرويع، رمز القتل المعنوى حيث تسود البَينيّة السّالبة؛ إذ لا حياة ولا موت، لا بقاء ولا رحيل، لا حقيقة ولا كذب، بل علامات استفهام تنتشر كالذّباب على جبل النّفايات فى برج حمّود، وكما الجرذان تعبر من نهر جحيم عالم الموتى.