رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

ذكريات ورؤي نقدية أستاذتي‮ ‬سهير القلماوي (1911-1997)


الرئيس جمال عبد الناصر يكرم د. سهير القلماوي

الرئيس جمال عبد الناصر يكرم د. سهير القلماوي

د.‮ جابر عصفور
12/21/2018 1:42:56 PM

ـ ١ ـ
أدين لأستاذتي‮ ‬سهير القلماوي‮ ‬بأشياء كثيرة،‮ ‬ربما كان أولها أنها جعلتني‮ ‬أدرك أن المرأة لا تقل كفاءة عن الرجل في‮ ‬ميادين العمل المختلفة،‮ ‬أو مجالات العلم المتباينة،‮ ‬وأن تفوقها في‮ ‬كل ما‮ ‬يمكن أن تنهض به من أعباء خارج منزلها لا‮ ‬يعوقها عن أداء دورها في‮ ‬منزلها بوصفها زوجا وأمّا وربّة بيت‮. ‬وأشهد أن هذه الأستاذة الفاضلة كانت أكثر حزما،‮ ‬وأقوي‮ ‬إرادة،‮ ‬وأشد جسارة من كثير من الرجال الأساتذة الذين تتلمذتُ‮ ‬عليهم،‮ ‬وعملت معهم،‮ ‬ورأيتهم‮ ‬يمارسون أعمالهم ويؤدونها في‮ ‬فتور وعدم حماسة‮، ‬وكانوا -‮ ‬أحيانا -‮ ‬يفرون من المواجهة إذا لزم الأمر،‮ ‬إيثارا للراحة النفسية،‮ ‬وطلبا للسلامة السياسية أو الاجتماعية،‮ ‬بل تفضيلا للاسترخاء العلمي‮ ‬والدوران في‮ ‬الدائرة نفسها‮. ‬وما أكثر المواقف التي‮ ‬رأيتها لسهير القلماوي،‮ ‬والتي‮ ‬جعلتني‮ ‬أتتلمذ علي‮ ‬هذه السيدة في‮ ‬الدراسات العليا،‮ ‬وأوثر العمل معها،‮ ‬بل‮ ‬يزيدني‮ ‬هذا العمل فخرا بنفسي‮ ‬وبنموذج المرأة الذي‮ ‬كان‮ ‬يتجسد في‮ ‬سهير القلماوي‮ ‬موقفا وسلوكا‮.‬
وكانت سهير القلماوي‮ ‬بطبيعة ثقافتها تجمع بين القديم والجديد،‮ ‬تعلمت الجديد في‮ ‬المدارس الأجنبية التي ‬درست بها قبل أن تلتحق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب،‮ ‬وأتقنت العديد من اللغات الأوربية،‮ ‬واستعدت لدخول كلية الطب،‮ ‬ولكن كلية الطب لم تقبل أوراقها لأنها فتاة،‮ ‬فقد كانت الجامعة المصرية تتردد في‮ ‬قبول الطالبات إلي‮ ‬عام التحاق سهير القلماوي‮ ‬بها‮. ‬وذهب والدها الطبيب الشهير إلي‮ ‬طه حسين ليُعينه علي ‬حل مشكلة ابنته،‮ ‬ولكن طه حسين صرف نظر الطالبة عن كلية الطب،‮ ‬وأقنعها بالالتحاق بكلية الآداب،‮ ‬والدراسة في‮ ‬قسم اللغة العربية الذي‮ ‬كان أشهر أساتذته‮. ‬ويبدو أن شخصية طه حسين الساحرة جذبت الفتاة سهير القلماوي‮ ‬إليه،‮ ‬فتعلقت به،‮ ‬واتخذته أبا ثانيا وأستاذا ومشرفا ورائدا ومثلا أعلي‮ ‬في‮ ‬الحياة‮. ‬وأجَلَّها الأستاذ وأعجب بها،‮ ‬ووجد فيها نموذجا للمرأة الجديدة التي ‬كان المثقفون المصريون‮ ‬يحلمون بها منذ أن كتب قاسم أمين كتاب‮ «المرأة الجديدة‮»‬ ‬ونشره في سنة 1900‬ ‬من مفتتح القرن الماضي‮.‬
ومضي ‬الزمن بسهير القلماوي‮ ‬في ‬قسم اللغة العربية بآداب القاهرة،‮ ‬وتنقَّلت ما بين الدرجات العلمية بعد أن حصلت علي‮ ‬درجة الماچستير عن »‬أدب الخوارج في‮ ‬التراث العربي»،‮ ‬وحصلت علي‮ ‬درجة الدكتوراه عن »‬ألف ليلة وليلة»،‮ ‬وانتهي‮ ‬بها الأمر أستاذة للأدب الحديث ونقده في‮ ‬القسم،‮ ‬وأصبحت رئيسة لقسم اللغة العربية وآدابها،‮ ‬فكانت الفتاة الأولي‮ ‬التي‮ ‬تدخل إلي‮ ‬كلية الآداب،‮ ‬والفتاة الأولي‮ ‬التي‮ ‬تحصل علي ‬درجة الدكتوراه من جامعة مصرية،‮ ‬والأستاذة الأولي‮ ‬التي‮ ‬تترأس قسما من أقسام الدراسات العلمية بالجامعة وكانت في‮ ‬إشرافها علي‮ ‬القسم نموذجا للحزم الإداري،‮ ‬والصلابة الموضوعية،‮ ‬والمواقف المحايدة العادلة‮.‬
وقد تخرجتُ‮ ‬في‮ ‬قسم اللغة العربية وهي ‬رئيسة له،‮ ‬وفوجئتْ‮ ‬هي‮ ‬بشاب لا تعرفه،‮ ‬ويخجل من الاقتراب منها،‮ ‬بل‮ ‬يخجل من محادثة أية أستاذة أو حتي‮ ‬زميلة،‮ ‬يحصل علي ‬أعلي‮ ‬الدرجات،‮ ‬وينال درجة الامتياز بمرتبة الشرف،‮ ‬وهي‮ ‬درجة لا تزال نادرة في‮ ‬قسم اللغة العربية إلي ‬اليوم‮. ‬وكانت هي ‬البادئة في‮ ‬الاقتراب،‮ ‬تحدوها رغبة معرفة تلميذها المجهول الذي‮ ‬لم‮ ‬يسألها سؤالا واحدا في ‬محاضرة،‮ ‬ولم‮ ‬يستعرض معلوماته كما‮ ‬يفعل أقرانه في‮ ‬السن عادة‮. ‬وكان حنوها في ‬التعامل معي‮ ‬أكبر دافع لي ‬في‮ ‬الاقتراب منها‮. ‬وسرعان ما جذبتني ‬إلي‮ ‬عوالمها‮: ‬التفتح الاجتماعي،‮ ‬الموسوعية الثقافية،‮ ‬ضرورة إتقان لغة أجنبية والقراءة بها،‮ ‬الوصل بين المعرفة التراثية والمعرفة النقدية الجديدة،‮ ‬الجسارة في‮ ‬الحق والجرأة في ‬إعلانه،‮ ‬الإيمان بقضية المرأة والدفاع عن حقوقها المهدرة،‮ ‬الانتماء الثقافي‮ ‬العربي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يتناقض مع الانتماء الإنساني‮. ‬وبقدر ما كانت هذه العوالم تزيدني‮ ‬رغبة في‮ ‬الانتساب إليها علميّا،‮ ‬والتعلم منها حياتيّا،‮ ‬كانت هذه العوالم تصلني‮ ‬بأستاذها طه حسين الذي‮ ‬قدّمتني‮ ‬إليه في‮ ‬يوم لا أنساه،‮ ‬في‮ ‬منزله‮ »‬‬رامتان» ‬بالهرم،‮ ‬وكان الأستاذ أيامها قد تقاعد من العمل الجامعي‮.‬
وازدادت الصلة بيني‮ ‬وبين سهير القلماوي‮ ‬بتعييني‮ ‬معيدا في‮ ‬قسم اللغة العربية‮. ‬وبدأت أسعي‮ ‬لتسجيل أطروحتي ‬لدرجة الماچستير معها،‮ ‬واقترحتُ عليها أن أعمل في‮ »‬‬الإيقاع الشعري"،‮ ‬فقالت لي ‬إنها لا تحبّذ أن أبدأ حياتي ‬الجامعية بموضوع لا أمتلك الكثير من أدواته،‮ ‬واقترحت أن أنتقل من دراسة الإيقاع الشعري‮ ‬إلي‮ ‬دراسة التصوير في‮ ‬الشعر،‮ ‬وأخذتُ أعمل في ‬الموضوع،‮ ‬وانتهي‮ ‬الأمر بتسجيلي‮ ‬رسميّا لدرجة الماچستير‮. ‬واكتشفت في‮ ‬سهير القلماوي‮ ‬خلال ذلك الوقت أمّا حنونا إلي ‬جانب الأستاذة،‮ ‬فكانت أمي‮ ‬التي‮ ‬ذهبتُ لأخذ موافقتها عندما قررت أن أخطب زميلتي‮ ‬التي‮ ‬أحببتها وأصبحت زوجتي‮ ‬وأم أولادي ‬ورفيقة العمر إلي أن اختارها الله إلي جواره. ‬وشجعتني ‬سهير القلماوي‮ ‬علي‮ ‬أن أمضي‮ ‬فيما فعلت،‮ ‬بل قامت بدور الأم فعلا،‮ ‬وكانت كذلك في ‬حفل الزفاف الصغير الذي‮ ‬أقمناه،‮ ‬بل كانت الأم التي‮ ‬تلقَّت ابنتي‮ ‬الأولي‮ ‬التي‮ ‬أطلقنا عليها‮ - ‬أنا وزوجتي‮- ‬اسم »‬سهير» التي‮ ‬أصبحت أستاذة جامعية إلي أن توفيت في تعقيدات عملية ولادة فرحلت عنّا بعد أن رحلت سميّتها بسنوات. رحمهما الله.
وكانت سهير القلماوي‮ ‬خلال هذه الأثناء قد انتقلت من رئاسة قسم اللغة العربية إلي‮ ‬رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب،‮ ‬حيث أنشأت للمرة الأولي‮ ‬المعرض الدولي‮ ‬للكتاب الذي ‬يدين لها في ‬وجوده بالفضل‮. ‬واعتدت أن أذهب إليها في ‬مكتبها بالهيئة،‮ ‬وكان علي‮ ‬كورنيش النيل،‮ ‬في ‬العمارة المجاورة لعمارة دار المعارف التي‮ ‬يوجد بها مقر مجلة‮ »‬‬أكتوبر» ‬بالقرب من مبني ‬التليفزيون‮. ‬وكنت أري‮ ‬في ‬مكتبها كبار الأدباء الذين‮ ‬يأتون لزيارتها أو متابعة كُتبهم التي ‬كانت تصدرها الهيئة‮. ‬ويبدو أن هذا المناخ قد أثار المزيد من حماستي،‮ ‬ودفعني‮ ‬إلي ‬العمل ليل نهار حتي‮ ‬أنتهي‮ ‬من أطروحة الماچستير‮. ‬وبالفعل،‮ ‬حبست نفسي ‬شهرا كاملا وكتبت الفصل الأول من الأطروحة،‮ ‬وجعلت عنوانه‮: »‬‬مفهوم الصورة الشعرية في‮ ‬النقد العربي‮ ‬القديم والنقد الأوربي‮ ‬الحديث والنقد العربي‮ ‬المعاصر». ‬وفرغت من كتابة الفصل،‮ ‬وذهبت به فرحا إليها،‮ ‬وأنا أقول لنفسي‮: ‬»‬انتهيت من الفصل الأول في ‬شهر،‮ ‬فلابد من الانتهاء من بقية فصول الرسالة كلها في ‬أربعة أشهر،‮ ‬وأحصل علي‮ ‬درجة الماچستير في‮ ‬زمن قياسي»‮. ‬ولم أكن أدري‮ ‬لفرط حماستي‮ ‬ولسذاجتي ‬معا أن الحد الأدني‮ ‬لمناقشة الماچستير هو عام وليس أشهرا قليلة،‮ ‬وأنه من البلاهة المطلقة أن‮ ‬يفرغ‮ ‬باحث من دراسة النقد العربي ‬كله،‮ ‬والنقد الأوربي‮ ‬كله،‮ ‬فضلا عن النقد العربي ‬المعاصر،‮ ‬في‮ ‬شهر واحد‮. ‬ولا أزال إلي ‬اليوم أضحك من حماستي‮ ‬وسذاجتي‮ ‬التي‮ ‬دفعتني‮ ‬إلي‮ ‬فعل ما فعلت‮.‬
المهم أنني‮ ‬أعطيت الفصل لأستاذتي‮ ‬في‮ ‬مكتبها،‮ ‬فأخذته منِّي،‮ ‬وقالت لي‮: ‬»‬هاتفني ‬بعد أسبوع‮». ‬وقضيت الأسبوع علي‮ ‬أحرّ‮ ‬من الجمر،‮ ‬وهاتفتها،‮ ‬فطلبت مني ‬الانتظار أسبوعا آخر،‮ ‬ولم ألتفت إلي‮ ‬أن نبرة صوتها كانت متغيرة عن المعتاد‮. ‬وهاتفتها للمرة الثانية،‮ ‬فدعتني‮ ‬إلي‮ ‬مكتبها،‮ ‬وجلست أمامها قلقا،‮ ‬فقد لاحظت تجهّم وجهها،‮ ‬واختفاء البسمة التي‮ ‬تقابلني‮ ‬بها عادة،‮ ‬وفتحت أحد أدراج مكتبها وأخرجت الفصل وأعطته لي ‬دون كلمة،‮ ‬وأتبعت ذلك بأن قدمت إليّ ‬ورقتين تزدحم سطورهما بكتابة إنجليزية‮. ‬وقالت بحزم لا أنساه‮: »‬‬هذه مراجع إنجليزية في‮ ‬الموضوع،‮ ‬اذهب إلي‮ ‬الأستاذة‮ (‬س‮) ‬بمكتبة الجامعة الأمريكية،‮ ‬وسوف تتولي ‬معاونتك في‮ ‬الحصول علي ‬هذه المراجع والاطلاع عليها في ‬المكتبة أو خارجها»‮. ‬ولم تترك ملامحها فرصة للاستفهام عن شيء،‮ ‬فتلقيت الأوامر صامتا،‮ ‬مصدوما،‮ ‬وخرجت من عندها إلي‮ ‬مبني‮ ‬الجامعة الأمريكية القريب‮. ‬وأذكر أن دموعي‮ ‬انهمرت وأنا سائر علي ‬كورنيش النيل،‮ ‬فقد تبخرت الآمال والأحلام الوردية لإنهاء أطروحة الماچستير في ‬أشهر‮. ‬وأخيرا،‮ ‬وصلت إلي ‬المكتبة،‮ ‬وتلقَّتني‮ ‬الأستاذة‮ (‬س‮) ‬بودّ‮ ‬جميل،‮ ‬وقرأت معي ‬ما لم أستطع فك رموزه من خط أستاذتي‮ ‬باللغة الإنجليزية،‮ ‬واسترحت لأن نصف المراجع التي‮ ‬كتبتها كانت مقالات في ‬دوريات أجنبية،‮ ‬أما البقيـــة فكـــانت كتبا لا بد من قراءتها‮. ‬ولحسن الحظ،‮ ‬كانت الكتب مرتبة بالأرقام،‮ ‬فقد حرصت الأستاذة ‮- ‬دون أن تخبرني‮- ‬علي‮ ‬أن أتدرج من السهل إلي ‬الصعب،‮ ‬ومن الصعب إلي‮ ‬الأصعب‮.‬
وعدت إلي ‬منزلي‮ ‬وبدأت القراءة‮. ‬ومضيت في ‬العمل بلا كلل،‮ ‬وبعناد من‮ ‬يريد أن‮ ‬يثبت لأستاذته أنه جدير بالتلمذة عليها‮. ‬وبقدر ما كنت أقرأ،‮ ‬وأفهم،‮ ‬وأستوعب،‮ ‬وأعرف المناهج والمدارس،‮ ‬كنت أدرك سذاجتي‮ ‬وجهلي‮ ‬في‮ ‬الفصل الذي‮ ‬كتبته،‮ ‬والذي‮ ‬لم تعلّق عليه الأستاذة بكلمة واحدة‮. ‬وحين كنت أراها في‮ ‬الكلية،‮ ‬خارجة من الدرس أو داخلة إليه،‮ ‬كانت تسألني‮: ‬»‬هل تدرس الكتب التي‮ ‬طلبت منك دراستها؟»،‮ ‬وكنت أجيبها بأني ‬أدرس وأتعب،‮ ‬وكانت الإجابة قرينة الصمت‮. ‬وتحول السؤال بعد ذلك عن الكتاب الذي‮ ‬وصلت إليه. وكان الرد المتكرر منها: »‬‬حسنا،‮ ‬أكمل الكتاب التالي»‮. ‬وظل الأمر علي‮ ‬ذلك المنوال إلي‮ ‬أن فرغت من العمل الذي‮ ‬أخذ منِّي‮ ‬عاما كاملا من الجهد الشاق والمعاناة التي ‬لا تنسي‮. ‬وعندما انتهيت،‮ ‬اتصلت بها،‮ ‬فدعتني‮ ‬إلي‮ ‬لقائها،‮ ‬وذهبت إليها وقد أصبحت مدركا كل الإدراك لغبائي‮ ‬فيما كتبت،‮ ‬وكان إحساسي ‬بالندم كبيرا علي‮ ‬الفصل الذي‮ ‬كتبته من قبل والذي‮ ‬حملته معي ‬كالذنب‮. ‬وعندما لقيتها،‮ ‬وجدت الابتسامة عادت إلي ‬وجهها،‮ ‬وقالت‮: »‬‬أين الفصل الذي ‬كتبته منذ أكثر من عام؟»،‮ ‬فأخرجته من الحافظة،‮ ‬وقبل أن أعطيه إليها بادرتني ‬بالسؤال‮: »‬‬أخبرني‮ ‬أنت الآن عن رأيك في‮ ‬هذا الفصل؟» فاندفعت قائلا في‮ ‬تأثر‮: »‬‬كلام فارغ‮ ‬لا‮ ‬يكتبه إلا شخص جاهل‮». ‬فعاودها حزمها وقالت‮: ‬»‬إذن مَزِّقه أمامي،‮ ‬وتخلّص منه»‮. ‬وبلا تردد،‮ ‬مزقت الأوراق‮ ‬أمامها،‮ ‬وأنا أشعر أنني ‬أتخلص من مراهقتي‮ ‬العلمية وسذاجتي ‬الفكرية علي‮ ‬السواء‮. ‬وابتسمت حانية،‮ ‬وقالت‮: »‬‬أظنك تعلمت الدرس الأول واستوعبته‮. ‬امض الآن واكتب أطروحتك‮». ‬ومضيت،‮ ‬وبدأت في‮ ‬كتابة الأطروحة التي‮ ‬لم أفرغ‮ ‬منها إلا بعد سنوات،‮ ‬وعلي‮ ‬نحو كان‮ ‬يدفعها‮ - ‬كما كان‮ ‬يدفعني‮ - ‬إلي ‬الرضا عن ما فعلته بي ‬في‮ ‬الدرس الأول‮.    ‬
ولا أعرف هل كان هذا الدرس الأول الذي‮ ‬تعلّمته من سهير القلماوي‮ ‬هو المسؤول بقسوته عن ما أصبح‮ ‬يلازمني‮ ‬كطبعي‮ ‬بعد ذلك من وسوسة وتدقيق وحرص علي‮ ‬المراجعة ونقد نفسي‮ ‬قبل أن‮ ‬ينقدني‮ ‬غيري؟‮! ‬ربما كان الأمر كذلك،‮ ‬فأن تضعك أستاذتك حيث‮ ‬يليق بسذاجتك وحماستك الجاهلة أمر قاسٍ‮ ‬علي ‬نفس شاب كان‮ ‬يحسب نفسه عالما منذ الصغر‮. ‬وصعب علي‮ ‬شاب‮ ‬يعتز بنفسه ‮- ‬حتي‮ ‬بغير حق‮ - ‬أن تكشف أستاذته التي‮ ‬يُجِلّها كل الإجلال عن شدة سذاجته وخيبة تصوراته عن نفسه‮. ‬مؤكد أن هذا الدرس كان له أعمق الأثر في‮ ‬حياتي،‮ ‬بل أجدني ‬الآن أمارس ما‮ ‬يشابهه مع طلاب وطالبات الدراسات العليا الذين أُشرف عليهم،‮ ‬مؤمنا أن القسوة الصادمة للطلاب والطالبات في ‬بدايات دراساتهم العليا تضعهم في ‬الطريق السليم إلي‮ ‬العلم،‮ ‬وتعينهم علي ‬التخلص من أوهام المراهقة الفكرية وكسل البداية التي ‬لم تقوَ‮ ‬فيها رغبة العلم فتغدو متجذرة في‮ ‬أعماق النفس‮. ‬مؤكد كان في ‬نفسي‮ ‬أشياء نافعة بَنت عليها أستاذتي،‮ ‬وكانت هناك بذور ساعدها الدرس القاسي‮ ‬الأول علي‮ ‬أن تنبت وتعطي ‬ثمارها ‬وتترعرع‮.‬
وما أعرفه علي‮ ‬وجه اليقين أنني‮ ‬منذ أن تركت مكتب أستاذتي‮ ‬سهير القلماوي ‬في‮ ‬ذلك اليوم البعيد،‮ ‬من ربيع العام السادس والستين بعد ألف وتسعمائة،‮ ‬قد تحولتُ تحولا كبيرا،‮ ‬كأنني‮ ‬قد نضجتُ فجأة،‮ ‬وكبرت علي ‬نحو لم أكن أتوقعه،‮ ‬وازددت إصرارا علي‮ ‬أن أتفوّق في‮ ‬الدراسات العليا كما تفوقت طوال سنوات الدراسة الجامعية الأولي،‮ ‬وكنت الأول علي ‬زملائي ‬وزميلاتي ‬في ‬قسم اللغة العربية‮. ‬وبدأت أكتب أطروحة الماچستير،‮ ‬لا أهدأ في ‬العمل،‮ ‬ولا أتواني، ‮ ‬وأنصرف بكليَّتي ‬إلي ‬البحث الجامعي ‬الجاد لعل هذا البحث‮ ‬يعطيني ‬بعضه،‮ ‬كما لو كنت أمارس علي ‬نفسي ‬ومع نفسي ‬تلك الحكمة الجميلة التي ‬نطق بها إبراهيم بن سيار النظّام، أستاذ الجاحظ في ‬القرن الثالث،‮ ‬حين قال‮: »‬‬العلم لا‮ ‬يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلَّك»‮. ‬ومضيت أسعي ‬إلي ‬هذا البعض،‮ ‬أفرغ‮ ‬من الفصل الأول،‮ ‬وأعود إليه فأكتشف فيه ثغرات،‮ ‬فأعاود كتابته مرة أخري، ‬وأقرأ الفصل بعد الفراغ‮ ‬منه فلا‮ ‬يرضيني،‮ ‬وأظل هكذا إلي ‬أن أشعر براحة نسبية،‮ ‬فأترك الفصل،‮ ‬وأبدأ في ‬غيره‮. ‬وظللت أعاني ‬من قلق الكتابة وعذابها،‮ ‬أكتب ولا أرضي،‮ ‬وأملأ الصفحات لأمزّقها،‮ ‬وانتابتني ‬حالة من الوسوسة والشك في ‬قيمة ما أكتب‮. ‬ولولا حرصي ‬علي ‬إنهاء أطروحة الماچستير ما فرغت،‮ ‬وما ذهبت في ‬النهاية إلي ‬أستاذتي ‬سهير القلماوي ‬لأقدم لها أطروحة كاملة،‮ ‬وكلي ‬تردد وعدم ثقة،‮ ‬بل كلي ‬توقع أن تفعل معي ‬ما فعلت منذ سنوات،‮ ‬عندما جعلتني ‬أمزّق ما كتبتُ أمام عينيها،‮ ‬وأفعل ذلك كما لو كنتُ أخلع عن نفسي ‬أثواب السذاجة والمراهقة وأغدو عاريا إلا من الرغبة في ‬البحث والإخلاص له‮.‬
وأخذت أستاذتي ‬مخطوطة الأطروحة علي ‬وعد بقراءتها خلال أسبوعين‮. ‬وقبل أن‮ ‬ينتهي ‬الأسبوعان،‮ ‬اتصلت هي ‬بي،‮ ‬واستدعتني ‬إلي ‬مكتبها،‮ ‬وقالت لي‮: »‬‬هذا ما كنتُ أنتظره منك،‮ ‬وأتوقعه وأرجوه في ‬آن‮. ‬خذ المخطوط واطبعه علي ‬الفور،‮ ‬وقم بالتصويبات أثناء الطباعة فهي ‬طفيفة جدّا،‮ ‬فقط اكتب خاتمة للأطروحة لأنني ‬لاحظت أنها بلا خاتمة،‮ ‬ولا داعي ‬لعرضها عليّ»‮. ‬وحملتُ أطروحة الماچستير المخطوطة،‮ ‬وجلست في ‬أقرب مكان،‮ ‬وقلبت صفحات المخطوط لأعرف ملاحظات الأستاذة،‮ ‬فوجدتها كلها تصويبات أسلوبية وجملتين أضافتهما الأستاذة بخطها في ‬موضعين لتوضيح المعني. ‬وحملت المخطوط إلي ‬الطابع علي ‬الآلة الكاتبة‮ (‬لم نكن نعرف الكومبيوتر في ‬ذلك الوقت‮) ‬الذي ‬رجوته أن‮ ‬يبدأ علي ‬الفور،‮ ‬وذهبت إلي ‬المنزل لكتابة الخاتمة التي ‬لم أفرغ‮ ‬منها إلا بعد‮ ‬يومين‮.‬
وناقشت الماچستير،‮ ‬ودافعت عني ‬مشرفتي ‬أمام اعتراضات المناقشين،‮ ‬وانتهت المناقشة بحصولي ‬علي ‬أعلي ‬تقدير‮. ‬وانتقلتُ علي ‬الفور إلي ‬خطة الدكتوراه‮. ‬وبدأ عذاب الكتابة من جديد‮. ‬وقضيت في ‬عذاب الإعداد والكتابة ما‮ ‬يقرب من خمس سنوات‮. ‬وكنت أعاود كتابة الفصل أكثر من مرة،‮ ‬وأمضي ‬به إلي ‬أستاذتي سهير القلماوي،‮ ‬وتقرأ الأستاذة وتعيد الفصل مع ملاحظات‮ ‬يسيرة،‮ ‬وأعود بالفصل إلي ‬المنزل،‮ ‬وأقرأ الفصل مرة أخري ‬فأجده لا‮ ‬يرضيني،‮ ‬فأكتبه من جديد،‮ ‬وأعود به مرة أخري ‬إلي ‬أستاذتي،‮ ‬فتسألني ‬ضاحكة‮: ‬»‬لماذا كتبته مرة أخري؟‮!» ‬فأقول لها‮: »‬‬لأنني ‬لم أره ناضجا بالقدر الكافي»‮ ‬فتسكت،‮ ‬وتعدني ‬بإرجاع الكتابة الجديدة بعد أسبوع،‮ ‬وتقول لي‮: »‬‬معك حق،‮ ‬فقد صار الفصل أنضج‮». ‬وأعود إلي ‬منزلي ‬وأقرأ هذا الفصل الأنضج فلا‮ ‬يعجبني،‮ ‬فأكتبه مرة أخري ‬وأعود به إلي ‬أستاذتي ‬التي ‬بدأت في ‬القلق لذلك السلوك،‮ ‬ولكنها تقبل الفصل وتعاود القراءة‮. ‬وظللت علي ‬هذا المنوال في ‬الفصل الثاني،‮ ‬وأذكر أنني ‬ذهبت به إلي ‬أستاذتي ‬بعد أن كتبته للمرة الثانية،‮ ‬فأخذته من‮ ‬غير تعليق،‮ ‬وحين قابلتها بعد أسبوع سألتها عنه فأجابتني ‬قائلة‮: »‬‬الفصل ممتاز ولا‮ ‬يحتاج إلي ‬مزيد» ‬فطلبتُ منها أن تعيده إليّ،‮ ‬فرفضت قائلة‮: »‬‬لا‮ ‬يا أستاذ،‮ ‬سأحتفظ بالفصل الثاني ‬مع الفصل الأول عندي ‬إلي ‬أن تفرغ‮ ‬من بقية الفصول،‮ ‬فأنا أعرف أنني ‬لو أعطيتك الفصل ستبدأ في ‬كتابته من جديد‮». ‬وحاولت إقناعها بأن أحتفظ أنا بالفصلين،‮ ‬فلم تقتنع،‮ ‬وحكت لي ‬ملخص إحدي ‬روايات الروائي ‬الفرنسي ‬إميل زولا،‮ ‬وهي ‬عن رسام شاب أراد أن‮ ‬يدخل المجد من أوسع أبوابه مرة واحدة بلوحة تقيم الدنيا ولا تقعدها في ‬معرض الفن الحديث،‮ ‬وحبس نفسه مع الموديل التي ‬كانت تحبه،‮ ‬وظلّ‮ ‬يرسم ويمحو ما‮ ‬يرسم،‮ ‬وطال الوقت،‮ ‬بل مضي ‬الوقت،‮ ‬وافتُتح المعرض وهو لم‮ ‬يفرغ‮ ‬بعد،‮ ‬ومنَّي ‬نفسه بالمعرض القادم،‮ ‬فالمهم أن‮ ‬ينجز ما لم‮ ‬ينجزه أحد من قبل،‮ ‬ومرَّ‮ ‬معرض وثان وثالث ورابع،‮ ‬واللوحة لا تكتمل،‮ ‬والرسام المسكين‮ ‬يدخل في ‬دوامات الجنون تدريجيّا،‮ ‬إلي ‬أن انتهي ‬به الأمر إلي ‬تمزيق اللوحة بسكين كشط الألوان،‮ ‬وتمزيق جسد حبيبته الموديل،‮ ‬ثم انتحاره بعد ذلك‮.‬
وسكتت أستاذتي ‬بعد أن حكت هذه الحكاية علي ‬تلميذها،‮ ‬وتوقفت عن الكلام لبعض الوقت،‮ ‬لعلها كانت تريد مني ‬أن أستوعب المعني ‬والمغزي،‮ ‬وأخيرا قالت‮: ‬»‬لا‮ ‬يمكن لأحد أن‮ ‬يصل إلي ‬الكمال،‮ ‬الكمال مَثل أعلي ‬نسعي ‬إليه طول العمر،‮ ‬حسبنا أن نقوم كل مرة بواجبنا حسب قدراتنا التي ‬نصل بها إلي ‬أقصي ‬ما نستطيع من عمل وجهد‮. ‬وكل مرة ننجز فيها شيئا نتعلم من إنجازنا،‮ ‬ونقترب بهذا الإنجاز من ذلك الكمال الذي ‬يتباعد عنا بقدر اقترابنا منه،‮ ‬كأنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يدفعنا إلي ‬الصعود علي ‬درجات سلّمه إلي ‬ما لا نهاية له من العمل‮». ‬وختمت أستاذتي ‬كلامها بالسؤال‮: »‬‬هل فهمت أيها التلميذ العنيد؟‮! ‬يكفيك ما فعلتَ في ‬الفصلين،‮ ‬فأكمل الفصول الباقية»‮.‬
وتركتُ أستاذتي،‮ ‬وعدت لأعمل في ‬الفصول الباقية،‮ ‬وظللت أعمل لسنوات إلي ‬أن فرغت‮. ‬وكنت كلما مضيت إليها بفصل جديد،‮ ‬تقرأ الفصل،‮ ‬ثم تناقشه معي،‮ ‬متحدثة عن الجوانب المختلفة للفصل،‮ ‬ثم تضعه بعد ذلك في ‬درج المكتب نفسه الذي ‬تحتفظ فيه بالفصول‮ ‬السابقة،‮ ‬وترفض في ‬صرامة تسليمي ‬الفصول الجديدة،‮ ‬قائلة‮: »‬‬ستتسلم الفصول كلها بعد الانتهاء من كتابة الدكتوراه»‮. ‬ومضت الأشهر،‮ ‬وفرغت من كتابة الفصول كلها،‮ ‬وذهبت إليها لأحصل علي ‬مخطوطة الدكتوراه كاملة،‮ ‬واستقبلتني ‬في ‬مكتبها كعادتها‮. ‬وناقشت معي ‬للمرة الأخيرة النقاط التي ‬اختلفتُ فيها معها،‮ ‬وختمت المناقشة قائلة‮: »‬‬لا بأس من اختلافك معي،‮ ‬فهذا هو المطلوب،‮ ‬فليس المهم في ‬البحث العلمي ‬الاتفاق،‮ ‬وإنما المحاجة المنهجية التي ‬تعرض الرأي ‬موضوعيّا‮. ‬وإليك مخطوطة الدكتوراه‮. ‬اذهب بها إلي ‬الطابع علي ‬الفور،‮ ‬فقد اتفقتُ مع الأساتذة المناقشين علي ‬موعد قريب للمناقشة،‮ ‬يسمح لك بالكاد بمراجعة النص المطبوع علي ‬الآلة الكاتبة وتجليده‮. ‬وقد تعمدتُ ذلك،‮ ‬حتي ‬لا تأتي ‬مرة أخري ‬ومعك كتابة جديدة للموضوع،‮ ‬فحسبك وحسبي ‬ما قد فعلت إلي ‬الآن‮». ‬وكانت كلماتها صارمة لا تدع مجالا للنقاش أو الحوار أو الجدل‮. ‬وأخذتُ الرسالة صاغرا إلي ‬الطابع ليكتبها علي ‬الآلة الكاتبة‮.‬
وجاء‮ ‬يوم مناقشة الدكتوراه‮. ‬وامتلأت قاعة أكبر مدرجات كلية الآداب بزملائي ‬وأصدقائي ‬من المثقفين‮. ‬وحضر الكثير من أساتذتي. ‬وكان مساء مشهودا،‮ ‬لا أنسي ‬منه أمرين‮: ‬الأمر الأول هو حديث سهير القلماوي ‬عن تلميذها الذي ‬كان‮ ‬يكتب فصول الرسالة أكثر من مرة،‮ ‬ولا‮ ‬يكفّ‮ ‬عن معاودة الكتابة إلا بعد أن احتفظت هي ‬بمخطوطات الفصول،‮ ‬ومنعته من ممارسة عناده الذي ‬اقترن بالإسراف في ‬الوسوسة‮. ‬وحكت لجمهور الحضور عن إلحاحها علي ‬المناقشة السريعة؛‮ ‬كي ‬لا تدع لتلميذها مجالا‮ ‬يمارس فيه وسوسته المقترنة بالرغبة في ‬كتابة الأطروحة كلها من جديد‮. ‬أما الأمر الثاني ‬فكان قرين مفاجأتي ‬بأنها تولّت الدفاع عن أفكاري ‬التي ‬اختلفتُ‮ ‬فيها معها،‮ ‬والتي ‬ظلت تناقشني ‬هي ‬فيها مرات ومرات كي ‬تثنيني ‬عن ما انتهيت إليه،‮ ‬ولم تتركني ‬إلا بعد أن تأكدت من حُسن عرضي ‬لاختلافاتي ‬معها‮. ‬وإذا بها تنسي ‬ذلك كله،‮ ‬أو تتناساه،‮ ‬وتأخذ في ‬الدفاع عن أفكاري،‮ ‬وتردّ‮ ‬هجمات الأستاذ المناقش الذي ‬لم تعجبه هذه الأفكار،‮ ‬والذي ‬ظن لحماستها أنها تدافع عن أفكارها هي ‬وليس عن أفكار تلميذها الذي ‬اختلف معها‮.‬
وكانت سهير القلماوي ‬في ‬الأمرين معا مثالا للأستاذ الجامعي ‬الأصيل،‮ ‬خصوصا في ‬احترامها لحق الاختلاف،‮ ‬وتشجيعها تلاميذها علي ‬أن‮ ‬يختلفوا معها،‮ ‬وعلي ‬أن تكون لهم شخصيات مستقلة‮. ‬والمفارقة الدالة حقّا في ‬علاقة هذه الأستاذة الجليلة بتلاميذها أن الكثير منهم اتجه إلي ‬اليسار،‮ ‬وتعاطف مع مناهج النقد اليساري،‮ ‬مع أنها كانت ليبرالية عنيدة،‮ ‬ترفض فكريّا كل صنوف الفكر اليساري،‮ ‬وتكره الشيوعية كل الكره‮. ‬والمؤكد أن ليبراليتها والذهن المتحرر الذي ‬انطوت عليه،‮ ‬والذي ‬حفظ تقاليد طه حسين،‮ ‬كانت هي ‬الأصل وراء سماحتها العقلية،‮ ‬ووراء فرحها حتي ‬بجنوح تلاميذها إلي ‬تيارات اليسار رغم رفضها لهذه التيارات‮. ‬ولم تكن تحاسبنا إلا علي ‬شيء واحد،‮ ‬هو موضوعية المحاجة والعرض،‮ ‬مؤكدة أنه ما من أحد‮ ‬يملك الحقيقة الكاملة في ‬البحث الجامعي،‮ ‬وأن كل بحث إنما‮ ‬يكشف عن جانب نسبي ‬من أوجه الحقيقة العلمية،‮ ‬فالمهم هو التراكم وتنوع المداخل التي ‬تثري ‬العلم في ‬النهاية - ‬رحمها الله -‮ ‬فقد مرّت ذكراها دون أن‮ ‬يذكرها الكثيرون من تلاميذها الذين أعطت لهم من جهدها وصبرها ما جعلهم أساتذة كبارا بعدها‮. ‬أما تلميذها الذي ‬كانت تتحدث عن عناده المقترن بالوسوسة في ‬العلم فإنه لم‮ ‬ينسها قط،‮ ‬وكيف‮ ‬ينساها وابنته أستاذة المسرح الإســباني ‬تذكِّره‮ - ‬كل‮ ‬يوم ‮- ‬بسميّتها الكبري ‬في ‬السلوك والأفعال، وظلت كذلك إلي أن رحلت عن دنيانا الفانية.
‮ ‬-2-
وجدتُ نفسي أردد لا شعوريّا، وأنا أغادر مقبرة أستاذتي سهير القلماوي يوم الاثنين الموافق الخامس من مايو 1997 بعد أن أودعناها التراب الذي سنعود إليه جميعا، سطرين من قصيدة لأمل دنقل:
»‬كل الأحبة يرتحلون
فترحل شيئا فشيئا من العين ألفة هذا الوطن».
نعم.. ما أكثر الأحبة الذين ارتحلوا؟! ابتداء من محمود حسن إسماعيل الذي كتب أمل دنقل هذين السطرين في رثائه، مرورا بصلاح عبد الصبور وصلاح جاهين، وعبد المحسن بدر وعبد العزيز الأهواني وزكي نجيب محمود، وانتهاء بالعزيز أمل دنقل نفسه. ترد علي الذهن أسماء كثيرة، تحمل محبة الأصدقاء، وذكريات الأساتذة الكبار الذين رحلوا عنا، وخلّفوا لنا الصمت والذكريات بعد أن أخذوا من العين ألفة هذا الوطن. الوطن؟! هل تعلمنا محبته ومعناه والعمل له إلا بفضل ما تعلمناه من هؤلاء الأساتذة. لقد أخذنا عنهم، منذ أن طالعنا ما كتبوه لأول مرة، أن الوطن ليس قطعة أرض، أو مجموعة بشر، وإنما هو مجموعة أحلام وقيم ومبادئ ورؤي، تاريخ ممتد يصل الحاضر بالماضي الذي يعود ليرتد علي الحاضر في تطلعه إلي المستقبل، مكان يظل في حاجة إلي التحقق، وكون من الوعود التي تظل في حاجة إلي الإنجاز، ودعوة دائمة إلي الفعل الخلاق، الفعل الذي ينتقل بهذا الوطن كله من مستوي الضرورة إلي مستوي الحرية، ومن الإظلام إلي الاستنارة، ومن التخلف إلي التقدم.
وكانت سهير القلماوي واحدة من هؤلاء الذين أسهموا في صنع وعينا المتمرد علي تخلف الواقع، المتطلع إلي وعود الحاضر، الباحث عن آفاق المعرفة التي تحقق أحلام المستقبل الذي يفرد أجنحة الغد فوق مدائن تنهض من ذكريات الخراب. هكذا عرفتها، منذ أن جلستُ أستمع إليها في المدرج رقم 18 في مطالع الستينيات، متوثبا، مستوفزا، مشحونا بالحماسة والبراءة، أحلم بأن أكون امتدادا لطه حسين في قسمه الذي ينتسب إليه، والذي جئت من بلدتي – المحلة الكبري- لأنال شرف التتلمذ عليه، فلم أجده، قالوا لي: »‬إن صحته لم تعد تساعده علي المحاضرات، ولا علي التواجد المستمر في القسم الذي تترأسه أقرب تلامذته إليه وأحبهم إلي نفسه، سهير القلماوي، ولكنه يأتي بين الحين والحين لمقابلة الأساتذة وطلاب الدراسات العليا». فانتظرتُ لقاءه طويلا. ولكنني، أثناء الانتظار، أخذت أتعرف علي تلامذته – أساتذتي - في المحاضرات التي لا زلت أذكر الكثير من تفاصيلها التي صنعت لي حياتي التي مضيت فيها.
لا أذكر متي رأيت أستاذتي سهير القلماوي لأول مرة. ما أذكره هو محاضرتها الأولي عن النقد العربي القديم الذي جذبتني إلي هذا النقد، وألقت بي في عوالمه التي تصل الماضي بالحاضر، والإبداع بلغاته الشارحة، والنصوص الأدبية بعوالمها التي تظل في حاجة إلي الكشف. ولم تنته السنة الدراسية التي قضيتها في فصل سهير القلماوي، وهي تقرأ معنا نصوص الجاحظ والآمدي وعلي بن عبد العزيز الجرجاني وعبد القاهر الجرجاني، إلا وقد أصبحتُ مشدودا إلي عالم هؤلاء النقاد القدامي، ومشدودا إليها في الوقت نفسه.
ورغم ذلك، لم أجرؤ علي الاقتراب منها، أو سؤالها في قاعة المحاضرات، أو حتي محاولة التعرف عليها. اكتفيت بالإعجاب الصامت الخجول والمذاكرة التي جعلتني أحصل علي أعلي درجة تمنحها لطالب، فسألت عني مع بداية السنة الدراسية الجديدة التي مضينا فيها مع درس آخر لسهير القلماوي في النقد التطبيقي. وطافت بنا ما بين الشعر والنثر، وأخذتنا إلي المسرح معها لنشاهد ما اختارته لنا من نماذجه، وأشارت علينا بعشرات الكتب التي لم نسمع عن أصحابها من قبل، وأمرتنا في حزم أن نتعلم اللغة الإنجليزية حتي يتفتح وعينا علي ثقافة العالم العريض الممتد.
-3-
كنا في خريف 1964. انتهي الصيف وعدنا من مدننا الموزّعة علي محافظات مصر، وجئنا إلي القاهرة لنستأنف عامنا الرابع والأخير في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة. وكانت أستاذتنا الدكتورة سهير القلماوي قد بدأت معنا تدريس النقد الأدبي الحديث، تنظيرا وتطبيقا. وتوقفت عند القصيدة الحديثة، ربما لأنها كانت تؤثر كلمة (الحديث) علي كلمة (الحداثة) التي بدأت في الشيوع التدريجي، وذات صباح وزّعت علينا ورقة مطبوعة فيها قصيدة »‬أنا والمدينة» للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي. وتمضي القصيدة علي النحو التالي:
»‬هذا أنا،
وهذه مدينتي،
عند انتصاف الليل
رحابة الميدان، والجدران تل
تبين ثم تختفي وراء تلّ
وريقة في الريح دارت، ثم حطت، ثم
ضاعت في الدروب،
ظل يذوب
يمتد ظل
وعين مصباح فضوليٍّ مُمل
دُستُ علي شعاعه لمّا مررت
وجاش وجداني بمقطعٍ حزين
بدأته، ثم سكت
من أنت يا.. مَن أنت؟
الحارس الغبيّ لا يعي حكايتي
لقد طردتُ اليوم
من غرفتي
وصرت ضائعا بدون اسم
هذا أنا،
وهذه مدينتي».
كانت القصيدة مؤرّخة بتاريخ يونيو 1957، وطلبت منا الدكتورة سهير القلماوي أن نقرأ هذه القصيدة، وأن نبدأ في تحليلها. وتساءلنا جميعا كيف نبدأ هذه القصيدة التي لا تشبه ما تعوّدناه من شعر عمودي؟!، ظللنا ندرسه طوال السنوات الثلاث السابقة لنا في قسم اللغة العربية، فقد درسنا في عامنا الأول الشعر الجاهلي وانتقلنا في عامنا الثاني إلي الشعر الإسلامي والأموي ومنه إلي العصر العباسي في عامنا الثالث، أما في العام الرابع فركّزنا في أوائله علي الشعر الحديث، ابتداء من البارودي وشوقي وانتهاء بعبد الرحمن شكري والعقاد والمازني. وها نحن نترك ذلك كله ونواجه هذا النمط الذي لم يكن لنا به عهد ولا ألفة. وعندما حان دوري للكلام وتقديم ملاحظاتي، قلت: »‬إن السطر الأول من القصيدة يقوم علي تفعيلة واحدة هي (مستفعلن)، ويتفرع السطر الثاني والثالث إلي تفعيلتين، أما السطر الرابع فهو تفعيلتان أيضا، ثم يأتي السطر الخامس ليمتد في السادس ثم السابع والثامن إلي أن تختمه الجملة (دُست علي شعاعه لما مررت) وكان هذا التغير في عدد التفعيلات لافتا دالا، فقد كان يشير إلي أن القصيدة الحديثة تتبع – في عدد تفعيلاتها - الدفقة الانفعالية للشاعر في لحظة الكتابة، فكلما كانت الدفقة سريعة وحاسمة انطوي السطر علي تفعيلة واحدة – مثلا - كما في السطر الأول الذي يمثل بأحرفه استهلالا نغميّا ومحطة للنغم علي السواء». وكما كان هذا الشعر جديدا في إيقاعه لا يخضع لما أسمته الدكتورة سهير القلماوي (الأُطر التفعيلية) أو (النظمية الخارجية) وإنما يخضع إلي حركة الانفعال الآنية والمتغيرة في وجدان الشاعر، وذلك علي نحو يمكن أن يكون معه السطر الأول تفعيلة واحدة مثلا، وتمتد الأسطر بعد ذلك لينطوي واحد منها علي ست تفعيلات مثلا. وكانت هذه الملاحظة العروضية هي أول ما لفتت أستاذتنا أنظارنا إليه وجعلتنا نلتفت إلي الحرية الإيقاعية التي تتميز بها القصيدة الحديثة بالقياس إلي القصيدة العمودية القديمة. ثم استطردت في تداعياتها، وقالت لنا: »‬إن الشكل العروضي القديم يشبه إلي حد ما - ومع بعض الاحتراس - سرير بروكرست الذي جاء في الأساطير اليونانية مرتبطا بذلك الكائن الذي يستضيف العابرين، فإذا كانوا أطول من سريره، قص الأجزاء الزائدة من أجسادهم حتي تتناسب أطوالهم مع طول سريره، أما إذا كانت قامتهم أقصر من السرير، فقد كان يقوم بشدها لكي يتناسب الجسد المشدود مع طول السرير». وظللنا نضحك علي هذا التشبيه ونعرف به لماذا يضيف الشعر العمودي كلمة أو جملة إلي آخر البيت لكي يتمم المعني الذي قد يغدو أقل من طول البيت، أو يختصر المعني لكي لا يطول عن وزن البيت. لكن أستاذتنا استدركت قائلة: »‬أرجو ألا تنسوا أن القيمة الجمالية ليست في مجرد شكلها أو نظمها العروضي، وإنما هي مرتبطة بما هو أكثر من ذلك، فما أكثر الشعر العمودي القديم الذي يعد في موازين الجمال أعلي رتبة ومقاما من القصائد التفعيلية الحديثة، والعكس صحيح في الوقت نفسه، فالقيمة الجمالية للقصيدة تآلف وتناغم بين كل عناصرها، وزنا وإيقاعا وتصويرا ودلالة وتراكيب نحوية».
وصمتت قليلا، وهي تنظر إلينا، كي تتأكد من استيعابنا لما قالته. وبعدها انتقلت إلي دلالات القصيدة، وطلبت منا أستاذتنا أن نفسر لها دلالات الأبيات سائلة: »‬هل هذه الدلالات التي نقرأها دلالات واقعية مباشرة أم دلالات رمزية مجازية؟»، وأضافت: »‬من الذي تتحدث عنه القصيدة؟ ومن هذا الذي يتحدث؟» قال بعضنا الذي كان قد قرأ ديوان حجازي قبل ذلك: »‬إن الشاعر يتحدث عن قرويّ في المدينة، وإن هذا القروي سرعان ما يشعر بالوحدة والحنين إلي قريته عندما يجد نفسه فجأة في عالم القاهرة الصاخب وغير الإنساني بدليل عنوان الديوان الذي جعله الشاعر »‬مدينة بلا قلب". يقصد القاهرة التي تبتلع الغرباء، والتي تبدو كأنها لا تقبل الغرباء بسهولة، خصوصا عندما يكونون قد أتوا إليها من القري الوادعة ذات الحياة البسيطة الأليفة، أو حتي المدن الصغيرة التي تتميز بهدوئها النسبي وصغر عدد سكانها بالقياس إلي القاهرة، فهي مدن أقرب إلي القري في بساطة حياتها التي لا تعرف الصخب أو الضجيج أو زحام السيارات الذي يمكن أن يؤدي بمن لا يأخذ حذره منها إلي الموت. وهذا ما كانت تؤديه قصيدة »‬مقتل صبي"». ولكننا توقفنا أكثر عند الصوت المتحدث في القصيدة، ذلك الصوت الذي صار ضائعا بدون اسم، وفسر بعضنا الضياع علي أنه عدم وجود المأوي، بينما فسره البعض الثاني بأنه ضياع الهوية، وفسره البعض الأخير بأنه الغربة بكل معانيها الميتافيزيقية والفيزيقية، وعندما جاء السطر: »‬الحارس الغبي لا يعي حكايتي»، قال واحد من زملائنا: »‬إن الشاعر يتحدث عن صدام المواطن بالسُّلطة، وهو صدام محتوم ما بين المواطن إذا لم يكن له مسكن وبين السلطة التي يشتبه عسكرها في كل عابر سبيل مهما كانت هويته أو درجة ضياعه»، وهذا ما قادنا إلي الجدال: هل القصيدة تتحدث في دلالاتها القريبة عن قروي وحيد في المدينة ضاع منه مسكنه أم تتحدث عن الإنسان المعاصر الذي يغترب عن عالمه ويمضي ضائعا بدون اسم في عالم يبدأ من غرفته التي طُرد منها ولا ينتهي بالطرقات التي يهيم فيها، شاعرا بأن كل الطرق مغلقة أمامه كأنها تلال متتابعة يدور فيما بينها كأنه وريقة في الريح دارت، ثم حطت، ثم ضاعت في الدروب. ويشتد الحصار علي هذا الإنسان الضائع والحائر، عندما يشعر بأنه حتي مصابيح الطرق تتحول إلي أعين فضولية تعرِّيه من كل شيء، تاركة إياه وحيدا مع الواحد الذي هو إياه؟
وظللنا طوال المحاضرة نتجادل حول الدلالات الرمزية المجازية والدلالات الواقعية المباشرة وأستاذتنا سهير القلماوي تشجعنا علي المضي في الاستنتاج تحليلا وتفسيرا. ولا أظن أننا جرؤنا علي تقييم القصيدة، فقد كانت جدتها غريبة علينا، كما كانت هي لقاءنا الأول بالشعر الحديث. لكن مع مُضينا في التحليل والتفسير تزايدت الاحتمالات الدلالية، واكتشفنا معني أن الشعر الحر حمّال أوجه، وأنه حتي أبسط القصائد وأوضحها سرعان ما تزول عنها هذه البساطة ويفارقها هذا الوضوح الخادع فنكتشف أنه لا وضوح ولا بساطة، كأن مثل هذه القصائد قطرات الماء التي نراها بأعيننا المجردة فلا نلمح ما يعكر صفاءها أو شفافيتها، ولكننا إذا نظرنا إلي هذه القطرات من وراء عدسة ميكروسكوب، ضاعت هذه الشفافية التي توهمناها، والبساطة التي تمنيناها، واكتشفنا أننا إزاء مجرة من الكائنات متناهية الصغر والشوائب التي لا تراها العين وحدها. وهكذا الشعر مهما بدت كلماته بسيطة سهلة، فهي دائما بساطة خادعة وسهولة مراوغة، فهناك تآليف التراكيب النحوية والنظمية والدلالية التي لا يستقل واحد منها عن غيره، بل تتآلف جميعها في نوع من الفاعلية المتبادلة علي كل المستويات.
وعدتُ مع زملائي من جديد إلي قصيدة حجازي بعد أن استمعنا إلي أستاذتنا، وهي تعلمنا الدرس الأول في النقد: »‬لا يوجد نص بريء أو نص أحادي الدلالة، والقصيدة دائما لا تفارق صفات التكثيف الدلالي وتعدد المعاني أو تعدد المستويات، وليس ضروريّا ولا مُلزما لنا – نحن النقاد - أن نضع في اعتبارنا تفسير الشاعر لقصيدته، فبمجرد أن يفرغ الشاعر من كتابة قصيدته يتحول إلي قارئ مثلنا. وقد يجد في قراءتنا ما يصدمه أو يدهشه. المهم أن نفتح أعيننا علي أشدها، ونتخلي عن البراءة والسذاجة، فوراء كل كلمة موصولة بأختها أكثر من معني، ووراء كل تركيب نحوي دلالة، ووراء كل إيقاع موسيقي إيحاء ما. ووظيفتنا هي أن نراوغ الكلمات التي تراوغنا في القصيدة، ومن ثم لا نري فيها مجرد ضياع فتي قروي في مدينة بلا قلب، أو نتحد وجدانيّا مع بطل القصيدة، فنري فيها أصداء لغربتنا – نحن أبناء المدن الصغري أو القري الذين جئنا إلي الجامعة للتعلم - وإنما علينا أن نري القصيدة في ذاتها أولا، ونتحسس دلالاتها ثانيا، ولا نغفل عن تضافر ذلك كله مع التراكيب النحوية والتشكيلات العروضية، وكل ما يسهم في إيقاع القصيدة ووحدتها القائمة علي التنوع. وعندئذ، فحسب، تكافئنا القصيدة علي صبرنا، فنكتشف أن بحث الشاعر القروي عن مكان إنما هو بحث عن هوية، واستبدال جديد يدخُله بقديم يتركه. أو نكون إزاء تحول في الهوية، قائم علي الإزاحة، وأن السطر: »‬وسرتُ يا ليل المدينة، أرقرق الآه الحزينة» إنما هو مسيرة التحول التي تخلع عن الشاعر وعيه القروي ليحل محله وعي مديني، في عملية حتمية من تغير الوعي وتحوله، عملية أشبه بتلك العملية التي تحكي عنها – رمزيّا - قصة »‬النداهة» ليوسف إدريس».
هل كانت تلك كلماتي أم كلمات أستاذتي الجليلة سهير القلماوي رحمها الله؟ هل أضفتُ ما اكتسبتُه من الممارسة إلي ما كانت تعلمنا إياه؟ لا أدري علي وجه التحديد. المهم أنني أسترجع ما علمتنا إياه وما قالته لنا بعد ما يزيد علي نصف قرن. مؤكدًا أن هذا ما تعلمته وفهمته منها ولا أزال أتذكره إلي اليوم بوصفه درسنا الأول في نقد الشعر، وهو درس فتح لي الطريق لكي أصبح ناقدا للشعر.
-4-
أول ما يصافح عين القارئ لأطروحة سهير القلماوي الرائدة عن »‬ألف ليلة وليلة» – بعد المقدمة التي كتبها أستاذها طه حسين - هو الكتاب الأول من الأطروحة، وعنوانه: »‬ألف ليلة وليلة في الشرق والغرب".
والكتاب دراسة ضافية، تبذل جهدها في الحصر والاستقصاء، في حدود وقتها (الذي مضي عليه ثلاثة أرباع القرن) لعرض وتقديم نُسخ »‬ألف ليلة» المطبوعة والمترجمة ما بين كلكتا وبرسلاو والقاهرة وبيروت وباريس وإسطنبول. ويعرض الكتاب لترجمة أنطوان جالان الشهيرة بإضافاتها، وطبعاتها المتعددة، والترجمة عنها إلي الإنجليزية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية والرومانية والهولندية والدنماركية والألمانية والسويدية والروسية والبولندية والهنغارية. وأدي نجاح هذه الترجمات التابعة إلي ترجمات مباشرة أخري، كما فعل فون هامر وفيل وهاننغ وليمان في الألمانية. وهنري تورنز وإدوارد لين وجون بين في الإنجليزية. ويقرأ القارئ، في هذا الكتاب، عن دراسات العلماء الألمان والإنجليز والفرنسيين والدنماركيين والأميركيين عن أصل »‬الليالي» والكيفية التي تركبت بها ومنها. ويقرأ القارئ بعد ذلك عن أبحاث أخري للموضوعات والتيمات والوظائف. وهناك الدراسات المقارنة التي تصل بين الشعوب والأجناس، ودراسات الموازنة التي تقارن بين »‬ألف ليلة» وغيرها من أنواع الأدب العربي وأشكاله.
وينتقل الكتاب إلي الحديث عن أثر »‬ألف ليلة» في الآداب العالمية والبيئات الأدبية المختلفة، ونشهد طيفا متنوع الألوان من أشكال التأثر الفارسية والتركية والفرنسية والإنجليزية، وننتقل ما بين فنون الكلمة وفنون اللون والنغمة والحركة.
ويفرغ القارئ سعيدا من هذا الكتاب الأول من أطروحة سهير القلماوي الرائدة التي تمّت مناقشتها سنة 1941 أي مر عليها حتي الآن سبعة وسبعون عاما ويرجع سر السعادة إلي ريادة دراسة سهير القلماوي من ناحية، والجدية اللافتة التي بدأ بها الدرس الجامعي لألف ليلة من ناحية ثانية، والروح الإنساني الذي ينسرب في الدراسة من ناحية أخيرة. لكن قراءة الكتاب الأول من الدراسة تثير في القارئ، فضلا عن السعادة، العديد من الأسئلة التي يتولد كل منها عن الآخر، والتي يلح كل منها علي طلب الإجابة. وأحسب أن هذه الأسئلة انطوت علي الدافع الأول والمحرك الأصلي لما رأيناه من تطورات مذهلة في دراسة »‬ألف ليلة وليلة"، بعد أن كتبت سهير القلماوي ما كتبته في أطروحتها التي ناقشتها في شهر يونيو من العام 1941. وكانت أول دراسة جامعية عربية في الموضوع. لقد اتسعت الدائرة الجغرافية لدارسي »‬ألف ليلة» في الشرق والغرب. واتسعت الدائرة المنهجية لدراسة المصادر والأصول وأشكال التأثر والتأثير، وتحولت »‬ألف ليلة وليلة"، مع مرور الوقت، والتغير المتدافع للمناهج والإجراءات، إلي مرآة ينعكس عليها التعدد، وتعكس هي لغة الاختلاف، وما كان يشار إليه في سطر واحد، أحيانا، في أطروحة سهير القلماوي، أصبح موضوعا لأطروحة دكتوراه. وما كانت تعبر عليه سهير القلماوي عبورا سريعا، في أحيان ثانية، أصبح منطقة جذب للكثير من الأعين الفاحصة في الشرق والغرب. وما كانت سهير القلماوي تسخر منه، أحيانا أخيرة، أصبح موضوعا لدراسات جادة.
وبعد أن كانت »‬ألف ليلة وليلة» اكتشافا غريبا حديثا، بدأه أنطوان جالان الذي عمل سفيرا في إسطنبول، وقضي حياته يقتنص التحف الشرقية، إلي أن عثر علي »‬ألف ليلة وليلة"، وتعرف إلي حكاياتها شفاهة علي لسان أحد الموارنة من حلب، أقول بعد أن كانت »‬ألف ليلة وليلة» اكتشافا حديثا لغرب أوربا، بوصفها طرفة شرقية، تحولت إلي فضاء لا نهائي متعدد الأبعاد، يستوعب كل الجنسيات، ويجذب إليه أنظار المترجمين والدارسين والقراء من الباحثين عن المتعة الأدبية في كل لغات العالم من الشرق والغرب. والمقارنة مذهلة بين مكتبة دراسات »‬ألف ليلة وليلة» التي كانت سهير القلماوي تشير إليها وتعتمد عليها في كتابتها منذ ما يربو علي ثلاثة أرباع القرن، ومكتبة هذه الدراسات الآن، سواء في الحجم أو الكيف أو تعدد الموضوعات أو المناهج أو اللغات أو الأقطار أو المؤسسات. وكما تزايد إغراء دراسة »‬ألف ليلة» تزايد الإقبال علي قراءتها، وتحولت إلي أحد أهم الأعمال العالمية الكلاسيكية الكبري التي لا تمل البشرية كلها من الاستمتاع بها واستلهامها.
ولكن ما السر في ذلك كله؟ ليس سحر الشرق وحده، ليس عالم المحرمات، ليست الدهاليز المخيفة الجذابة التي يفتحها الحكي للخيال. ليس الجنس الذي يجتذب المحرومين كما تجتذب النار الفراشات، ليست التحولات والغرائب والعجائب، ليست حكايات الحيوان أو السحر. إن كل ذلك موجود، ومثير، يناوش القلوب والعقول، ولكن ما يكمن وراءه أعمق منه، إنه فعل المعرفة وسحرها. الفعل الذي يتجسد في مئات الأشكال والهيئات، ويتجلي في عشرات الرموز والتمثيلات. والسِّحر الذي يصاحبه ما ينطوي علي دهشة التعرف، لذة الاكتشاف، غواية الفضول وإشباعه، بهجة التعلم وآفاقه. وعندما نتحدث عن هذه الجوانب فإننا نتحدث عن المعني الذي تتحول به »‬شهر زاد» إلي نمط من الأنماط العتيقة المجسدة لحضور المعرفة بالقدر الذي تتحول به شخصيات كثيرة في الليالي إلي تجليات لها.
ما الذي فعلته شهر زاد؟ مارست سحر الحكي، واقترفت فعل القص. لكن حكي ماذا؟ والقص عن أي شيء؟ إنها الصورة الأنثوية لــ »‬بيدبا الحكيم»، في »‬كليلة ودمنة".. بيدبا الذي نَقَل بالمعرفة، »‬دبشليم» السلطان الطاغية من مستوي الضرورة الحيواني إلي أفق الحرية الإنساني.
بيدبا وشهر زاد صانعا معرفة، يقودان من يقترب منهما إلي قارات مجهولة من المعرفة اللا محدودة. وكما تنتقل الرحلة معهما عبر صور التمثيلات والكنايات والاستعارات والمجازات التي تسمي »‬حكايات»، ويري المسافر، في هذه الرحلة من صنوف البشر والحيوان ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ويشهد من المغزي والمعني ما يستحق أن يكتب علي آماق البصر ليكون عبرة لمن اعتبر ومن لم يعتبر، ويتحول القارئ المضمن والمروي عليه، في دنيا الليالي، كما تحول دبشليم في دنيا بيدبا، وتحول »‬شهريار» في دنيا شهرزاد، وينتقل من حال اللا معرفة إلي المعرفة، من الوعي التجريبي الفج إلي الوعي الممكن الواعد، من خشونة الحس ووحشية الرغبات إلي رهافة الشعور وشفافية الأفكار.
تحدثنا ملحمة »‬جلجامش» عن »‬أنكيدو» الذي كان يهيم في البرية، مع الوحوش والحيوانات، كأنه أحد الوحوش البرية، إلي أن تأتي إليه »‬شمخت» الساحرة، تقتنصه بروحها وجسدها، فيتغير أنكيدو، يفارق صورته البرية، ويتحول عن حضوره الوحشي وتنكره أصناف الحيوان التي كانت تعده واحدا منها، ويصير أنكيدو أكثر صمتا لأنه صار أكثر معرفة، ومن ثم أكثر إنسانية.
ذلك هو ما فعلته شهر زاد بشهر يار، أخرجته من صورته الحيوانية إلي حضوره الإنساني، نقلته من أفق الطبيعة المحسوسة إلي أفق الثقافة المعقولة، أداتها في ذلك أنها قرأت ودرت، وحفظت أسرار المعرفة، واستوعبت خزائن العلوم، فاستطاعت أن تفعل بشهر يار ما فعلته شمخت في أنكيدو بأكثر من معني. ولكنها عندما فعلت ذلك لم تكن عربية الأصل، أو هندية، أو فارسية بل كانت نموذجا عتيقا للإنسان المبدع، حامل الأسرار، سارق النار، المبشر بالمعرفة والحكمة الذي يمس بعصاه كل من يحتاج إليــه. ولأن شهر زاد واحدة من النماذج الإنسانية العتيقة، فهي تختزل الرغبة الإنسانية في المعرفة، وتنطوي علي شوقها اللاهب في التعرف، والمزيد من التعرف، ولذلك، تحولت شهر زاد، منذ أن ولدها الخيال الإنساني، إلي رمز متعدد الأبعاد، كأنها جبل المغناطيــس الذي يجذب إليـه كـل مـن يقــع في مجالـه، ويقتــرب مـن دائرتـه، ولـكـن شهر زاد لا تحطم من يقترب منها، كما يفعل جبل المغناطيس، إنها تستوعبه ليضيف إليها، وتحتويه ليسهم في وجودها، وذلك بالقدر نفسه الذي تسهم به في وجوده الذي يزداد معني، وفي حضوره الإنساني الذي يزداد غني وثراء.
هكذا، صارت شهر زاد طبقات وطبقات من الدلالات الإنسانية، وصارت »‬ألف ليلة وليلة» طبقات وطبقات من الخبرة البشرية، وتراكمت الطبقات والطبقات في تركيب فريد، يشد الجميع لأنه من صُنع الجميع، تخلق سحر الحكايات التي تجذب كل البشر لأنها تنطوي علي حلم كل البشر، في اكتشاف المجهول، في أن نعرف أكثر مما نعرف، وأن نرتحل ولا نقيم، أن نتحول ولا نثبت، أن نتجدد ولا نجمد، أن ندرك أهمية المعرفة التي لا تكف عن التولد، والإبداع الذي لا يكف عن التطلع إلي أفق ليس له حد أو مدي.
ولأن »‬ألف ليلة وليلة» لا تريد أن تنغلق علي نفسها بأسرها فتنقطع عنا، أو ننقطع عنها، فإنها تكشف عن القليل من سِحرها الذي يغري باكتشاف السِّحر كله، وتبين عن بعض سرها لتغوينا بتعرف السر كله، فتخلق من الشخصيات ما له دلالة، ومن الحكايات ما له مغزاه الكاشف. أعني شخصيات من مثل الجارية »‬تودد» بين الإناث، و»‬حاسب كريم الدين» بين الرجال، وكلاهما لا يفارق دلالة المعرفة التي تصل أمثالها بــ »‬السندباد» الذي لا يهدأ في اكتشاف القارات المجهولة من أعماق الروح وأركان المعمورة. وإلي جانب هؤلاء الكثير من السحرة والكهنة والعلماء والشعراء من بني الإنس، ونقلة المعرفة من بني الجن والعفاريت الطيبة والأرواح الحارسة، ناهيك عن الكتب والخزائن التي تصون المعرفة وتنأي بها عن العيون التي لا تُقدِّر قيمتها.
وتتضافر الطبيعة في تأكيد الدلالة الرمزية لنهم المعرفة الذي لا يفارق الليالي: الطيور التي تحمل البشارة أو تعين علي اكتشاف المجهول، كائنات البحار، والكائنات التي تجمع ما بين البحر والسماء، الأنهار، البحار، الأعاصير، الجبال، الآبار، العلامات المنقوشة علي الحجر، الإشارات المنسربة في العناصر، الحدوس التي تضيء بها دورة الكائنات والفصول وتعاقب الليل والنهار. دوامة لا تكف عن توليد المعرفة، وقارة لا تكف عن إدهاش المرتحل فيها، وأفق متجدد من بهجة الكشف، ونبع مسحور من أسئلة لا تكف عن توليد غيرها من الأسئلة التي لا تقنع بأجوبة قط، تلك هي ألف ليلة وليلة، كنز الرغبة الإنسانية في المعرفة، وحلمها المتجدد، ورمزها المتعدد في آن.
وكما خزّن ملوك »‬ألف ليلة وليلة» وأثرياؤها المعرفة في خزائن الحديد ليصونوها، وليحتفظوا بها كما يحتفظ الإنسان بأثمن ما لديه.. خزَّنت الذاكرة الإبداعية الإنسانية حكايات »‬ألف ليلة» وظلت تضيف إليها. وبالقدر نفسه، ظلت »‬ألف ليلة وليلة» تضيف إلي البشرية، وتَعِد من يتطلع إليها بمزيد من الفهم، والدراية، والاكتشاف، والإدراك.
> > >
لا أذكر المرة الأولي التي قرأت فيها »‬ألف ليلة وليلة". ولا أتمثَّل – الآن - تفاصيل الرعشة الأولي التي سَرت في جسدي وأنا أتابع، مبهورا، تقلب الحظوظ بالأبطال، وتحولات المكان والزمان في هذا الكتاب العجيب. ومن الذي يستطيع أن يسترجع تفاصيل لقائه الأول بهذا الكتاب؟! إنها ذكري تستقر في اللا وعي، نائية في المكان والزمان، مغلَّفة بضباب الطفولة، خيالات مطلع الصبا، أحلام الشباب، فورة العقل والجسد معا، وكلاهما يتفتح كالزهرة، أو يتفجر كالبرعم. كنا صغارا وقت أن تخلَّقت فينا هذه الذكري، وتجسدت معرفتها التي خطونا بها خطوتنا الأولي، في سحر الاكتشاف، في مطلع الوعي، عتبة الإدراك التي علَّمتنا كيف نكتشف العالم بالقراءة التي كنا قد تعلمنا حروفها، وأخذنا نفتح بها مغاليق المجهول، ونحلق بها تحت راية الخيال، في اللحظات التي نختلسها بعيدا عن الرقباء، حالمين، راغبين، متوترين، قلقين، مؤرقين، متلهفين علي معرفة ما يجري، وماذا يقع؟ وماذا سوف يحدث؟ وما مصير الخير في صراعه مع الشر؟ ومصير القص في تهذيبه براثن القوة الغاشمة؟
وكانت »‬ألف ليلة» غيمة تتشكل في مئات الأشكال، طوال الصبا، تتخذ في كل حال هيئة جديدة، ولا يكف حضورها، في وعينا، عن التحول والتبدل، بفعل سحر القراءة وسحر فعل الكتابة. حملتنا حكاياتها من هدأة النهر إلي رحابة البحر، ألقت بنا في جداول أرض الغرابة، فرَّقتنا بين طرقات السلامة والندامة، جمعتنا في ديار لم تطأها قدم، وطارت بنا فوق مدائن النحاس ومدائن الحجر. ولكن، كان لا بد لدوامات الوهم أن تتكسر علي شواطئ النُّهي، وأن يبدأ مسار آخر للتعرف، مسار يفارق بكارة الدهشة المسحورة إلي نضج التأمل وهدأة العقل النقدي الذي (يوجد سقط، لعله: يَردُّ/ يُرجِع) كل نتيجة إلي علتها الأولي.
وكانت سهير القلماوي بداية هذا المسار. بفضلها انتقلت »‬ألف ليلة وليلة» من منطقة السحر إلي منطقة العلم في وعينا، من مبدأ الرغبة إلي مبدأ الدراسة في تكويننا، من أفق التسلية الغامضة المدهشة إلي أفق اكتشاف الدلالة العلائقية في طموحنا. كانت دراستها عن »‬ألف ليلة وليلة» بابا مفتوحا يفضي بنا إلي ما لم نكن نعرفه من قبل عن الليالي، وما لم نكن نلتفت إليه في مجلداتها الأربعة التي وجدناها في منازلنا، وكانت هناك من قبل أن نولد. وأدركنا لأول مرة أن هذا الكتاب الغامض الغريب الذي ورثناه تحفة أدبية معجزة، تتهافت الدنيا كلها علي الاستمتاع بها، واستلهامها وتوظيفها ودراستها. وبدأنا نسمع عن رحلة ألف ليلة وليلة في الشرق والغرب، وندرك الكيفية التي تم بها تأليف هذا الكتاب، ونتعرف صوت العقل التحليلي، وهو يمارس تشريحه في الكتاب، ويُرجعه إلي عناصره التكوينية، تمهيدا لاكتشاف علاقاته التي تصنع دلالاته. هكذا، أدركنا معني الخوارق في »‬ألف ليلة"، وأبعاد الموضوعات الدينية والخُلقية، ورمزية الحيوان وعالمه، ومستويات الحياة الاجتماعية. وتنقّلنا ما بين طرائق معالجة الموضوعات التاريخية والموضوعات التعليمية، وتوقفنا طويلا عند صور المرأة في الليالي، وأخيرا: اكتشفنا الينابيع الأولي للواقعية السحرية.
وما إن انتهت رحلتنا الجديدة مع سهير القلماوي التي ارتحلت بنا، في عوالم جديدة، حتي أصبحت لألف ليلة أوجه مغايرة في وعينا، وأصبح لوعينا أفق مغاير لم يكن له من قبل. ودخلنا دنيا العلم دون أن نتخلي عن راية الخيال، وتعلمنا طرائق الدرس دون أن نفارق لذة الاكتشاف، وتلونا أبجدية المنهج دون أن تفارقنا لهفة انتظار ما يمكن أن يحدث أو يكون. أذكرُ أنني كنت في السنة الثانية من سنوات المدرسة الثانوية حين عثرت علي كتاب سهير القلماوي في مكتبة المدرسة. جذبني إليه العنوان ففتحته، ووجدتُ الكتاب مهديّا إلي طه حسين الذي كانت قد شدتني إليه »‬الأيام"، وألقت بي أسيرا في عوالمه، ولا أزال. ووجدت طه حسين يقدم كتاب تلميذته (في الكتاب الذي نشرته لأول مرة دار المعارف بمصر عام 1943) بقوله: »‬هذه رسالة بارعة من رسائل الدكتوراه التي ميَّزتها كلية الآداب في جامعة القاهرة. وبراعتها تأتي من مؤلِّفتها أولا، فهي السيدة سهير القلماوي، وما أظن الناس في حاجة إلي أن تُعرَّف إليهم سهير القلماوي، فهي قد عرَّفت نفسها إليهم بـ »‬أحاديث جدتي"، وبما نشرت في الصحف من فصول، وبما تحدثت إليهم به في الراديو من مختلف الحديث، وإن كنا نحن أساتذتها قد عرفناها، من قبل ذلك ومن وراء ذلك، بجدها في الدرس ودقتها في البحث وإتقانها للاستقصاء حين تعرض لموضوع من موضوعات العلم».
وعرفت من تقديم طه حسين أن تلميذته لم تكد تظفر بإجازة الليسانس من كلية الآداب حتي أظهرت ميلا شديدا إلي الفراغ لدراسة الأدب الشعبي، وأنه اضطر إلي أن يردها عن ذلك في تلك الأيام البعيدة حتي تستكمل ما تحتاج إليه من أداة البحث. ولذلك وجَّهها إلي دراسة أدب الخوارج حين أرادت أن تُعِد رسالتها لدرجة الماجستير. فلما ظفرت بهذه الدرجة أبت إلا أن تسافر إلي أوربا لتلقي المستشرقين الذين يعنون بدراسات الأدب الشعبي، فتسمع منهم وتتحدث إليهم، وتستعينهم علي دراسة »‬ألف ليلة وليلة» التي أصبحت موضوع رسالتها التي حصلت بها علي درجة الدكتوراه. لم تخف من موضوع الرسالة الصعب والغريب في تلك السنوات. ولم تشفق من الجهود المادية والمعنوية التي فُرضت عليها لتظفر بشيء من التوفيق في درسه. فسافرت إلي فرنسا وإنجلترا ولقيت فيهما من لقيت من الأساتذة المستشرقين، واختلفت إلي دروسهم واسترشدت بهم في بحثها، وزارت المكتبات، ثم عادت إلي مصر لتمضي في درسها، جادة إلي أقصي حدود الجد، موفَّقة في هذا الدرس إلي أبعد غايات التوفيق، حتي أتمت رسالتها التي قدمتها إلي كلية الآداب، ودافعت أمام لجنة الامتحان عن آرائها فيها، وعما اصطنعت من مناهج البحث، دفاعا عرفته لها اللجنة حين ميَّزت رسالتها تمييزا.
وكان الأمر نفسه من التقدير يوم أن تقدمت سهير القلماوي برسالتها إلي مجمع اللغة العربية الذي منحها جائزته الدالة علي تقديره، تلك الجائزة التي كانت سهير القلماوي المرأة الأولي التي تحصل عليها، تقديرا لبراعتها في البحث، وتقديرا لاختيارها موضوع البحث، وتقديرا لألف ليلة وليلة، ذلك الكتاب الذي خلب عقول الأجيال في الشرق والغرب قرونا طوالا، والذي نظر الشرق إليه علي أنه متعة ولهو وتسلية، ونظر الغرب إليه علي أنه كذلك متعة ولهو وتسلية، ولكن علي أنه بعد ذلك خليق أن يكون موضوعا صالحا للبحث المنتج والدرس الخصب.
وحين تحولت رسالة سهير القلماوي إلي الكتاب الذي طبعته دار المعارف، كان الكتاب بداية عهد جديد من المعرفة التي أنزلت »‬ألف ليلة» إلي أرض العلم وساحة العلماء، فأصبحت موضوعا للدرس، يجذب اهتمام مئات الدارسين من بلاد الدنيا. وتكتب عنه مئات الدراسات بلغات العلوم الحديثة. ويُسافر من أجل إتقان درسه إلي جامعات العالم الجديد لإحكام المنهج. ويصبح مجالا من مجالات الدنيا، تشغل العلماء والباحثين في الأدب الشعبي الذي تأتلف حدائقه المهجورة المتنافرة المتناثرة في علاقات جديدة، نتعرف معها معني النقد الاجتماعي ودلالة الاتجاه الديني ورمزية الشخوص ومستويات الحوار، جنبا إلي جنب مذاهب القُصّاص في تصوير ما يصورون من الأغراض، وما يتكشف عن ذلك من مغزي في التاريخ الأدبي الذي يتصل بالحياة الشعبية.
واختفت صورة شهر زاد القديمة. وحلت محلها صورة سهير القلماوي أستاذتي التي لم أكن تعرفت شخصها، أو حتي رسمها، في تلك السنة التي مر عليها خمسة وسبعون عاما، أو يزيد. وحين لقيت سهير القلماوي، وتتلمذت عليها، وجدت لشهر زاد القديمة شبيهة محدثة. وأخذت أعي، شيئا فشيئا، حقيقة شهر زاد التي تصفها الليالي بأنها قرأت الكتب والتواريخ وسيَر الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضين، والتي قيل إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الحالية والشعراء. تحولت المسلية القديمة، الساحرة العتيقة، إلي عالمة، باحثة، شبيهتها القديمة – في الليالي- الجارية تودد، وشـــبيهتهـــا المـــحدثة – في الكشف عن سر الليالي- سهير القلماوي. ولفتت انتباهي كلمات طه حسين التي يصف بها سهير القلماوي مرة أخري. كان يشير إلي حسها الدقيق، وذوقها الرقيق، ومزاجها المعتدل، وطبعها المصفّي في الدرس الأدبي. ولذلك، جاءت دراستها عن »‬ألف ليلة وليلة» مشوقة إلي الكتاب مرغِّبة فيه، فأظهرت ما فيه من كنوز لا تقدَّر، بحيث تشوِّقك إلي أن تلتمسها بنفسك في مصادرها، فتقرأ »‬ألف ليلة وليلة» في أوقات الجد وفي أوقات الفراغ جميعا، وتنال المتعة والمعرفة في آن. أما الجد، فيرتبط بالتحليل الذي يعتمد علي العقل، ويساير أدق مناهج البحث وأحدثها في ذاك الزمان. وأما المعرفة، فتعتمد علي ما يتاح للقارئ أن يعلمه عما لم يكن يعلمه من جوانب قد تصوَّر أنه يعلمها.
ولم أكن الوحيد الذي قادته سهير القلماوي إلي آفاق جديدة من الوعي بكتاب ألف ليلة وليلة. إن جيلي كله يدين لها بذلك. ويدين لها كل الذين تعلموا منها، سواء من جيلها أو الأجيال اللاحقة، معني أن يرتفع الأدب الشعبي إلي حيث يشغل العلماء والباحثين، وحلم أن ينطلق العقل المنهجي في اكتشاف مناطق من »‬ألف ليلة وليلة» تظل في حاجة إلي الكشف.
والمسافة دالة بين ما كتبته سهير القلماوي في مطلع الأربعينيات وما كتبه تلامذتها وتلامذة تلامذتها بعد ذلك، فيما أصبح يعرف باسم »‬تاريخ دراسات الليالي»، وهو التاريخ الذي صنعه تراكم الدرس المنهجي العربي والعالمي في الليالي. وكتاب سهير القلماوي نقطة مضيئة، مشرقة، لامعة في هذا التاريخ منذ أكثر من ثلاثة أرباع قرن. انطوت علي الملامح المنهجية الغالبة علي طرائق أساتذتها الذين أخذت عنهم في ذاك الزمان، والذين تعلمت منهم إجراءات المنهج التاريخي، وآليات التحليل الفيلولوجي، وعمليات الدراسة المقارنة، وكيفيات التحليل النصي الذي يركز علي وحدة الموضوعات. وبقدر ما كانت هذه الرسالة إنجازا علميّا كبيرا في عصرها، من حيث ما قامت به من نقل الكتابة الشعبية الهامشية إلي مركز الاهتمام النقدي، ومن حيث النتائج المنهجية التي توصلت إليها، فإن هذه الرسالة ظلت محافظة علي قيمتها الحية التي تؤكدها الثمار الأخيرة للتحليل النفسي والتحليل الاجتماعي والتحليل التاريخي لألف ليلة، وتجاور البنيوية والتفكيك والسميوطيقا والهرمنيوطيقا في قراءة حكاياتها الساحرة.
مؤكد أن المسافة كبيرة، بالقطع، بين بداية عمل الأستاذة الرائدة التي ردها أستاذها طه حسين عن اقتحام عالم »‬ألف ليلة وليلة» بعد الليسانس، وأمهلها إلي أن تحصل علي الماجستير، وما يحدث الآن، وما نشهده من إقبال لافت علي دراسة »‬ألف ليلة وليلة"، في كل مكان، وبمختلف اللغات. إنها المسافة بين البداية التي تمهد الطريق والوضع الحالي الذي اتسع فيه الطريق، وتفرَّع، وتعدَّد، وتحوَّل إلي عشرات الطرق الممهَّدة التي تفضي إلي طرق أخري غيرها. لكن البداية تظل دائما علامة، إنجازا، حدثا يشار إليه علي سبيل التذكرة والتكريم والعرفان والتقدير والتواصل في تقاليد المعرفة المنهجية والحدوس النقدية التي لا تفقد جدتها بمضي الأعوام.
وحين نقدم كتاب »‬ألف ليلة وليلة» لأستاذتنا سهير القلماوي، في »‬مكتبة الأسرة» لقراء هذا الزمان، فإننا نؤكد هذه القيم، بالقدر الذي نؤكد أهمية دور الرائدة التي لولاها ما وجدنا العشرات من الكتب والمئات من الدراسات، فضلا عن الموسوعات التي تتنافس كلها في جدة المنهج وتعدد المنظور، والتي تشترك كلها في تقدير »‬ألف ليلة وليلة» من منطق التواصل مع التقاليد الخلاقة التي استهلتها دراسة أستاذتنا سهير القلماوي، كل ذلك يجعل منها مجلي آخر من شهر زاد التي قرأت الكتب والتواريخ وجمعت إلي المعرفة بالإبداع، المعرفة بشؤون الثقافة والمجتمع.
-5-
كانت دروس سهير القلماوي مثل كُتُبها الأولي التي قرأناها في سنوات الدراسة، تتميز بما كان يلح عليه أبناء جيلها في ذلك الزمان البعيد، من حيث هي دروس تجمع ما بين الأصالة والمعاصرة، وتمضي علي نهج أستاذها طه حسين؛ ذلك لأن سهير القلماوي كانت علي درجة عالية من المعرفة التراثية التي تمكّنها من الحديث الواثق عن القديم. وفي الوقت نفسه، كانت ثقافتها المعاصرة، واطلاعها علي الآداب العالمية الجديدة، وخبراتها في الترجمة والإبداع، تفتح أمامها من آفاق النقد التطبيقي، في التعامل مع نصوص الأدب القديم والجديد، ما دفعنا دفعا إلي المقارنة بينها وبين زملائها من الأساتذة الذين اقتصروا علي ثقافة الموروث، فعجزوا أن يكونوا مثلها في امتلاك قدرة التحليق في فضاء المعرفة الرحيب بجناحي الأصالة والمعاصرة.
هكذا، سمعنا من سهير القلماوي عن أهمية العودة إلي النص الأدبي، وضرورة التركيز علي عناصره التكوينية الخاصة إذا أردنا أن نكون نقادا بحق. لقد ظل العمل الأدبي، فيما كانت تقول: »‬أشبه بالغرفة التي يدخلها النقاد ليتطلعوا من نوافذها إلي ما يقع خارجها، وآن الآوان لأن نلتفت نحن إلي هذه الغرفة، ونتعمّقها بحثا وتحليلا وتفسيرا. وإذا كان التحليل هو اكتشاف العناصر التكوينية للعمل الأدبي، من حيث هو عمل أدبي، فإن التفسير اكتشاف العلاقات التي تصل بين هذه العناصر، والتي تمنح العناصر نفسها المعني والدلالة. وإذا كان علينا أن نبدأ بالتحليل، ونتعمق فيه، فمن المهم أن نحاول المرة بعد المرة الإنصات إلي صوت العمل الخاص، واكتشاف النغمات المائزة له علي وجه أقرب إلي اليقين، فهذه النغمات هي العناصر التكوينية التي تقودنا إلي اكتشاف الدلالة الأدبية علي مستويات التفسير المختلفة».
ولم يكن مثل هذا الكلام مألوفا لأغلب أساتذتنا في قسم اللغة العربية الذين تعوّدوا أن ينظروا إلي الأدب بوصفه وثيقة دالة علي حياة الكاتب أو عصره أو بيئته أو مجتمعه، فذلك فهمٌ شجّع عليه شيوع الدعوة إلي الواقعية الاشتراكية التي انتشرت انتشار النار في الهشيم طوال سنوات المد القومي والدعوة إلي الاشتراكية. وكان علي سهير القلماوي نفسها أن تبحث عن العلاقة بين الأدب والقومية أو الأدب والوحدة العربية أو حتي الأدب والثورة. فكلها موضوعات كان لا بد من الحديث فيها أو عنها، في غمرة التيارات السائدة التي فرضها الصعود الثوري للدعاوي الجديدة التي اقترنت بتحولات ثورة يوليو 1952، التي لم تكن سهير القلماوي في حالة عداء معها، فهي أصلا كانت وظلت تؤمن بأنه ما من أحد يستطيع أن ينكر علاقة الفن بالحياة أو حتي علاقته بالمجتمع، فالفن له تأثير، مثل الأدب، يقع خارجه علي مستوي المتلقّي الفرد أو المتلقين بصيغة الجمع، لكن هذا التأثير لا ينفي عن الفن فنيته، ولا عن الأدب أدبيته، ولا عن الشعر شعريته. ولذلك بقدر ما كانت تربط الفن والأدب والشعر بالحياة من حولها، كانت تؤمن بأهمية التكوين الداخلي والذاتي للفن أو الأدب أو الشعر، وذلك عن طريق الخصوصية النوعية التي تجعل من الفن فنّا ومن الأدب أدبا ومن الشعر شعرا...إلخ. ولذلك كانت مع الفريق الذي يربط الفن بالحياة والمجتمع من ناحية، ويؤكد، في الوقت نفسه، الخصائص الذاتية التي تجعل من الفن فنّا.
 وما كان أبعدها في ذلك عن الذين يدعون إلي عزلة العمل الأدبي عن عصره، والاغتراب بالنص الأدبي عن مهمته الثورية في تغيير الواقع. ولكن للأسف كان خصومها من مراهقي الماركسية وأصوليّ الواقعية الاشتراكية يتهمونها بالرجعية، ويصلون بينها وبين رشاد رشدي في الدعوة إلي عزلة العمل الأدبي عن عصره والاغتراب بالنص الأدبي عن مهمته الثورية في تغيير الواقع، والحق أن سهير القلماوي بقدر ما كانت أبعد ما تكون عن الدعاوي النظرية لكل من رشاد رشدي ومدرسته، كانت أقرب ما تكون إلي دعوة لويس عوض ومحمد مندور لأهمية التفسير النصي للأعمال الأدبية، ولهذا لم تأخذ من دعاة »‬النقد الجديد» في أصوله الأجنبية إلا ما يرتبط بالتحليل النصي للأعمال الأدبية. ولذلك كانت تؤكد استقلال العمل الأدبي في الوقت الذي كانت تؤكد صلته بغيره من أوجه الحياة، لكنها كانت تلح علي التمييز بين النقد الأدبي بمعناه الحق وعلم اجتمــاع الأدب أو علم نفس الأدب أو علم سياسة الأدب أو التاريخ الأدبي علي السواء. وكانت تقول لنا: »‬إذا أردتم أن تكونوا نقادا فدونكم العمل الأدبي، ادرسوه في ذاته، من حيث هو عمل أدبي، ولا تكونوا كالجراح الذي ينشغل عن إجراء العملية الجراحية للمريض بالبحث عن أوضاعه الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية». وكانت تقول لنا: »‬إن الناقد لا يكون ناقدا بحق إلا إذا كان ما يحسنه من التراث في وزن ما يحسنه من علوم العصر، وما يتقنه من معارف العرب لا يقل عن ما يتقنه من معارف غير العرب من علوم العصر ومناهج درسه الحديثة».
وكانت جسارتها في الدعوة إلي اكتشاف ما أصبح يعرف بعد ذلك باسم »‬أدبية الأدب» و»‬قصية القص» و»‬شعرية الشعر» تقودنا إلي آفاق باهرة في ذلك الزمان البعيد. وكم جلسنا إلي مكاتبنا، واصلين الليل بالنهار، ونحن نحاول تطبيق ما تعلمناه منها علي نصوص أدبية، تركت لكل واحد فينا حرية اختيارها، فقد كان حرصها علي حرية الاختيار الوجه الآخر من حرصها علي الغوص بنا عميقا في عالم الأعمال الأدبية. وقد سبق أن ذكرت أن القصيدة الأولي التي تعرفت عليها من شعر أحمد حجازي كانت بصوتها في قاعة المحاضرات، حيث قامت بتحليل تفصيلي معنا للقصيدة ابتداء من اختيار الكلمات، مرورا باختيار التفاعيل للوزن العروضي، وانتهاء بالمقاطع التي تتكون من علاقاتها الدلالية والصوتية، وحدة القصيدة، وبعدها أخذت تحدثنــا عـن صلاح عـبد الصبور الذي كانت تكنّ له تقديرا خاصّا، وتدفعنا إلي البحث عن نماذج مشابهة من الشعر الحداثي والقصة والمسرحية. ولن أنسي درسها التحليلي عن قصة نجيب محفوظ »‬زعبلاوي» التي علمتنا بها، لأول مرة، معني تعدد مستويات الدلالة وتنوع مدلولات الرمز.
وقد دفعنا ذلك إلي متابعة ما كانت تكتبه في المجلات الدورية التي عاصرناها، فوجدنا في »‬الكاتب» مقالاتها المتتابعة عن قراءات جديدة في التراث الشعري القديم، فتحت أعيننا علي الأبعاد الدالة للتكرار البلاغي في موازاة الأبعاد المقابلة في الدوال الرمزية، وذلك في جدة وأصالة لم نجدها عند دارسي التراث الأدبي الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس. وقد لفتت انتباهنا في هذه المقالات المبكرة التي نشرتها مجلة »‬الكاتب» في بداياتها إلي معني الاكتشاف النقدي، وجسارة التعمق في التحليل المنهجي الحديث، خصوصا إذا كان هذا التحليل المنهجي ينبع من معرفة عميقة بالنظريات النقدية الغربية. وأعني بالمعرفة العميقة هنا المعرفة التي لا تنقل وإنما تتمثل وتستوعب بعمق، ثم بعد ذلك تنتج من أدوات التحليل والتفسير والتأويل ما يسهل تطبيقه حتي علي النصوص الجاهلية التي لم يكن يعرفها القراء المحدثون في عالم الستينيات.
وكان منطلقها في تحليل النص الأدبي الجاهلي هو منطلقها نفسه في تحليل النص الأدبي الحديث أو المعاصر، مدمرة بذلك الأسطورة التي حاول أن يغرسها في وعينا تلامذة شوقي ضيف وطريقته التقليدية في أن الشعر القديم لا يفهم إلا بمناهج قديمة، يغلب عليها نثر النظم، أو الشرح الساذج للمعاني القريبة أو المعاني الأولي بلغة عبد القاهر الجرجاني، وليس المعاني الثواني أو حتي معاني المعاني التي تقودنا إلي تعدد الدلالة وتنوعها وتباين مستوياتها. وكانت في ذلك تبدأ من حيث انتهي أساتذتها خصوصا طه حسين وأمين الخولي، فقد اتفق كلاهما علي أن أول التجديد هو قتل القديم فهما، ووصل الفهم الجديد بالقديم بكل ما يمكن أن يستوعبه العقل النقدي من نظريات الفن ومناهج الدرس الأدبي في امتداده الذي يصل الأدب بفلسفة الفن في أعمق معانيها. ولذلك اهتمت سهير القلماوي كل الاهتمام بمبحث الأداة في الفنون. وهي اللغة في حالة الشعر، والمشهد في حالة المسرح، والسرد في حالة الرواية، والنغم في حالة الموسيقي، والحجر والكتلة في حالة النحت والعمارة.
وأظن أن سهير القلماوي هي أول من كتب في اللغة العربية عن نظرية الفيلسوف والناقد الألماني جوتهولد إفرايم ليسينج التي شرحها وبسطها في كتابه العظيم: »‬لاؤوكون". وهو كتاب يتتبع فيه هذا الفيلسوف الألماني وعالِم الجمال كيف يختلف الفن باختلاف الأداة فيه، فاللغة تجعل من الزمن أساسا لها في الامتداد، والرسم يختلف عنها من هذا المنظور، فالرسم مثلا المعول فيه علي تثبيت اللحظة الزمنية (البرهة) سواء في صياغة اللوحة أو تشكيل التمثال، فأداة الشعر زمنية، وأداة التشكيل - في حالتي النحت والتصوير والعمارة - مكانية، والعلاقة بينهما علاقة تمايز وتواصل وانقطاع أحيانا. وقد توقف ليسينج عند تمثال »‬الراهب» الذي تتحدث عنه الأساطير اليونانية باسم »‬لاؤوكون"، والذي عاقبته الآلهة بأن سلّطت عليه أفاعٍ ضخمة كي تنهشه نهشا هو وأولاده البؤساء. ولا أزال أذكر النبرة التي كانت تتحدث بها أستاذتي سهير القلماوي عن هذا التمثال الذي رأته بعينيها والذي يصور الراهب الذي يستجير به أطفاله الصغار والبراثن الوحشية تنهال عليهم من كل اتجاه، والفارق بين بلاغة النحت في هذا التصوير وبلاغة الرسم وأخيرا بلاغة الشعر. وانتقلت الدكتورة سهير القلماوي من ذلك إلي زمكانية اللغة وإيقاعها الذي يمر عبر الزمن ليمنحنا الإيحاء بتعاقب المكان وتغير الزمان في الوقت نفسه. هكذا أدخلتنا في صلب دراسة النص الأدبي في ذاته، ودفعتنا إلي أن نبحث عن دور الأداة، وهي اللغة في حالة الشعر، والسرد في حالة الرواية، والتشكيل في حالة الفنون التشكيلية، بل جعلت من مصطلح (التشكيل) نفسه مصطلحا ينتقل إلي نقد الشعر ويعين الناقد علي رؤية القصيدة بوصفها تشكيلا في اللغة وباللغة في الوقت نفسه.
وأظنني كنت مخلصا لما تعلمته منها عندما أصررت، وأنا في المركز القومي للترجمة، علي أن أبحث عن كتاب »‬لاؤوكون» وأكلف بترجمته الدكتورة فوزية حسن، وبالفعل صدرت الترجمة في العدد رقم 1354 من منشورات المركز القومي للترجمة، سنة 2009. وقد صدّرت الدكتورة فوزية حسن الترجمة بدراسة عن فيلسوف الفن والحضارة »‬جوتهولد إفرايم ليسينج» وكتابه العلامة الذي يعد صاحبه أول من أثار الانتباه للعلاقة بين الفن التشكيلي وفن الشعر، وحاول الربط بينهما ومقارنتهما معا من منظور جديد كل الجدة. وقد وجدت للدكتورة سهير القلماوي مقالا في إحدي الدوريات القديمة عن مأساة »‬لاؤوكون"، كما وجدتها تكرر الحديث عنه في مقالات أخري. ولا أظن أنني أسرف في الاجتهاد لو قلت إن ما ذكره المرحوم الدكتور عز الدين إسماعيل بعد ذلك عن »‬زمكانية اللغة"، إنما هو أثر من الآثار الإيجابية التي تركتها في نفسه محاضرات أستاذتنا الدكتورة سهير القلماوي عليها رحمة الله.
والحق أن هذه السيدة هي نفسها التي علّمتنا في محاضراتها ما كان يقصد إليه ت.إس. إليوت عن معني »‬التقاليد والمواهب الفردية"، فقد كانت تطور مقولة طه حسين وأمين الخولي بأن أول التجديد هو قتل القديم فهما، بتأكيد أن الشاعر العربي المعاصر لا يمكن أن ينبغ إلا إذا كان واعيا بتراثه الشعري كله ابتداء من أحدث شاعر في عصره، وانتهاء إلي أقدم شاعر في تراثه. ولذلك فإن أصالة الإبداع الحقيقي لصلاح عبد الصبور – مثلا - لا يمكن أن تتحدد إلا بأمرين: الأمر الأول هو تواصله الخلاق مع شعراء عصره، مثل إبراهيم ناجي وعلي محمود طه إلي العصر الجاهلي بأقدم شعرائه، وأن أصالة صلاح عبد الصبور لا تتحدد بهذا الوعي فحسب، وإنما تتحدد بإضافته – أي صلاح عبد الصبور- رؤيته العصرية. أعني رؤيته الفردية إلي عالمه المعاصر، ولكن بما لا ينفي – قط - العلاقة بين هذه الرؤية وعصرها من ناحية، وعلاقتها بماضيها المنتسب إلي هذا التراث بالمعني الخلاق الذي تنسحب دلالته علي كل من صلاح عبد الصبور علي مستوي الموهبة الفردية، وعلي علاقته وغيره – إيجابا أو سلبا – بالتراث، من حيث التواصل الخلاق بين الأقدم والأحدث. وبهذا المعني الجديد يتحدد فهم سهير القلماوي لمقولة ت. إس. إليوت عن التقاليد والموهبة الفردية. ولا أزال أذكر أن سهير القلماوي كانت تنقل عن ت. إس. إليوت فكرته في أن عقل الشاعر يتميز بأنه يقيم علاقات بين ما لا يتصل أو ما لا نري نحن - القراء العاديين - اتصاله، فقراءة كتاب للفيلسوف الهولندي سبينوزا – مثلا - تتجاوب ورائحة الطهو، كما يتجاوب كلاهما مع دقات الآلة الكاتبة في عقل الشاعر الذي يصنع دائما علاقات جديدة بين أشياء لا يتصور الإنسان العادي إمكان وجود علاقات بينها، فعقل الشاعر كخياله يبنيان دائما كليّات علائقية جديدة لم تكن موجودة من قبل.
ولقد كنتُ ألاحظ دائما أن انحياز سهير القلماوي إلي الدراسة الفنية للأدب المعاصر كانت توازي تماما اهتمامها بالدراسة نفسها للتراث العربي القديم. وأتصور أنه الآن وبعد مرور واحد وعشرون عاما من وفاة سهير القلماوي (مايو 1997) وما أكتبه الآن، فأنني أري تأثرها الواضح بمدرسة »‬النقد الجديد» في كل من إنجلترا والولايات المتحدة. فإن فهمها الأدبي لمعني القيمة في الفنون من حيث هي تحقيق لأقصي درجات التوازن بين أقصي درجات التعارض، لا تكاد تختلف كثيرا عن المعني السيكولوﭽـي للقيمة الذي رأيناه في كتابات الناقد الإنجليزي إيفور آرمسترونج ريتشاردز، وهو الثاني في حركة» النقد الجديد» التي بدأت من إنجلترا وازدهرت في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال نقاد من طراز: كلينث بروكس، جون كرو رانسوم، وآلان تيت وغيرهم من أقطاب المدرسة التي حاول أن يروج لها رشاد رشدي في زمنه الذي انقضي، والذي كان يصل بقدر ما كان يباعد بينه وبين سهير القلماوي.
 وأعتقد أن المصادر الثقافية لنقد سهير القلماوي الأدبي لم تكن متوقفة علي المدرسة البريطانية في النقد الأدبي فحسب، وإنما تمتد إلي المدرسة الأمريكية في الوقت نفسه. وإذا أردت الدقة فأنني أقول إن البداية كانت من دراستها في فرنسا حين تعلمت – فيما تعلمت - علي أيدي مدارس »‬شرح النصوص» تحليلا وتفسيرا، وهي المدرسة التي سبق إليها في التأثر بها محمد مندور (1907-1965) الذي سبقها في الذهاب إلي فرنسا.
 وأعتقد أن من حق سهير القلماوي علينا، نحن الذين تعلمنا علي إيديها المعاني الحقيقية والدقيقة للنقد الحديث والمعاصر علي السواء، والتي تعلَّمنا منها الدلالات الأولي للحداثة، والإيمان بالتحليل النصي الذي يهتم بالعناصر التكوينية الدقيقة والمحايثة في العمل الأدبي، علينا أن ندفع طلابنا إلي دراسة الأسس النظرية للنقد التطبيقي الذي مارسته سهير القلماوي علي امتداد ما يقرب من نصف قرن، وذلك في الدائرة التي كانت تصل بينها وبين زميلها محمد مندور (1907- 1965) الذي ولد قبلها بأربع سنوات، ودرس مثلها في فرنسا، والتي كانت تصل بينها وصل التوازي وبين زميلها لويس عوض (1915-1990) الذي كان النقيض النقدي لكل من رشاد رشدي (1912-1983) وزكي نجيب محمود (1905- 1993)، والتي كانت تباعد بينها وبين محمود أمين العالم (1922- 2009) وحسين مروة (1910-1987) في آن.
وقد بدأت سهير القلماوي خطواتها الجامعية الأولي بالإلحاح علي أستاذها طه حسين بأن يرعاها في دراسة »‬ألف ليلة وليلة» التي قرأتها وشغلتها منذ صباها الباكر، ولكن أستاذها طه حسين أدرك المصاعب التي يمكن أن تحول بينها وبين التعمق في هذه الدراسة، فدفعها إلي أن تبدأ حياتها الأكاديمية بدراسة شعر الخوارج موضوعا للماﭽستير الذي حصلت عليه في أبريل عام 1937، وبعد أن استراحت من عناء الدراسة في الماﭽستير سمح لها الأستاذ أن تبدأ ملحمتها الكبري في الدراسة النصية بدراسة »‬ألف ليلة وليلة"، فسافرت إلي فرنسا لتدرس في السربون، وتفيد من المناهج الحديثة في دراسة »‬ألف ليلة وليلة"، وعادت من باريس بعد عامين في سبتمبر عام 1939، وأكملت الرسالة التي ناقشتها عام 1941، وأصبحت السيدة الأولي الحاصلة علي درجة الدكتوراه في الآداب في الجامعة المصرية، ومن ثم في كل جامعات العالم العربي التي لا تراث لها مثل تراث الجامعة المصرية.
الطريف أنني عندما أتأمل الآن في دراسة الماﭽستير ثم دراسة الدكتوارة، أجد أن أستاذتي اختارت »‬الكتابة الهامشية» التي تخرج علي تيار الكتابة السائدة، موضوعا لإطروحة الماﭽستير ثم الدكتوراه، فاختارت شعر الخوارج موضوعا للماﭽستير، وانتقلت منه إلي دراسة »‬ألف ليلة وليلة» التي طافت بها ما بين الشرق والغرب، وانتهت من دراستها بكتابها الفذ عن »‬ألف ليلة وليلة» الذي نشر للمرة الأولي عن دار المعارف، سلسلة الدراسات الأدبية عام 1943، مستهلا عهدا جديدا من الدراسات الشعبية من ناحية، والأساليب المنهجية الجديدة في دراسة النصوص الأدبية من ناحية ثانية. لكن تظل رسالتي الماﭽستير والدكتوراه علامة منهجية بارزة في الدراسات الأدبية من منظور المنهج التاريخي المقارن من ناحية، ومن منظور تسليط الضوء الباكر علي الكتابة الهامشية والاهتمام بما أطلقتُ أنا عليه، بعد ذلك بحوالي نصف قرن، اسم: »‬بلاغة المقموعين» مستجيبا إلي بذور التلمذة الأولي التي انطويت عليها من دروس الأستاذة التي أصبحت لي أمّا بكل معني الكلمة.
هل كان مصادفة أن تندفع سهير القلماوي إلي دراسة شعر الخوارج بعد تخرجها مباشرة، وإلي دراسة »‬ألف ليلة وليلة» بعد شعر الخوارج؟! لا أظن أن الأمر يخضع للمصادفة، خصوصا عندما أسترجع ما كانت تحكيه لي من ذكرياتها، في مناقشة أطروحتها الأولي والثانية، فقد هاج المحافظون علي أستاذها طه حسين، ونددوا بهذه الشابة السافرة التي تجلس مجلس الرجال، ويجلس أمامها الرجال الذين يقومون بامتحانها في حضرة رجال آخرين غرباء. واضطر طه حسين أن ينقل المناقشة من مكانها المعلن إلي مكان آخر، وأن تجتاز سهير القلماوي امتحان الماﭽستير والدكتوراه في غرفة مغلقة، بعيدا عن عيون وصيحات الغاضبين الذين لا يكفّون عن استغلال الدين لتبرير التخلف. وخرجت سهير القلماوي دكتورة من هذه التجربة التي زادتها صلابة وقوة، كأنها أصبحت وريثة »‬شهر زاد» التي تنقل إلي كل من حولها آفاق المعرفة الواعدة، منتصرة بإبداع العقل علي القوة الغاشمة لتخلف كثير من الرجال الذين لا يفارقون التقليد الجامد والنقل الجاهل، فكان انتصارها رمزا مجدِّدا لتحرر المرأة العربية وتحرير وعيها بحضورها الفاعل في الوجود.
لقد اختارت طريق أستاذها الذي ظل يؤثر الجديد الحي علي القديم الميت، ويستبدل اقتحام الأفق المغلق بالسير في الطرق الآمنة الممهَّدة، ونقلت السر الخلاق للجسارة والشجاعة والجرأة والإيمان بالمبدأ الأصيل للتطور من أستاذها إلي تلامذتها الذين ظلت تعاملهم بوصفهم أبناءها، دون تفرقة بين ذكر وأنثي، أو بين مصري وعربي، تلامذتها الذين علمتهم أن يضيفوا إلي ما أنجزت، وأن يصلوا إلي أبعد مما وصلت إليه، تاركة لكل منهم اختيار منهجه، وحرية تفسير مادة موضوعه حسب تصوراته الفكرية الخاصة، محافظة في ذلك علي تقاليد ليبرالية أصيلة، فكان من هؤلاء التلامذة الماركسي الماويّ والتروتسكي، كما كان منهم القومي والناصري والليبرالي، وبعد ذلك الواقعي والبنيوي والتفكيكي...إلخ، فاجتمعت فيهم كل ألوان الطيف السياسي والفكري والنقدي. ومضت هي تواصل إلي جانب مهمة التدريس والإشراف علي الرسائل الجامعية، كتابة المقالات في شؤون الحياة العامة وفي مجالات النقد الأدبي بمعانيه النظرية والتطبيقية بخاصة، فكتبت العشرات من المقالات في النقد الأدبي بمجاليه النظري والتطبيقي. وقد بدأت بالكتابة عن الشعر بين الفنون، وعن نظرية »‬لاؤوكون»، واستمرت تكتب المقالات في مجلات: »‬أبوللو» و»‬الهلال» و»‬العربي» و»‬الآداب» و»‬الكاتب» و»‬المجلة» و»‬الفنون» وغيرها مما حاولتُ جمعه في هذا المجلد، وما يخص النقد الأدبي وحده، وجعلته باسم: »‬مقالات في النقد الأدبي»، وذلك في مجلد يضاف إلي بقية ما تركته هي لنا من مؤلفاتها: (أدب الخوارج، ألف ليلة وليلة، مع الكتب) وإبداعاتها: (أحاديث جدتي، الشياطين تلهو) وترجماتها: (ترويض النمرة، رسالة أيون، عزيزتي أنتونيا، رسائل صينية، هدية من البحر، كتاب العجائب) هذا فضلا عن قصائدها الموجودة في مجلة »‬أبوللو» فقد كانت شاعرة واعدة، سرقها الدرس النقدي المنهجي، إلي آخر أنشطتها الثقافية والاجتماعية، متعددة الجوانب، متنوعة الاتجاهات، وذلك كله بما يجعل منها علامة ساطعة في تاريخ الثقافة العربية التي تدين لها بالكثير، مثلنا نحن تلاميذها الذين أودعت فيهم أحلامها عن المستقبل الذي يتحقق بالعلم والجامعة التي تتأسس بالحرية. وها نحن نجدد لها العرفان بالفضل، ونحن نحتفل بمرور خمسين عاما علي تأسيس معرض الكتاب الدولي الذي أسستْهُ وافتتحه معها ومشاركا لها ثروت عكاشة، أهم وزير للثقافة في تاريخنا المصري الحديث، رحمهما الله معا.