رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

الفارابي الفليسوف أم الموسيقي


د. نبيل حنفي محمود
11/17/2018 12:44:11 PM

لم تكن الفلسفة بين عناصر عدة شكلت تكويني الفكري والثقافي خلال العقود الثلاثة الأولي من رحلتي مع الحياة، ولكنها خالطت هذا التكوين إبان السنوات الست الأولي في العقد الرابع من عمري، وهي الفترة التي استنفدتها للحصول علي أول درجة لدكتوراه الفلسفة، منحتها جامعة المنوفية في هندسة القوي الميكانيكية، وذلك في عام 1986م، في تلك السنوات الست ... أشرق في وعيي أول مفهوم للفلسفة، والذي تمثل لي آنذاك في إدراك المغزي الطبيعي لما تعاملت معه في دراستي من ظواهر وقوانين، وذلك فضلاً عن الإلمام بالمبادئ الأولية لكل ما يتعلق بموضوع الدراسة.

الفلاسفة والعلوم الأخري
منذ أنهيت دراستي للدكتوراه، وجدت في نفسي ميلاً لمطالعة كل ما يتصل بالعلوم من مؤلفات، شملت كتباً ومقالات ودراسات، فاكتشفت أن الفلاسفة كانوا يشتغلون – عبر مختلف العصور – بعلوم كثيرة، منها: الرياضة – الفلك – الفيزياء – الطب – الكيمياء – الأدب واللاهوت، وبقول آخر ... فإن الفيلسوف – في العصور السابقة – هو من استوعب علوم عصره أو معظمها، وهو ما يستشف من حديث الفيلسوف المسلم الشهير: أبو بكر الرازي (865-925م)، الذي أثبته محمد بن إسحاق النديم في المقالة العاشرة من كتاب "الفهرست" بالنص التالي:"وزعم أبو بكر الرازي وهو محمد بن زكريا أنه لا يجوز أن يصح علم الفلسفة، ولا يسمي الإنسان العالم فيلسوفاً إلا أن يصح له علم صناعة الكيمياء، فيستغني بذلك عن جميع الناس، ويكون جميعهم محتاجاُ إليه في عمله وحاله" (ابن النديم: الفهرست، جزء1، ص351)، ولما كان ابن النديم قد جعل عنوان المقالة العاشرة في كتاب "الفهرست" كما يلي:"المقالة العاشرة من كتاب الفهرست – وتحتوي علي أخبار الكيميائيين والصنعويين من الفلاسفة القدماء والمحدثين"، فإنه ساق ضمن حديثه في هذه المقالة مؤلفات جمهرة من الفلاسفة القدماء والمحدثين، مما لا ينهض بتأليفه إلا من حذق ما ذكر قبلاً من علوم، ولقد صرفت قدراً معتبراً من قراءاتي العلمية في العقدين الأخيرين من السنوات، إلي تتبع سير وآثار فلاسفة المسلمين، ممن ظهروا إبان العصر الذهبي للعلوم الإسلامية أثناء دولة العباسيين، وتشعبت إسهاماتهم الفكرية في علوم عدة، نذكر منها كلا من: الفلسفة – المنطق – الآداب – التاريخ – الطب – الرياضيات – الفلك واللغات، فهالني ما قدمه فلاسفة المسلمين من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن عربي من بدائع إسهاماتهم الفكرية في كل ما شاع بعصرهم من علوم، إلا أن أكثر ما استوقفني في تراث أولئك النجوم من فلاسفة المسلمين، فضلاً عن الموسوعية الواضحة في إسهاماتهم، تمثل في إسهام ثلاثة منهم في تنظير الموسيقي العربية والكتابة عنها، وهم – وتبعاً للسياق التاريخي لظهورهم – أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكندي (186هـ / 801م – 251هـ / 865م)، وأبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (260هـ/874م – 339هـ /950م) وأبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا الملقب بالشيخ الرئيس (370هـ /980م – 428هـ / 1037م)، لقد تميز الثلاثة عمن سواهم من فلاسفة المسلمين بالكتابة عن الموسيقي، وكان ذلك إعمالاً لمبدأ أن الموسيقي تعد أحد فروع الرياضيات، إلا أن الفارابي فاق الجميع – وبما تنبئ به آثاره الموسيقية-بإنجازاته التي تشي بحذق لا يكتسب إلا بالممارسة، لذا سوف تستعرض هذه المقالة سيرة الفارابي وإنجازاته في علميّ الفلسفة والموسيقي، وذلك بغية الإجابة علي السؤال / العنوان الذي يتوج هذه المقالة.
سيرة مختصرة
ولد أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلع – المعروف بالفارابي- في بلدة وسيج من مقاطعة فاراب (علي نهر جيجون) في خراسان، وخراسان بلاد قديمة في آسيا، وتمثلها الآن إيران الشرقية الشمالية وأفغانستان الشمالية ومقاطعة تركمانيا السوفيتية (د. فاطمة محجوب: الموسوعة الذهبية للعلوم الإسلامية، جزء 15، ص 382-383)، وقد لقب بالفارابي نسبة إلي مقاطعة فاراب، التي شهدت مولده وسنوات صباه، وقد انفرد كل من الحافظ شمس الدين الذهبي وموفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة، بين من ترجموا للفارابي بإثبات اسم (أوزلع) لجدّ والده (شمس الدين الذهبي: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، جزء 9، ص 480-481 وابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، جزء 4، ص13)، تلقي الفتي محمد – الذي عرف بالفارابي – تعليمه الأولي في فاراب، حيث توسم فيه والده – الذي كان قائداً عسكرياً – مخايل النجابة وعلامات الذكاء، فأرسله إلي بغداد كي يتعلم في مدارسها وعلي أيدي علمائها، وقد كانت بغداد آنذاك حاضرة دولة الإسلام ومنارة العلم، أقبل إليها العلماء لدراسة ما نقله الخلفاء العباسيون من علوم الهند وفارس واليونان في مختلف فروع العلم، من فلسفة وأدب وطب ورياضيات وفلك، هذا وقد وصف الحافظ شمس الدين الذهبي رحلة الفاربي مع دراسة العلم فقال:"قدم أبو نصر بغداد، فأتقن بها اللغة، وأدرك بها متي بن يوسف الفيلسوف المنطقي، فأخذ عنه، وسار إلي حران، فلزم يوحنا بن جيلان النصراني، فأخذ عنه، وسار إلي دمشق وإلي مصر، ثم رجع إلي دمشق، وكان مفرطاً في الذكاء (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص ص 13-15).
هناك من المصادر التاريخية ما يقول بأن الفارابي كان مولعاً بالأسفار منذ صباه، وأنه غادر موطن أسرته في فاراب متنقلاً من بلد إلي بلد، حتي دخل بغداد، حيث تلقي ببغداد مبادئ الفلسفة علي أستاذ مسيحي يدعي يوحنا بن جيلان، وجاء في "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" عما تعلمه الفارابي علي يد يوحنا بن جيلان الآتي:"وقال القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد في كتاب (التعريف بطبقات الأمم)، أن الفارابي أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن جيلان، المتوفي بمدينة السلام في أيام المقتدر، فبذ جميع أهل الإسلام فيها، وأربي عليهم في التحقق بها" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص18)، وقد زامل الفارابي أثناء دراسته لدي ذلك الأستاذ أبو البشر متي بن يونس، وكان أبو البشر متي بن يونس من المشتغلين بترجمة كتب أرسطو، مما يسر للفارابي فضلاُ عن الإطلاع علي عدة كتب لأرسطو مثل "المقولات" و"العبارة" و"القياس" أن يتعلم اللغة اليونانية، ومن ثم إتقان عدة لغات أخري، حتي قيل أنه تعلم جميع اللغات الحية، والتي يزعم البعض أنها أكثر من سبعين لغة، ولكن الأمر المؤكد في شأن ما تعلم من لغات، وهو ما قال به الدكتور محمد لطفي جمعة في الفصل الذي أفرده للفارابي في كتاب"تاريخ فلاسفة الإسلام"، أن الفارابي أتقن علي الأقل خمس لغات هي العربية والفارسية والتركية واليونانية والسريانية، مما فتح أمام مداركه المجنحة آفاقاً رحبة للتعلم والإبداع، وقد حفلت المصادر التاريخية بالإشارات المؤكدة لدأبه في تحصيل العلم، فقد تميز عن أقرانه بكونه لا يقنع بأستاذ واحد، حتي قيل أنه:"كان يجتمع بأبي بكر بن السراج، فيقرأ عليه صناعة النحو، وابن السراج يقرأ عليه صناعة المنطق" (د. محمد لطفي جمعة: تاريخ فلاسفة الإسلام، ص15)، لقد أثمر إقباله علي العلم في محطة إقامته الأولي ببغداد، في ذيوع شهرته بين أوساط متعلميها ومثقفيها، فأقبل الطلاب علي دروسه، يتزودون فيها من فيض علمه، الذي وصفه ابن أبي أصيبعة بقوله:"وكان – رحمه الله تعالي (الضمير عائد للفارابي) – فيلسوفاً كاملاً، وإماماً فاضلاً، قد أتقن العلوم وبرع في العلوم الرياضية، زكي النفس، قوي الذكاء، متجنباً عن الدنيا، مقتنعاً بها بما يقوم بأوده، يسير سيرة الفلاسفة المتقدمين، وكانت له قوة في صناعة الطب، وعلم بالأمور الكلية منها، ولم يباشر أعمالها، ولا حلول جزئياتها" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص13).
ثم أستطرد ابن أبي أصيبعة في حديثه عن الفارابي إلي ما تحقق له من شهرة ومكانة، فقال عن ذلك ما يلي:"ثم إنه عظم شأنه (الضمير عائد للفارابي)، وظهر فضله، واشتهرت تصانيفه، وكثرت تلاميذه، وصار أوحد زمانه، وعلاّمة وقته وأوانه" (المرجع السابق: ص14).
يسود الاضطراب روايات المصادر التاريخية حول ما تولاه الفارابي من وظائف، وهو اضطراب يسم حتي رواية المصدر الواحد، وسوف تستعرض الفقرة الحالية، ما ذكره ابن أبي أصيبعة في كتاب "عيون الأبناء في طبقات الأطباء" عما عمل به الفارابي من مهن، حيث أثبت ابن أبي أصيبعة الآتي في بداية ترجمته للفارابي:"وحدثني سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي الآمدي، رحمه الله: أن الفارابي كان في أول أمره، ناطوراً في بستان بدمشق، وهو علي ذلك دائم الاشتغال بالحكمة، والنظر فيها، والتطلع إلي رأي المتقدمين، وشرح معانيها، وكان ضعيف الحال، حتي أنه كان يسهر في الليل للمطالعة والتصنيف، ويستضيء بالقنديل الذي للحارس، وبقي كذلك مدة" (المرجع السابق: ص13)، وبعد عدة جمل ... تحدث فيها ابن أبي أصيبعة عن بعض مآثر الفارابي، فإذا به يعود ليذكر أحد الأعمال الأولي التي تولاها الفارابي، وقد أورده بالنص التالي:"ويذكر أنه كان في أول أمره قاضياً، فلما شعر بالمعارف نبذ ذلك، وأقبل بكليته علي تعلمها، ولم يسكن إلي نحو من أمور الدنيا البتة" (المرجع السابق: ص15)، والمعنيّ بالمعارف في حديث ابن أبي أصيبعة السابق هو الفلسفة، إن تأمل ما ذكره ابن أصيبعة قبلاً عما تقلده الفارابي من وظائف في مقتبل عمره، يجعل المتأمل يعتقد أن الفارابي عمل أولاً كقاض ببغداد وبعد انتهاء دراسته، ثم عمل – وربما لفترة صغيرة – كحارس لبستان في دمشق، إن إقامته الأولي تلك بدمشق تبدو غامضة، ولا يستطيع أحد الآن تحديد تاريخها، وذلك لقلة المصادر التاريخية التي تناولت سيرة الفارابي بالرصد والتدقيق، غير أن هناك ثمة إشارة أثبتها ابن أبي أصيبعة في ثنايا ترجمته للفارابي، يمكن الاستناد إليها للقول بأن الفارابي لم يتقلد منصباً في حياته بعد ما قيل عن عمله كقاض أو حارس بستان، فقد قال ابن أبي أصيبعة الآتي في أعقاب ذكره لتوجه الفارابي لدراسة الفلسفة التي أسماها بالمعارف:"ولم يسكن إلي نحو من أمور الدنيا البتة" (المرجع السابق)، مما يفهم منه انقطاع الفارابي عن تقلد الوظائف أو الأعمال طوال ما تبقي له من عمر.
يكشف تدبر أحداث التاريخ، أن من بين الملوك والقادة فريق مولع بالآداب والعلوم، ويتمثل ذلك الولع في تقريب الأدباء والعلماء ورعايتهم، بينما جنح الفريق الثاني، والذي جمع الغالبية من أولئك الملوك والقادة، إلي الإزراء بأهل الأدب والعلم وأبعادهم عن مجالسهم، وقد تصادف أن كان الفارابي معاصراً للأمير سيف الدولة الحمداني أمير حلب، وهو أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان، سليل أسرة حكمت مناطق من الدولة العباسية بحجم دولة مستقلة، وامتد سلطانها علي ما حكمت من مناطق فيما بين سنتي 318هـ و 393هـ، حيث ولاهم العباسيون حكم الموصل والجزيرة، فأضاف إليهما الحمدانيون حلب وشرق سوريا (د. حسين سعيد "مشرف": الموسوعة الثقافية، ص410)، وقد وصفهم أبو منصور الثعالبي (350-429هـ) فقال:"كان بنو حمدان ملوكاً وأمراء، أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحط الرحال، وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء"، (ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، جزء 4، ص16)، ولما كان قول الثعالبي هو الحق الذي لم يتزيد فيه أو يبالغ، فإن الفارابي شد رحاله مرتحلاً عن بغداد وقاصداً حلب، حيث لقيه سيف الدولة بما هو أهل له من التجلة والإكرام، وقد ذكر شمس الدين الذهبي أن لقاء الفارابي بسيف الدولة حدث في دمشق وليس في حلب، وقال شمس الدين الذهبي عن ذلك اللقاء ما يلي:"وقيل أنه دخل دمشق علي سيف الدولة بن حمدان وهو بزيّ الترك، وكان ذلك زيه دائماً"، وأضاف الذهبي إلي ذلك واصفاً ما حدث في لقاء الفارابي الأول بسيف الدولة بن حمدان فقال:"فقعد في الصدر، وأخذ يتكلم مع علماء المجلس في كل فن، ولم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل، حتي صمت الكل" (شمس الدين الذهبي: مرجع سابق)، وعن مكانة الفارابي عند سيف الدولة بن حمدان ... قال ابن أبي أصيبعة:"واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي، وأكرمه إكراماً كثيراً، وعظمت منزلته عنده، وكان له مؤثراً" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص14).
أقام الفارابي في بلاط سيف الدولة بدمشق أو بحلب، بل وصحبه في بعض رحلاته وغزواته، وقد تحدثت مصادر تاريخية عدة عن رحلات الفارابي مع سيف الدولة، ومن ذلك ما أثبته الدكتور عثمان أمين في المقدمة الضافية التي قدم بها لكتاب الفارابي "إحصاء العلوم"، والتي جاء فيها ما يلي:"واتصل (الضمير عائد للفارابي) بالأمير الحمداني سيف الدولة، ونال الحظوة عنده وتزياً بزيّ أهل التصوف، ثم صحب الأمير إلي دمشق في حملته عليها سنة 950بعد الميلاد" (ص39)، إن تدبر ما ذكره د. عثمان أمين قبلاً في تقديمه لكتاب "إحصاء العلوم" للفارابي يكشف عن واقعتين هامتين في سيرة الفارابي، أولاهما أنه سلك طريق الزهد والتصوف، ولهذا القول دليلين، الظاهر منهما ما يدل عليه قول الدكتور عثمان أمين:"وتزياً بزيّ أهل التصوف"، والذي ورد أيضاً في بعض المصادر التاريخية التي ترجمت للفارابي، ومنها كتاب "تاريخ الحكماء" لجمال الدين القفطي المتوفي سنة 646هـ، حيث جاء في الصفحة التاسعة والسبعين بعد المائة من كتاب القفطي ما يلي:"وأقام (المعني هو الفارابي)في كنفه (الضمير عائد لسيف الدولة الحمداني) مدة بزيّ أهل التصوف" (ص279)، ويتجلي الدليل الثاني علي زهد الفارابي وتصوفه، وهو الباطن من الدليلين، في ما أتخذ لحياته من سنن ونظام، وقد أثبت ابن أبي أصيبعة هذا الدليل في ثنايا ترجمته للفارابي بقوله:"ويذكر أنه لم يكن يتناول من سيف الدولة، من جملة ما ينعم به عليه، سوي أربعة دراهم فضة في اليوم، يخرجها فيما يحتاجه من ضروري عيشه، ولم يكن معتنياً بهيئته، ولا منزل، ولا مكسب" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق)، وأما الواقعة الهامة الثانية التي أثبتها الدكتور عثمان أمين في سياق تقديمه لكتاب "إحصاء العلوم" للفارابي، فإنها تتمثل فيما ذكره الدكتور عثمان أمين عن مرافقة الفارابي للأمير سيف الدولة الحمداني أثناء حملة الأمير علي دمشق في عام 950ميلادية والذي يوافق سنتي 338هـ و 339هــ، وفي سياق ما ورد في حديث الدكتور عثمان أمين قبلاً عن حملة قادها سيف الدولة علي دمشق في عام 950م، فإن ما حفظته مصادر التاريخ عن حملة لسيف الدولة علي دمشق، جاء مختلفاً عما قال به الدكتور عثمان أمين، فقد ذكر ابن الأثير في كتاب "الكامل في التاريخ" أن سيف الدولة استولي علي دمشق في أواخر ذي الحجة من سنة 334هـ / 936م، وربما يكون ذلك قد حدث في الأيام الأولي من سنة 335هـ (ص 1718)، وذلك إثر وفاة الإخشيد أبو محمد بن طغج، هذا وقد ذهب ابن تغري بردي إلي نفس التاريخ لدخول سيف الدولة إلي دمشق، وذلك فيما أدرجه من حوادث بالجزء الثالث من تاريخه الموسوم باسم "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" (ص291)، إن مراجعة ما حفظته كتب التاريخ من أحداث متلاحقة جرت في ربوع الدولة المصرية خلال سنتي 334هـ و 335هـ، يؤكد علي أن استيلاء سيف الدولة الحمداني علي دمشق، لم يدم سوي لأشهر قليلة، فإن كان الفارابي مصاحباً لسيف الدولة في تلك الحملة، فإن اقامته بدمشق لم تدم كثيراً.
صفاء روحي
أمضي الفارابي معظم ما عاشه من عمر في صفاء روحي، ذلك الصفاء الذي أسبغته عليه عوامل عدة، منها طلب العلم، وإتباع منهج التصوف، وملازمة سيف الدولة الحمداني، الذي اتصف بالشجاعة والإقدام والفصاحة والشاعرية، فانعكس كل ذلك علي حياة الفارابي، حيث دأب علي الإقامة في جوار أفواح الرياض ومصادر المياه، مما أتاح له أن يصنف ما صنف من مؤلفات فقد أكثرها، وهو ما جعله متميزاً بتدفق الأفكار وبراعة الابتكار فيما وضع من مؤلفات في شتي علوم عصره، مثل: الفلسفة – المنطق – علم الكلام – السياسة – الآداب – الرياضيات – الكيمياء – الفلك والموسيقي، وفي سياق ما نحن بصدد الحديث عنه هنا، فإن ما أحصته المصادر التاريخية من مؤلفات الفارابي قد أربي علي المائة مؤلف، فصّل الدكتور محمد لطفي جمعه أنواعها في كتاب "تاريخ فلاسفة الإسلام"، ونقلاً عما أثبته كل من جمال الدين القفطي في كتاب "تاريخ الحكماء" وابن أبي أصيبعة في كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، إلي ستين كتاباً وخمس وعشرين رسالة وسبعة عشر شرحاً (ص19)، إن أفضل ما قيل في وصف مسيرة الفار"بي الحياتية والفكرية، هو ما ذكره الدكتور عثمان أمين في تقديمه لكتاب "إحصاء العلوم" للفارابي، والذي جاء بالنص التالي:"وأظهر ما يستوقفنا في حياة الفارابي، أنه كان رجلاً يميل إلي التأمل والنظر، ويؤثر العزلة والهدوء، بدأ شبابه متفلسفاً، وقضي كهولته متفنناً، وختم حياته متصوفاً" (د. عثمان أمين: مقدمة كتاب "إحصاء العلوم" للفارابي، ص39).
هكذا أمضي محمد بن محمد بن طرخان حياته في تحصيل العلم وإضافة الجديد إليه، حتي لقب بالمعلم الثاني بعد أرسطو، فلما سئل: من أعلم، أنت أم أرسطو؟، قال: لو أدركته لكنت أكبر تلاميذه" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص20)، وليس هناك ما هو أدل علي ما انطوت عليه نفس محمد بن محمد بن طرخان من علم حقيقي ومشاعر إنسانية سامية من دعائه، الذي كان نصه كما يلي:"اللهم ألبسني حلل البهاء، وكرامات الأنبياء، وسعادة الأغنياء، وعلوم الحكماء، وخشوع الأتقياء" (المرجع السابق: ص21)، وقد وافاه الأجل بمدينة دمشق وهو عند سيف الدولة بن حمدان، وذلك في شهر رجب من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة من بعد الهجرة، وهو ما اتفق بشأنه جميع من أرخوا لحياته، من أمثال ابن أبي أصيبعة وجمال الدين القفطي وأبي المحاسن يوسف بن تغري بردي (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص14 – جمال الدين القفطي: مرجع سابق، ص279- أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي: المرجع السابق، ص304)، وقد زاد القفطي في خبر وفاة الفارابي، أن تلك الوفاة حدثت في خلافة الراضي، حيث أثبت وفاة الفارابي بالنص التالي:"وتوفي (الضمير عائد للفارابي) بها (يعني دمشق) في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة عند سيف الدولة علي بن حمدان، وفي خلافة الراضي" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق)، وهو من بين أخطاء كثيرة شابت ما حوته كتب التاريخ من أحداث حياة الفارابي، وذلك لأنه من الثابت في المصادر التاريخية أن أبا العباس محمد بن جعفر المقتدر بالله الملقب بالخليفة الراضي قد بويع بالخلافة في يوم الأربعاء لست خلين من جمادي الأولي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وقال المسعودي في "مروج الذهب ومعادن الجوهر" ما يلي:"فأقام في الخلافة إلي أن مضي من ربيع الأول عشرة أيام، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ومات حتف أنفه بمدينة السلام (أي بغداد)" (جزء2، ص561)، إن وفاة الخليفة الراضي بالله في عاشر ربيع الأول من سنة 329هـ، وكما ذكر المسعودي، أو في منتصف ربيع الأول من تلك السنة، كما أثبت ابن كثير في "البداية والنهاية" (ابن كثير: البداية والنهاية، جزء6، ص253)، تنفي بصورة قاطعة قول جمال القفطي بأن الفارابي لقي وجه ربه إبان خلافة الراضي بالله، إلا أن الثابت مما حوته مصادر التاريخ بشأن وفاة الفارابي، هو ما جاء في ترجمة الفارابي التي أدرجها شمس الدين الذهبي في الجزء التاسع من كتاب "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، حيث ذيّل شمس الدين الذهبي تلك الترجمة بالفقرة التالية:"وبدمشق توفي، وصلي عليه سيف الدولة، وعاش نحواً من ثمانين سنة، ومات في رجب، ودفن بمقبرة باب الصغير" (ص481)، وكانت ترجمة الفارابي بين تراجم سنة 339م، مما يفسر إغفال شمس الدين الذهبي ذكر سنة وفاة الفارابي في الجملة السابقة، واكتفي بأن قال:"ومات في رجب"، هذا ويتبقي هنا من خبر وفاة الفارابي، ما ذكره ابن أبي أصيبعة في ثنايا حديثه عن تلك الوفاة بالنص التالي:"وصلي عليه سيف الدولة بن حمدان في خمسة عشر رجلاً من خاصته" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق)، وقد أضاف الدكتور عثمان أمين إلي ذلك، ما نقله من كتاب "فيلسوف العرب والعالم الثاني" للشيخ مصطفي عبد الرازق (ص62)، من أن سيف الدولة ارتدي زي الصوفية خلال أدائه لصلاة الجنازة علي الفارابي، وهو الزي الذي اتخذه الفارابي منذ التحق ببلاط سيف الدولة، وفيما يعد آخراً في إكرام سيف الدولة للفارابي، ما ذكره الدكتور محمد لطفي جمعة في كتاب "تاريخ فلاسفة الإسلام"، ودون إسناد إلي مصدر، من أن سيف الدولة – وهو شاعر – قد رثي الفارابي علي قبره (ص14).
إجماع الفلاسفة
انقضي قرابة أحد عشر قرناً بعد وفاة الفارابي، ومازال اسمه يتردد حتي الآن في مشارق الأرض ومغاربها، كواحد من أهم فلاسفة الإسلام عبر جميع عصوره، وقد اتفق علي ذلك جميع من أرخوا للفلسفة من مؤرخين ومفكرين، فمن جمال الدين القفطي (المتوفي سنة 646هـ /1248م)، ومروراً بكل من: ابن أبي أصيبعة (المتوفي سنة 668هـ / 1269-1270م) – الإمام أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (المتوفي سنة 774هـ / 1372-1373م) – مفتي طرابلس: الشيخ نديم الجسر (1879-1980م) – جوستاف أ.فون جرونيباوم (1909-1972م) – ول ديورانت (1885-1981م) وزيجريد هونكه (1913-1999م)، وحتي نصل إلي الدكتور محمد لطفي جمعه: مؤلف كتاب "تاريخ فلاسفة الإسلام"، وهو أحدث ما عالج تاريخ الفلسفة الإسلامية من كتب، فقد قال القفطي عنه:"فيلسوف المسلمين غير مدافع" (جمال الدين القفطي: تاريخ الحكماء، ص277)، وقال عنه ابن أبي أصيبعة ما يلي:"وله (الضمير عائد للفارابي) كتاب في أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطوطاليس، يشهد له بالبراعة في صياغة الفلسفة والتحقق بفنون الحكمة" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص19)، وجاء الآتي في الترجمة التي خصه بها ابن كثير في الجزء السادس من كتاب "البداية والنهاية":"وأبو نصر الفارابي، التركي الفيلسوف، وكان من أعلم الناس بالموسيقي، بحيث كان يتوسل به وبصناعته إلي الناس في الحاضرين من المستمعين، إن شاء حرك ما يبكي أو يضحك أو ينوم، وكان حاذقاً في الفلسفة، ومن كتبه تفقة ابن سيناء" (ص288)، بينما كان رأي مفتي طرابلس بلبنان: الشيخ نديم الجسر في الفارابي كما يلي:"الشيخ: الفارابي يا حيران، من أعظم الفلاسفة المؤمنين، وأصحّهم منطقاً، وأصدقهم برهاناً علي وجود الله، فقد بدأ بالدفاع عن العقل، فأثبت له أحكامه الأولية البديهية، والتي تعتمد عليها البراهين كلها، واتخذ من هذا، طريقة إلي إثبات وجود الله، وما زالت أقواله، في المعرفة والوجود، تتحكم في عقول العلماء والفلاسفة والمتكلمين، إلي يومنا هذا الذي نحن فيه" (الشيخ نديم الجسر: قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن، ص58)، والشيخ وحيران شخصيتان من ابتكار الشيخ الجسر، يتضمن حديثهما ما يريد الشيخ عرضه من قضايا، وأما الأستاذ جوستاف أ. فون جرونيباوم، وهو نمساوي المولد والنشأة، ثم هاجر إلي الولايات المتحدة الأمريكية قبيل اندلاع أحداث الحرب العالمية الثانية، فقد قال عن الفارابي وأمثاله من فلاسفة المسلمين الآتي:"وليس ثمة مجال للشك في أن رجالاً من أمثال الكندي (المتوفي 873م) والفارابي (المتوفي 950م)، كانوا أعظم عقولاً وأعظم تشرباً بالروح الهللينستية ممن عاصرهم من المعتزلة" (جوستاف جرونيباوم: حضارة الإسلام، ص412)، والحضارة الهللينستية في حديث جرونيباوم هي حضارة امتزجت فيها العناصر الإغريقية بعناصر أخري شرقية، ومن الدول التي شهدت تلك الحضارة دولة البطالمة في مصر (د. حسين سعيد "مشرف": الموسوعة الثقافية، ص404)، بينما أفاض المفكر الأمريكي ول ديورانت في الفصل الرابع من الباب الثاني عشر في الكتاب الثاني من موسوعة "قصة الحضارة"، وقد وقف ديورانت الكتاب الثاني للحديث عن الحضارة الإسلامية، وأدار الباب الثاني عشر حول الفكر والفن في بلاد الإسلام الشرقية، واستعرض في الفصل الرابع من الباب الثاني عشر دور الفلسفة في الحضارة الإسلامية، وحيث لخص ديورانت في ذلك الفصل رحلة الفارابي مع الفلسفة وأحصي ما تبقي من مؤلفاته، وقال عن واحد منها التالي:"ومن بين كتب الفارابي الباقية كلها، كتاب واحد يدهشنا ما يدل عليه من قوة الابتكار، ونعني به كتاب المدينة الفاضلة" (ول ديورانت: قصة الحضارة، المجلد السابع/13، ص205)، وتجيء المستشرقة الألمانية الشهيرة زيجريد هونكه Sigrid Hunke في آخر هذه المجموعة من المؤرخين والمفكرين، ليكون قولها الآتي عن الفارابي مسك ختام هذه المجموعة من الآراء، حيث جمعت هونكه إسهامات الفارابي العلمية بقولها فأوعت:"وأما الفارابي (870-950م) الملقب بالمعلم الثاني بعد أرسطو، فقد كان فيلسوفاُ ورياضياً فذاً ذائع الصيت، بالإضافة إلي كونه موسيقياً بارعاً" (زيجريد هونكه: شمس العرب تسطع علي الغرب، ص162)، إن ما رصد في المراجع التي حررتها المجموعة السابقة من المؤرخين والمفكرين من إنجازات الفارابي العلمية، يعد غيضاً من فيض، ولا يحق لمن يكتب عن تلك الإنجازات أن يغفل ذكر إنجازين فائقي الأهمية، أشارت إليهما الدكتورة زيجريد هونكه في معرض حديثها عما أنجزه الفارابي من ابتكارات واكتشافات، حيث أثبتت الانجاز الأول بالنص التالي:"إن اهتمام الفارابي بالموسيقي ومبادئ النغم والإيقاع، قد قربه قاب قوسين أو أدني من علم اللوغاريتم Logarithmus، الذي يكمن بصورة مصغرة في كتابه (عناصر فن الموسيقي)"، ثم ألمحت-وعلي طريقة النفي – إلي الانجاز الثاني، حيث استبعدت أن تكون نظرية الفارابي ونظرية ابن سينا في الأحجام اللامتناهية الصغر، هي التي أوحت لعلماء الغرب – بعد قرون –بنظرياتهم عن الذرة (المرجع السابق:ص163).
إن المدقق في الأثر العلمي الكبير، الذي أنجزه الفارابي في عمر قدر بحوالي ثمانين سنة، سوف يجد أن الشطر الأكبر من ذلك الأثال قد أدير حول الفلسفة، بينما انصرف شطر أقل من ذلك الأثال إلي الموسيقي، التي شغف بها الفارابي شغفاً زائداً، حتي أنه ألف فيها عدة كتب، يعد أحدها وهو "كتاب الموسيقي الكبير":"أعظم مؤلف في الموسيقي صنف حتي عصره" (جوزيف شاخت وكليفورد بوزورث "مصنفان": تراث الإسلام، الجزء الثاني، الفصل العاشر، ص229)، وأما ما تبقي من مؤلفات الفارابي، والمتمثل في بضعة كتب ورسائل، توزعت بين إحصاء العلوم والآداب والسياسة والرياضيات والكيمياء، فإنها تعد الشطر الأصغر من ذلك الأثال، لذا يمكن لمن يدقق النظر في مؤلفات الفارابي، أن يستشف شخصيتان غالبتان فيما وضع من مؤلفات، أولاهما شخصية الفيلسوف، والثانية منهما شخصية الموسيقي، لذا فإن الجزءين الباقيين من هذه المقالة سوف يتم عقدهما لتحري الخصائص المميزة لهاتين الشخصيتين الغالبتين علي إنتاج الفارابي العلمي.
الفيلسوف
عرفت "الموسوعة الثقافية" – التي حررها الدكتور حسين سعيد – كلمة (الفلسفة) بالنص التالي: "(باليونانية هي الحكمة)، دراسة المبادئ الأولي للوجود والفكر دراسة موضوعية تنشد الحق، وتهتدي بمنطق العقل، ولذلك لا تبدأ الفلسفة بمسلمات مهما يكن مصدرها، فإذا كان الدين يرتكز علي الإيمان، فالفلسفة لا تتخذ من الإيمان سنداً لها، وإذا كان العلم يسلم بشئ يجعله نقطة ابتداء، كالرياضيات، إذ تبدأ من العدد، والفيزيقا، إذ تبدأ من المادة، فالفلسفة تحلل هذه البدايات نفسها إلي مبادئها الأولي" (ص724)، هذا وقد نقل ابن أبي أصيبعة عن الفارابي تعريفه للفلسفة علي أنها:"اسم يوناني، ودخيل إلي اللغة العربية، وهو علي مذهب لسانهم فيلسوفاً، ومعناه: إيثار الحكمة، وهو في لسانهم مركب من فيلا ومن سوفيا، ففيلا: الإيثار، وسوفيا: الحكمة، والفيلسوف مشتق من الفلسفة، وهو علي مذهب لسانهم: فيلسوفوس" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص15)، وقال الفارابي – فيما نقله عنه ابن أبي أصيبعة – أن أمر الفلسفة ذاع وانتشر في أيام ملوك اليونانيين وبعد وفاة أرسطوطاليس (384-322 ق.م)، وهو فيلسوف يوناني، أطلق عليه الفلاسفة المسلمين لقب (المعلم الأول)، تتلمذ علي أفلاطون وعلّم الإسكندر الأكبر، كانت الفلسفة بمثابة حمي اجتاحت مدن اليونان الكبيرة مثل أثينا وإسبارطة، حيث دأب الجمهور علي حضور حلقات النقاش التي كانت تعقد في قصور أغنياء اليونانيين، في تلك الحلقات:"كانت الولائم تولم للفلاسفة، والبحوث الطريفة يصفق لها، كما يصفق للضربات القوية في الألعاب الأوليمبية" (ول ديورانت: قصة الحضارة، المجلد الرابع/7، الفصل الأول من الباب السادس عشر، ص195)، لقد عُدّت الفلسفة – منذ نشأتها الأولي في اليونان – رأس العلوم التي عرفها البشر، وتطلب الاشتغال بها أن يحوز طالبها تكوين موسوعي، وهو ما لا يتحقق إلا بالإلمام بكل ما عرف من علوم في عصره، وتأتي الفلسفة أولاً في تلك العلوم، التي شملت في عصر الفارابي فضلاً عن ذلك علوماً مثل: الرياضيات – الفلك-الطب – السياسة – الكيمياء – الآداب والموسيقي، ولننظر هنا إلي جانب مما عالجه الفارابي من علوم في مرحلة تكوين الفيلسوف، ذلك الجانب الذي أثبته ول ديورانت في ثنايا حديثه بالباب الثاني عشر في الكتاب الثاني من موسوعة "قصة الحضارة" عن الفلسفة، وقد جاء حديثه عن الفلسفة في الفصل الرابع من الباب الثاني عشر، حيث قال عن تكوين الفارابي الفلسفي ما يلي:"ودرس المنطق في بغداد علي معلمين مسيحيين، وقرأ كتاب الطبيعة لأرسطو أربعين مرة، وكتاب النفس مائتي، ورمي بالزندقة في بغداد، وارتدي ملابس المتصوفة، واعتنق مبادئهم، وعاش كما يعيش طير الهواء" (ول ديورانت: المرجع السابق، المجلد السابع/13، ص ص 203-204)، ولقد خلص الفارابي بعد دراسته للفلسفة اليونانية وهضمها وشرحها والتأليف علي نسقها، أن الفلسفة اليونانية هي فلسفة واحدة، وأنه لا فرق بين مذهبي أفلاطون وأرسطوطاليس، واللذان عدهما الفارابي ممثلين للفلسفة اليونانية، حيث أكد في كتابه "الجمع بين رأي الحكيمين"علي أنه ليس هناك ثمة خلاف بين مذهبيهما، وذلك لاتفاقهما في الأصول والمقاصد، ولكنه يؤمن باختلافهما فقط في المنهج التعليمي والسلوك العملي (د. عثمان أمين: مرجع سابق، ص40)، وأما تعاليمهما الخاصة بالحكمة، فانهما متفقان فيها وهما إماما الفلسفة.
الفلسفة علم كلي
أثر عن الفارابي نزوعه لصفاء الروح، الذي كان يعده نتاج الفلسفة، ونقل عنه أنه يري أن الفلسفة ليست من العلوم الجزئية كالرياضيات والكيمياء والفيزياء والطب وغيرها، ولكنه يعتقد بأن الفلسفة هي علم كلي يمكن بواسطته استنباط صورة شاملة للكون، لذا عرّف الفارابي "الفيلسوف الكامل" بأنه الفيلسوف الذي يستوعب العلم الكلي ولديه القدرة علي الإفادة منه، وقال إن الشروط اللازمة لذلك تتضمن فضلاً عن صفاء الروح كلاً من: الميل للصدق والعدل – نبذ اللدد واللجاج – الزهد في الطعام والشراب – اجتناب الشهوات وجمع المال – الترفع عما يشين المرء وإمضاء العزيمة علي الصواب والحق (د. عثمان أمين: المرجع السابق، ص ص42-43)، ولما كان تأثير الفلسفة اليونانية واضحاً علي تكوين الفارابي الفكري، وهو ما استنتجه ول ديورانت حال إحصائه ما بقي من مؤلفات الفارابي، فقال أن ما بقي من تلك المؤلفات يقدر بتسعة وثلاثين كتاباً، وأضاف ديورانت إلي ذلك أن كثيراً منها شروح لفلسفة أرسطو وتعليقات علي آرائه، ومن تلك الكتب التي أثبتها ابن أبي أصيبعة في الترجمة التي ساقها للفارابي بين تراجم كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" نقدم المجموعة التالية: شرح كتاب "المجسطي" لبطليموس – شرح كتاب "البرهان" لأرسطوطاليس- شرح كتاب "الخطابة" لأرسطوطاليس- شرح كتاب "القياس" لأرسطوطاليس- شرح كتاب "بارمينياس" لأرسطوطاليس-شرح كتاب "المقولات" لأرسطوطاليس-شرح كتاب "إيساغوجي" لفرفوريوس-شرح كتاب "السماع الطبيعي" لأرسطوطاليس-كتاب "الفلسفتين" لأفلاطون و أرسطوطاليس و كتاب "الرد علي جالينوس فيما تناوله من كلام أرسطوطاليس علي غير معناه" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص ص 24-27)، لقد مثلت تلك الكتب حيثيات وضع الفارابي علي رأس احدي فرقتين انقسمت بهما الفلسفة الإسلامية في أواخر القرن الثالث الهجري، وهما فرقة المتكلمين التي أسسها فيلسوف العرب أبو يوسف يعقوب بن اسحق الكندي (المتوفي سنة 258هـ)، ثم ترأسها الفارابي فيما بعد، وأما الفرقة الثانية فهي فرقة الطبيعيين، التي ظهرت بحران والبصرة، وقد تزعمها الفيلسوف الطبيب أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (المتوفي سنة 320هـ)، وكانت فرقة المتكلمين من فلاسفة المسلمين تهتم بالالاهيات وما وراء الطبيعة، وكانت تبحث الأشياء في مبادئها وتتحري المعني والفكرة والروح، ولا تصف الله بالحكمة في الخلق أو بالعلة الأولي، ولكن بأنه واجب الوجود، وكانت تقدر الأشياء بوجودها، فتسعي في إثبات ذلك أولاً" (د. محمد لطفي جمعة: المرجع السابق، ص ص 15-16).
ذهب الفارابي في بداياته مع الفلسفة مذهباً ما زال يثير دهشة الدارسين، فقد ذُكر هنا قبلاً أنه عّد الفلسفة اليونانية فلسفة واحدة، فساوي بين مذهب مثالي (مذهب أفلاطون) وآخر واقعي (مذهب أرسطوطاليس)، والحق الفارابي برأيه هذا رأياً آخر لا يقل عنه غرابة، حيث حاول في كتاب "الجمع بين رأيي الحكيمين" أن يثبت أنه ليس هناك خلاف بين كل من الفلسفة اليونانية والشريعة الإسلامية، وضرب لذلك أمثلة بمسائل ناقشها، ومنها مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع وبقاء النفس والثواب والعقاب (د, عثمان أمين: المرجع السابق، ص42)، وقد عزا الدكتور عثمان أمين محاولة الفارابي للتوفيق بين الفلسفة اليونانية والإسلام، إلي كونه فيلسوفاً ومسلماً في نفس الوقت، مما ساوي لديه بين الفلسفة والدين، لكونهما وجهين مختلفين لحقيقة واحدة (المرجع السابق)، وكان الفارابي قد جهر في شبابه بنزعة لا أدرية متشككة، إلا أنه لم يلبث كثيراً في حال الشك، واللاأدرية هي نظرية تقول بأن العقل عاجز عن مجاوزة حدود الخبرة، وأنه لا يمكنه إقامة البرهان علي المعتقدات الميتافيزيقية، وخاصة الاعتقاد بوجود الله، فلما هدأت سورته العلمية، أدرك أنه قد خدع، فعاد للتمسك بقواعد الدين في مستقبل حياته، وهو ما قال عنه ول ديورانت ما يلي:"ثم خطا في مستقبل حياته خطوات واسعة، فأعطانا وصفاً مفصلاً للخالق، مستعيناً علي ذلك بالبراهين التي أوردها أرسطو ليثبت بها وجود الله"، وهو ما ارتبط في الميتافيزيقا (وهي فرع من الفلسفة يبحث عن الحقيقة الأولية للوجود) بقول الفارابي:"العلم بالموجود بما هو موجود"، حيث أن الموجودات في اعتقاد الفارابي علي ضربين: أحدهما (ممكن الوجود)، والثاني (واجب الوجود)، وممكن الوجود إذا فرض غير موجود، لم يلزم عنه محال، وليس بغني بوجوده عن علته، وإذا وجد صار واجب الوجود بغيره لا بذاته، أما (الواجب الموجود)، فمتي فرض غير موجود لزم عنه محال، ولا علة لوجوده، ولا يجوز كون وجوده بغيره، والأشياء (الممكنة) لا يجوز أن تمر بلا نهاية، في كونها علة ومعلولاً، ولا يجوز كونها علي سبيل الدور، بل لابد من انتهائها إلي شيء واجب، هو الموجود الأول، الذي هو السبب الأول لوجود الأشياء، وهو الله تعالي"!! (الشيخ نديم الجسر: المرجع السابق، ص59).
لم تقف شطحات الفارابي في مقتبل شبابه عند شِقشقات اللاأدرية، حيث أخذ ببعض ترهات الأفلاطونية الحديثة، من قبيل سر الخلق والتكوين ومراتبه، ومنها أيضاً ما أثبته ابن كثير في خبر وفاة الفارابي بالنص التالي:"وكان يقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة، وله مذهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين" (ابن كثير: المرجع السابق: ص288)، وقد تصدي مفتي طرابلس ولبنان الشمالي: الشيخ نديم الجسر لما رمي به بعض العلماء والمؤرخين الفارابي من لعنات، جراء ما أنزلق إليه من تلك الترهات، ومن أولئك العلماء والمؤرخين ابن كثير، الذي أضاف إلي الفقرة التي وردت هنا قبلاً قوله:"فعليه، إن كان مات علي ذلك، لعنه رب العالمين" (المرجع السابق)، تصدي الشيخ نديم الجسر لأمثال مقولة ابن كثير تلك قائلاً:"إنني علي يقين من أن أخذه بترهات الأفلاطونية الحديثة، في سر الخلق والتكوين ومراتبه، كان بلسانه لا بقلبه، تظاهراً وتفاخراً بالتحذق والتفلسف، فالعقل الذي يضع قواعد المعرفة بذلك الاتزان، لا يخوض في هذه الخيالات عن قناعة وإيمان، ولو استمعت إليه كيف يقر بعجز العقول عن إدراك أسرار الله، في كنه ذاته وصفاته، ورأيت كيف يستمسك باتزانه وحكمته وأدبه مع الله، لكذّبت كل ما نسب إليه من هذيان، في مراتب الخلق ووسائطه" (نديم الجسر: المرجع السابق)، ويستطرد الشيخ الجسر بعد ذلك مستكملاً دفاعه عن الفارابي، فيقول:"إنه يقول (أي الفارابي): ولما كان الباري أكمل الموجودات، وجب أن تكون معرفتنا به أكمل معرفة، كما أن معرفتنا بالرياضيات أكمل من معرفتنا بالطبيعيات، لأن موضوع الأولي أكمل من موضوع الثانية، ولكننا أمام (الموجود الأول) كأننا أمام أبهر الأنوار، فلا نستطيع احتماله، لضعف أبصارنا، لأن الضعف الناشئ عن ملابستنا بالمادة يقيّد معارفنا ويعوّقها" (المرجع السابق: ص60).
أدعية الفارابي
يأخذ العجب بنفس من يقرأ أدعية الفارابي، التي أثبت ابن أبي أصيبعة البعض منها في ترجمة الفارابي، تلك الترجمة التي جاءت في الجزء الرابع من كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، ويجيء العجب من سؤال القارئ نفسه: كيف لمن انطلق لسانه بمثل هذا الدعاء أن يخرج من الملة أو يزيغ عن جادة الصواب؟، ولينظر القارئ هنا إلي بعض أدعية الفارابي ومقطوعة من شعره، ليعرف ما رفل فيه الرجل من صفاء نفس وما كان عليه من إيمان بالله ومبلغ إتقانه للغة العربية، ففي دعاء له يقول:"اللهم إني أسالك، يا واجب الوجود، ويا علة العلل، يا قديماً لم يزل، أن تعصمني من الزلل، وأن تجعل لي من الأمل، ما ترضاه لي من عمل، اللهم امنحني ما اجتمع من المناقب، وارزقني في أموري حسن العواقب، نجح مقاصدي والمطالب، يا إله المشارق والمغارب، رب الجوار الكنس السبع، التي انبجست عن الكون انبحاس الأبهر، هن الفواعل عن مشيئته التي عمت فضائلها جميع الجوهر، أصبحت أرجو الخير منك"، إن ما يشيع في هذا الدعاء من روح صوفي لا يخفي علي جمهور القراء، وهو ما يبدو واضحاً جلياً في دعاء آخر نصه كما يلي:"يا ذا الجلال والإكرام والأفضال، هذب نفسي بأنوار الحكمة، و أوزعني شكر ما أوليتني من نعمة، أرني الحق حقاً، والهمني إتباعه، والباطل باطلاً، واحرمني اعتقاده واستماعه، هذب نفسي من طينة الهيولي، إنك أنت العلة الأولي"، و (الهيولي) في دعاء الفارابي هو لفظ مرادف للمادة عند أرسطو، ولما كان الفارابي ناثراً وشاعراً، فلم يكتف بإطلاق أدعيته في صيغة النثر، حيث نظمها شعراً رائعاً، والأبيات التالية من أدعية الفارابي التي تؤكد صادق أيمانه:
يا علة الأشياء جمعًا والذي        كانت به عن فيضه المتفجّر
ربّ السماوات الطباق ومركز      في وسطهن من الثري والأبحر
إني دعوتك مستجيرًا مذنبًا       فاغفر خطيئة مذنب ومقصر
هذب بفيض منك رب كل من     كدر الطبيعة والعناصر عنصري
خلّف الفارابي العديد من الكتب، التي تناقلتها الأجيال، ورسمت صورة واضحة المعالم لمشروعه الفلسفي، ذلك المشروع الذي بدأه بتعريف الفلسفة، والتي هي عنده:"العلم بالموجودات بما هي موجودة"، والموجود عنده إما واجب الوجود بذاته، أو بغيره، وهو الممكن، ولما كان كل ممكن يتطلب فرض سبب لوجوده، وبما أن سلسلة الأسباب لا يمكن أن تكون بلا نهاية، فإنه لا بد من الاعتقاد بوجود كائن موجود بطبيعته بغير سبب، ومالك لأعلي درجات الكمال، وهو العلة الأولي، والواحد الذي لا شريك له، وهو الله الذي يصدر عنه كل ما في الوجود، وأول ما صدر عنه هو العقل الأول، أو المبدع الأول، ثم سلسلة من العقول عدتها ثمانية، وعنها تصدر الأجرام السماوية، والوجود عند الفارابي علي مراتب ست، مرتبة الموجود الأول وهو الله، ومرتبة العقول التسعة والمسماة بملائكة السماء، ومرتبة العقل الفعال المسمي بالروح القدس، ومرتبة النفس الإنسانية، ومرتبة الشكل أو الصورة، ومرتبة المادة، وقال الفارابي بأن العالم العلوي أو الروحي يتكون من هذه المراتب الست، ثم رتب الفارابي الأجسام في مراتب ست، هي: مرتبة الأجرام السماوية – مرتبة الحيوان الناطق – مرتبة الحيوان غير الناطق – مرتبة النبات – مرتبة المعادن ومرتبة الاسطقسات الأربعة (وهي الماء والهواء والتراب والنار)، والمراتب الست السابقة للأجسام تشكل العالم السفلي، ثم قسم الفارابي قوي النفس متخذاً مقياس التدرج، بأن جعل العقل أعلي هذه القوي، وقال بأن القوة السفلي مادة للقوة العليا، وعد العقل موجوداً في نفس الطفل بالفطرة، ويصبح عقل الطفل فعالاً عندما يدرك ما حوله عن طريق الحواس، وينتهي أمر العقل بعد موت الإنسان إلي الاتحاد بالعقل الفعال، وفيما يختص بالأخلاق... فإن الفارابي يؤكد علي أن العقل هو الذي يميز بين الخير والشر، بما يعني أن للإنسان حرية الاختيار بين الخير والشر، ويجيء أخيراً في فلسفة الفارابي ما يعده مثلا أعلي للسياسة، حيث دعا الناس في كتابه "المدينة الفاضلة"إلي إقامة المجتمع علي قواعد العقل والوفاء والحب، لا علي أساس الحسد والقوة والتباغض، وهو ما لا يتحقق إلا إذا كان الحاكم فيلسوفاً!! (د. حسين سعيد "مشرف": المرجع السابق، ص701 – د. محمد لطفي جمعة: المرجع السابق، ص ص 34و35-ول ديورانت: المرجع السابق، ص ص 205و206).
لخصت الفقرات السابقة الملامح الرئيسية لشخصية الفيلسوف عند الفارابي، ولعل القارئ يدرك الآن أن أبي النصر الفارابي كان فيلسوفاً عظيماً في عصره، بل وفي كل عصور الفلسفة، وأن لقب المعلم الثاني الذي أسبغ عليه، كان تعبيراً عن إضافته القيّمة لعلم، هو أرقي ما أبدعته الحضارة الإنسانية.
الموسيقي
اعتبر الفلاسفة المسلمون، شأنهم في ذلك شأن نظرائهم الغربيين، أن الموسيقي فرع من الرياضيات، وتمثل دليلهم علي قولهم هذا في الطرق التي عالجوا بها بعض فنيات الموسيقي، مثل التحليل العددي للفواصل الموسيقية وأجناس البعد الرباعي، وذلك فضلاً عن مبادئ النغم والإيقاع، التي كانت أقرب ما يكون إلي علم اللوغاريتمات، هذا وقد عرف عن الفارابي حبه الكبير للموسيقي، ولا يكشف المتاح الآن من المصادر التاريخية أو الموسيقية عن الأستاذ أو الأساتذة الذين أخذ عنهم الفارابي علوم الموسيقي وفنياتها، ولعله طالع مبادئ تلك العلوم والفنيات فيما قرأ –في بداياته – من كتب الفلاسفة الأقدمين، وأيا ما كانت الطريقة التي أخذ بها الفارابي علوم الموسيقي، فإن المتابع لآثاره فيما بلغنا من مصادر تاريخية، سوف يتحقق لديه أن علاقة الفارابي بالموسيقي كانت علي وجهين، أولهما التنظير والتأليف، وثانيهما الممارسة، قدم الفارابي فيما وصل إلي عصرنا من كتبه مجموعة كتب عالجت عدة قضايا تتصل بالموسيقي، ومن تلك القضايا – بل وأهمها – الإيقاع والتحليل الموسيقي، ولا يعلم أحد الآن علي وجه الدقة، هل كانت تلك القضايا مما مثل هاجساً لدي الموسيقيين في عصر الفارابي؟، أم أنها كانت بمثابة امتداد أو تطوير لما حوته كتب فلاسفة اليونان من نظريات عن الموسيقي، ومن مؤلفات الفارابي في الموسيقي التي نجت من غائلة الفقد بفعل ما نزل بالحضارة الإسلامية من هجمات وغزوات، كتابه الشهير الموسوم باسم "كتاب الموسيقي الكبير"، الذي يعده جميع من قدموا أو أحصوا مؤلفات الفارابي: (أهم مؤلفاته في الموسيقي)، بل يعده البعض منهم:(أعظم ما صنّفه العرب طوال تاريخهم في الموسيقي)، ومن قبيل ذلك ما جاء بالجزء الثاني من كتاب "تراث الإسلام" الذي صنفه كل من جوزيف شاخت وكليفورد بوزورث بالنص التالي:"يعتبر مصنف الفارابي الضخم المعروف بكتاب (الموسيقي الكبير)، أعظم مؤلف في الموسيقي صُنّف حتي عصره" (ص229)، والضمير في كلمة عصره بالجملة السابقة يعود إلي الفارابي، هذا وقد أشارت بعض المصادر إلي كتب أخري للفارابي في الموسيقي منها:"كتاب في إحصاء الإيقاع"-"كتاب في النقلة مضافاً إلي الإيقاع" و "كلام في الموسيقي" (د. محمود الحفني: الموسيقي العربية وأعلامها من الجاهلية إلي الإسلام، ص309)، إلا أن تلك الكتب فقدت جراء ما نزل بالحضارة الإسلامية من هجمات وغزوات، ولم ينج من تلك الأسفار العظيمة سوي "كتاب الموسيقي الكبير"، الذي توجد الآن من مخطوطاته ثلاث نسخ، واحدة منها في ميلانو بإيطاليا، والثانية في مدريد بأسبانيا، والثالثة في ليدن بهولندا، وقد أصدر المستشرق الفرنسي: البارون رودلف دي أرلانجيه ترجمة فرنسية للكتاب في جزئين فيما بين عام 1930م وعام 1935م (بعد وفاته في عام 1932م)، هذا وقد نشر الكتاب باللغة العربية في طبعتين بالقاهرة، صدرت الأولي منهما في ستينيات القرن العشرين عن دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، بينما صدرت الثانية – وهي صورة من الأولي – عن دار الكتب والوثائق القومية في عام 2009م، ومن المهم أن يذكر هنا أن الطبعتين البالغ عدد صفحات الواحدة منهما ألف ومائتان وعشر صفحات، كانتا بتحقيق الأستاذ/ غطاس عبد الملك خشبة.
وأما الوجه الثاني لعلاقة الفارابي بالموسيقي والذي عرف هنا قبلاً بالممارسة، فقد وردت عنه روايات عدة في المصادر التاريخية، منها ما حدث في مجلس سيف الدولة الحمداني بدمشق، والذي رواه الدكتور محمود الحفني بقوله:"علي أنه لم يتقرب (المعني بذلك الفارابي) للأمير بادئ الأمر بفلسفته وحكمته، بل كانت الموسيقي هي رسوله وشفيعه إلي قلب سيف الدولة، حين دخل عليه وجلس إلي جانبه دون تهيب أو تردد، حتي إذا أصلح أوتاره، هز أوتار القلوب ولعب بمهج الحاضرين، حتي أضحكهم وأبكاهم وأذهلهم عن أنفسهم، فدل بذلك علي أصالته في الموسيقي وعراقته في التصرف بفنونها وألوانها" (د. محمود الحفني: المرجع السابق، ص306)، كان عزف الفارابي في مجلس سيف الدولة علي آلة العود، ومن الروايات الدالة علي ممارسة الفارابي للموسيقي ما ذكره ابن أبي أصيبعة في كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" بالنص التالي:"وكان في علم صناعة الموسيقي وعملها قد وصل إلي غاياتها وأتقنها إتقاناً لا مزيد عليه، ويذكر أنه صنع آلة غريبة، يسمع منها ألحاناً بديعة يحرك بها الانفعالات" (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق)، وقد ذهب بعض الكتاب والمؤرخين إلي أن تلك الآلة تشبه آلة القانون المعروفة في أيامنا هذه، بل هناك من أكد أنها آلة القانون نفسها (د. محمد لطفي جمعة: المرجع السابق، ص30)، ويجيء أخيراً هنا في الروايات الدالة علي ممارسة الموسيقي وإتقانها، ما ذكره د. محمد لطفي جمعة من أن الفارابي: "شرح تأثير تموج الهواء في رنات الأوتار، معتمداً علي التجارب، وأرشد إلي وسائل صنعها، بحيث يمكن إخراج الأصوات المرغوبة" (المرجع السابق).
إن رجلاً في حذق الفارابي لصناعة الموسيقي، سوف تفتح له أبواب قصور علية القوم في كل عصر، وقد كان ذلك ما حدث مع الفارابي بالفعل، فبعد أن حل في مجلس سيف الدولة محل الإجلال والتقدير، جاء الدور علي الوزير أبي جعفر محمد بن القاسم الكرخي (266-343هـ)، الذي تولي الوزارة في خلافة الراضي بالله بن المقتدر، لمدة ثلاثة أشهر ونصف الشهر، ثم تولي الوزارة مرة أخري لمدة ثلاثة وخمسين يوماً في سنة 329هـ إبان خلافة المتقي بالله بن المقتدر، ولما لم يكن نصيب الوزير أبو جعفر الكرخي من العلم والثقافة، مقارباً وليس مماثلاً لنصيب سيف الدولة منهما، حيث يصفه شمس الدين الذهبي في معرض ترجمته لأعلام الطبقة الخامسة والثلاثين في الجزء التاسع من كتاب "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، فيقول عنه:"وكان بطئ الكتابة والقراءة، وفيه كرم ومروءة وحشمة نفس" (ص531)، فإنه يمكن القول بأن مهارات الفارابي العزفية علي أكثر من آلة موسيقية، ربما كانت ما قرب بين الرجلين، حتي أن الوزير تمني علي الفارابي أن يجمع له علوم الموسيقي في كتاب، وهو ما أثبته الفارابي في مفتتح "كتاب الموسيقي الكبير" بقوله:"ذكرت تشوّقك النظر فيما تشتمل عليه صناعة الموسيقي المنسوبة إلي القدماء، وسألتني أن أثبت لك في كتاب أؤلفه وأتحري فيه شرحه وتكشيفه بما يسهُل به علي الناظر فيه تناوله" (أبو نصر الفارابي: كتاب الموسيقي الكبير، الجزء الأول، ص35).
لخص أو. رايت O. Wright، وهو الذي تحدث عن الموسيقي في الفصل العاشر الموسوم باسم "العلوم" بالجزء الثاني من كتاب "تراث الإسلام"، لخص أغراض "كتاب الموسيقي الكبير" في إتقان محكم، فقال عنه ما يلي:"ويحتوي هذا الكتاب علي دراسة شاملة للمسافات الموسيقية وتجمعاتها أو تأليفاتها، بالإضافة إلي بيان قيم بالآلات التي كانت تستخدم في ذلك العصر، والسلالم الموسيقية التي تؤديها تلك الآلات، وقد تناول الكتاب الإيقاع الموسيقي بالتفصيل والشرح، أما طريقة التحليل الموسيقي، فقد استخدمت عناصر تجمع بين تفاعيل العروض العربي والمفهوم اليوناني للوحدة الزمنية" (ص 229-230)، إن تلخيصاً كهذا لا يغني – بالرغم من محكم إتقانه – عن إطلالة سريعة علي محتويات "كتاب الموسيقي الكبير"، لكونه أهم وأكبر ما أنتج الفارابي والحضارة الإسلامية في علم الموسيقي، هذه الإطلالة التي سيفرد لها ما تبقي من هذه المقالة.
الجزء الأول: مدخلٌ للصناعة
لا يجد من يتصدي للتعريف بهذا الكتاب خيراً مما قاله الفارابي نفسه عن ذلك في مفتتح الكتاب، يقول الفارابي:"والكتاب .... يشتمل علي جزءين، جزء في المدخل إلي الصناعة، وجزء في الصناعة نفسها، والقسم الذي في المدخل إلي الصناعة جعلناه في مقالتين، والقسم الذي يشتمل علي الصناعة نفسها جعلناه ثلاثة فنون: الفن الأول. في أصول الصناعة والأدوار العامة منها، وهذا الفن هو الذي نجد جُلّ القدماء الذين وقعت إلينا كتبهم، والحدث الذين اقتفوا آثارهم نحوا نحوه فقط، والفن الثاني. جعلناه في الآلات المشهورة عندنا وفي مطابقة ما قد حصل بالأقاويل في كتاب الأصول علي ما هي في الآلات وإيجادها فيها، وتبيين ما أعتيد أن يستخرج من آلة آلة، والإرشاد إلي أن يُستخرج في كل واحدة من تلك الآلات ما لم تجر به العادة فيها، والفن الثالث. في تأليف أصناف الألحان الجزيئية، وكل واحد من هذه الفنون الثلاثة من مقالتين: (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص ص 38-39).
تدور المقالة الأولي من الجزء الأول للكتاب – وهو المدخل إلي صناعة الموسيقي – حول الأسس النظرية للموسيقي، ويبدأ الفارابي تلك المقالة بتعريف اللحن علي أنه قد يكون إما "جماعة نغم مختلفة رُتّبت ترتيباً محدوداً، أو "جماعة نغم ألفت تأليفاً محدوداً وقرنت بها الحروف" (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص47)، ثم يناقش بعد ذلك دلالات استخدام أي من التعريفين، لينتقل بعدها إلي هيئات صناعة الموسيقي فيقول بأنها إما أن تكون "محسوسة للسامعين"، أي تؤدي بشكل مناسب وتدرك بالسماع، وإما أن "تصاغ وتركب فقط" دون أن تؤدي بشكل مسموع، ويقول الفارابي بأن هاتين الهيئتين لصناعة الموسيقي تندرجان فيما أسماه "صناعة الموسيقي العملية"، وأن هناك هيئة ثالثة هي "صناعة الموسيقي النظرية" وهي التي تعني بالعلم بالنغم والأصوات والألحان كأحد العلوم الطبيعية (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص ص 49-51)، فإذا ما وصل في المقالة الأولي إلي "هيئة أداء الألحان".... فإنه يقول بأنها "مركبة من نُطق أو فعل نُطق. ومن هيئة أخري في جسم آخر"(أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص53)، وهو ما يعني قدرة الأحبال الصوتية في الحنجرة البشرية علي أداء الألحان، أو قدرة الجهاز التنفسي علي دفع الهواء في آلات النفخ، أو استطاعة اليد قرع الأجسام بنظام معين يصدر الأنغام المطلوبة، حتي إذا ما بلغ "هيئة صيغة الألحان"، فإنه يقول أنها تعني "تمييز ما بين الجيد والردئ من الألحان والملائم وغير الملائم والنغم المتلائمة والمتنافرة، وكيف ينبغي أن ترتب حتي يصير ترتيبها ملائماً للسمع(أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص55)، ثم ينتقل بعد ذلك إلي"أصناف الألحان وغاياتها" فيقول بأن أصناف الألحان ثلاثة:"أحدها الألحان المُلذّة، والثاني الألحان الانفعالية، والثالث الألحان المُخيّلة" (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص ص 62-63)، ويعني بالألحان المخيلة تلك الألحان التي تدفع النفس للتخيل والتصور والتأمل، وعندما يتعرض بعد ذلك لنشأة الألحان الغنائية، فإنه يقول بأن وراء ذلك طلب البعض "بالترنمات الراحة واللذة وأن لا يحس بالتعب أو بزمانه، وبعض طلب بها إنماء الأحوال والانفعالات وتزييدها أو إزالتها والسلوُّ عنها وتنقيصها، وبعض قصد بها معونة الأقاويل في التخييل والتفهيم" (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص71)، ويمضي الفارابي في المقالة الأولي من الجزء الأول بالكتاب، ليتحدث بعد ذلك عن نشأة الآلات الصناعية التي صنعت لتحاكي الأنغام التي تتألف منها هذه الألحان، فيعدد هنا من الآلات: الرباب – المزامير – العيدان – الدفوف – الصنوج – الطنابير و المعازف، فإذا ما أوفي كل آلة حقها من التقديم، فإنه بذلك يكون قد أكمل حديثه عن كيفية نشوء صناعة الموسيقي ومتي اكتملت، وليكون ختام مقالته الأولي بالحديث عن تعلم الموسيقي والمبادئ الأولية في صناعتها.
يمكن لقارئ هذا العرض لما حوته المقالة الأولي من الكتاب، أو لقارئ المقالة نفسها، أن يستشف منهج الفارابي في مجمل الكتاب، وهو منهج يتسم بشمول النظرة ومنطقية وتسلسل الأفكار، وتدعم هذا المنهج معرفة موسوعية تستند إلي خبرة عملية واضحة بدقائق هذه الصناعة، فإذا ما انتقل الفارابي إلي المقالة الثانية من "المدخل إلي صناعة الموسيقي" ... فإنه يبدأها بتعريف الألحان الطبيعية للإنسان، فيقول بأنها ألحان سكان المناطق والأقاليم فيما بين خطي عرض 15 ْ و 45 ْ، ويقرر بعد ذلك:"وأما من خرج عن مساكن هؤلاء الأمم إلي الجنوب مثل أجناس الزنوج والسودان، وإلي الشمال مثل كثير من أجناس ترك البرية من ناحية المشرق وكثير من أجناس الصقالبة من ناحية المغرب، فإنهم خارجون عما هو علي المجري الطبيعي للإنسان" (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص159)، أي أن تلك الألحان الطبيعية في طرح الفارابي هنا، هي ألحان أهل الشرق كالعرب والفرس والترك والهنود والصينيين، ثم يصنف الأنغام المؤلفة لهذه الألحان الطبيعية إلي أنغام أساسية تشكل أساس تلك الألحان وأسماها "أصول الألحان ومبادئها"، وأنغام ثانوية شأنها شأن "التزاويق والأصباغ"، وهي التي أطلق عليها اسم "تزييدات الألحان"، ثم ينثني بعد ذلك للتحدث عن اقتران الأنغام وترتيبها في الألحان، فيوضح أن اقتران الأنغام إنما يعني اجتماع اثنين منها أو أكثر، بينما يقصد بترتيب الأنغام في الألحان تقديمها أو تأخيرها، يطرح الفارابي بعد ذلك مفهومي "الحدة" و "الثقل" للتمييز بين الطبقات الطبيعية للأصوات، إذ لا يقال "للنغمة أنها ثقيلة أو حادة إلا بالنسبة إلي أخري، فإن النغمة المسموعة من نصف الوتر حادة بالنسبة إلي النغمة المسموعة من مُطلقه، ثقيلة بالنسبة إلي النغمة المسموعة من ربعه" (صفي الدين الأرموي: كتاب الأدوار في الموسيقي، ص91)، وهو ما يعني أن ثقل النغمة الصادرة من الآلات الوترية، يرجع في المقام الأول إلي طول الوتر وغلظه وإرخاءه، أو إلي اتساع الثقب في آلة النفخ وبعده عن فم النافخ، بينما تعزي الحدة إلي قصر الوتر ودقته أو ضيق الثقب وقربه من فم النافخ، وحتي يجعل الفارابي من طرحه لمفهومي حدة وثقل الأنغام قريباً من ذهن قارئ الكتاب، فإنه يعرض في سياق حديثه لواحدة من أكثر الآلات إعطاء للنغم في بلاد العرب، وهي آلة "الشاه رُود" والتي تشبه كثيراً آلة "القانون" التي نعرفها الآن، ويقول الفارابي إن أول مبتكر لهذه الآلة رجل من أهل صُفد سمرقند يدعي خُليص بن آحوص، وأن تاريخ هذا الابتكار يرجع إلي سنة 306هـ /918م، ويوضح الفارابي هما مدي قوة الأنغام الصادرة عن هذه الآلة بقوله:"فإذا أخذنا أثقل نغمة فيها وقسناها إلي أحدِّ نغمة فيها وحدنا الأحدَّ صياحَ صياحَ صياحَ صياحَ أثقل نغمة فيها، وهو قوة الأثقل الرابعة، وفيما بينهما ثلاث قوي، وهذا أبعد ما أعطتنا هذه الآلة (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص118)، والصياح هو نغمة النظير الأول الأحدّ بالقوة ... والذي يستدل عليه بالنسبة (1/2) فيما بين نغمة مطلق وتر وصياحها.
فإذا ما أتم الفارابي تمييز الطبقات الطبيعية للأصوات، فإنه ينتقل إلي تطبيق ما أرساه من مبادئ علي الآلات التي تُصدر أنغام الألحان الطبيعية، فيبدأ بتعريف هذه الآلات بقوله:"وأكمل الألحان الطبيعية التي ألفت وتؤلف هي التي تؤلف عن النغم الخارجة عن العود، ثم من الناي، ثم عن الرباب، وأما سائر الأخر (أي الآلات الأخري) فإن جُلّها تابعة للعود مثل المزامير والمعازف والطنابير الخراسانية" (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص120)، ثم يقوم بإحصاء النغم الطبيعية المستخرجة من آلة العود كنتيجة لتقسيم أوتاره عند مواضع متفق عليها، فيثبت أنها(اثنان وعشرون نغمة في كل دور)، ولا يفوته أن يثبت أن الآلات الأخري كالناي والرباب لا يمكن أن تصدر مثل هذا العدد من الأنغام، فإذا ما انتقل بعد ذلك إلي تجنيس الألحان ... فإنه يرسي أولاً القواعد الحاكمة لذلك، وهي القواعد التي تحدد دور كل إصبع من يد العازف في تجنيس الأنغام الصادرة عن آلة العود، ومن ثم فإنه يثبت عدد "القوي والنغم التي تصدر عن الآلات الوترية علي اطلاقها، ثم يسهب في تعريف الأبعاد بين "القوي والنغم" مستعيناً علي ذلك بحساب النسب والمتواليات العددية، فإذا ما أتم ذلك... ختم المقالة الثانية من الجزء الأول للكتاب بالحديث عن "المبادئ النظرية في الصناعة" و "الكمالات العشر في الصناعة العملية"، ولا يفوت الفارابي في ختام الجزء الأول أن يذكر قارئه بأنه لجأ لتحليل مبادئ الصناعة في هذا الجزء ...وأنه سيتخذ أسلوب التركيب في الجزء الثاني .
الجزء الثاني: تطبيقات عملية
بدأ الفارابي هذا الجزء بالحديث عن الفن الأول من فنون صناعة الموسيقي والذي اسماه "اسْطقسات صناعة الموسيقي"، والاسطقس لفظ أعجمي معرب عن اليونانية ويعني الأصل أو الجوهر، وقد قسم الفارابي حديثه عن الفن الأول إلي مقالتين، تناول في الأولي تعريف كل من "حدوث الصوت والنغم في الأجسام" – "أسباب الحدة والثقل في الأصوات"-"البعد بين نغمتين" و "مقادير الأبعاد بقسمة الوتر"، ثم أتبع ذلك بتوضيح مقادير الأبعاد الصوتية الحادثة بالتركيب والجمع والتنصيف والتقسيم، فإذا ما انتهي من ذلك ... فإنه يكون قد بلغ ختام المقالة الذي جعله عن ترتيب الأجناس وتقسيم أصنافها واثبات الأعداد الدالة علي نغم الأجناس في جداول، ويطلق لفظ الجنس في الموسيقي علي جميع أصناف المتواليات اللحنية وعلي أصناف الأصول في الإيقاعات اللحنية، ومن الجدير بالذكر هنا ... أن الفارابي فصل رتب الأجناس إلي رتبتين هما الجنس الليّن والجنس القوي، ومن هاتين الرتبتين تتفرع أصناف عدة مثل الجنس اللين المنتظم غير المتتالي – الجنس اللين المنتظم المتتالي – الجنس القوي ذي التضعيف والجنس القوي المتصل، وتعد الأجناس القوية في ترتيب النغمات ابتكاراً عربياً بحتاً وهي الأكثر استعمالاً في الألحان العربية، وأشهر هذه الأجناس هو جنس "الراست" الذي تلحق به الثالثة الوسطي المشهورة باسم "وسطي زلزل"، نسبة إلي منصور زلزل (توفي 175هـ/791م)، أشهر عازف علي العود في الدولة العباسية، وتقدر وسطي زلزل بنسبة 27/22 من مطلق الوتر.
أما المقالة الثانية من الفن الأول ... فقد بدأها الفارابي بالحديث عن أصناف جماعات النغم التامة وترتيب النغم في هذه الجماعات، فمن ذلك يقول الفارابي:"فنغمة (ي) وهي أحدّ نغمتي الذي بالكل الأثقل. أسميها (الوسطي)" (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص336)، وتقع هذه النغمة في حالة التسوية الطبيعية للعود علي (دستان) سبابة الوتر الثالث، والدستان هو لفظ أعجمي معرب، وهو مفرد دساتين، وهي العلامات التي تستعرض عنق العود والآلات الوترية لتحديد أماكن النغم، وجري العرف علي أن تسمي (بوسلك)، وهي مقابلة لنغمة (دو)، وقد يستغني عن (الوسطي) بالنغمة التي تليها في الحدة والتي تسمي (جهاركاه) وتقابل نغمة (ري)، ومن الممكن الاستغناء عن (الوسطي) أيضاً بالنغمة الأعلي منها في الحدة وهي نغمة مطلق الوتر الرابع وتسمي (نواه) وتقابل نغمة (مي)، وهكذا ... ولكن العرف جري علي أن النغمة (الوسطي) هي نغمة (جهاركاه) (غطاس عبد الملك خشبة: هوامش صفحتي 336و 337 من "كتاب الموسيقي الكبير")، ثم انتقل الفارابي إلي تعريف مبادئ التمديد، وهو حال النغمة في الجماعة من حيث مدي امتدادها ثقلاً أو حده علي جانبي الجمع المفروض، واتبع ذلك بالحديث عن تمزيج النغم أو خلط أبعادها المختلفة التمديدات، فيضع قاعدة لذلك تقول:"إن النغم المختلفة في الحدة و الثقل، قد يمكن أن تخرج من أوتار مختلفة حتي ينفرد كل وتر بنغمة، ويمكن أن تخرج من وتر واحد" (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص ص 389-390)، ثم يتبع ذلك بمثال توضيحي يقول فيه:"والنغم إنما يمكن أن يخلط بعضها ببعض متي كانت من وتر واحد، فمتي أخرجت نغمة من مطلق وتر، ثم وضع الأصبع علي موضع فيه محدود، من قبل أن تنقطع النغمة، صارت النغمة المسموعة مخلوطة من نغمة المطلق ومن نغمة الجزء الذي وضعت عليه الأصبع" (المرجع السابق)، فإذا ما انتهي من تعريفه لتمزيج وخلط النغم بحديثه عن خلط الأجناس، فإنه يحصر أعداد النغم الحادثة من تمزيجات الأجناس في ثمانية جداول لتبسيط دراستها أمام الدارسين ولتسهيل قسمة الأوتار حال الحاجة إليها، ثم يتبع ذلك بالحديث عن مبادئ الانتقالات من نغمة إلي نغمة أو من بعد إلي بعد أو من جنس إلي جنس، ويختتم المقالة الثانية من الفن الأول بتعريف أجناس الإيقاعات، فيقول أولاً بأن الإيقاع:"هو النُّقلة علي النغم في أزمنة محدودة المقادير والنسب"( أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص 436)، ثم يفصل أزمنة الإيقاع المختلفة ويقول بأن بدايات النغم والأزمنة التي بين النغم إنما تحدد بالنقر أو بالقرع، وهو ما يقوده في النهاية إلي تقسيم أجناس الإيقاعات إلي موصلة ومفصلة، "والمفصل هو الذي تنفصل فيه أزمنته المتتالية بعضها عن بعض بزمان أكبر من كل زمان يقع في المتوالية، والموصل هو الذي تنفصل أزمنته المتتالية بعضا عن بعض بزمان آخر أصلاً لا أطول ولا أقصر" (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص478).
يوضح الفارابي مقصده من الفن الثاني بالجزء الثاني من الكتاب وهو الخاص بالآلات المشهورة والنغم المحسوسة فيها، فيبدأ هذا الفن بقوله:"وفيه يتبين ما يوجد من الأشياء التي لخصت في كتاب الاسطقسات محسوساً في الآلات المشهورة، وإحصاء ما اعتيد أن يحس فيها، وما قد يمكن أن يوجد منها في هذه الآلات محسوساً، وإن كانت العادة لم تجر به: (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص493)، والآلات المشهورة يعني بها الفارابي هنا العود والطنابير والمزامير والرباب والمعازف، وقد تحدث عن تسوية الأوتار في الوتري من هذه الآلات، وعدد النغم والقوي المتجانسة واتفاقاتها مع مواضع الضبط لهذه الآلات (الدساتين)، وأعطي في النهاية الأسس العلمية لضبط هذه الآلات وتحديد الأماكن الصحيحة لتوليد النغم منها، أي أن هذه المقالة جاءت كتطبيق للأمثلة المطروحة في الفن الأول من الجزء الثاني، وذلك باستخدام الآلات المعروفة حال تأليف الفارابي للكتاب.
إنه لمن البديهي الآن أن يدرك القارئ أن العقل الذي استوعب مبادئ صناعة الموسيقي التي حواها الفن الأول من الجزء الثاني للكتاب، وترجم هذه المبادئ علي غرار ما أوضحه الفن الثاني، فإن هذا العقل يصبح مؤهلاً بمساعدة الفن الثالث من هذا الجزء علي أن يصنع من الألحان ما هو قائم علي الأصول الصحيحة لتلك الصناعة كما يراها الفارابي ومن سار علي نهجه من علماء، وقد فصل الفارابي الفن الثالث من الجزء الثاني للكتاب والذي جعل له اسم "في تأليف الألحان الجزئية" في مقالتين، حيث اشتملت الأولي علي " تعريف صنعة الألحان التي تركب عن النغم بإطلاق وعن الحادثة في الآلات الصناعية"، أما الثانية فإنها:"اشتملت علي تعريف صنعة الألحان التي تركب عن النغم الحادثة بالتلحينات الإنسانية، وهي التي يقرن بها الحروف التي تركب منها الألفاظ منظومة علي مجري العادة في الدلالة بها علي المعاني، وما بها ومنها تحصل هذه الألحان مؤتلفة"( أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص879)، لذلك قام الفارابي في المقالة الأولي من الفن الثالث بترتيب الجماعات التامة المنفصلة غير المتغيرة في جداول تحوي أعداد النغم وملائمات كل نغمة من نغم تلك الجماعات ومنافراتها، ثم ألحق بذلك الحديث عن مبادئ الانتقالات ومباني الألحان، وأوضح أن الانتقال قد "يكون علي نغم الجماعة بأسرها وقد يكون علي بعض نغم الجماعة" (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص959)، وأما "مباني الألحان" فإنه يعرفها علي أنها هي النغم الضرورية التي منها تأتلف الألحان "(أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص961)، ويختتم الفارابي تلك المقالة بالحديث عن أصناف الإيقاعات وأزمنتها والتغيرات التي تلحق بأصولها والإيقاعات العربية المشهورة، فيذكر من الإيقاعات العربية المشهورة الإيقاعات التالية: الهزَج وخفيفه – خفيف الرَمَل – الرَمَل – الثقيل الثاني – خفيف الثقيل الثاني (الماخوري) – الثقيل الأول وخفيف الثقيل الأول، وأما المقالة الثانية في الفن الثالث فقد أدارها الفارابي حول الصنف الثاني من الألحان، وهي الألحان التي تتركب من التصويتات الإنسانية المقرونة بالأقاويل ذات المعاني، فيتحدث أولاً عن "التصويت الإنساني" ... فيقول بأنه "يحدث بسلوك الهواء في الحلوق وقرعه مقعرات أجزاء الحلوق وأجزاء سائر الأعضاء التي يسلك فيها مثل أجزاء الفم وأجزاء الأنف" (أبو نصر الفارابي: المرجع السابق، ص1066)، ويقرر هنا بأن أسباب الحدة والثقل للصوت الإنساني هي نفسها أسباب الحدة والثقل في النغم المسموعة من المزامير، ثم يفصل بعد ذلك أنواع الأصوات الإنسانية، لينتقل بعدها إلي الحديث عن الحروف المصّوتة وغير المصّوتة، وهو ما يقوده فيما بعد إلي تحديد أجزاء الحروف ونظائرها في الإيقاع، فإذا ما فرغ من ذلك تحدث عن أصناف الأقاويل، وعرج بعدها إلي صنعة الألحان واقتران نغمها بحروف الأقاويل، ثم يتحدث فيما تبقي من المقالة الأخيرة من الكتاب عن أصناف الألحان الإنسانية وترتيباتها، فيقول عن أصنافها أنها ثلاث: الألحان المملوّة النغم – الألحان الفارغة النغم والألحان المخلوطة من فارغة النغم والمملوّة، وفي ترتيباتها يتحدث عن أجزاء الأقاويل واقترانها بفصول الألحان – أوائل الألحان واستهلالاتها-نهايات الألحان ومجازات أجزائها وتزينات الألحان بفصول النغم الانفعالية، فإذا ما انتهي من ذلك، يكون قد أحاط قارئه علما بأسرار صناعة الموسيقي، تلك الإحاطة التي إذا ما اكتملت لدي القارئ، أدرك سر انحطاط صناعة الموسيقي العربية في زماننا هذا، وكيف لا؟ ... والصناعة أضحت في معظمها حرفة للجهال والمتفرنجين، ولم تتبق سوي فرقة قليلة من الموهوبين تقبض علي "كتاب الموسيقي الكبير" وأمثاله من مصادر علوم الموسيقي العربية، كالقابض علي الجمر، في زمن يتقاضي فيه من لا موهبة لهم الملايين من الجنيهات في ألحان لقيطة لا هوية لها.
قبل الختام
ما من شك يخالج نفس من يقرأ سيرة حياة فيلسوف كالفارابي، في أهمية وحيوية الدور الذي تلعبه الفلسفة في صعود الحضارات وانحسارها، ففي العصر الذي زها بأسماء فلاسفة كالكندي والفارابي وابن سينا، رفرفت رايات دولة الإسلام علي معظم المعمور من الأرض، وعندما ذوت الفلسفة واختفي الفلاسفة قبل سنوات وسنوات من حواضر ودويلات المسلمين، انتشرت تنظيمات الإرهاب وجيوشه من شرق الأرض إلي غربها، وتجيء هنا قبل ختام هذه المقالة، إجابة السؤال الذي طرح في مقدمة المقالة، هذا السؤال الذي تمثل في عنوان المقالة، وقد جاء في صيغة تساؤل عن أي من شخصيتيّ الفيلسوف والموسيقيّّ يعد صاحب الفضل في شهرة الفارابي الأسطورية، إن المطالع لهذه المقالة سوف يجد أن شخصيتيّ الفيلسوف والموسيقيّ عند الفارابي، تبدوان وكأنهما وجهان لعملة واحدة، تكمل كل واحدة منهما الأخري.