رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أضرحة وسط البلد.. تحت القبة شيخ حزين


تحقيق: إسراء النمر
9/8/2018 1:31:30 PM


منذ سنوات، وأنا أفكرُ في أضرحة وسط البلد، أو الدَّاون تاون، لكن كان هناك شيء يمنعني، ليس فقط من الكتابة عنها، بل من طرق أبوابها، وكنتُ أشعر بالأسى لهذا، لأنه يعني أن الولي، أو الشيخ، لا يفعل المطلوب منه، وهو جذب التائهين والمُعذبين إليه، وأنا طيلة الوقت تائهة ومُعذبة. ولن أخفي أنني في أوقات كثيرة ألجأ لأضرحة آل البيت، مثل الحسين، والسيدة زينب، كي أهدأ، وأطمئن. وليس هذا نابعاً من إيمانٍ بقوتهم الخارقة، أو بقدرتهم علي الوصل بيني وبين الله، ولكن لأنني أحب الطقوس التي تُقام هناك، أو بالأحري، أحبُ هذه الحالة من التلاشي، والتسليم التام.

ولأن وسط البلد مُرتبطة عندي، وعند غيري، بالمثقفين والسائحين والعرب، وبالمكتبات والمقاهي والبارات، وبالسينمات ومحال الملابس والأنتيكات، كنتُ أشعر دوماً أن أضرحتها مظلومة لحد كبير، لأنه لا أحد يلتفت لها، لا أحد يبكي أمامها، لا أحد يُمسك بحديدها، ويُقبّله، لا أحد يطلب منها المدد، حتى أبوابها لا يجلس بجوارها القطط، والشحاذون، والمريدون.. أنا أبالغ.. بالطبع ليس لها مريدون، لأنها أضرحة مجهولة، وأولياؤها -بغض النظر عن كونهم مدفونين فيها أم لا- فهم مجهولون.
لذا، كان أول شيء عليّ أن أفعله، هو أن أترك نفسي للشوارع، والناس، كي يمسكوا بيدي، ويأخذونني إليها. وكان لهذا متعة كبيرة. لأنني اكتشفت أن هذه الأضرحة تتسم بأشياء لا تملكها مثيلاتها، أولها الهدوء الذي يُصيبك بالدوار، ثانيها الرغبة العارمة في البقاء في الظل، ثالثها تمسكها ببساطتها وبدائيتها رغم الحداثة التي تحيط بها من كل اتجاه. ولعل وجودها في هذه المنطقة بالتحديد، التي كانت ذات يوم منطقة أوروبية خالصة، هو ما يجعلها تتميز بالتفرد، والغرابة.
هذه المرة، مشيتُ في وسط البلد، كما لو أنني لم أمش فيها من قبل، إذ تعمدت أن أتوه كثيراً، كي أشعر أنني أطوف، وأركض وراء أشياء خفية. وأحببتُ أن أقسم جولتي علي أيام متفرقة، كي أتشبع تماماً، وأمعن النظر في الأضرحة، التي بدت لي مثل امرأة يخشي الرجال الاقتراب منها.
كما تعمدت في الوقت نفسه، أن أبدأ من حيث أعرف، تحية لأول ضريح كشف لي الوجه الصوفي للدَّاون تاون.

الشيخ معروف
الشيخ معروف. إنه أول مقام مررتُ عليه في وسط البلد التي بدأت علاقتي بها منذ عشر سنوات تقريباً، وذلك لأنني أفضل المشي في الشوارع الداخلية، حباً في العمارة، ورغبة في تفادي الحشود، فحين أريد أن أذهب إلى مقر عملي الذي يقع في شارع الصحافة، وأكون آتية من ميدان عبد المنعم رياض، ولا يكون لديّ مزاج لأن أمشي في شارع رمسيس، أدخل على الفور إلى شارع الشيخ معروف، ومنه إلى شارع شامبليون، الذي يصل بي إلى دار القضاء العالي، ومن ثم إلى مستشفى الجلاء، الذي يقع على ناصية شارع الصحافة. 

يتميز شارع الشيخ معروف بهدوء غريب، رغم أن به الكثير من المحال المتخصصة في الدُّوكو. هذا الهدوء هو ما جعل المسجد، أو المقام، الذي يقع في نهايته، جلياً لأعين المارة، والعابرين.

 حين وصلتُ إلى هناك، كانت صلاة الظهر قد انتهت، وكان المصلون قد عادوا إلى مشاغلهم، ولم يبق منهم في الساحة سوى الكسالى، والمتعبين من الحر، والذين ليس وراءهم شيء.

كان هناك رجل عجوز يجلس على سلالم المسجد. سألته عن المقام، فأخبرني أنه يقع في الممر الجانبي، وسألني إن كنت أريد أن أصلي ليدلني على مصلى السيدات. لم أرد عليه، لأنني كنتُ غارقة في دهشتي لكون المقام منفصلاً عن المسجد. 

مشيتُ في الممر. كان مُعتماً، وهادئاً. المقام كذلك. إذ كان بابه الحديدي المُفرغ موصداً بالقفل، ولا ينفذ إليه حتى ضوء النهار، وهو ما دفعني إلى استخدام كشاف الموبايل، لأرى ما بالداخل، كان يحجب المقام مشربية، وكان أمامه مساحة لا بأس بها لمن يريد أن يجلس، كما كان التراب يكسوه بالكامل، واستطعت أن أرى الصور المُعلقة، التي كانت إحداها للكعبة، وأخرى للفظ الجلالة، وواحدة لهذه الآية (إنا فتحنا لك فتحاً مُبيناً). ولم ألحظ صورة أو ورقة تحمل معلومات عن الشيخ معروف، لكن على بابه كانت هناك لوحة رخامية صغيرة، عرفتُ منها أن المقام أنشئ عام 1911.

عدتُ ثانية إلى الرجل، ربما يعرف -بحكم أنه من السُكان القدامي- عنه شيئاً، لكنه لم يكن يريد أن يتكلم، لا أعرف لِمَ، فذهبتُ إلى أحد عمال المسجد، ويُدعى تامر عبد رب النبي، الذي مزح معي في البداية قائلاً: والله أنا جيت لقيته الشيخ معروف. ولمّا وجدني لا أضحك. أضاف بجدية أنه كان هناك كتاب -يحتفظون به في المسجد- يتحدث عنه، لكنهم ضيعوه.

كما أخبرني أن المقام كان بداخل المسجد، وحين جُدد عام 1999، تم فصله، تفادياً لحدوث خلافات مع الذين يرفضون الصلاة في المساجد التي بها مقامات، أو أضرحة، وأخبرني أيضاً أن ما يُشاع عن الشيخ معروف أن بشرته كانت سمراء، وهو ما يرجح أنه كان نوبياً، أو سودانياً. 

هذا ما قاله أيضاً، بكر معوض، صاحب إحدي ورش الدُّوكو، فالحكايات التي سمعها من أبيه، ومن الجيران، تفيد أن الشيخ معروف كان رحالة، وأنه جاء من السودان، وأقام في هذا المكان، بجوار البئر التي لا تزال موجودة داخل المسجد. لكنه في الوقت نفسه، لا يعتقد أن هناك أحداً مدفوناً في المقام، لأن أثناء نقله، لم يجد الناس عظاماً، ولا حتي ضرساً واحداً، وتم تأويل هذا، بأن الولي لا يظهر علي البشر العاديين. 

لم أكن أعرف بِمَ أرد عليه، وشعرت أن مهمتي أن أنصت فقط لما يقوله الناس.

تركتهُ، وأنا أفكر في الشيخ معروف، وأفكر لو كان حقاً مدفوناً في مكان آخر، ما الذي فعله ليَدُم اسمه لهذا اليوم؟ لأجدُ نفسي وصلتُ فجأة إلى ميدان طلعت حرب. لأبحث عن ضريح آخر. وعن حكاية أخرى.

سيدى حمزة الصحابي
كان ثاني الأضرحة التي أعرفها، هو ضريح حمزة الصحابي، الذي يقع في شارع هدي شعراوي. والذي أشعر أنني تعلقتُ به دون قصد، إذ أمرُ عليه دوماً حين أكون ذاهبة إلى مكتبة تنمية، أو إلى مطعم فلفلة.

كان هدوؤه، وأناقته، يثيران استغرابي. وجوده في هذا الموقع أصلاً مُثير للاستغراب. فهو على نفس الصف الذي به بار (ستلا)، ويعتبر قريباً جداً من مقهي (ريش)، وهو ما جعلني أنشغل كثيراً بفكرة السُكر وعلاقتها بالتصوف، وأن لا عيش لمن عاش صاحياً، كما قال ابن الفارض، وجعلني أيضاً أتخيل المثقفين وهم خارجون من ستلا أو ريش بعد منتصف الليل في حالة من الفقدان التام للوعي، ويدخلون إليه ليصلوا، أو ليقيموا ليلة مدح.  كما أنه قريب من قهوة زهرة البستان، مقصد الكُتّاب. وقريب أيضاً من بطريركية الأرمن الكاثوليك. فإذا وقفت علي باب الضريح، ورفعت رأسك قليلاً، سوف ترى الصليب الذي يعلو القبة المخروطية.

كان يثير استغرابي أيضاً، المرأتان اللتان تجلسان بجوار بابه، حيث عرفت اسم واحدة منهما بالمصادفة، إذ كنتُ ذات يوم أنتظر أحداً أمام الضريح، وسمعتُ رجلاً ينده ويقول: يا ست صباح.

رن الاسم بداخلي حينها، وحفظته. وكنت كلما مررتُ من أمامها، أسلم عليها في سري. ربما يعتبر البعض هذا هبلاً، أو جنوناً. لكنني حقاً كنت أفعل ذلك، ولم يكن لديّ أي تفسير لهذا. كما لم يكن لديّ تفسير لتحفظي على أن أسألها عن الضريح. شعرتُ من داخلي أنها طيبة، وأنها ليس لها في شيء، رغم أن مظهرها، الذي يبدو بالمقارنة للنساء اللاتي نجدهن دائماً في أي ضريح، كان مُغايراً، إذ ترتدي دوماً بنطلوناً وبلوزة يكون في الغالب لونها زاهياً، وسادة، كما يقولون.

- إزيك يا ست صباح
- إيه دا إنت تعرفيني منين؟
- دا أنتِ مشهورة خالص

 ضحكتْ، وضحكتْ المرأة الأخرى التي تجلس بجوارها، والتي عرفتُ منها أن اسمها نورا، وأنها أختها. كانتا تمسكان بأيديهن سبحتين. ففهمت أنهما خادمتا الضريح. وكان هذا شيئاً ثالثاً مُثيراً للاستغراب. لأننا اعتدنا دوماً أن يكون الخادم رجلاً، خصوصاً لو كان الضريح لرجل.

سألتهما عن حمزة الصحابي. كانتا خائفتين من الرد، بالأحرى، من وزارة الأوقاف. قلت لهما إنني أريد فقط أن أعرف ما لديهم من معلومات. أشارت صباح إلى اللوحة الرخامية المُعلقة بجوار الباب، والمكتوب عليها أنه (ضريح العارف بالله سيدي حمزة بن محمد بن هبة الله بن عبد المنعم/ الصاحب الشهير بالشيخ حمزة الصحابي)، أما نورا فاصطحبتني إلى الداخل.

كان الضريح في غرفة ضيقة للغاية، ومنفصلة عن المسجد الصغير المُلحق به. وبدا عليه الاهتمام. حيث السجاجيد النظيفة، وغطاء المقام المصنوع خصيصاً له، إذ كان مكتوباً عليه اسم الشيخ.

عدتُ لصباح، لأدردش معها قليلاً، فخرجت منها بمعلومات لا بأس بها، أنه منذ بناء وكالة أنباء الشرق الأوسط، التي تقع على بعد خطوات منّا، لم يتم إقامة المولد السنوي لحمزة الصحابي، وأن آخر مولد عاصرته له، كان وهي عمرها خمسة عشر عاماً تقريباً، وأنها ورثت هي وأختها خدمة الضريح بعد وفاة والدها، وأن الزيارات شحيحة جداً، حتى من يدخل ليصلي قد لا يقرأ الفاتحة له، قد لا يلاحظه أصلاً، 
وبررت ذلك بأن حمزة الصحابي كان لا يريد أن يكون مشهوراً!

-عرفتِ منين؟
-..............
-طيب متأكدة إن فيه حد مدفون هنا؟
- آه طبعاً.. أمال الراحة النفسية اللي بنحسها هنا جاية منين.. وريحة المسك اللي بتظهر فجأة.

لكنها عادت، وقالت إنها ليست معنية بهذا كله، هي فقط عاملة في وزارة الأوقاف، وتفعل ما يمليه عليها ضميرها.

قبل أن أتركهما سألتهما إن كانتا تعرفان أضرحة أخرى قريبة، فأخبرتاني أن هناك ضريحاً لشيخ اسمه حمزة أيضاً يقع في شارع البلاقسة، وأن هناك ضريح الشيخ معروف، فأخبرتهما أنني ذهبت للأخير، وأنني أعرف ضريحاً آخر يقع بجوار وزارة الأوقاف، فقالتا إنهما لا تعرفان عنه شيئاً.

سيدى أبو السباع
لم أكن متذكرة الشارع الذي سيصل بي إلى وزارة الأوقاف، فخرجتُ من هدى شعراوي على أحد الشوارع المتفرعة منه، وهو شارع يوسف الجندي، الذي تقع على ناصيته البطريركية، فوجدتُ نفسي في شارع محمد صبري أبو علم، ومشيتُ، مُعطيةً ظهري لتمثال طلعت حرب، لأجد نفسي أقترب شيئاً فشيئاً من الوزارة، التي بمجرد أن وصلت لها، شعرتُ بحيرة بشأن الحارة التي يقع فيها ضريح ومسجد أبو السباع.

كنت أقف فيما يشبه الميدان، حيث تقاطع شارع شريف مع شارع البستان. رأيتُ من بعيد محلاً اسمه (بيت العطارة المصري)، بدا عليه القِدَم، فذهبت إليه، ربما يعرف أحد فيه الضريح.

خرج لي رجل ضخم، اسمه سيد البنهاوي، أشار إلي حارتين، بإمكاني أن أصل من خلالهما إلي المسجد، وهما حارة الشيخ أبو السباع، وحارة باب اللوق، التي تواجه الوزارة، لكنه أخبرني أن المسجد ليس به ضريح. قلت: طيب.. لنر. واخترتُ أن أدخلَ من الحارة التي على اسم الشيخ. والتي ظهر في نهايتها المسجد بواجهته البدائية. إذ كانت لافتته قديمة للغاية، ومكتوباً عليها (مسجد عبد الرحمن أبو السباع)، بينما ظهرت كتابة بالخط العربي فوق الباب، تم طلاؤها باللون الأخضر، تفيد أن المسجد تم تجديده في عصر الخديوي عباس الثاني.

لم أستطع الدخول لأن المسجد ليس به مصلى للسيدات، ولم يكن هناك عامل، أو شيخ لأسأله. فاضطررتُ إلى اللجوء لأحد الرجال الذين كانوا يملؤون الحارة، والذين يعملون لدى مخازن التوحيد والنور، وأسأله عما إذا كان صحيحاً أن لا ضريح بالداخل. 

أوقفت رجلاً يحمل علي كتفه كرتونة كبيرة، لا أعرف لِمَ اخترته علي وجه التحديد، المهم أنني أوقفته، فأخبرني أنه يصلي دائماً في المسجد، ولم يرَ في يوم أي ضريح.

- طيب عايزة أوصل لإمام المسجد
- خبطي على البيت دا هما معاهم رقمه
 
فعلت ذلك، فخرج لي ولد في عقده الثاني من البلكونة. أخبرته أنني أريد رقم الشيخ أحمد ربيع، فهز رأسه بالإيجاب، قائلاً: ماشي. نزل ومعه الموبايل. كان أهله قد اتصلوا بالشيخ، وأعطوه خلفية. أعاد الاتصال به ثانية، فجاء صوته الذي على سفر، معتذراً عن عدم وجوده، وموضحاً أن الضريح تم إزالته منذ 30 عاماً، لكن عبد الرحمن أبو السباع لا يزال مدفوناً داخل المسجد ولا أحد يعرف ذلك سواه هو والعمال، وأن قبره يقع في الغرفة التي يستريح فيها. وظل يؤكد علي أنه يراعي حرمته جيداً، فهو لا يتحدث بصوت عالٍ، ويجعل موبايله دائماً »سايلنت»‬.

أما عن هوية أبو السباع، فقال إنه بحث عنه كثيراً، ولم يصل لشيء، سوى أنه شيخ يُنسب إلى السباعيين، وهم طائفة من آل البيت، وجذورهم تمتد إلى المغرب.

شكرته كثيراً، وأخبرني في نهاية المكالمة أن المسجد سيتم تجديده خلال هذا الشهر. وشكرت أيضاً الولد، الذي وجدت أخته قد أحضرت لي كرسياً، وكوباً من عصير المانجا.

سيدى عبد الله المحض
رابع ضريح أعرفه هو ضريح عبد الله المحض، الذي يقع في شارع الشيخ ريحان، ورغم أنني كل يوم تقريباً في وسط البلد، إلا أنني لم أذهب إلى هذا الشارع منذ أيام الثورة، لذا دخلته بعينين غريبتين، إذ كنت أتطلع للمباني القديمة، كما لو أنني أراها لأول مرة، وأقف لأصوّرها، كما كنت أفكر ماذا بإمكاني أن أفعل إذا أوقفني أحد رجال الأمن، عندما أصل إلى الضريح، فالمعروف أنه ملتصق بسور وزارة الداخلية، وحاولت أن أسيطر علي أي توتر أحسستُ به، وأن أَعُدَّ الهيئات التي أمرُ عليها: مسرح ليسيه الحرية.. وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية.. الإدارة المركزية للمعامل.. مدرسة القديس يوحنا دي لاسال- الفرير. 

وحين وصلت إلى وزارة الداخلية، هذا المبني الهائل الضخم، ذو الشبابيك المُعُتمة، شعرتُ كما لو أنني أمرُ علي جثة، إذ لا صوت يصدر منها، لا حركة، لا سيارة تدخل، أو تخرج، وحاولتُ أن أركز في السور لأعثر بمفردي على ضريح، أو زاوية، أو مسجد، لكنني لم أجد شيئاً، وهو ما دفعني لسؤال أحد رجال الأمن، فقال إنه لا تزال أمامي خطوات عدة لأصل إليه، وكانت هذه أول معلومة مغلوطة لديّ يتم تصحيحها، وللصراحة، شعرتُ براحة، وطمأنينة، فقد كانت البيوت الشعبية قد بدأت في الظهور، بالأحرى، الحياة.

أول شيء صادفته كان قهوة بلدي يجلس فيها عدد من الرجال البسطاء، وأمامها كان يقع الضريح، الذي بدا أنيقاً، وهادئاً، حيث له قبة خضراء، وله أيضاً مئذنة، وهو ما يعني أنه مسجد، وليس زاوية، كما أن له ساحة صغيرة محاطة بسور حديدي، وعلى الواجهة دوّنت هذه الآية بكتابة رخامية مجسمة (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

كان باب المسجد مفتوحاً، والذي كُتب أعلاه تعريفاً مختصراً للشيخ أنه (ابن ابن الحسن ابن بنت الحسين رضي الله عنه)، ليعرف الناس بسهولة أنه من آل البيت، وليس محض شيخ عادي، ويبدو أن القائمين علي المسجد يهتمون به إذ علقوا لوحة رخامية بها اسمه الكامل (سيدي عبد الله المحض الحسني بن سيدي حسن المثني ابن سيدي الإمام الحسن السبط ابن سيدي الإمام علي كرم الله وجهه)، والذي توفي عام 145 هـ، ووالدته (السيدة فاطمة النبوية بنت الإمام الحُسين بن الإمام علي وبن السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله)، كما كُتب اسم الرجل الذي جدد المسجد والضريح وهو عبد القادر محمد، وبعده فاعل خير!

لم أكن بحاجة في هذا الضريح لمعلومات أكثر من ذلك، ودخلتهُ وأنا مرتاحة البال، ووجدته أنيقاً من الداخل أيضاً، إذ يعتني به خادمه، الذي يقوم كل يوم بتشغيل القرآن فيه، ورش المسك، وإشعال البخور. 

يحيط بالضريح مقصورة حديدية، وفرع من الأنوار، التي تُضيء وتنطفئ، والتي يستخدمها الناس في شهر رمضان. وعلي سقفه وجدت مصحفاً مفتوحاً على سورة يس، حيث كانت ترقد في قلبه سبحة خاشعة. 

حين خرجتُ، لمحتُ على الناصية المواجهة للضريح، محل كبابجي، سُمي باسم الولي، ذهبتُ إليه، وتحدثت إلى الرجل الذي كان يعد أطباقاً شهية من الكفتة، قال إنه صاحب المحل، وإن اسمه رضا، وإن والده، الحاج إبراهيم، رحمه الله، كان يتبارك بالشيخ عبد الله، ويحبه، ويواظب علي حضور ليلة الذكر التي تُقام في ضريحه كل سبت، لذا استعان باسمه، كي ينعم الله عليه، ويرزقه من وسع.

- تخيلي حضرتك الطلبات مابتقفش، وعملنا زباين ياما
- طيب مين أكدلك إنه مدفون هنا؟
- مش مهم مدفون هنا ولا لأ، المهم البركة تحل علينا 

وأنا أتكلم معه، رأيت أحدهم يُلوح لي من بعيد. كان رجلاً يجلس أمام محل لبيع قطع غيار السيارات، يبدو أنه علم أنني صحفية، وأراد أن يتحدث هو الآخر. ذهبتُ له، وسألته عما يريد، فسألني عما أريد، قلت له إنني أريد أن أعرف ما الذي تعرفونه عن سيدي عبد الله، قال إن أهالي »الحتة»‬ كلهم يحبونه، ويعملون على حسه، وكثير منهم من يبدأ يومه بقراءة الفاتحة له.

- عارفة لو عايزة تتجوزي، وجيتي دعيتي النهاردا، هتلاقي العريس بيخبط علي بابكم بكرا
- يا سلام
- آه والله 

تدخل أحدهم، يبدو من جلسته بجواره أنه صاحبه، قائلاً: »‬بلاش فتي يا حاج أشرف، مش للدرجة دي». عدتُ إلى رضا الكبابجي ثانية، وسألتهُ عما إذا كان هناك أضرحة قريبة، فهز رأسه بالإيجاب، وقال إن هناك ثلاثة أضرحة يعرفها، وهي: ضريح حمزة المغازي، وضريح الشيخ ريحان، وضريح آخر لا يتذكر اسمه بجوار مجمع خدمات طلعت القواس. وهو يواصل كلامه، خرج رجل من المحل، وقال لي بهدوء الأمهات: أنت عايزة ايه يا أبلة.. كلميني أنا.

اتضح أنه صاحب المحل، وأن رضا عامل عنده. لا أعرف لِمَ كذب عليّ إذن، وتذكرت سريعاً أن الرجال دوماً يكذبون. المهم أنه أخبرني أنه لا يؤمن بالبركات، وهذا الكلام، وأن والده سمي اسم المحل بكبابجي سيدي عبد الله، لأنه يقع بجواره فقط، ولأنه علامة مميزة في المنطقة، وهذا ما سيجعل الناس يتذكرون المحل، ويصلون إليه بسهولة.

اعترض رضا، وقال بصوت مرتفع، وغليظ: »‬يا عم الشيخ خيره علينا، وعلى المسجد كمان، لا قدر الله لو  حد سمع إن فيه تكييف ولع، بيجي بدل الواحد، تلاتة».

طلبت منهم أن يصفوا لي كيف أذهب إلى الأضرحة الثلاثة. وقبل أن أتركهم، عرض عليّ صاحب المحل الزواج قائلاً: »لما تروحي للشيخ حمزة وترجعي، تكوني فكرتي في الموضوع»‬.

كنتُ متعجبة من هذه الجرأة، أو الوقاحة، وظللتُ أضحكُ من الهمِ. 

سيدى حمزة المغازي
دخلتُ حارة طويلة، قالوا إنها ستصل بي إلى شارع البلاقسة، وما عليّ هناك سوى أن أسأل عن حمزة المغازي، وبالفعل حين وصلت، سألت، فأشار لي أحدهم إلى بيت، قائلاً إن الضريح تحته. ارتبكت قليلاً. وقلت له: »‬مش فاهمة». قال بعصبية: »‬روحي هناك وهتشوفي».

دخلت حارة تُدعى حارة الطاحونة، وظللتُ ألف حول نفسي، باحثةً عن الضريح، وخشيتُ أن أسأل فيتهمني أحدهم بالعمي. كانت هناك ورشة نجارة، ينبعث منها صوت راغب علامة، وهو يشدو بأغنيتي المُفضلة: »‬قلبي عشقها والعيون، هويتها وأهلها مايرضون»، شعرتُ بالألفة، خصوصاً أن الورشة كانت ضيقة جداً، وتحمل لافتة مكتوباً عليها (ما شاء الله.. لا قوة إلا بالله).

سألت ولداً صغيراً يقف بجوار الأخشاب، والبضاعة، التي رصت في الشارع، والمسنود غالبيتها علي الجدران، عن الضريح، فقال: »‬اللي وراكي دا».

لم أستوعب للحظات، إذ كان هناك رجلٌ يجلس بجوار الباب المفتوح، سانداً بكوعه الأيمن علي عكاز، سألته هو أيضاً، فأكد لي أن هذا هو الضريح.

رفعت رأسي، فوجدت فوق الباب الخشبي، كتابة منحوتة في الجدار، تفيد أن هذا مقام (سيدي حمزة السرسي المغازي)، وأيضاً (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). كما وجدت لافتة مُهملة، مائلة إلي اليمين قليلاً، مكتوباً عليها هذه الآية: »‬إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً». وحين درتُ حول الضريح وجدت اللافتة الأصلية باسمه، والأشجار التي تحيط به من الناحية الأخري.

دعاني الرجل الذي يُدعى حمادة عبد العزيز إلى الدخول، لأرى الضريح، فوجدتهُ على شمالي مباشرة، وحيداً، ومُعتماً، والتراب يكسوه من كل جانب، ووجدت أيضاً رجلاً يصلي بالداخل في الزاوية المُلحقة بالضريح، والتي كانت مُعتمة أيضاً، عرفتُ بعد ذلك، أن هذا الرجل هو صاحب ورشة النجارة، الذي يستغل حوائط الضريح الخارجية في العمل، كما وجدت مَنوَر البيت، نعم البيت الذي فوق الضريح، والذي هو عبارة عن أربعة طوابق تقريباً، ويتبع الأوقاف، مفتوحاً عليه، والذي بإمكانك الدخول فيه لترى نوافذ المطابخ والحمامات.

وحين خرجتُ، سألت الحاج حمادة عما يعرفه، أخرج سيجارة من جيبه، وأشعلها، وأغلق عينيه قليلاً وهو يقول: »‬سوري في اللفظ أنا إطهرت هنا». 

يبلغ حمادة من العمر 53 عاماً، وهو من السُكان القُدامي، الذين عاصروا التغيرات التي طرأت على المنطقة، لكنه أكد أن الضريح هكذا منذ رآه أول مرة وهو طفل. الذي تغير فقط أنه منذ العام الماضي لم يقيموا له المولد السنوي، والذي كانت تأتي فيه الأحصنة والمراجيح. متابعاً أن هناك عائلة تُدعي عائلة الشيخ فخر، هي التي تتولي مهمة خدمة الضريح.

اتجهتُ لصاحب ورشة النجارة أيضاً، لأسأله، لكنه كان متحفظاً، ولم يقل لي حتي اسمه، وحاول أن يتبرأ من الضريح، قائلاً: »‬مابصليش هنا كتير، أنا بس كسلت أروح مسجد الكريدي».

لا يهتم سكان حارة الطاحونة وشارع البلاقسة بهذا الضريح، ويتعاملون معه على أساس أنه بيت، حتى الأجيال الجديدة لا تدركه من الأساس، ويمرون من أمامه، كأنهم يمرون من أمام اللاشيء.

بعد قليل جاء هشام فخر الدين، حارس الضريح، والذي لم يفعل شيئاً سوى أنه أشار إلى صورة  مُثبتة في جدار الضريح، قائلاً إن هذه صورة والده الذي لم يترك الضريح يوماً في حياته، كما قال إنه من أدخل الكهرباء إلي الضريح، ومن جدده، رحمة ونور على والده، وعلى الشيخ حمزة.

تركتهم، وعيناي لا تريدان أن تتركا البيت الذي به ورشة النجارة، والمدوّن على أعلاه هذه الآية »‬وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم»، والذي من شدة ألفته وقفت أمامه، لأودعه.

الشيخ ريحان
عدتُ ثانية إلى شارع الشيخ ريحان، لأبحث عن الحارة التي يقبع بها ضريحه، والتي دخلتها وأنا مُعبئة بالحكايات التي سمعتها عن البئر الموجودة بداخله، والتي يغطسون فيها الأطفال الرضع، كي يشفيهم الله من الأمراض، في طقس يشبه طقس التعميد في المسيحية. 

لم أصدق نفسي حين وصلت، لم أصدق أنه هو الآخر محض بيت. بيت يُشبه البيوت الريفية. بيت له سور، لا تزال محارته صامدة، وبوابته أيضاً صامدة، والتي كانت تُشبه بوابة أي بيت عادي؛ مُفرغة ومطلية باللون الأخضر. 

أذكر اللون ليس لأن من البديهي أن يكون أخضر، لكونه باب ضريح، ولكن للتأكيد على أن البسطاء ليسوا بالبساطة، أو السذاجة، التي نظنها عنهم.

كان يجلس بجوار السور مجموعة من الرجال الذين يعملون في تصليح الموتوسيكلات، والذين يرتدون الزي الخاص بهم، الذي يُدعي »العفريتة»‬. دققت النظر أكثر لأتأكد أنني لستُ مُخطئة، فوجدتُ لافتة سوداء، حسمت لي الأمر، إذ كُتب عليها باللون الأبيض طبعاً، ما يؤكد أن هُنا ضريح الشيخ ريحان، وأنه يتبع مشيخة السادة الأحمدية السلامية. وتحت اللافتة، دُون رقم موبايل لشخص يُدعى (الحاج عزت). خمنت أنه خادم الضريح، أو مالك البيت!

سألت الرجال عنه، وعن الشيخ ريحان.

ضحكوا، وتطوّع أحدهم يُدعى رضا بالحديث عنهم، قائلاً بنبرة تشي بالسخرية: »‬مانعرفش حاجة عنه، إحنا هنا عاملين زي الإسرائيليين، والحيوانات، شوفي ابني اللي هناك دا».. »‬عامل زي الكلب، وتقريباً اللي خلفه كلب».

»‬طيب، عايزة أدخل الضريح». قلتُ. فوقف رضا ليفتح لي الباب، الذي كان موارباً، قائلاً لي: »‬ماتخفيش هنا السمك بنحطه.. ماينزش مايه».

لم أفهم صراحة، وهذا ما جعلني أتسمر قليلاً في مكاني، ربما لأخمن ما يقصده، وربما لأنني كنتُ حقيقةً خائفة.

حين دخلتُ، وجدتُ علي يميني ساحة فارغة، وعلى الفور لمحتُ البئر التي يتوسطها، بدت من الوهلة الأولي بئراً مُهملة. كما وجدتُ حماماً رديئاً للغاية، حماماً ليس له باب، وعلى شمالي وجدتُ غرفة، كما يقولون »‬على المحارة»، غرفة ليس بها شيء سوى الجدران.

»‬أين الضريح إذن؟» سألتُ نفسي، وحين استدرتُ، وجدتُ ممراً في نهايته باب. مشيتُ إليه، وأنا في ذهني الصورة المُعتادة لأي ضريح. وحين فتحتُ الباب، شهقت، والله شهقت، لأن المشهد كان يفوق تصوراتي، إذ رأيت حجرة مكتملة، بها سرير، وتليفزيون، ومروحة، ومنضدة، وبعض المستلزمات التي يحتاجها أي فرد من أطباق، وملابس، وأشياء أخرى متكوّمة فوق بعضها البعض، وفي وسط كل ذلك يوجد المقام، فتذكرت على الفور مسلسل (السبع وصايا)، ورسمت في بالي صورة متخيلة للحاج عزت هذا، أنه رجل قصير وسمين، وله شارب عريض، ويرتدي قميصاً وبنطلوناً، ويتحدث بدهاء وبخبرة العارفين بالأمور.

وأنا أهمُ بالخروج، لا أعرف لِمَ شممتُ رائحة الموت، والتي لم أشمها في أي من الأضرحة التي زرتها. وقلت ربما هذه إشارة أن ثمة أحداً مدفوناً هُنا. لكنني عتبت على نفسي، وقلت في سري »‬يبدو أن الخرافات أثرت عليكِ».

رجعتُ إلى الرجال، وسألتهم عن الحاج عزت، قال الرجل المتطوع بالحديث عنهم إنه يجلس هناك -وأشار بإصبعه- على القهوة، وطلب من أحد الصبية، أن يذهب، ويناديه.

انتهزت الفرصة لأسألهم ثانية عن هوية الشيخ ريحان، أكدوا بحسمٍ أنهم لا يعرفون شيئاً، وأنه هُنا من قديم الأزل. وأن الحاج عزت ورث عن عائلته خدمة الضريح.

قال رضا: »‬أوعي تصدقيه في حاجة.. دا ممكن يقولك إنه ابن الشيخ ريحان». وراح يُقهقه.

 أتى الحاج عزت، مُحطماً صورتي الذهنية عنه، كما فعل من قبله الضريح، أو المقام، إذ كان رجلاً طويلاً، ونحيفاً، وعجوزاً للغاية. يرتدي جلباباً، ويتعثر في مشيته، وتنبعث من فمه رائحة الموت!

كانت له عينان مربكتان، عينان لا تنظران إلى شيء محدد، لدرجة أنني كدتُ أسأله: »‬هل تراني؟».

 قلت له في البداية، إنني أريد أن أعرف من هو الشيخ ريحان، فقال لي بنبرة المسئول المُنشغل دائماً: »‬عدي عليا يوم الجمعة، أكون جبت الورق اللي فيه كل حاجة عنه». فقلت له بذات النبرة: »‬لا.. أنا مش فاضية يوم الجمعة». تنهد، أو بالأحرى، نفخ في وجهي. وقال: »‬تعالي ورايا، بس ماتخفيش».
لم يكن يعرف أنني قد سبقته، وتعرفت على المكان.

اصطحبني إلى الداخل، ووجدته يرفع غطاء المقام، ويجلب من تحته الورق الذي يثبت أحقيته بخدمة الضريح، بعد الست ظُهره، أخته، قلت له: »‬انت بتضحك عليا بقا». لم يرد، فخمنت أنه لم يسمعني، وعرفتُ من الأوراق أن اسمه عز، وليس عزت، عز الدين محمود محمد، وأن الضريح خاضع للمجلس الأعلى للطرق الصوفية، وأنه قد سبق واشتكى للمجلس، الذي رفع بدوره الشكوى إلى محافظة القاهرة، من قيام جمعية (تنمية المجتمع لأبناء حي الشيخ عبد الله الخيرية) - والذي أخذني ليُريني إياها والتي تقع خلف الضريح على ناصيتي عطفة الشيخ ريحان وعطفة العجمي- بتغيير معالم الضريح واستخدام جزء من أرضه، بمعاونة عضو مجلس المحافظة، »‬في أنشطة لا تمت للتصوف بصلة».

ظل يقول لي كل دقيقة: »‬ها، لقيتي مكتوب إيه». كما ظلت عيناه لا تنظران إليّ. ثم أردف: »‬الضريح موجود منذ 250 عاماً، وورثت خدمته عن جدودي وإخوتي، أما أنا فموجود هُنا منذ عشر سنوات، ولديّ حُجة بالأرض.. هذا بيتي، لقد رممته على حسابي، فقد كان هذا السور على وشك الانهيار، وأنا من بنيت هذه الغرفة الفارغة لأنام فيها، وحين وجدتُ أن الجمعية تريد أرض الضريح الذي تُقدر بستة قراريط دخلت وأقمتُ بجوار الشيخ ريحان، لأحتمي به».

- طيب يا حاج مين الشيخ ريحان دا؟
- يووووه.. قولتلك ماعرفش

شعرت بخيبة أمل، ولم يكن الرجل مُبالياً بي، بل رأى فيّ فرصة لا تعوض لأن يقول من خلالي، إن أرض الضريح ملكه، طالباً مني أن أصوّره بجوار الضريح، وأن أصوّره وهو جالس على السرير، وهو واقف بجوار البئر. وطلبتُ منهُ بدوري أن أصوّره وهو جالس بجوار الباب الخارجي.

وحين خرجتُ، وجدتُ الرجل الحشري، الذي كانت هيئته مثل هيئة القراصنة، يضحك ببلاهة، ويسألني: »‬ها قالك إيه؟».

الشيخ علي البراموني
عدتُ سريعاً إلى شارع الشيخ ريحان، ورأيتُ -وأنا ماشية أتطلع إلى البيوت- مسجد عماد الدين الذي أقيم عام 1979، والذي يجلس أمامه عدد كبير من الشحاذين والغلابة. لكم أحب أن أتطلع إلى البيوت، وإلى نوافذها. أري أن النوافذ هي عيون البيوت، وكما تعكس العين روح صاحبها، تعكس النافذة روح البيت. وبيوت عابدين أرواحها طيبة. 

كنتُ منتبهة جيداً للطريق - الذي كان يطول، أو هكذا هُيئ لي- حتى لا أنحرف عن الوصفة، أنه بمجرد أن أجد »ورشة الكوتش»‬، أكون قد وصلت إلى مجمع طلعت القواس الذي يقبع بجواره ضريح، لا يعرف من قابلتهم هويته.

وبالفعل، وصلت إلى الورشة، وسألت صاحبها عن طلعت القواس، كان ظريفاً للغاية، سألني عن البطاقة، فصمتُّ، وكنت على وشك أن أشتمه، فقالت لي امرأة تقف بجواره، وترتدي عباءة سوداء، أنه يمزح معي. 

لم أكن أرغب حينها في أن أدخل في حوار معهما، وسألتهُ ثانية، فقال لي إنني لو تعبت نفسي ورفعت رأسي قليلاً سوف أجده أمامي. فعلت ذلك. وكان طلعت القواس يقع في نهاية الشارع الذي أقف علىناصيته.

مشيتُ إليه بخطى بطيئة، كنتُ قد تعبت للصراحة، ولمحتُ على سوره لافتة مكتوباً عليها »‬حارة البراموني». 

كان هناك رجل يجلس بجوارها. سألته عما إذا كان في هذا الشارع ضريح. تلعثم. وقال: »‬مش عارف». ثم أردف: »‬لحظة. أنتِ بتقولي ضريح. آه آه. المسجد اللي وراكي دا جواه ضريح». 

كان المسجد متوسط الحجم، وكان هادئاً للغاية، وتشع من داخله العتمة. وبدا كأنه بُني أمس. إذ كانت جدرانه التي تم طلاء نصفها بالأبيض، والنصف الآخر بالأخضر، ومعها الشبابيك والباب، تلمعُ. 

على أحد جدرانه، عُلقت لوحة مكتوباً عليها (الله نور السموات والأرض)، أما على بوابته فعُلقت لوحة صغيرة باسم المسجد؛ الشيخ علي البراموني. دخلتُ وأنا أضع يدي على قلبي. إذ كنتُ خائفة أيضاً. لا أعرف لِمَ أنا خائفة لهذا الحد من الأضرحة. ربما لغرابتها، وشعوري أنها تغرق في العزلة.

كان الضريح يقع بجوار »‬الميضة». وكان مُغلقاً بباب زجاجي. ويبدو أنه مُهمل، وأن أحداً لم يدخله لينظفه منذ فترة طويلة. 

وأنا أنحني قليلاً لأرى ما بالداخل. سمعتُ أحداً يكحُ، فانتفضت. كان شاباً يريد أن يمر ليتوضأ.

خرجتُ وأنا حاملة صندلي في يدي، متجهة لأقرب محل من المسجد. كان محلاً غريباً، لا يوجد فيه سوي ماكينة كبيرة. وكانت تجلس أمامه امرأة عجوز، ترتدي عباءة سوداء، وتمسك بيدها سبحة. اسمها أم إبراهيم. قالت إنها تدق الطعمية والكفتة، وإنها من سُكان الحارة.

- أنا يا عين أمك ماعرفش حاجة عنه، التاريخ اللي يعرف.. والشارع باسمه
- أيوا أخدت بالي
- والنبي يا بنتي أوعي تكتبي اللي قولته.. أصل ناس كتير زيك طلبوا مني أنهم يكتبوا عن حياتي، وأنا رفضت.

قبل أن أتركها، أشارت إلى محل بقالة صغير، وأخبرتني أن صاحبه ساهم في تجديد المسجد. ذهبتُ إليه، ووجدتهُ غارقاً في الصمت، وفي الضوء الخفيف الذي ينفذ إلى الداخل. 

اسمه عادل والي. وعمره 55 عاماً. ما يعرفه، أو ما سمعه، أن الشيخ علي البراموني كان عالماً أزهرياً، وكان دائم الجلوس في هذا المسجد، حيث كان يعطي فيه دروساً لطالبي العلم، وأنه قبل أن يموت طلب أن يُدفن فيه، ومع الوقت أقام له الناس هذا الضريح، الذي لا تهتم به وزارة الأوقاف. قائلاً: »‬لولا الأخوة اللي هنا في الحارة كان زمان المسجد بقا خرابة».

أخبرني أيضاً أن هناك ضريحاً آخر على بعد خطوات منّا، ويقع أمام المسجد، وهو ضريح الشيخ فرج، الذي لم آخذ بالي منه، لصغر حجمه، ولوجوده بجوار عمارة فارهة.

الشيخ فرج، ومحمد المنوفي
كان يقف أمام ضريح الشيخ فرج مجموعة من الشباب، يدخنون السجائر، ويتكلمون بصوت عالٍ. وقفتُ بعيداً عنهم. وقفتُ وظللتُ أحدق في الضريح. كان وجودي بالنسبة لهم غريباً. أخرجتُ الموبايل من حقيبتي لأصوّره، وكانوا هم بدورهم يصورونني بأعينهم. كنتُ مرتبكة قليلاً، ليس منهم، إنما من الضريح، الذي كان مُغلقاً بحسمٍ، كما لو أنه لا يريد من أحدٍ الاقتراب منه. 

هو عبارة عن غرفة متوسطة الحجم. غرفة وحيدة. بُنيت له خصيصاً، كالغرف التي تُبني للعجائز في العشوائيات. بابه خشبي. كُتب فوقه باللون الأخضر (هذا مقام العارف بالله الشيخ فرج رضي الله عنه وأرضاه). كما كُتب ذلك أيضاً في لوحة رخامية، عُلقت فوق الشباك الخشبي المحاط بسياج حديدي، والذي يقف أمامه الناس، ليقرؤوا له الفاتحة.

يجاور الضريح ورشة، لم أتأملها جيداً، ولا أذكر إن كانت لتصليح السيارات، أم لغسلها. ويجاور الورشة كشك، تجلس أمامه امرأتان. سألتهما عن الضريح. قالتا إن مفتاحه مع شخص يُدعى عمرو السيد. وتطوعت إحداهما بالنداء عليه.

كان عمرو يقبع خلف إحدى السيارات. ظهر سريعاً، كما لو أنه شبح. رحب بي، وتنهد، قائلاً: أخيراً هفتحه لحد.

الضريح يشغل الغرفة كلها. ضخم للغاية. ولم يكن مُحاطاً بمقصورة حديدية. ولم يكن يُغطيه هذا الغطاء الأخضر المنقوش عليه آيات قرآنية. إذ كان ضريحاً من الرخام. وهو ما أعطاني إحساساً أنه قبر. ولأن القبور دائماً مُعتمة، استخدمت كشاف الموبايل، لأرى الكتابات المدوّنة على الجدران، وكانت كُكل الكتابات التي رأيتها من قبل؛ (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، و(اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله)، بالإضافة إلى منحوتة مُعلقة، تقول إن الأمير محمد أغا هو من قام بتجديد المقام، ويبدو أنها منحوتة قديمة للغاية، لأن الشكل الحالي للمقام، تم بيد الأهالي.

وحكى لي عمرو قصة تجديدهم له، أنه منذ تسع سنوات تقريباً كان الضريح عبارة عن مقلب قمامة، وحدث أن رمي أحدهم -دون قصد- عود ثقاب على سطحه، فاشتعل، حتى كادت النار أن تلتهمه بالكامل، لكنهم استطاعوا أن يخمدوها، ما دفعه هو ومجموعة من الأهالي إلى ترميمه، حتي يعود كما كان، وهو الآن يجلس وعيناه طيلة الوقت عليه، حتى لا يُلقي أحد مرة ثانية أي قمامة على سطحه، أو أمام بابه.

لا يعرف عمرو من هو الشيخ فرج، ولا يعرف إن كان حقاً هناك أحد مدفون هنا أم لا، كل ما يعرفه أن الله سوف يرضي عنه لما فعله مع الضريح.

قبل أن أتركه سألته إن كان هناك أضرحة أخرى في هذه المنطقة، فقال إن هناك ضريح محمد المنوفي، يقع في حارة سُميت باسمه، ومتفرعة من شارع الشيخ ريحان.

عدتُ للشارع، ومشيت قليلاً، وعند محل جزارة توقفت لأسأل عن الحارة، فأخبروني أنني أقف على ناصيتها. بمجرد أن دخلتها شعرت بالوحشة. إذ كانت هادئة للغاية، وكانت بيوتها الأولى على الصف الأيمن مُزالة، وهو ما جعل الضريح أول شيء أصادفه.

لا يختلف ضريح محمد المنوفي عن ضريح الشيخ فرج، من حيث الشكل، والحالة، فهو مثله غرفة منفردة، ومُغلقة. 

لم يكن هناك أحد في الحارة لأسأله، وبالصدفة مر عليّ رجل، فأوقفته، ربما يعرف شيئاً، وبالفعل دلني على البيت الذي يسكن فيه الناس الذين يخدمون الضريح.

ذهبت إلى هناك مباشرة، والتقيت بامرأة عجوز، قصيرة، ترتدي خماراً، وتحمل بيدها شنطة في داخلها طماطم.

-اسمك ايه يا حاجة
-اسمي زنوبة.. اسمي وحش مش كدا

ضحكتُ، وضحكت هي أيضاً، ثم قالت إن ولديها هشام وعلي إسماعيل يخدمان الضريخ، وإن لا أحد منهما موجود الآن. كما قالت إن الحارة كان اسمها من قبل حارة الزير المُعلق، وصارت تسمى باسم حارة المنوفي منذ فترة طويلة. وأضافت: »صحيح أن الأعمار بيد الله.. لكن الناس هنا يعيشون أطول من سكان الحارات المجاورة، وذلك ببركة المنوفي»‬.

وسألتني: هما هيشيلوا الضريح ولا إيه.. فرددتُ: ماحدش يقدر يشيل ضريح..

سيدى الأربعين
تركتها، وأنا أعرف هذه المرة الضريح -الأخير- الذي أريد الوصول إليه، وهو ضريح سيدي الأربعين، أو سيدي محمد المغازي، والذي يعد من أشهر أضرحة عابدين، إذ يقع في شارع حسن الأكبر، أمام سور القصر. كانت هذه المعلومة التي لديّ، والتي لم تكن محددة؛ لأن سور القصر طويل جداً، ولأن شارع حسن الأكبر كذلك. مشيتُ، لأخرج من شارع الشيخ ريحان، الذي كان مجهداً للغاية. تهتُ قليلاً. إذ دخلت من الشارع الذي به قسم عابدين، لكنني في النهاية استطعت الوصول لشارع حسن الأكبر.

لا أعرف لم نويت في البداية أن أسأل أي أحد عن ضريح حسن الأكبر، الشقيق الأكبر لسيدي أحمد البدوي، رغم علمي أنه مدفون داخل قصر عابدين، ربما لأنني أعوّل هنا علي المعلومات التي لدى الناس.

دخلت أول محل صادفته، والذي لم أركز فيه، إذ شدني الرجل الذي يجلس أمامه، والذي كان يقرأ إحدى الصحف، ويرتدي قميصاً وبنطلوناً، وعلى وجهه تستقر نظارة طبية، وابتسامة بشوشة. اتكأت بذراعي اليمنى على طاولة المحل، ودخلت مباشرة في الموضوع. قهقه، وقال: ياه.. نادر جداً لمّا ألاقي حد يعرف ضريح حسن الأكبر.

- اسمك إيه يا حاج
- حاج إيه بقا.. اكتبي الأستاذ كمال عبد الفتاح.. أنا كنت مدير إحدى المدارس.

وراح يعطيني درساً في التاريخ؛ أن الخديوي إسماعيل أمر ببناء قصر عابدين فور توليه الحكم عام 1863، وأن اسم القصر يرجع لعابدين بك أحد القادة العسكريين في عهد محمد علي باشا، والذي كان يمتلك قصراً صغيراً، اشتراه إسماعيل، وهدمه، وضم إليه أراضي شاسعة، والتي كانت بها بالمصادفة ضريحان، هما ضريح سيدي بدران، وضريح حسن الأكبر، فأصدر فرماناً بعدم الاقتراب منهما، لأنه يعلم أن الأضرحة شيء كبير عند المصريين، وجزء من ثقافتهم الدينية والشعبية، فقام بضمهما للقصر. كما أمر بالتزامن بتخطيط القاهرة علي النمط الأوروبي.

ابتسمت، وسألته عن ضريح سيدي الأربعين. صمت قليلاً. وأشار إلي بناية. وقال إن بجوارها ضريح. لا يعرف إن كان هو أم لا. لكنه قال إن قبل هذه البناية بشارعين يوجد ضريح اسمه أبو الشوارب.

قررتُ أن أذهب إلى أبو الشوارب أولاً، لكنني وجدتهُ محض مسجد، وهو مسجل كأثر، وأنشأه محمد شريف باشا عام 1860. 

ندمتُ قليلاً لأنني سمعت كلامه. لكنني سامحته حين وجدتُ أن وصفه لضريح سيدي الأربعين كان صحيحاً.

الضريح، أو بالأحرى المقام، منفصلاً بذاته. هو أشبه ببيت. لا لا. هو بيت. له باب خشبي مطلي بالأخضر، وشباك محاط بسياج حديدي مطلي أيضاً بالأخضر، وقبة، أما واجهته فكانت غريبة بعض الشيء، إذ كانت مطلية بشكل مخطط باللونين الأصفر والنبيتي.

لا أذكر بالضبط إن كان باب المقام مفتوحاً، أم أنني طرقته. لكنني أذكر جيداً ملامح الرجل الذي ارتبك حين رآني، كما لو أنني جئت في وقت غير مناسب. سادت بيننا ثوان من الصمت. وحين دققتُ وراءه، وجدتُ كنبتين، ففهمت أنه يقيم بالداخل.

أخبرته أنني جئت لأجل سيدي الأربعين. لأجل أن أعرفه. قال بلعثمة إن الورقة التي بها معلومات عنه ليست معه الآن.

لم أكن أعرف ماذا بإمكاني أن أفعل. شعرت أنه يطردني. وهو ما جعلني أعطيه معلومات زائدة عني، وعما أفعله، كي يطمئن. فبسط كفه اليمني، لأدخل.

طبعاً دُهشت. رغم أنها ليست المرة الأولي التي أرى فيها أحداً يسكن داخل ضريح. ربما دُهشت من التفاصيل الكثيرة الموجودة؛ الشيشة، والمروحة، والتليفزيون، وخزانة الملابس، والساعة المُعطلة، والصور المُعلقة على الجدران، والتي كانت عبارة عن بورتريهات لأشخاص، خمنت أنهم من أقاربه.

 سمحت لنفسي أن أتجول، فوجدتني أدخل إلى المطبخ، والحمام. وحين رفعتُ رأسي رأيت غرفتين بالأعلي. تعجبت. ولاحظ الرجل هذا. فأخبرني أن الغرفتين كانتا مخصصتين للنساء لينمن فيها.

- يعني أهلك كانوا عايشين هنا؟
- أيوا.. والدي اتولد هنا.. والمقام دا مِلك، وليس وَقف، بدليل أن جدي أبو والدي مدفون هو كمان هنا

اسمه سيد حسين محمد حسن. وحسب كلامه. هو من نسل الشيخ محمد إبراهيم فخر الدين المغازي الذي آتى من المغرب ليتلقى العلم على يد العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي، وكان تلميذه الأربعين، لذا سُمي بسيدي الأربعين. 

- طيب أنت مش متجوز.. مش عندك ولاد؟
- كنت متجوز.. وولادي كل واحد منهم راح في مكان.. وأنا حاليا بشتغل سواق تاكسي.

يعتقد أن سيدي الأربعين، جرده من كل شيء، كي يجعله يقيم بجواره، فهو ليس له بيت غير هذا، ولم يتبق من عائلته سوى أمه، التي تأتي من حين لآخر، لتجلس معه. يعتقد أيضاً أن بينه وبين سيدي الأربعين رابطاً روحياً، فهو يزوره كثيراً في المنام، ويرى نوراً يشع من مقامه، ويتمنى لو يطلب منه أن يدفن بجواره، كما طلب من جده!

كنتُ أسمعه، ولا أقاطعه، إذ كان في حالة من النشوة. يتحدث بصوت منخفض، ويصمت بين العبارة والأخرى، كما لو أن أحداً يُملي عليه ما يقوله.

سألته عن سبب رفضه للحديث معي في البداية، قال إنه كان يحاول أن يطفشني، لكن جاءت له إشارة بأن يتحدث. وقال أيضاً إنه ارتاح إليّ.