رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

.. حتي في الكتب والموسوعات مجهولة ومُهمشة


9/8/2018 12:50:38 PM

كنت أعي جيداً أن مصدري الأول، الذي سأعرف منه كل شيء عن أضرحة الدَّاون تاون، هو الناس، لكنني رغم ذلك قررت الاستعانة بأحد المختصين قبل البدء في الزيارات، لأعرف منه أين تقع بالضبط الأضرحة، وفكرت في الدكتورة سهير حواس، أستاذة العمارة بجامعة القاهرة، وصاحبة موسوعة القاهرة الخديوية، والتي لم أجدها في المكتبات، لأنها كانت قد نفدت. اتصلتُ بها، وكانت متعاونة للغاية، إذ منحتني نسخة، وحاولت البحث معي عن الأضرحة، لأنها لم تكن تعرف منها سوي واحد أو اثنين تقريباً، وبعد أيام من المكالمة الأولي، وجدتها تتصل بي، لتخبرني أنها عثرت بين أوراقها علي خريطة قديمة تعود لعام 1934، والتي تشير إلي وجود ضريح حمزة المغازي، في شارع البلاقسة، بعابدين.

كان غريباً، ومُدهشاً، ألا أجد في الموسوعة أي شيء عن الأضرحة، وعبرتُ عن ذلك لها، لكنها أخبرتني أن هذه الأضرحة مُهمشة منذ تم البدء في التخطيط للقاهرة الخديوية. وعرفتُ من الموسوعة أن الطريقة التي فكر بها الخديوي إسماعيل، انعكست بالسلب علي هذه الأضرحة، إذ وضع تخطيط القاهرة الجديدة لتكون أجمل من مدن أوروبا، لذا أطلقوا علي القاهرة آنذاك اسم (باريس الشرق) لارتباط تخطيطها بالتخطيط الجديد لباريس الذي وضعها صديقه المهندس الفرنسي هاوسمان، وقد استغرق الإعداد والتصميم والتنفيذ خمس سنوات، وبالطبع الأضرحة تحتاج إلي بيئة شعبية خالصة، حتي تجد من يرتادها دوماً.
لكن الموسوعة أكدت في الوقت نفسه أنه »روعي في تخطيط القاهرة تخصيص مواقع لبناء المساجد وأضرحة آل البيت، فاشتمل التخطيط علي بناء مسجد وميدان الحسين، ومسجد وميدان السيدة زينب، ومسجد العظام الذي بُني فوق عظام المقابر ومدافن العتبة الخضراء والأزبكية بعد أن كانت تعوق تنفيذ التخطيط»‬، أما بالنسبة لأضرحة وسط البلد، فلم يتم التطرق لها، ربما لأنها أضرحة لأولياء لا ينتمون لآل البيت، لكنني أتصور أنه تم مراعاة ذلك أيضاً، بدليل وجود ضريحي سيدي بدران وحسن الأكبر داخل قصر عابدين.
وعرفتُ أيضاً من الموسوعة أن شارع هدي شعراوي الذي يتفرع من شارع طلعت حرب (سليمان باشا سابقاً) ويمتد حتي يلتقي بالشارعين »‬شريف باشا وعبد السلام عارف»، ويقطع كلا من شارع »‬الفلكي» و »‬محمد مظلوم باشا»، ويتفرع منه شوارع »‬مصطفي أبو هيف، ويوسف الجندي، والبستان السعيدي»، كان اسمه شارع الشيخ حمزة نسبة إلي ضريح حمزة الصحابي الذي أتي إلي مصر مع عمرو بن العاص. وأن شارع عدلي الذي يصل بين شارع الجمهورية وشارع طلعت حرب ويتقاطع مع كل من شارع عماد الدين وشارع شريف، كان يُعرف باسم شارع المغربي حتي عام 1933، والمغربي هو القاضي صلاح الدين يوسف رئيس الأطباء في مصر، والذي له ضريح بمدخل عمارة رقم 30، لكنني لم أضمه معي لأنه ليس شيخا، أو ولياً.
أما بالنسبة للشوارع الأخري التي بها أضرحة، فقد استعنتُ بكتاب (القاهرة شوارع وحكايات) لحمدي أبو جليل، والذي وجدت فيه معلومات عن شارع الشيخ ريحان، أن »‬ طوله حوالي 1700 متر، واسمه يرجع إلي أنه كان في منتصفه تقريباً زاوية بها ضريح الشيخ ريحان الذي اختلف المؤرخون حوله فمنهم من قال إنه الصحابي أبو ريحانة الذي قيل أنه كان مولي رسول الله صلي الله عليه وسلم، ومنهم من أكد أنه من نسل الحسين بن علي.. وبعد وفاة السلطان حسين كامل عام 1917 أطلق اسمه علي الشارع غير أنه لم يهنأ بهذا التخليد طويلاً، فبعد ثورة يوليو 1952 أطيح به من عرش الشارع ليعود إليه اسم الشيخ ريحان» .
وأيضاً عن شارع الشيخ عبد الله المحض؛ »‬طوله 400 متر، يبتدئ من شارع الشيخ ريحان وينتهي إلي شارع جامع الإسماعيلي، وبه ضريح الشيخ عبد الله، الذي مازال موجوداً بشارع الشيخ ريحان من جهة وزارة الداخلية» .
أما شارع أبي السباع فذكر عنه أن »‬طوله 360 متراً، وأنه الآن شارع صبري أبو علم وجزء من شارع البستان، وقد أخذ هذا الشارع جامع عبد العظيم مع عدد من أوقافه التي كانت بجواره بالكامل، كما أخذ فيه معظم جامع الشيخ عبد الرحمن المعروف بأبي السباع ولم يبق إلا الضريح»، والذي اكتشفتُ من خلال جولتي أنه أزيل قبل 30 عاماً تقريباً.
وبخصوص ما يقال إن هناك ضريحا في شارع عماد الدين، الذي يبدأه علي باشا مبارك من شارع 26 يوليو، والذي يمتد إلي شارع رمسيس،يقول حمدي أبو جليل إن »‬ضريح ومسجد الشيخ عماد الدين، كان من أهم معالم الشارع، وهذا يدلل علي أن معظم مرتاديه كانوا من أقطاب وأتباع الطرق الصوفية، لكن قبل بداية عشرينيات القرن الماضي انقلبت حاله ليصبح مسرحاً ومقصداً للسينمائيين والمؤلفين والموسيقيين والراقصين»، لذا اشتهر الشارع باسم شارع الفن، بعد فتح الكثير من المسارح ودور العرض، وإن ضريح الشيخ عماد اندثر بمرور الوقت، »‬وإن المؤرخين اختلفوا بشأنه، فبعضهم يقول إنه كان يعمل جمالاً في عهد الدولة الأيوبية، والآخر يؤكد أنه كان الغلام المقرب من صلاح الدين الأيوبي، وأنه لم يبق منه سوي جامعه الذي أعيد بناؤه».
لم يفتني بالطبع البحث في كتاب »‬مساجد مصر وأولياؤها الصالحون» للدكتورة سعاد ماهر، والذي لم أجد فيه معلومات بخصوص الأضرحة، أو الأولياء، الذين قمت بحصرهم، وبالطبع لم يفتني البحث في الانترنت، وكان الوحيد الذي وجدت معلومات عنه هو الشيخ عبد الله المحض، فقد ولد في المدينة سنة 70 هـ، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، لقب بالمحض لأنه أول من كان والداه فاطميين، وقال عنه ابن شدقم في التحفة إنه »‬كان سيداً جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنـزلة، جم الفضائل حسن الشمائل، وجيهاً جميلاً حسن الصورة، كريماً سخياً، صالحاً عابداً ورعاً زاهداً، تقياً نقياً ميموناً، عالماً عاملاً فاضلاً كاملاً، شيخ بني هاشم ورئيسهم ومقدمهم في زمانه» .
وفي كتاب الخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك، وجدت شيئاً يخص مسجد عبد الرحمن أبو السباع، أنه بُني علي ضريح الشيح أبو السباع، وأنه »‬ليس به آثار تدل علي تاريخ إنشائه، وله أوقاف تحت نظر الحاج حسن الشبراوي»، وأنه كان عامراً بالمصلين، علي عكس مسجد جركش القريب منه، الذي كان مهجوراً.
أما الشيخ حمزة المغازي، الذي يقع ضريحه في حارة متفرعة من شارع البلاقسة بعابدين، فقد كانت في ضريحه ورقة مكتوب فيها شجرة عائلته بالكامل، فهو حمزة السرسي أبو شمس الدين المغازي، الذي يعود نسبه إلي زين العابدين بن سيدنا الحسين رضي الله عنه.
كانت هذه كل المعلومات التي توصلت إليها، وتمنيت لو أن هناك مرجعاً يتناول أضرحة وسط البلد، لكني وجدتُ حالها كحال غالبية الأضرحة في مصر، مجهولة ومُهمشة.