رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة: سردية كبري عن العصر


اعتدال عثمان
12/1/2018 3:33:49 PM

أثار كتاب محمد شعير " أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة" أصداءً واسعة لأسباب متعددة، أولا: لأنه سيرة عمل مركزي في منجز نجيب محفوظ الإبداعي العريض الثري، بعمق رؤاه، وتحولاته الفنية الجمالية التي لم تتوقف حتي عمله الأخير.
 وثانيا: لأنه سيرة جديدة لمحفوظ نفسه، تعيده إلينا حياً متجولاً بين السطور، وكأنه ما زال يمارس هواية تجواله اليومي، ولقاءاته الأسبوعية مع الكتاب و الحرافيش، وذلك بكامل حضوره النابض بموهبته العالمية، وعمقِه الإنساني، وروحِه المصرية الأصيلة، وتعليقاتِه الساخرة الودود في كل الظروف.
 وثالثاً: لأن الكتاب الوثيقة يعد منطلقاً لإعادة فهم عصر، ورصد التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي طرأت علي مصر خلال حقب ممتدة، عاصر محفوظ بعضها في حياته، وامتد تأثيرها إلي وقتنا الراهن.
 ليس لهذه الأسباب وحدها أثار الكتاب تلك الأصداء التي تتواصل في اتساعها، وإنما لأن محمد شعير استطاع ببراعة واقتدار أن يقدم سردية كبري عن الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي والفني، منطلقا من سيرة رواية "أولاد حارتنا"، حاكيا لها بأسلوب ممتع وسلس وشائق، مستعينا بأدوات كاتب التحقيق الصحفي الاستقصائي المتمرس، ومازجا المعلومات الدقيقة الموثقة بوعي تاريخي لافت، ومستكشفاً سياقات الواقع المصاحبة لكتابة الرواية، وما أثارته من ردود أفعال متباينة، وصولاً إلي حصول محفوظ علي جائزة نوبل في 13 أكتوبر 1988، وليس انتهاء بالطعنة الغادرة في 14 أكتوبر عام 1994، ولا حتي بوفاة محفوظ في 30 أغسطس 2006، بل كرّس الكاتب الفصلين الأخيرين من كتابه لسرد لمحات كاشفة ترتبط بأعمال نجيب محفوظ الأخري مثل "اللص والكلاب"، و"بداية ونهاية" و"السراب"، وغيرها، دون أن يفقد الخيط السردي الأساسي لسيرة الرواية الأصل.
> > >
إنك تقرأ، فيتسلل إليك محمد شعير بشغفه، ودأبه، وإحاطته، ودقته، ومهنيته العالية، فلا تستطيع منه فكاكا حتي تنتهي القراءة. لكن المهم أن الكاتب ينجح في أن ينقل إليك شحنة، يمتزج فيها التاريخ الأدبي والثقافي بالتاريخ السياسي والاجتماعي، بحيث يمكن فهم العمل الأدبي من خلال سياقه التاريخي، وفهم التاريخ السياسي والثقافي من خلال عمل أدبي محدد، وذلك إلي جانب استكشاف الأنساق الثقافية المضمرة التي يحاول الكاتب تفكيكها ببيان تناقضاتها الداخلية، ما بين السلطة السياسية الحاكمة، وتوظيفها للسلطة الدينية كجزء من أدواتها في الهيمنة الإيديولوجية، علي نحو ما انعكس علي الموقف تجاه نشر الرواية أو حجبها.
إنك وأنت تقرأ ستصبح شاهداً علي صراع الخطابات الدينية والسياسية والأدبية، وادعاء كل طرف منها صحة الفرضيات النظرية والمعيارية في تلقيه لعمل أدبي غني بالدلالات، وإشكالي في الوقت نفسه، علي أساس أن هذه الفرضيات - لدي كل من الأطراف المتنازعة - تطرح نفسها بوصفها الممكن المعرفي، والثقافي، والاجتماعي، والأدبي الوحيد لفهم الواقع وتمثيله، ومن ثم تكتسب حق المصادرة أو الإباحة.  
إنك ما أن تتلقي هذه الشحنة المكثفة، المبثوثة بمهارة وذكاء مهني وأدبي علي امتداد النص حتي تبدأ في إعادة النظر في كثير من الصور الذهنية التي تكونت لديك حول طبيعة الواقع الثقافي، فضلا عن معايشته الوثيقة، علي نحو ما يظهر في الكتاب عبر عقود تمتد من خمسينيات القرن الماضي حتي اللحظة الراهنة.
> > >
الكتاب في تصوري يتكون من ثلاثة محاور أساسية متداخلة، ومتقاطعة علي امتداد فصول الكتاب، أولها محور سيرة الرواية نفسها، ويتضمن توثيق كل ما جاء علي لسان نجيب محفوظ  حول ظروف كتابة الرواية، وإجاباته عن ما أثير حولها من ضجة، سواء في أحاديث وحوارات منشورة، أو تعقيبات له في جلساته الخاصة مع "الحرافيش"، أو ما ذكره في تحقيق نيابة أمن الدولة العليا عقب محاولة الاغتيال، وهو الوثيقة المتضمنة في الملحق الوثائقي المهم في نهاية الكتاب.  
أما المحور الثاني، فيتمثل في رصد وتوثيق السياق المواكب لبدء نشر الرواية مسلسلة في جريدة " الأهرام" في 21 سبتمبر 1959 من خلال استقراء أهم ما جاء في الصحف الصادرة في هذا التوقيت، ومد خيوط البحث والتحري إلي مراحل سابقة، تضيء الواقع الذي ظهرت فيه الرواية بأبعاده التاريخية والسياسية والثقافية، المحلية والعربية والعالمية، وحتي الفنية من خلال عروض المسرح، والسينما، وأحدث أنواع الغناء، والهجوم علي التقاليع المستوردة الشائعة آنذاك. ولا تنفصل الأجواء العامة في مصر في متن هذا السياق عن تقصي ردود الفعل المتباينة حول الرواية، ورصد الشرارة الأولي المهاجمة التي انطلقت بفعل رسالة مُمَوّهة، نشرها صالح جودت في باب رسائل القراء بمجلة "المصور" في 18 ديسمبر1959، وذلك قبل اكتمال نشر الرواية في "الأهرام" بأسبوع كامل.
المحور الثالث يرتبط بالاستراتيجية النصية، والتقنيات الفنية التي اتبعها محمد شعير، سارد السيرة، والمحقق الصحفي، والمؤرخ الأدبي لكي يقدم نصا فارقا، يحسب علي الصحافة السردية في أبرع تجلياتها، فيقدم تحقيقا استقصائيا موسعا، مستعينا بوثائق متعددة الأصوات، تتوازي مع مفهوم باختين للرواية البلوفونية، دون أن تفقد الوثائق صدقيتها، وإنما تنتقل من مجال التاريخ إلي مجال الأدب، لتصبح كائنات حية، تتغير دلالتها بحسب منظور الكاتب والمتلقي معا، وأيضا بحسب السياق الذي توضع فيه، بحيث تتواشج مع غيرها لتكشف بانوراما الواقع، وبحيث يتقابل التاريخ المنسي مع التاريخ الرسمي الذي يعبر عن القوي الحاكمة التي تسود المجتمع.
> > >
الآن أعود إلي المحاور الثلاثة  بشيء من التفصيل.
في المحور الأول تنهض رواية " أولاد حارتنا" بوصفها بطلا كلي الحضور علي امتداد الكتاب، وقد تأنسنت، وأصبحت لها سيرة نقرأها، وندرك أنها قد غدت فاعلا مؤثرا في واقعها، وكاشفا عن السياق الذي أنتجت فيه، بينما أصبحت أيضا نصا قابلا للتأويل المستمر، تتحدي النصوص التي تبدو وكأنها مرتبطة بمدلول نهائي وصريح، بينما تتشبع بموهبة كاتبها الذي كان يهدف إلي تحرير انطلاق المخيلة الأدبية من ناحية، واستكشاف آفاق جديدة للعملية الإبداعية من ناحية أخري، بعد انقطاعه عن الكتابة لمدة خمس سنوات حتي عام 1959، حين بدأ نشر الرواية مسلسلة في جريدة "الأهرام" قبل أن تصدر في كتاب عن "دار الآداب" ببيروت في ديسمبر 1967.
البطولة المطلقة لسيرة الرواية تثبت كذلك أنه لا وجود لنص أدبي نهائي أو معني تام، بل إن المعني خاضع للتعدد والتنوع بعدد قارئيه، إلي حد التناقض أحيانا في ردود الفعل إزاء تأويل الرواية بين السياسي والديني والأدبي، بوصفها فعل تخييل في المقام الأول.
 ربما أيضا تثبت الرواية - التي نقرأ سيرتها في كتاب شعير - أن المفاهيم التي نتداولها في واقعنا حول الخطابات التاريخية والأدبية والفلسفية وغيرها، لا يتم تداولها وفقا لرؤية ثابتة ودلالة واحدة، وإنما هي - علي نحو ما يذهب فوكو - مجرد نسيج من الاستعارات والاصطلاحات، يتلون بتلون المرحلة التي يوجد فيها، وأن استعمالها وتوظيفها خاضع لإجراءات سلطوية، ومرتبط دائما بأنساق السلطة التي تنتجها وتدْعَمها، وبالآثار التي تولّدها وتفرضها علي أنها نظام الحقيقة، ومن ثم يجب اتباعها، حتي لو اقتضي الأمر تسترا أو تمويها بغطاء ديني أو أيديولوجي أو غير ذلك. وهو ما يرتبط بالمحور الثاني المتعلق بالسياق المواكب لنشر الرواية بأبعاده المتداخلة، ويتقاطع معه، كما يرتبط بردود الأفعال المهاجمة، والشارحة، والمُفَنّدة، أو الداعمة لحرية الكاتب في التعبير عن رؤيته للعالم في إطار فني جمالي.
أما إذا عدت إلي المحور الثالث في الكتاب، وقد أشرت فيما سبق إلي استراتيجيات نصية وتقنيات فنية بعينها، يتبعها سارد السيرة علي امتداد فصول الكتاب، فإنني أجد أن شعير يعمد إلي التداعي الحر في بناء سرديته، مازجا بين التاريخي، والسياسي، والثقافي، كما يعتمد علي حركة في الزمن، تتوخي أحيانا الاستباق ثم العودة إلي لحظة سابقة أو لاحقة، وذلك لاستجلاء أبعاد حدث ما من جوانبه كافة، كما أنه يعمد إلي انتقاء دقيق للفقرات الدالة الموثقة، سواء من مصادرها المنشورة أو الشفوية عبر لقاءات وحوارات، أجراها شعير نفسه، لاستيضاح نقطة غامضة أو التباس ما تجاه حدث بعينه. وهو أيضا لا يكتفي بالسرد المحايد، بل يُعَقّب بما يصحح خطأ ما، حتي لو جاء علي لسان محفوظ نفسه، مثل ذكره أن العقاد هو أول من رشحه لجائزة نوبل، متجاهلا لويس عوض الذي كان سباقا في هذا الترشيح، أو أن سيد قطب هو أول من كتب عن محفوظ، أو أن يعقب علي تفسيرات محفوظ المتعددة للرواية، وهي التفسيرات التي جاءت متقاطعة أحيانا، ومتعارضة أحيانا أخري، علي مدي فترات زمانية مختلفة.
وفي سياق التداعي الحر يحفل الكتاب أيضا بلقطات كاشفة عن التاريخ الضائع أو التائه في متاهات الواقع، تكشف عن أبعاد سيرة الرواية المحرمة في كافة مظانها الممكنة، كما يحفل باستطرادات حول وقائع وأشخاص بعينهم، ينتقيهم الكاتب لكشف جوانب مجهولة من خلفيات الأحداث التي شاركوا فيها، أو كتبوا عنها، أو أوعزوا بها في الخفاء. وعلي الرغم من سلاسة السرد وجاذبيته الشائقة، فإن القارئ لا بد أن يلمح استطرادات، قراءتها ممتعة في ذاتها، غير أن علاقتها بنص السيرة تبدو واهية، مثل الحديث المطول عن حياة محمود أمين سليمان، وتكوينه، ونشأته، والظروف التي قادته إلي ارتكاب جرائمه، وحمله لقب "السفاح"، وهو الذي دخل التاريخ باستلهام محفوظ لشخصيته في رواية "اللص والكلاب". العلاقة هنا تبدو مبررة إلي حد ما، لارتباطها بكيفية استلهام محفوظ للواقع، وتحويل جوانب منه إلي عمل أدبي، لكنها ليست مبررة في إيراد جزء من فصل من مذكرات أحمد فؤاد نجم في كتابه "الفاجومي"، كتبه عن السفاح حيث التقيا في السجن، وذلك علي الرغم من أن قراءة نجم في أي سياق متعة في ذاتها.
> > >
ولا يخلو الأمر أيضا من آراء نقدية، واستبطانات لحالات محفوظ المزاجية والنفسية علي نحو ما نجد في تقرير شعير أن الروايات التالية لمحفوظ كانت إعادة إنتاج ل"أولاد حارتنا"، وهو رأي يحتاج إلي مناقشة، أو إشارته إلي إفادة محفوظ من كتابة سيناريوهات الأفلام في التوصل إلي حلول فنية لمعالجة محدودية المكان في رواياته مثل " زقاق المدق" وثرثرة فوق النيل". كما نجد استبطانات متعددة لحالات محفوظ، منها مثلا وصف الكاتب لإحدي الحالات الضاغطة التي صاحبت كتابة محفوظ للكلمة الرسمية التي ألقيت بالنيابة عنه في حفل تسليم جائزة نوبل، مدفوعا بالرغبة في صد الهجوم الشديد عليه، أو الطريقة التي استقبل بها محفوظ بهدوء عرض مندوب منظمة التحرير الفلسطينية لرفض جائزة نوبل، أو تحليله لشخصية محفوظ وسلوكه الهادئ الذي اختاره دائما في مواجهة العواصف بطريقته الخاصة.
غير أن السمة الفنية الأبرز التي لجأ إليها شعير في إعادة تركيب الأحداث وسردها تتمثل - في  تصوري - في تقنية السيناريو، فهو كثيرا ما يلجأ إلي هذه التقنية، فيبدأ بمشهد عام تمهيدي، أو لقطة بانورامية مكبرة، تحتشد بالتفاصيل حول الأوضاع العامة، والظروف المحلية والعالمية المواكبة للحدث، ثم يقدم ما يشبه القطع في السيناريو، والانتقال إلي مشهد آخر محدد، تركز عليه عين الكاميرا، مثل لحظة إعلان فوز محفوظ بالجائزة، ثم انتقال إلي مشهد آخر أبعد زمنيا، يتقصي رأي محفوظ في إمكان حصوله علي نوبل، ثم مشهد استعادة لآراء عدد من كبار الكتاب والنقاد حول جدارة محفوظ الأدبية، ثم نقلة أبعد من النُقَل السابقة كلها، تصور مشهدا قديما لحكاية العرب مع الترشيح للجائزة، وهكذا.
وأخيرا أقول هذا كتاب فريد وفاتن، يتمثل فيه محمد شعير ما ذهب إليه نجيب محفوظ نفسه حول الكتابة الإبداعية، وشرطها الأساسي لديه تحقيق "المتعة والفائدة"، والمهم أن المتعة والفائدة هنا تبقيان معك، ولا تبرحان.