رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

بين الأب والابن: رسائل فيديادر.. س. نايبول


أحمد الزناتي
12/1/2018 3:02:19 PM

في سنّ السابعة عشرة قرّر فيديادر سوراجبراساد نايبول تكريس نفسه للكتابة تكريسًا مطلقًا. لكن القدر تدخّل ليحصل الطالب الشاب علي منحة دراسية، فيسافر إلي بريطانيا، ملتحقًا بجامعة أكسفورد، وهناك استقبله عالمٌ مختلفٌ تمامًا عن العالم الذي تركه وراء ظهره.
فور وصوله إنجلترا، طوّقت فيديادر مشاعر الوحدة والاغتراب. مضتْ الأيام الأولي في أوكسفورد باردة وقاسية، فلم يجد فيديادر وسيلةً يصطبر بها أفضل من كتابة رسائل إلي والده،  وبعد مرور أسبوعين من وصوله إلي لندن فشرع في تحرير خطاباتٍ إلي والده وشقيقته، انتهتْ إثر وفاة الأب بعد أقلّ من أربع سنوات من وجود فيديادر في بريطانيا.
في سنة 1999 قرّر الكاتب البريطاني، ذو الأصول الكاريبية، والحائز علي جائزة نوبل في الأدب سنة 2001، فيديارد سوراجبراساد نايبول (2018-1932) نشرَ مجموع الرسائل المُتبادلة بينه وبين والده، وبين وشقيقته “كاملا”، وبالعُنوان نفسه الذي اقترحه والده قبل نصف قرنٍ تقريبًا.
تغطي الرسائل الفترة الزمنية بين رحيل نايبول من مسقط رأسه ترينيداد سنة 1950 في منحة دراسية حكومية وحتي وفاة والده المفاجئة في عام 1953 عن عمر ناهز سبعة وأربعين عامًا. وقد ضمّ الكتاب إلي جانب الرسائل المُتبادلة بين الأب والابن، رسائل أخري بين فيديارد وشقيقته "كاملا"، التي كنت لا تزال تدرس في جامعة بيناريس الهندية.
> > >
نتعرّف في هذا الكتاب علي نمطٍ ثريّ ومفعم بالمشاعر الإنسانية بين والدٍ مكافح وابن سعي طوال حياته لأن يكون بارًا. كان كل منهما يشجع الآخر من خلال كتابة الرسائل، ليتجسّد طموح الأب الذي طالما أراد أن يصير كاتبًا مشهورًا، في ابنه الذي سيحصل – فيما بعد- علي أرفع جائزة أدبية في العالم.
ترسم الرسائل حياة فيديارد نايبول الجامعية في أكسفورد، مع التركيز بوجه خاص علي تشجيع والده المتواصل علي التحلي بالصبر والالتفات إلي التحصيل العلمي، والحفاظ في الوقت ذاته علي حُبّه القديم، الأدب. كما تعرض الرسائل تفاصيل دقيقة عن حياة نايبول الجامعية ومعاناة السنوات الأولي في بريطانيا، وهي إلي جانب ذلك، لا تعدم قصصًا مثيرةً حول حضوره الدائم لحفلات الشاي التي كان تقيمها الجامعة، فضلًا عن تواصله مع مجلة أكسفورد إيزيس للنشر علي صفحاتها، ومغامراته العاطفية مع فتيات أوكسفورد، وطلباته التي لا تنتهي بإرسال السجائر من مسقط رأسه بالهند لإرتفاع ثمنها في إنجلترا.
إلا أنّ البعد الأكثر حميميةً وتشويقًا في الرسائل هي علاقة الحب والصداقة الوطيدة بين الأب والابن. الكتاب مكوّن من تسعة فصول. يشمل كل فصل فترة زمنية تترواح ما بين شهريْن إلي سنة. يحوي الفصل الأول رسائل تبدأ من 21 سبتمبر 1949 وهو تاريخ وصول نايبول الابن إلي أكسفورد، وتنتهي الرسائل في 22 سبتمبر 1950. ثمّ يبدأ الفصل الثاني في 5 أكتوبر 1950 وحتي 1 يناير 1951، وهكذا حتي الفصل التاسع الذي تُؤرّخ آخر رسالة فيه بتاريخ 8 ديسمبر 1953.
في مقدمة الكتاب ينوّه جيللون آيتكن، وكيل ف. نايبول الأدبي، إلي مفارقة إنسانيةٍ لافتة متصلة بعلاقة الابن بأبيه. كان نايبول الأب صحفيًا وكاتبًا هاويًا، لم ينشر في أثناء حياته سوي مجموعة قصص شعبية واحدة، وكانت لديه مشروعات روائية طموحة لم تتحقّق بسبب تكريس وقته للعمل المتواصل للإنفاق علي أسرةٍ مُكونّة من سبعة أبناء بخلاف الأم، فضلًا عن السعي لتدبير نفقات تعليمهم، مُضحيًا في سبيل ذلك بأحلامه في التفرّغ للكتابة.
> > >
من بين مجموع الرسائل اخترتُ مقتطفات بعينها من خطابات نايبول الأب إلي فيديارد الشاب آنذاك، لإنها تمثّل الجانب الأكثر إنسانيةً وعذوبة في الكتاب في تقديري الشخصي، وهي كذلك الأقرب إلي ف. نايبول كما نوّه بنفسه في إحدي رسائله.
كما يستطيع القاريء النظر إلي خطابات الأب باعتبارها "رسائل إلي روائي شاب" إذا استعرنا عنوان كتاب "ماريو فارجاس يوسا" الشهير، فهي رسائل تفيض بخلاصة تجربة الأب مع موضوع الكتابة. صحيحٌ أنها تجربة لم تتحقّـق تحققًا كاملًا بسبب إيثار الأب لمصلحة أبنائه علي حساب طموحه الشخصي، إلا أن اكتمالها الحقيقي قد تجسّد فيما بعد في إنجاز فيديارد  الأدبي. فيما يلي مختارات من رسائل الأب.
رسالة بتاريخ 15 سبتمبر 1950:
"..عزيزي فيدو..أرجّح أنّكَ لم تتسلّم رسالتي السابقة حتي الآن. لكن يبدو أن أموركَ المالية تسير علي ما يُرام، وهو ما يُسعدني. أكتبُ الآن مستخدمًا آلتكَ الكاتبة، ويبدو أنّها تكتب بدقّة متناهية. يحدوني أمل أن توافق دار بنجوين علي نشر قصتّكَ، وينتابني فضولٌ قوي لقراءة ما كتبتَ، لكنني أحدس بعدم رغبتكَ في أن أقرأ هذه القصّة. أنا متأكدّ أنها ستكون قصة جيّدة، لا أستطيع تخيّل فكرة أن تكتبَ قصة رديئة. في أثناء كتابة قصة جديدة، عليكَ بقراءة القصص الجيّدة. اسمع...القراءة الجيّدة والكتابة الجيّدة صنوان لا يفترقان. لا شك أنك أدركتَ ذلك".
رسالة بتاريخ 5 أكتوبر 1950:
"عزيزي فيدو..لا بد أنّ الساعة الآن الحادية عشرة مساءً بتوقيت إنجلترا. ينتابني شعورٌ بالفضول لأعرف كيف تعاملتْ معكَ أوكسفورد، أو كيف كان ردّ فعلكَ أنتَ علي أوكسفورد. ابعثْ لي بصورةٍ كاملة عما جري لكَ في اليوم الأول. استلمتُ رسالتكَ المؤّرخة في 29 سبتمبر، وكذلك رسالةً من شقيقتكَ كاملا، استلمتُ كليهما بالأمس.
أظنّ أنّكَ الآن قلقٌ بشأن مسألة الكتابة، وربما لن تجدَ الوقت الكافي للتفرّغ للكتابة في أوكسفورد، ولن تجد كذلك الوقت الكافي للكتابة بغرض أن تجني بعض المال. لا تخشَ أن تصير فنانًا. لقد صار د.ه. لورنس خطوةً بخطوة، وعليكَ في الوقت الحالي أن تفكّر مثلما فكّر لورنس, أن تسير وفقًا لمبدأ: "الفـنّ من أجلي أنا فقط، فلو أردتُ الكتابة فسيطاوعني القلم، وإذا لم تواتني الرغبة، فلن أكتب".
وفي رسالةٍ أخري يقول الأب:
" حينما كنتُ في الرابعة عشرة أو في السادسة عشرة كنتُ أشعر الشعور نفسه الذي ينتابكَ الآن. كان لديّ نهم للكتابة، لكنها كانت كتابة من نوع ساذج، مجاهدات رومانسية، والسبب أن ما كتبته، أو ما حاولت كتابته آنذاك كان يخلو من اللحم والدم. كنت أكتب قصصًا تنـقـصها حرارة الالتحام المباشر مع الحياة. لا يمكن للمرء الكتابة بشكل جيّد إن لم يُفكّر تفكيرًا جيّدًا. ففي أثناء كتابة الأدب ينبغي للكاتب أن يتسلّح بالقدرة علي التفكير مثلما تفكّر شخوصه الروائية لو توافرتْ الظروف نفسها".
وفي رسالةٍ أخري بتاريخ 22 أكتوبر 1950 يقول:
"عزيزي فيدو.. لاحظتُ أنّ لغة رسائلكَ الأخيرة آسرةٍ في عفويتها وتدفّقها، أتمني لو استطعتَ الكتابة عن البلاد والعباد بوجه عام، وعلي الأخص عن طبيعة الناس في أوكسفورد، أفكر في جمعها في كتابٍ واحد تحت عنوان: رسائل بين الأب والابن، أو ربما "رسائلي إلي أوكسفورد". ما رأيكَ؟ انسَ أمر شقيتكَ كاملا، كاملا لا يُعوّل عليها في موضوع الكتابة. لكني واثق أنّكَ تستطيع فعل ذلك. إن استطعتَ علي الحفاظ علي الروح العفوية غير المتكلّفة فيما تكتب، فكل ما ستكتبه سيشّع بريقًا صادقًا. أعتقد أن التدفق السلس لرسائلكَ الأخيرة نابعٌ من تخلّصكَ من الشعور بالقلق، ومن تجاوز فكرة التعلّق بمثلٍ أعلي عملاق، يستحيل بلوغه".  
وفي رسالة أخري بتاريخ نوفمبر 1950 يقول:
"ولدي.. حينما أعطي الفرصة للقلق كي يستولي عليّ بهدف إرضاء مَنْ أكتبُ إليه، فسرعان ما سأفقد توازني، مفسدًا كل شيء. لأنّ تركيزي لن يكون منصبًا في هذه اللحظة علي ما أودّ كتابته، بل سيكون ذهني مشغولًا برأي الآخرين فيما أكتب. لا تلتفتْ إلي ما يُعجب الآخرين، التفتْ إلي نفسكَ فقط. راقبْ ما إذا كنتَ قد نجحتَ في كتابة ما تودّ قوله أم لم تنجح. عندها فقط تكون قد خلقتَ أسلوبكَ الخاص، لإنّكَ ساعتها تكون قد صِرتَ نفسكَ. فيدو.. عليكَ أن تكون نفسكَ، وعليكَ أن تكون مخلصًا لفكرتكَ، أن تضع نصب عينيكَ ما تودّ قوله، وأن تكتبَه بوضوح، حتي وإن استلزم الأمر خرق بعض القواعـد النحوية، لتخرقها. وإن اقتضي الأمر استخدام عبارات طويلة للحفاظ علي الجرس الموسيقيّ للفقرة، فاستخدمها. وهل تعتقد يا بُنيّ أنّ الأدب قد خُلِقَ لغير ذلكَ؟ أن نكتبَ جُملةً نابعةً من أعماقنا، لا من أطراف أصابعنا".
وفي رسالة أخري بتاريخ ديسمبر 1950 يقول:
 "ابني العزيز.. منذ أن غادرتَ الوطن، نشرتُ بعض القصص في جريدة صانداي جارديان. من بينها قصة جيّدة بعنوان: كيف سيفّكر الفلاحون بشأن الانتخابات؟ لدرجة أن المجلس البريطاني أعرب عن إعجابه بهذا النص، مشيرًا إلي ضرورة كتابة المزيد من هذه النوعية".
وفي رسالة أخري بتاريخ 9 فبراير 1951:
" فيدو ..عليكَ أن تعلم أنّ أكوسفورد مزيجٌ يضم أكثر من عشرين كليّة. ستتمكّن بالكاد من التعرّف إلي جميع من تريد معرفتهم. أما إن أردتَ مقابلة أصدقاء من خارج دائرتكَ، فعليك ممارسة أنشطة اجتماعية متنوعّة، لن تجدَ كل شيء في بطون الكتب يا بُنيّ".
> > >
في 1 فبراير 2004 نشرتْ صحيفة تيليجراف البريطانية مقالًا بقلم الصحافي والناقد البريطاني نيكولاس بلينكو حول كتاب نايبول الصادر حديثًا وقتها "Literary Occasions"، وهو كتاب يضمّ مقالات كتبها نايبول علي فترات متفرّقة، وتناول فيها الأسباب والظروف التي دفعته للاشتغال بالأدب.
قال بلينكو: "كان فيديادر نايبول مسكونًا بروح والده، إذ تشير مقالات الكتاب إلي أن نايبول أمضي نصف قرن يُـسائل مهنته الأدبية، يشكك فيها ويحقق معها. وإن كان الحال هكذا، فلماذا واصل نايبول الكتابة طوال هذه الفترة؟ ولِمَ التزم بها؟ الإجابة بسيطة: لم يسلك فيديادر طريق الكتابة إلا لسببٍ واحد؛ أن والده كان كاتبًا".  
كان ف. نايبول يدرك جيدًا أنه أفضل كُـتَّاب عصره في بريطانيا، إن لم يكن أفضلهم علي الإطلاق، لكنه لم يُلقِ بالًا إلي ذلك، وكان يتعامل مع الأمر بقدرٍ ملحوظ من الترفّع واللا مبالاة، وكأن جميع ما أنجز من روايات، وجميع ما حصد من جوائز( مان بوكر 1971، نوبل 2001) صفر، لا شيء علي الإطلاق، وفي أحسن الأحوال مجرد محاولة لكتابة رسالة شكر مطوّلة إلي والده، أو ربما محاولة لسداد دَيـنٍ قديم في عنقه.