رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أفونسو كروش: أحدث نزعات التجريب بالقارة العجوز


محمد سليم شوشة
12/1/2018 3:38:44 PM

أفونسو كروش روائي برتغالي من مواليد 1971 حاصل من سنوات قليلة علي جائزة الاتحاد الأوربي في الرواية، وبغض النظر عن الجوائز فإن له عدداً من الروايات المترجمة إلي العربية تكشف عن تباين كبير في الشكل الروائي الذي يعتمده أسلوباً له، وعن فارق تمثله لقواعد هذا الفن وتقاليده، وقيمه الجمالية علي نحو مغاير بدرجة كبيرة لما هو سائد، بحيث تصبح الرواية لديه منظومة أدبية وخطاباً ثقافياً علي قدر كبير من الاختلاف في المكونات والعناصر الفنية والوحدات السردية ويمتدّ التجريب لديه إلي ما قد يمثل نوعاً من الصدمة الجمالية والمعرفية دون فقد الصلة والربط بالمتلقي أو إنتاج إحساس من التنافر لديه مع النوع الأدبي، فالمتلقي يدرك أن هذه روايات ولكنه كذلك يستوعب أنها غير كل ما يمكن أن يكون قد قرأ منها سابقاً. هنا نعرض لأربع روايات له نحاول رصد ما بها من هذا النزوع إلي التجريب وإلي أي حد كان علي قدر كبير من الاختلاف، ونقارب بعض ما أنتجت هذه الروايات من القيم الدلالية والجمالية. وهذه الروايات الأربع هي (هيا نشتر شاعراً) و(الرسام تحت المجلي) و(دمية كوكوشكا) و(الكتب التي التهمت والدي)، كلها صادرة عن دار مسكيلياني في تونس 2018 عدا الأولي صدرت في 2017.

روايات أفونسو كروش تفرض علي المرء مراجعة فكرة التصنيف، فهي أشكال سردية تستعصي تماما علي كافة أشكال التأطير والتصنيف، ولهذا لا يمكن عدّها في إطار الكافكاوية أو الواقعية السحرية أو الواقعية الجديدة أو التقليدية أو أي من هذا تماماً. هي تركيبات خاصة نابعة عن تلك اللحظة الحضارية التي يعيشها الإنسان الآن. يتجلي فيها البعد العجائبي ولكنه في الغالب نابع من عجائبية الحقيقي أو عجائبية الإنسان بمحدداته المدركة بالحواس، الإنسان دون تغيير كبير. الإنسان بطبيعته ولكنه وفق رؤية خاصة تضرب بعيدا في أعماق هذا النموذج فتكشف خفاياه وعجائبيته. الإنسان حين يريد أن يكون له شاعره الخاص فيذهب إلي السوق ويشتري واحداً منهم بصفات بعينها، ويعيش الشاعر شاعراً وحسب في بيت تغلب عليه الأزمات الاقتصادية ولغة الأرقام، بينما تبقي الفتاة المراهقة التي رغبت في شراء الشاعر هي وحدها التي تدرك الشعر في أقوال الشاعر وتستمتع بها وتراها جزءا طبيعيا من الحياة مثل انشغال الأم بأعمالها اليومية في المطبخ أو بتدبير طعام الأسرة بأقل التكلفة أو مثل استضافة بعض الأصدقاء علي مائدة واحدة أو مثل الواجبات المدرسية.
> > >
في هذه الرواية وهي الأولي في ترتيب ترجمة أعمال أفونسو كروش إلي العربية تتجلي أبعاد تجربة عجائبية جديدة أو من نوع خاص، حيث يبدو الواقعي في قمة العجائبية، ويأخذ الشعر شكلا طريفا حين يمتزج باليومي أو بغير الشعري، فتكون الرواية مشتغلة علي المساحة التي يمتزج فيها أو إن صح التعبير يصطدم فيها الشعري بغير الشعري بشكل اضطراري، يتداخل السماوي والعاطفي والمعنوي والرمزي مع الرقمي والمادي والجامد والملموس والمحسوس. هذه الرواية تحديداً بفضائها المحدود نسبياً تبدو أشبه بقصيدة شعرية طويلة، أشبه بملحمة قصيرة أو مسرحية من نوع خاص. وهنا تتجسد مقدرة فن الرواية علي التعامل مع كافة أشكال السرد والحيوات والعوالم وتطويعها لبنيتها ومنطقها الخاصة، بحيث تصبح المكونات الشعرية المقتبسة مثلا أو لغة السرد التي هي من النسيج الشعري ذاته كلها خاضعة لمنطق الخطاب الروائي وطبيعته السردية. يصبح الشاعر الذي يتم شراؤه في هذه الرواية محور حياة كافة الشخصيات وإن كان ذلك علي سبيل التناقض، فهو يأخذ وضعية الصراع والرفض والتنافر مع الأب والأخ اللذين تغلب عليهما لغة الأرقام، بينما الابنة المراهقة التي تشاركهما الحال نفسها من العناية بالأرقام وهيمنتها علي ذهنيتها في مدة الدراسة والمراهقة فإنها تدرك قيمة الشعر وتكون أكثر التصاقاً واتصالاً به من البداية إلي النهاية، وتقترب الأم كذلك من الفتاة المراهقة صاحبة فكرة شراء شاعر وتربيته معهم في البيت مثلما يحدث من آخرين حين يشترون كلاباً أو قططاً. تقترب الأم بحيث لا تكون في حال تنافر تام مع الشاعر وتبقي حافظة لبعض أشعاره بعد طرده أو تسريحه إلي حديقة عامة للشعراء، كأنها حديقة المتسولين في نوع الأحوال التي يستشرف فيها السرد الروائي وضع الشعر ومستقبله حين يصبح غريبا يتشرد في الحدائق العامة، لنغدو نحن المتلقين العرب تحديدا أمام صورة تشبه كثيرا صورة وردت عند أمل دنقل في سفر التكوين حين وصف حال العقل وقد قال: أصبح العقل مغتربا يتسول، يقذفه صبية بالحجارة. فهنا أصبح الشعر نفسه - بلورة العقل والعاطفة معا - مغتربا يتسول تحت هيمنة مسائل الاقتصاد والقوت والأكل والشرب، كما يحدث مع هذه الأسرة في حكايتها الغريبة مع الشاعر الذي اشتروه ليبقي معهم زمناً ثم يطلقون سراحه هكذا بسهولة كأنه حيوان ضال.
> > >
هذه الرواية (هيا نشتر شاعراً) علي صغرها وتكثيفها من الثراء الأدبي والجمالي بحيث تصبح محل اشتغال نقدي وتأمل يطول حول علاقة النص الأدبي بالنصوص الأخري وكيفيات استثمار التحاور معها أو ما يسمي بوضعيات التناص وأشكاله، استثمارا جماليا ودلاليا علي نحو في غاية الخصوصية لأن فيه أعلي درجات تذويب النصوص القديمة في النص الجديد أو النص (المُسْتَقَرّ)  إن جاز التعبير، وأتصور أن درجة التذويب المتقدمة هذه راجعة بالأساس إلي قوة الفكرة التي يقوم عليها هذا النص الجديد/الرواية ومدي أصالتها أو طرافتها وقدراتها التخيليلة التي تخلق الوضعيات الجديدة التي تناسب هذه الاقتباسات الشعرية التي وظفتها الرواية/النص الجديد. فالرواية تصرح في نهايتها بأنها اقتبست شعرا عن كبار شعراء أوربا في الحقبة الكلاسيكية وهو ما لن يشعر به القارئ إطلاقاً وقت قراءة الرواية وسيتصور أن هذه الأشعار المختزلة أو المحدودة هي أشعار جديدة للنص أو لهذا الشاعر الذي اشترته الأسرة وأعدت له مكاناً تحت السلم ليعيش فيه غريباً بدرجة كبيرة في بيتهم، ولكنه برغم غربته يمارس حياته الشعرية وتأملاته بقدر من اللاوعي والجبرية وكأنه يمشي منوماً أو معزولاً عن الزمن والحياة أو كأنه في بلورة لا تقدر أي أزمة علي إخراجه منها أبدا. يقوم هذا الشاعر الطريف بأشياء غريبة وتصرفات طريفة في منزل هذه الأسرة وتتقاطع مقولاته وتأملاته مع نهر حياة هذه الأسرة المتدفق بشكل طبيعي من حولهم.
الرواية فيها كثير من سمات سرد أفونسو كروش التي تمتد في أعماله الأخري وتصبح عنوانا علي أسلوبه وتمثله لقيم فن الرواية بشكل مغاير ابتداء من التناص أو من طرح تأملات فكرية وفلسفية مهمة في إطار يظل محتفظا بقدراته التشويقية التي في الحياة الحركية العادية أو ذات الطابع التداولي واليومي، فيمزج بين الأفكار الكبري والقيم المهمة وبين مظاهر الحياة وتفاصيلها العابرة أو الصغيرة مثل الطعام والملابس وعلاقات الزمالة في المدرسة أو غيرها. وكذلك شعرية اللغة التي تتضمن صورا مجازية جديدة وطازجة تماما، هي بذاتها قادرة علي صنع حال من الدهشة الممتدة والصادمة للقارئ لأنها تطرح تصورا مغايرا للأشياء ولمفرادات هذا العالم من حولنا فكأن العين الراصدة أو التي ينعكس فيها عالم الرواية وتنقله للمتلقي عين تري دائما هذا الوجود وعناصره بطريقة مختلفة، وإحساسها نحو الأشياء دائما مختلف.
يطرح السارد في هذه الرواية رؤيته حول الشعر والنقد والفن والاستعارة والبلاغة القديمة مثلا بشكل طريف كما لو أن الرواية محاضرة أو كتب معرفية متخصصة، فيما يمثل وعيا - في تقديرنا – بقدرات فن الرواية علي تَمَثُّل كافة أبعاد الحياة وبخاصة الجانب العلمي الذي هو جزء من طبيعة الحياة ويجب أن يأخذ مساحة حضوره داخل السرد كما هي موجود في الحياة. وهو كذلك ما يجعل السرد متعدداً في مستوياته بأن يكون فيه (الرتم) العلمي أو الفلسفي أو التأملي الذي يكون مختلفا عن (الرتم) الوصفي أو الحركي أو الدرامي فيكون هناك تعدد وتنوع في شكل الوحدات السردية التي يتشكل منها خطاب الروايات ولا تمضي كلها في إطار واحد من الحركة أو الوصف وحسب مثلا. وهذا التنوع في الوحدات السردية وفي الرتم هو كذلك يمثل تجاوبا مع نوازع قرائية أو نوازع جمالية متعددة في تلقي الروايات لأن من جمهور الروايات علماء أو متخصصين مثلما من بين جمهورها من يرغبون في التشويق النابع من الحركة والدراما والأحداث أو تعدد الأصوات والبوليفونية أو تنوع وجهات النظر. بما يعني – اختصارا - أن تكون قماشة السرد متنوعة بما يرضي أذواقا عدة بالإضافة إلي أن هذا هو الأقرب لطبيعة الحياة نفسها المؤسسة علي التنوع، وبالتالي فيجب أن تكون العوالم المنعكسة عنها في الخطابات الروائية تشبه الحياة إلي حد بعيد أو بالأحري تتمثلها وتحاكيها.
في رواية (الرسام حتي المجلي) وهي من أروع رواياته وأكثرها تشويقاً إلي جانب رواية دمية كوكوشكا التي فازت بجائزة الاتحاد الأوربي في الرواية عام ٢٠١٢ نلمس الطبيعة ذاتها من التنوع وكأن هناك (خلطة/تركيبة) خاصة أدركها أفونسو كروش تتكون منها الروايات، آمن بهذه الخلطة وأخذ يطبقها مهما تنوعت العوالم والأحداث أو الشخصيات بحيث تظل التركيبة كما هي لتكون دالة علي طبيعته وأسلوبه، فيكون بالإمكان الإحساس بوجود أفونسو كروش وراء هذا السرد وكأن كل منهما عنوان للآخر، فهو عنوان لسرده، وسرده عنوان له.
> > >
العلاقة ذاتها للنص مع نصوص أخري وإن كانت جديدة، تمتد في رواية (الرسام تحت المجلي) كما في رواية (هيا نشتر شاعراً)، فيتحاور النص مع نصوص أخري عديدة؛ كتب هذه المرة تخص الرسم وبقية الفنون والفلسفة والفنانين وتاريخهم وكتب عن الألوان والأحداث التاريخية وتوظيفها في سياق مختلف. يركز أفونسو كروش في هذه الرواية مع مدة الحرب العالمية الثانية، ويؤسس رؤيته وعالمه علي أسرة يهودية غريبة تعمل في خدمة عقيد في الجيش يولد لهم طفل. يتابع السرد حياة غريبة وطريفة لأسرة ربما ليس لها نظير في تركيبتها، الأب كبير خدم يقتل لشدة وفائه وإخلاصه ولشدة بعده عن المجاز وعدم إدراكه للغة الخاصة التي تتأسس علي الاستعارات والتشبيهات. في حادثة قتل ليس لها نظير تقريباً، ثم لنكون بعد هذا أمام أمٍّ أكثر غرابة من هذا الأب، فهي مزيج غريب من المرض النفسي والإخلاص للأب الذي يتم إعدامه ولا تؤمن بغيابه عنهم أبداً. والابن نفسه لم يكن قط مثل الأطفال الآخرين. الرواية كلها ذات نماذج إنسانية غريبة وأحداث أكثر غرابة وغموضا ولكنها برغم كل هذا بعيدة جدا عن الافتعال أو محاولة اصطناع منطق جديد تتأسس عليه هذه العوالم ويصبح المنطق الجديد قانونها الذي يصنع الغرابة كما هو الحال في الواقعية السحرية مثلا أو في السرد الكافكاوي. بل الأمر هنا مختلف تماما، لأن هذه العجائبية عجائبية بشر عاديين أو أقرب كثيرا للعاديين، فالعمي يصبح أمرا نفسيا وهو ليس مصابا به إنسان عادي بل يصاب به الرسام الذي خسر الأب وبكاه كثيرا برغم غرابته، ولكن الابن أصبح يعاني بسبب الأم التي هي نموذج نادر في الوفاء يجعلها مجنونة في أقصي درجات الجنون وأحواله. الابن الفنان المرهف يودِعُ أمَّه مصحة ويهجرها ثم يحاول استعادتها بعد ذلك حين يصبح في قارة أخري وبينه وبينها آلاف الكيلو مترات، وليكون في الرواية رافد جديد للتشويق والطرافة، فكما أن الفنان اليهودي الهارب من النازية يبدل اسمه مرات عديدة ويتخفي ويبحث عن نجاته فهو كذلك في بحث موازٍ آخر عن ذاته وفنه وكذلك عن أمه، يبحث تحديداً في العيون التي لا يرسم غيرها. أحداث كثيرة في هذه الرواية في غاية الطرافة وتأتي بشكل جديد تماما، تخص هذه الأم اليهودية المفقودة في زمن النازية وهدم أماكن اليهود وتجمعاتهم، وفي وقت يكون فيه هذا الفنان البائس الغريب مطارداً وفقيراً وفاقداً للبصر، ويحاول أن يفتش فيما وراء العالم ويبحث عن جوهره عبر رسم العيون وإدراك أشكالها، يصاحب أسراً وعائلات من نوع خاص ويصادف بشراً متنوعين.
> > >
تبدو في الرواية صورة جديدة ورؤية مغايرة للحرب، حين يصبح هذا الرسام جندياً ينظر للعالم وللأشياء وللناس والحرب من أعلي، في زاوية تغيب فيها العيون لأنها تصبح جانبية، والعيون في الرواية رافد سيميائي في غاية الأهمية لأنها تكاد تكون جوهر الإنسان أو شفرته الخاصة أو الزاوية التي يحاول الفنان النفاذ منها إلي كل خفايا العالم وربما وراءه كذلك. في الرواية يظهر كيف تكون بعض النماذج البشرية قادرة علي مساعدة بعضها في ظل هذه الحروب وكيف يفدي بعضها بعضا وتنصهر الكراهية مع الحب بشكل غريب، فالحرب المشتعلة نتيجة العنصرية والدين تصادف من البشر من يتجاوزون هذه الحواجز ولا يرون في كل الحروب إلا الرابط الإنساني الأبدي والممتد وكأن الحرب بكل دمارها وعنفها سحابة عابرة لا تقدر علي زحزحة هذه الطبيعة الإنسانية الغالبة علي البشر في مجملهم.
الحقيقة أن هذه الرواية في غاية الثراء الدلالي والجمالي وفيها تسخير لعديد التقنيات السردية التي تجعل النص متاهة أو غابة كثيفة أو هي منظومة تعمل في اتجاه واحد لتشكيل روح شعرية ممتدة في النص كله. من الناحية البنائية ثمة تلاعب واسع بعنصر الزمن والتغيير والتبديل فيه بدون افتعال حتي ليكون هذا التبديل في ترتيب الوحدات السردية والأحداث مسهما في إنتاج التشويق ويجعل النص يتحرك في اتجاه كشف ما سيأتي ويجعل المتلقي في أعلي درجات الترقب. مثلما يحدث مع رسائل العقيد الذي هرب بابنه إلي ألمانيا التي يرسلها إلي الرسام في أميركا يطالبه فيها ملحا إلحاحا شديدا علي أن يخرج أمه من مستشفي الأمراض العقلية ويأخذها حيث يكون. وكيف يعود الابن في رحلة بعد ذلك ليستعيد أمه ليجد المستشفي وقد أزيل تماما، يرسم الابن المستشفي في الساحة نفسها التي كان فيها قبل الحرب والهدم، فتكون هذه الرسمة مسارا يسير فيه ليعرف أين أمه أو تعطيه إشارة مغلوطة علي مصير أمه البائس. ثم عبر مسار آخر تكون مفاجأة ثالثة تعيد إليه الأمل مرة أخري في العثور علي أمه. وهكذا، في جمع طريف بين البوليسية أو الرواية ذات الشكل الكشفي أو البحثي أو رواية اللغز وبين الرواية التأملية الفلسفية الجادة أو ذات الملامح الإنسانية البارزة والكثيفة.
في الرواية كذلك تأملات وآراء كثيرة حول الرسم والألوان وأحوال الفنان وطبيعته النفسية وكيف يري العالم والوجود والآخرين. فيها مجتمعات عديدة متداخلة بين اليهود والمسيحيين واليهود والعرب وغيرهم، وهو ما يتكرر في روايات أخري لأفونسو كروش الذي يبدو مطلعا علي ثقافات عديدة حيث ترد لديه الإسكندرية المصرية بمكتبتها العتيقة الشهيرة وتاريخ حرقها أكثر من مرة، كما تأتي لديه كذلك القاهرة والمغرب ونيجيريا أو مالي أو السودان الفرنسي كما هو مذكور نصا وكذلك اليابان وأمريكا وكثير من دول أوربا بخلاف البرتغال. ليبدو هذا الروائي البرتغالي يعيش علي تخوم حضارات عديدة تتجلي كلها في بوتقة واحدة ذات طابع إنساني ينفتح فيه العالم علي بعضه ويصبح ضيقا أو صغيرا أمام إرادة النماذج الإنسانية التي يطرحها.
> > >
فيما يخص تجليات الفنون وصورتها في روايات أفونسو كروش فإنها تبدو ذات طبيعة خاصة، فهو روائي يبدو مشغولا إلي حد بعيد بكافة الفنون والأشكال والأدوات الثقافية مثل الأدب والموسيقي والفلسفة، مسائل تخص الشعر والإبداع والسرد والرواية والموسيقي بمعلومات دقيقة وتمثلات تفصيلية لألحان خاصة أو رؤي مقصورة عليه، وكذلك مسائل تخص النشر ومستقبل الثقافة في العالم وما تصرفه بعض الدول علي الثقافة ومسائل الشهرة والذيوع وغيرها، وعلاقة الموسيقي بالسرد، مسائل تخص الموت والخير والشر وأفكار طريفة وتأملات عجيبة حول كيفيةٍ يوزن بها الشر أو توزن بها أعمال الإنسان بالميزان العادي، كما نجد في شخصية عجيبة هي زيجموند فارجا المليونير المهووس بوزن الناس قبل الخطايا وبعدها، قبل النوم وبعده ليعرف وزن خطاياهم وكيف أن النوم يخلص البشر من ذنوبهم ويجعلهم يتحررون من بعضهم ويجري العديد من التجارب الفعلية علي خدمه وعلي النسوة اللائي قام هو بإغوائهن، ويربط بين هذه الرغبة أو القناعة الفكرية الغريبة وبين هواية جمع الفراشات ليشكل منها متحفا لأنه كان يوازن بين وزن الخطايا ووزن الفراشات.
يتخذ الفن بأشكاله وتنوعاته في روايات أفونسو كروش وضعيات غريبة في حياتنا من رسم لموسيقي لأدب لنحت لغيرها من الفنون، حيث يبدو الفن انعكاسا للحياة والحياة نفسها أحيانا مجرد تقليد للفن. يبدو الفن جوهريا إلي حد أنه يكون هو نفسه الدليل علي حقيقة الحياة وبدونه كأن الحياة محض وهم. تبدو زوايا رؤية بعض روايات أفونسو كروش للوجود أو إطلالتها علي الحياة زوايا خاصة جدا وجديدة وربما شعرية أحيانا لأنها تأتي عبر زوايا رؤية فنانين، فالرسام يري الأشجار طيوراً فاشلة ويحس أن الجذور ليست هي سبب النماء والاستقرار بل هي القيد الذي يقيد هذه الأشجار ويمنعها من التحليق، وغيرها من الوضعيات الجديدة في تصور العالم وأشيائه عبر مصفاة رؤية الفنانين. "يري البعض أن الجذور هي الجزء الخفي الذي يسمح للشجرة بالنمو. أما أنا فأري الجذور هي الجزء الخفي الذي يمنع الشجرة من التحليق مثل الطيور. ففي الحقيقة ما الشجرة إلا طائر فاشل". رواية الكتب التي التهمت والدي ص٧٣.
وكذلك الموسيقيُّ دائما ما يحول البشر بأنواعهم وأشكال حركتهم ومشياتهم المختلفة إلي سلالم موسيقية مختلفة. وتتكرر هذه الرؤية أو تعاود الظهور في مواضع غريبة لتكون دليلا علي الشخصية التي تأتي دون تقديم أو تعريف، ليكون المتلقي نفسه قادرا علي التكهن بالشخصية بمجرد أن يطلع علي زاوية رؤيتها أو يعرف المنظور الذي يأتي السرد عبره. أنماط عديدة وأشكال كثيرة ومهولة من البشر تتمايز وتختلف تماما وتصبح كل شخصية بارزة الملامح دون أدني فرصة للاختلاط أو التداخل برغم كثرتها وتعددها الشديد. يقدم نماذج بين المرض والبله وجنون الفن وعظمته، بين الطيبة والشر والامتزاج أو التداخل بينهما. نماذج تملك المقدرة علي التعبير وأخري عاجزة. نماذج تنبع من أصل واحد لكنها تتباين تماماً في المصير إلي حد التناقض علي نحو ما نري في رواية دمية كوكوشكا متمثلاً في شخصيتي الأختين ليزا وأناستاسيا فارجا اللتين تبدو إحداهما ملاكا والأخري شيطاناً كاملا، ولكن هذه الثانية تأخذ شكلاً مقدساً عبر حيلة الدمية وقصتها الغريبة التي فيها تناص أو تشابه مع بجماليون ولكن بصورة مختلفة وجديدة في الوقت نفسه.
تتداخل علامات رواية "دمية كوكوشكا" إلي حد بعيد حيث يمتزج الأرضي بالسماوي والملائكي بالشيطاني والخير بالشر والقديم بالجديد في شكل طريف أحيانا ما يكون مؤسسا علي طاقة سخرية كبيرة هي من طبيعة العقل الإنساني، وبخاصة بعض ما فيه من المكونات الدينية والأسطورية الراسخة التي تستعبده وهي محض وهم كما في قصة ليزا مع بوبا الأب حين تزيل ملابس الدمية التي يقدسها الرجل وتحل محلها فيتصور أن الدمية قد دبت فيها الحياة ويصير عبدا مسالما ومتسامحا لها ويتصور أن ابنها الذي هو من سفاح أو حرام هو ابن له علي نحو ما كان مع المسيح ابن بدون أسباب.
> > >
رواية "دمية كوكوشكا" تحديداً هي المتاهة الأكبر بين أعمال أفونسو كروش، وتبدو أقرب لمعزوفة موسيقية ترمي إلي إنتاج معانٍ كثيرة، فهي من ناحية تحاول اقتناص إيقاع الحياة الدائري وسيولتها اللامحدودة أو انفتاح جسورها وحدودها الوهمية أو المفتعلة سواء في المكان أو الثقافات أو الحقيقي والوهمي أو حتي الزمان الذي ليس كما نتصور يسير في اتجاه واحد من الماضي إلي المستقبل. فمن تأملات الرواية مثلاً حول الوقت ما يأتي علي لسان إسحاق درسنر حين يقول: "الوقت ليس سهماً من الماضي إلي المستقبل. للوقت أبعاد كثيرة مثل المكان تماماً. إنه يتجه إلي الأمام وإلي الخلف، لكنه أيضا يتجه إلي الجوانب، من اليسار إلي اليمين ومن اليمين إلي اليسار، وعموديا من الأعلي إلي الأسفل ومن الأسفل إلي الأعلي". دمية كوكوشكا ص٢٦٢.
والحقيقة أن الطبيعة المتائهية – إن جاز التعبير – في هذه الرواية ليست نابعة من مساحة التأملات الفكرية والفلسفية وحسب ولكن كذلك من تنوع الشخصيات ومن غرابة الأفكار التي تطرحها الرواية بشكل ضمني، مثلما نجد في شخصية صاموائيل توث الذي يؤسس لما يشبه الوهم في العلوم بأن يكلف مؤلفا صاحب طاقات عظيمة في التأليف يقيم في المغرب بأن يكتب له عديد الكتب ذات موضوعات محددة وفي مجالات مختلفة وينسبها إلي مؤلفين آخرين من القدماء مثل فيثاغورث وغيره ويطلق الشائعات حول حصول فلان من المؤلفين أو العلماء علي جائزة أو حول حصول كتاب علي جائزة وهمية معينة وكيف أن كثيراً من هذه الكتب المخترعة أو المُلفَّقة تصبح من المراجع الراسخة عند كثير من الباحثين إلي وقت حتي يتم اكتشافها، وفي الأمر كثير من الأسرار حين يظهر صاموائيل توث هذا ويطرح وجهة نظره ويتضح موقعه في الحكاية الأصلية ولماذا تأسست لديه هذه القناعة وغيرها من الأسئلة. هذه المتاهة أو الطابع المتائهي نابع من كونها – أي الرواية - تجسيدا لبعض غرابات الحياة التي قد لا نكتشفها أو نحيط بها لمجرد أنه لم تتح لنا زاوية الرؤية الشاملة التي تحيط بالغرابة. فالأمر يصبح مفتوحا علي احتمالات مناظرة عديدة في الحياة تحدث فيها هذه التقاطعات الغريبة في المصائر إلي حد أن ينجب الرجل من خالته وهو لا يدري حين يحبها ويلتقيها بشكل عابر أو بالصدفة، وحين تتداخل الفروع وتتباعد ثم تعود لتلتقي مرة أخري.
> > >
كثير من أسرار الحكاية عند أفونسو كروش تظل معلقة إلي نهاية النص الروائي بحسب الشكل السردي. يحدث مثلا استباق وتأتي إشارة متقدمة في فضاء الرواية تشير نحو المصير الذي سيتأكد فيما بعد في مرحلة لاحقة من السرد أو في منطقة تالية من فضاء الرواية، ويحدث دائما تعاضد وتضامن واتساق بين إشارات النص وعلاماته بما يجعل من الرواية - في النهاية - المعزوفة الموسيقية نفسها التي يكون فيها التكرار والتشويق والتناغم وغياب أي شكل من الخطأ أو الوهم أو التضارب. فعلي سبيل المثال ما نجده في شخصية ماتياس بوبا من تعلق بالموسيقي وربط هذا بطريقته في كتابة الرواية ثم يحدث أن يتضح بعد ذلك أنه عمل عازفا في بعض فنادق القاهرة والإسكندرية وارتبط بعاهرة كادت تقتله ففر هاربا يعزف علي السفينة لعديد الجنسيات، وكيف كان يكتب الأشعار في مرحلة سابقة من عمره وهو في القاهرة ثم دفن قصائده لتنبت في موضع دفنها بعض الأعشاب العطرية ولا يدري هل هذا له علاقة بأشعاره أم أنه مرتبط بتحريك التربة حسب ما تعرض الشخصية نفسها المسألة وتراها. ليكون لدينا قدر كبير من الاتساق في تكوين الشخصية ومرجعيتها المعرفية فهو له صلة بالأساس بالموسيقي والإبداع الأدبي، يتناسبان تماما مع ما جاء في أول الرواية عن تاريخه النهائي مع الكتابة ومحاولاته ليكون كاتبا مشهورا أو ذائعا وقصته الطريفة مع سرقة نص مخطوط لتوماس مان ونشره، ثم اعترافه علي نفسه في كتاب آخر ولكن كل هذا يبوء بالفشل، وهو كذلك ما يتناسب وتسق تماما مع طبيعة الشخصية التي تدون (النص الداخلي الذي يتعترف فيه بحكايته وتاريخه كله) بشكل كامل من كشف المدنس في تكوينه من البداية بوصفه ابنا غير شرعي لليزا.
في رواية "دمية كوكوشكا" يقول: نحارب نحن الأحياء الكراهيةَ بكل ما أوتينا من قوة، لكن ما يسود هو درسدن عام ١٩٤٥،  لحظة من الكراهية كانت كافية لتحولها إلي رماد. إن لحظة من الحب لن تجعلها تقف من جديد، فهذا يتطلب جهدا هائلا. إذن نحن نحارب ضد ضد أعتي قوة في الكون، ضد ما يميزه ويجعله ويتمدد، الكون يتسع حتي في أوقات الفراغ. رواية دمية كوكوشكا ص ١٩٠. فهنا ثمة تصور خاص للكراهية، وكيف تتجلي في أوقات الحرب وكما ظللت مدينة درسدن الألمانية التي سقط فوقها أكثر من أربعمائة طن من القنابل، وتحسب الرواية بدقة درجة الحرارة الإجمالية علي المدينة وأحجية الأشلاء التي تناثرت ويجب علي الرب أن يحلها أو يجمعها كما يجمع الحروف لتنتج الكلمات.
في روايات أفونسو كروش كلها تقريبا هناك حادث القتل الغريب أو الذي يبدو لغزاً، علي نحو ما نري في رواية الرسام تحت المجلي التي يقتل فيها الأب بطريقة غريبة، ثم هناك بالإضافة إلي ذلك القتل الجماعي في الحرب العالمية، ورؤية صديق الرسام وزميله الجندي الآخر في الحرب للقتل، وهي رؤية تمثل تصورا مقابلا أو مناقضا لتصور الرسام، فيما يشكل مفارقة طريفة. ليكون دائما هناك القتل الفردي والقتل الجماعي وكيف يكون تصور كليهما وطرحهما عبر رؤية جديدة. وكذلك في رواية الكتب التي قتلت والدي حين يقتل بطل الرواية الشاب المراهق صديقه بومبو المريض بالسكري بطريقة غريبة كذلك وعلي نحو طريف، وكيف يكون الإحساس بالندم أو النقيض من الإحساس بالراحة وكأن فعل القتل أحيانا يبدو ضروريا. هناك حادث القتل الآخر الذي يبدو أثره النفسي ممتدا عبر الزمن علي نحو ما نري في رواية دمية كوكوشكا التي يظل إسحاق درسنر يشعر الألم في رجله ويعرج لمجرد أن تدحرجت علي رجله رأس صديقه اليهودي حين قتله الجندي النازي بالرصاص فيطير رأسه وتتدحرج بهذا الشكل فيظل يعاني من عرج من نوع غريب أقرب لأن يكون نفسيا حتي وإن برره هو بالروماتيزم فيما بعد.
> > >
في رواية دمية كوكوشكا بشكل خاص وكذلك الأمر في الرسام تحت المجلي تتجلي الثقافة اليهودية بوضوح، يتمثَّلها الكاتب علي نحو بارع وعلي قدر من الشمول والوعي التاريخي الجيد فيما أحسب. إذ يربط بين حاضر اليهود وتاريخهم القديم بحسب ما يأتي في التوراة والتلمود والزوهار، كما تحضر كثير من مفردات حياتهم وعاداتهم وعباداتهم أو لغتهم أبجديتهم التي يتعبد بها بونفاز فوجل العجوز اليهودي الذي شاب مبكرا ويبيع العصافير والكناري في زمن الحرب العالمية. أخبار اليهود في مصر ومع فرعون وفي متاهتهم في صحراء سيناء وأن الطريق كان بداخلهم وهم لم يدركوا، وكيف كان موسي بالنسبة لهم مثل أم تفيض بالرحمة وتحاول البحث عن خلاصهم بحسب ما يأتي في الرواية أو علي لسان أحد شخوصها.
يستثمر ما تعرض له اليهود في الحرب العالمية من عنصرية وقتل في هاتين الروايتين علي نحو جيد ويبدو مختلفا كثيرا عن حضور هذه التيمة في روايات أو أعمال سينمائية سابقة اطلعت عليها، فهو يركز علي الإنساني ولا يتعامل مع المسألة بشكل زاعق أو مباشر يفضح معانيه أو مدلولاته، بل يوحي بها أو يكاد يرسم لوحة إنسانية تجسد حالا سوريالية من العناء والألم الناتجين عن الحرب ويبدو اليهودي في أكثر الأحيان أقرب لشخص محدود القدرات العقلية يعيش حالا من الاستسلام والتراوح بين التوفيق في النجاة أو الاصطدام بقمة البؤس وسوء المصير وكأن القدر هو الذي يحركه دون إرادة منه، وهذا ما يتجلي في وقفة السرد في رواية (دمية كوكوشكا) مع مدينة درسدن الألمانية التي مات فيها عشرات الآلاف وكانت أسوأ المدن حظا حتي بعد نهاية الحرب حين انتشر فيها الطاعون.
يجسد ويرصد سرد أفونسو كروش كذلك أحوالا تاريخية خاصة لبعض المدن الأوربية علي نحو ما نري مع مدينة درسدن المنكوبة أو ستالينجراد أو مدينة لشبونة العاصمة البرتغالية، المدينة المحايدة الوحيدة في الحرب العالمية، وكيف كانت الحياة فيها بوصفها معبرا إلي الفرار من الموت مؤقتا في نزلها وحوانيتها وشوارعها أو إلي أمريكا عبر رحلات لا تنقطع منها وإليها. وكذلك الأمر بالنسبة لباريس مدينة النور والنجاة نحو الثقافة والفن والحياة.
ومن هنا يبدو الفن ملتحما بالتاريخي بشكل جمالي وبعيد عن فعل التأريخ في حد ذاته. فالتاريخ هنا يبدو خلفية طبيعية شفيفة أو غير مقصودة أو تأتي بتلقائية من وراء العالم المرصود. وتتمثل الروايات في تقديرنا ثقافة البشر وعقلياتهم في تلك الحقب التاريخية المتقدمة وثقافة البشر فيها علي نحو دقيق يجعل القارئ كما لو أنه أمام نماذج علي قدر كبير من الغرائبية، بحيث تكرس الفجوة المعرفية والثقافية بين المتلقي وبين هذه الشخصيات ما يصنع الغرابة أو كأنها من عوالم أخري أو لا تنتمي لهذا العالم، وهو ما يتجلي بشكل خاص مع شخصيتين من روايتين مختلفتين هما رئيس الخدم القاتل في رواية (الرسام تحت المجلي) وشخصية بونفاز فوجل في رواية (دمية كوكوشكا) فهو نمط عجائبي بامتياز، عجوز وحيد في العالم يبيع العصافير في زمن الحرب ولا يجيد المساومة ويمكن بسهولة أن يغشه بائعو العصافير فيلونونها لينخدع بسهولة، وله نمط غريب في عبادته، والطريقة الطريفة التي كان يتلقي بها مساعدات ونصائح درسنر من القبو تبدو غير مسبوقة وتخلق دهشة من نوع خاص لدي المتلقي هي بين الفكاهة والسخرية حين يسجد علي الأرضية الخشبية ويلصق بها خده كما لو كان يصلي في الوقت الذي يتلقي فيه بهمس خفيض نصائح إسحاق درسنر حول الأسعار والمساومات، ولتنشأ بعدها بينهما علاقة أبوة من نوع خاص. والروايات في الحقيقة تكتظ بهذه اللمحات الإنسانية الطريفة التي هي في غاية التشويق والمتعة مع ما بها من قيمة دلالية ورسالة خاصة تجعل المشهد أو النص كله محفورا في عقل المتلقي.
> > >
رواية (الكتب التي التهمت والدي) لا تقل طرافة وغرابة عن بقية الروايات الأخري، فهي تمثل سياحة من نوع خاص في الكتب وفي الأماكن وسياحة في الحكايات والعوالم التي أنتجتها روايات أخري معروفة وذائعة مثل الدكتور مورو أو رواية الجريمة والعقاب أو رواية دكتور جيكل ومستر هايد وغيرها الكثير من الروايات التي ينفذ البطل إلي الفراغات والمساحات البيضاء في عوالمها، فينشيء نصا علي النصوص ويخلق عوالم إضافية تتلاحم مع عوالم الروايات الأخري وتتنامي عنها تنامي الفرع عن الجذر بشكل غير نمطي، وبطاقة تخيلية إضافية وتصنع بحق نصا جديدا، ولا تبدو هذه المشاهد الجديدة تزيُّدا أو إقحاما غير دقيق علي النص القديم. فعلي سبيل التمثيل تبدو شخصية راسكولينكوف في الرواية علي نحو طريف ومختلف إلي حد بعيد، هو هو نفسه الشخص الذي كان في الجريمة والعقاب لدستويفسكي ولكنه يختلف كذلك ويصبح ذا أبعاد جديدة أو يبرز ما كان خفيا فيه ويصنع له أحداثا جديدة يمتزج فيها القديم بالجديد في حال خاصة من التناص واستثمار تداخل النصوص بما يؤكد علي خلود هذه الأعمال الكبري. وهو ما يتناول في الوقت نفسه بشكل رمزي مسألة القراءة وكيف أنها نفسيا تبدو إنتاجا لعوالم إضافية لما تم قراءته من نصوص. والحقيقة أن هذه الرواية تحديدا تثيرا قدرا كبيرا من الأسئلة حول الإبداع والقراءة وأثر الثقافة وطبيعة الإنسان الذي يمكن أن يصبح شريرا من أكثر الأشياء خيرا ويكتسب العنف من عوالم ما يقرأ دون أن يدري، وكيف يمكن أن تكون الآداب متراوحة بين التطهر أو نقيض ذلك من التدنيس وترسيخ الأمراض والعيوب، فكأن القيادة تصبح للكتب التي صارت صاحبة فعل خرافي أو جبار تمارسه بشكل ناعم بما يصنع تحولا كبيرا في مسار البشر.
روايات أفونسو كروش بشكل عام تثير عديد الأسئلة بشكل غير مباشر وبشكل عملي وإيحائي حول مسائل التربية وتكوين الإنسان وبناء ثقافته أو تشكيل ذهنيته ووعيه، وغيرها الكثير من الأسئلة حول الحب والصداقة وطرائف البشر من الخديعة واحتواء المتناقضات فنري الصداقة تتحول إلي خيانة وغدر خالص كما نري مع شخصية مورو وصديقه شريكه في اليناصيب في رواية دمية كوكوشكا أو شخصية البطل الذي قتل صديقه بالسخرية من بدانته في رواية (الكتب التي التهمت والدي) أسئلة حول الحب والقبلات والرغبة الجسدية وكيف يمكن أن نراها بشكل مغاير عبر وعي شخصيات تتمتع بحس خاص وبقدرات خاصة في إدارك العالم. كيف يكون الإنسان كلبا وكيف يكون الكلب إنسانا أو كيف يكون الموت هو الأفقي والحياة هي الرأسي بشكل دائم وتظل هذه الرؤية غالبة علي منطق الشخصية وتصوراتها.
> > >
دائما ما يعمل سرد أفونسو كروش في كافة الروايات علي تلك المناطق والمساحات الغامضة في النفس الإنسانية، حيث تتداخل الألوان ويتقاطع الخير مع الشر ويمتزجان بشكل غريب وغامص لا يمكن تفسيره أحيانا. ومن أبرز الأمثلة علي ذلك شخصية عابرة مثل باوليت في رواية دمية كوكوشكا العاهرة صاحبة المبدأ والمؤمنة بقضية تحاول الانتصار لها بكل ما تملك من قوة "كانت باوليت مومسا من أعز أصدقاء أدل فارجا في سن المراهقة. وكانت تقدم سعرا مخفضا لليساريين وترفع السعر علي البقية وتدافع، بسوق جسدها الحر، عن كفاحها الخاص الذي شنته علي الرأسمالية، وهو ما من شأنه أن يزيد في مصاريفها اليومية، حيث كانت تطبع ملصقات دعائية تروج للشيوعية وتلصقها علي الجدران. دمية كوكوشكا ص٢٣١. والجميل في لغة السرد ودقة لقطاته بعد هذا المشهد أن باوليت حين اختفت بشكل مفاجئ وغابت عن صديقتها فإن الأخري كانت تبحث عنها علي الحوائط علها تستدل عليها عبر ملصقاتها. والحقيقة أن مثل هذه الألعاب اللغوية الطريفة والربط بين الأشياء بشكل عفوي بما ينتج الدهشة هو من الأشياء الكثيرة التي تصبح طابعا عاما لدي أفونسو كروش في الروايات الأربع المقروءة هنا.
قصص الحب في روايات أفونسو كروش تأخذ شكلا جديدا أحيانا ففي قصة حب تسيليا وإسحاق درسنر نبدو أمام قصة قدرية لا يملك الطرفان فيها قرارا أو إرادة، أما في قصة حب بونفاز فوجل مع الكونتيسة فإن هنا أجواءً صوفية غالبة علي ما بينهما من رسائل، بونفاز في الأساس عاجز عن التعبير وبشكل غريب حين ينوب عنه آخر في التعبير عما في قلبه تصل هذه الحالة بالضبط مع معرفة الحبيبة/ الكونتيسة أن كاتب الرسائل هو شخص آخر. الحقيقة أن قصة الحب هي الأخري تم استثمارها علي نحو بارع ليس فقط لإنتاج حال من الرومانسية الصوفية العميقة الملفوفة بتأملات حول الوقت والموت والمرض ولذة الإنسان وسعادته بالحب وأن الحبيب يتحول إلي كون وعالم كامل مواز أو يتم اختصار الوجود فيه، ليس هذا وحسب ما أنتجته قصة الحب في هذه الرواية وتلك الرسائل المتبادلة ولكنها كذلك تغدو علي قدر كبير من التشويق وكأنها بالضبط جريمة أو حادث قتل لا يأمن أي طرف العواقب فيه، والأكثر طرافة أن يقترن هذا الحب بغياب أحد الطرفين وموته بشكل غامض كذلك دون أي أسباب أخري غير الحب.
> > >
الاستعارات نفسها التي تنتجها روايات أفونسو كروش هي مصدر جمال ودهشة فهي من النوع الذي يصنع تمديدا للغة ويجعلها أكثر رحابة بكثير جدا مما قد يتصور عنها القارئ، وهي من ذاك النوع الذي يمكن أن نصفه بالعالمية وأنه ليس مقتصرا علي لغة بعينها أو يصبح محاصرا بحدودها، بل كثير من هذه الاستعارات والصور الجميلة التي تأتي بشكل عفوي وعابر تصبح فعالة بالشكل نفسه داخل اللغة المترجم إليها، وهذا ما شعرت به حين قراءة الترجمة العربية التي أدرك أنها تلتزم بالنص الأصلي. مثل هذه الروايات ربما يصعب التصرف في نقلها بشكل موسع، فهي كلها نسيج واحد تتلاحم عناصره مع بعضها فيما يجعل الفصل والتصرف مستحيلين. وبعضها في كثير من الأحيان يبدو مثل قصائد نثرية طويلة أو علي الأقل تكون كثير من المقاطع أقرب للقصائد من حيث تحليقها مع المعاني والقيم العليا والمزج بين الأرضي والسماوي إن جاز التعبير أو أن تصبح اللغة قادرة علي اقتناص حالة إنسانية غائرة في النفس أو تستقر في بئر الذات الإنسانية شديدة الغموض. لا أريد أن أكون مبالغا ولكني أجزم بأن روايات أفونسو كروش هذه التي قرأتها علي قدر عال جدا من الثراء الجمالي والقيم الدلالية الوفيرة وأنها من ذاك النوع الذي لا يمكن أن تتحرر منه الذاكرة بسهولة أو يفقد قيمته وأهميته مع تعدد القراءة، بل يزداد جمالا معها وأنها التمثل الفريد للجمع بين التشويق والبوليسية بشكل إنساني في غاية العمق والقدرة علي تتبع أحوال الإنسان وأزماته وأسئلته وأفراحه وأحزانه وكافة أحواله ومشاعره.