رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

الست:الغناء يستنزف صور الرعب والتفكك!


د. محمد سمير عبد السلام
12/1/2018 3:24:28 PM

تشير تجربة الوحدة –في كتابة الروائية المصرية المبدعة سمر نور– إلي تشكل الخصوصية الأنثوية، وشعرية علاماتها، وأخيلتها، وتومئ أيضا إلي أخيلة التمزق، والتفكك، والغياب الذي يتجسد في رمزية علامة وحش طيفي يطارد البطلة في عوالم الوعي، واللاوعي.
وتتجسد هذه التجربة في نص سمر نور الروائي "الست"، وقد صدر عن دار العين للنشر بالقاهرة سنة 2018؛ فالبطلة تبحث عن خصوصية تأملاتها الإبداعية في فضاء مستقل يشبه غرفة فرجينيا وولف في كتابها غرفة تخص المرء وحده؛ إنه فضاء لتشكيل الذات من جهة، وانفتاحها علي العوالم الكونية، والجمالية من جهة أخري.
إن الفضاء المشكل لتجربة الذات –في رواية سمر نور– هو فضاء يشبه اللوحة التجريدية التي تنفتح علي السماء، وعلي غناء السيدة أم كلثوم، وعلي لعبة الظلال، وعلي الشخصيات الهامشية، وعوالمها التي تفكك مركزيات الواقع في تعدديته النسبية المحتملة التي تشبه مدلول الأرخبيل في تصور ليوتار ما بعد الحداثي.
وتتجلي تيمة الغناء –في خطاب ساردة سمر نور– بصورة تفسيرية تستنزف حالات التفكك، والغياب المتمثلة في صورة الوحش الطيفية؛ إنه غناء يستعيد صوت أورفيوس المجرد، وامتزاجه بالصمت المحتمل كما تجلي في تصور إيهاب حسن في كتابه تمزق أورفيوس؛ فالغناء في رواية الست يشكل عالما افتراضيا تصويريا يستنزف أخيلة الغياب العبثي المحتمل؛ وكأن الذات تعيد تشكيل حضورها في الصوت الطيفي الغنائي، وأخيلته المتجددة، وصيرورته في الوعي، واللاوعي، وقد تجاوز بنيته الزمكانية الأولي.
تتجدد – إذا – الآثار الفنية التشكيلية، وأصداء فضاءات ألف ليلة السحرية، والتأملات الكونية، والأغنيات التي تقع بين الذات، والآخر الطيفي المتحول في صيرورة السرد، والتطور الداخلي للشخصية من تشكيل التجربة الذاتية الأنثوية إلي انفتاحها اللامحدود علي العلامات الجمالية الطيفية، وأصوات الفن، وآثاره الممتدة، والعابرة لفضاء البطلة عبر بنيته الطيفية؛ فهو فضاء جمالي لامركزي، ويتصل روحيا بالعوالم الجزئية الهامشية مثل عوالم القطط، والعجائز، والأغاني، والمحادثات الافتراضية التي تشكل الآخر، وتمثيلاته الاستعارية ضمن عالم البطلة، وأخيلة اليقظة الأنثوية.
إن تواتر الصور الجمالية –في العالم الافتراضي للبطلة– تذكرنا بمزج بودريار بين أخيلة الصورة، والحقيقي؛ فتشبيهات الذات، والآخر، والعلامات الكونية، والفنية تتجدد في نسخ متخيلة، ومضاعفة في تجربة البطلة، وامتزاج خصوصيتها بالانفتاح علي لعب الأصوات، والتشكيلات الجمالية، والظلال، والألوان، والحكايات القديمة.
وقد تتصل أخيلة اليقظة لدي البطلة بطاقة الأنيما الأنثوية طبقا لتصور باشلار؛ فيتحد وعيها بالصور السماوية الجمالية، والكونية، والتي تمتزج فيها انطباعات فان جوخ بصورة نجوم السماء في سيوة؛ وكأن أثر النجوم السماوي يقع بين الداخل، والخارج، وصيرورة العلامات المستمدة من تاريخ الفن خارج الأطر.
وتشير عتبة العنوان / الست إلي تجدد صوت السيدة أم كلثوم في عالم البطلة الداخلي، واستنزافه لحضور الوحش الافتراضي الداخلي، وهيمنته الزمزية المؤجلة علي البطلة؛ إنه صوت جمالي طيفي؛ لانفلاته من بنيته الزمكانية، وحضوره التأويلي الآخر في عالم البطلة، وفي فضائها الخاص؛ وهو تمثيل مجازي لغناء البطلة الذي يشبه غناء أورفيوس، وتجاوزه لبنيتي الوحدة، وخصوصية الذات، أو الفضاء؛ إذ تنفتح الذات علي أصوات الماضي، وتشكلها الداخلي الافتراضي المؤجل لحدود الذات الحاسمة؛ ومن ثم يؤجل هجمات الوحش، ومركزية الغياب؛ إذ إن الذات تختلط بالعوالم التشبيهية المحتملة، وبعوالم اللاوعي الواسعة التي قد تستبدل الحضور الواقعي، والتاريخي للبطلة.
بلاغة النسبي، والهامشي في الخطاب السردي:
تكشف الساردة / البطلة عن ثراء تجارب الوحدة الهامشية في السياق الواقعي، واتصال تلك التجارب بدلالات إنسانية، ومعرفية، وثقافية، وكونية؛ فالساردة تقدم عالم رجل عجوز بصورة سينمائية ترصد فيها عاداته حين يقرأ الجريدة، أو يأتنس ببعض المترددين علي المكان؛ يتجلي الرجل الهامشي – إذا – كظاهرة فريدة تقبل التأويل في الوعي، ويصير مفتتحا لتجربة البطلة في بناء فضائها الخيالي الأنثوي الخاص.
ويعاين جار عجوز آخر للبطلة تجربة الغياب حين تركته زوجته الشابة الأخري، وكانت  زوجته الأولي قد تركته مع أحد الأبناء، ومات أصدقاؤه؛ وارتكز خطابه علي طلب الائتناس بالبطلة؛ كي لا يموت وحيداً؛ إذ يرغب في أن يعثر أحد علي جثته.
إن خطاب الرجل يوحي بتهديد الغياب الذي يتجلي كوحش مجازي داخلي، بينما يحرص أن يكون جسده موضوعا، أو ظاهرة في وعي الآخر عبر اتصال روحي جمالي خفي، يقاوم مركزية الغياب؛ إنه يستنبت حياة أخري للصوت، وللجسد في وعي الآخر، وذاكرته، وانطباعاته؛ ليتجاوز عبثية مشهد الجثة الوحيدة العارية في صمت العالم، أو فراغه المحتمل.
وقد تعيد الساردة / البطلة إنتاج الهامشي، والنسبي، وتأويلاته الممكنة التي تعيد قراءة الواقع بمدلوله ما بعد الحداثي الواسع الذي يحتفي بتفكيك الواقع في مجموعة من التجارب الجزئية الهامشية التي تتجاوز مركزية المركز.
يرتكز خطاب الساردة – في سياق تأويلها لإحدي حفلات أم كلثوم في الراديو – علي سيدة هائمة في تأملاتها لصوت أم كلثوم؛ وقد بدت كمجذوبة في صومعة شيخ طريقة، وقد صنعت الساردة جمهورا استعاريا آخر حول الراديو، يوازي جمهور السيدة أم كلثوم؛ لتكشف عن عمق تجربة الوحدة الجمالي، واتصاله بأطياف الآخر، وحياته التشبيهية الأخري.
وقد كشف خطاب الساردة التفسيري لتجدد حفلة أم كلثوم عن ثراء الهامشي / السيدة من الجمهور، وحضورها التشبيهي الآخر، وارتباطه بتصوف ينبع من التصاعد الداخلي المتعالي للغناء.
وقد تمتد التجارب النسبية الهامشية إلي العوالم الكونية؛ مثل النبات، والقطط في واقع البطلة؛ فقد اتصلت البطلة بالقطة عبر اللاوعي، وشعرت إزاءها بغربة ممزوجة بالاهتمام، والاتصال، والتعاطف الكوني أحيانا، ثم علمت من البواب أنها قد ماتت في حادث سيارة، وكانت قد رفضت اقتراح البواب التخلص منها بالسم.
إن اهتمام البطلة بمصير القطة الهامشي، يفكك مركزية الواقع الإنساني، ويوحي باتساع هوامشه من جهة، واستنزاف مركزية الغياب من خلال الحضور الطيفي لعلامة القطة عقب غيابها من جهة أخري.
وتؤول الساردة وفاة نبات البوتس تأويلا حكائيا يذكرنا بالتفسير السردي في تصور بول ريكور؛ فهي تنسج حضورا تصويريا سرديا آخر للنبات، وقد بدا كإنسان غامض، لا يسمع، ولا يري، ولا يتكلم تتنازعه الرغبة، والملل.
يكتسب النبات هنا حضورا ظاهراتيا تمثيليا في الوعي، وتومئ حكايته التفسيرية الأخري بانبعاث نيتشوي يمتزج فيه التجسد المتعالي بالصمت والفراغ، والتفكك، والغياب؛ وكأنه اكتسب حياة أخري في صيرورة السرد، ولكنها مؤجلة في لحظات التوقف، والغياب المحتملة.
وإذا كانت البطلة قد رصدت مصير القطة، وانبعاثها المكثف في الذاكرة؛ فقد أسهبت في وصف الحياة الأخري للبوتس وصفا تفسيريا حكائيا يفكك الموت، أو يعيد قراءته كظاهرة جمالية فلسفية عبر تجلي صورته في الخطاب.
التأويل الجمالي للذات:
تقوم رواية الست لسمر نور علي تقديم الساردة لخطاب سردي يستبطن العالم الداخلي للبطلة، ومدي انفتاحه علي عوالم الفن، والحكايات، والعناصر الكونية، وتشكيل هوية الأنثي الجمالية، وكينونتها من داخل أنساق إشارية فنية متداخلة، تؤكد خصوصية الذات، وتتجاوزها في استعادة إشارات الفن، وطاقته الروحية، وأصوات الحكايات القديمة.
ويري ليوتار – في كتابه الوضع ما بعد الحداثي – أن المعرفة تجعل المرء قادرا علي تكوين منطوقات إشارية جيدة، وتتيح تنوعا كبيرا من موضوعات الخطاب، ويشير إلي أن الشكل الحكائي يستخدم تنوعا كبيرا من ألعاب اللغة؛ إذ تتسلل إليه بسهولة منطوقات إشارية تتعلق مثلا بحالة السماء، والنبات، والحيوان.
(راجع، ليوتار، الوضع ما بعد الحداثي، ت: أحمد حسان، دار شرقيات بالقاهرة، ط1، سنة 1994، ص 40-41).
يؤكد ليوتار اتساع مدلول المعرفة، وتعدديتها النسبية، وامتزاج السرد بألعاب اللغة، والاستطرادات الفنية، والجمالية، والمعرفية في الخطاب.
ويتضمن الخطاب السردي الوسائطي في رواية سمر نور أنساقا إشارية تتصل بالتأويل الجمالي للذات، ومدي اتصالها بإشارات الفن، والذاكرة الجمعية، وتشكيلات اللون، والعالم الافتراضي علي الإنترنت؛ فالذات تتشكل جماليا في فضاء فيزيقي يتصل بفضاء جمالي كوني أوسع من حدوده الأولي، ومن التاريخ الشخصي للبطلة؛ إذ يمتزج بصيرورة العلامات الفنية، ولعبها المحتمل.
تقارن الساردة / البطلة بين فضاءات ألف ليلة السحرية التي تؤدي لعوالم أخري، أو تتضمن بعض الأسرار، وعالمها الداخلي الذي يحتفي بلوني الأزرق، والأصفر، وطاقتهما الروحية، والطبيعية، والذاتية / الأنثوية التي تصل الذاتي بالفضاء الكوني.
لقد مزجت سمر نور الخبرة الحسية الأنثوية التأويلية بعالم فان جوخ الخيالي في لوحة ليلة النجوم، وانفتح عالم البطلة الداخلي علي تجليات النجوم في السماء، والرمال علي الأرض؛ فقد عاينت البطلة، وصديقاتها – في سيوة – السماء بنجومها المتلألئة التي تشبه لوحة فان جوخ، ونمن علي الرمال، وضكحن مع أصداء النجوم الاستعارية، ودعكن همومهن بالرمال التي كان لونها متحولا في المشهد.
شبهت الساردة ذلك المشهد الفني الكوني بغرف الجان في حكايات ألف ليلة، وأولت حضورها الداخلي من خلال النسق التشكيلي الإشاري لمجموعة الجبار؛ فهي تؤول كينونتها من داخل صورة الصياد الذي يبحث عن ضالته في السماء.
تتداخل – إذا – الأنساق الإشارية الحكائية، والتشكيلية، والكونية – في العالم الداخلي للبطلة؛ لتجدد ولادتها الإبداعية في الصور التي تحمل أثر الذات، وتشبيهاتها، وصيرورتها السردية المحتملة التي تجلت في لعبتي قراءة الفنجان، وخيال الظل أيضا؛ إذ صار عالم الفنجان الجزئي فضاء يحوي الذات، والصديقات بجوار صورة لصياد، أما لعبة خيال الظل فجاءت بصورة نيتشوية، وتشير إلي تناقض داخلي ما بعد حداثي بين بهجة الظلال، ورعب الوحش الطيفي في المشهد.
وقد مزجت البطلة بين الخيال، والواقع في رسائلها الحكائية إلي صديقها سمير في العالم الافتراضي؛ فهي تعيد تشكيله في حكايات تفسيرية افتراضية حين تجعله يمر بمواقف لم تحدث، بينما تدل ردوده الانفعالية علي الغضب الشكلي، والسخرية، والضحك؛ وكأن الذات تقع ضمن تعددية الخطابات الحكائية، والفنية، وصور العالم الافتراضي.
الغناء يستنزف صور الرعب، والتفكك:
مثلما تضمن الخطاب السردي الداخلي إشارات جمالية وتفسيرية لكينونة البطلة، فقد تواترت فيه استبدالات الكتابة لعلامة وحش طيفي يقع بين الذات، والواقع المحتمل بمدلوله الواسع في النص، وقد يقترن بلحظة الوعي بالوحدة، أو بالظلام في وعي البطلة، أو بتجربة الغربة لدي سمير، وتتنوع شكوله الاستعارية في تداعيات الكتابة، وفي وعي، ولا وعي البطلة؛ إذ تجلي في صورة امرأة عجوز تشبه أم منقار في فوازير ألف ليلة، تحاول اقتحام باب البطلة وهي طفلة، أو يبدو كحفرة دائرية لا تستطيع البطلة الخروج منها في جلسة السيكودراما، وقد يبدو في نوبات الرعب، أو يباغتها بعينين طيفيتين، وهي تقرأ علي شاشة اللاب توب.
وجاء غناء السيدة أم كلثوم، وصوتها الطيفي المجرد كتعويذة مضادة – في وعيها ولا وعيها - لهيمنة صور الرعب، والتفكك الذاتي الممثلة في الوحش، واستبدالاته؛ الغناء هنا يشبه بصوت أورفيوس المجرد الذي يستنزف الصمت والفراغ والذي أشار إليه إيهاب حسن في كتابه تمزق أورفيوس؛ فالغناء – في خطاب ساردة سمر نور – يؤجل مركزية الوحش، ويسهم في إنتاج تأويل متجدد للذات، والآخر؛ فقد أقامت الساردة / البطلة حوارية مع المروي عليه المحدد بصفات وفق تصور جيرالد برنس، ولكنه هنا طيفي متخيل، وهو صوت أم كلثوم المؤول في وعي البطلة، وقد انحازت الساردة لهوامش أغنية حيرت قلبي، والتي تحتفي بالفن، والحياة، وتتجاوز مركزية الحبيب في اللاوعي.