رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

البحث عن خلاص: الرواية العربية في مرآة كافكا!


محمد آيت ميهوب
1/5/2019 11:29:00 AM

من منّا لم يقرأ فرانز كافكا ولم يجد نفسه مأسوراً بشيء في كتاباته كالسحر الخفي تحاول له حصراً فإذا بك أنت المحاصر، وتسعي إلي أن تجد له تسمية فإذا بك تنسي كل الأسماء؟ ومن تجرّأ علي الكتابة يوماً ولم يتوقف طويلاً عند روايات كافكا؟ ومن قرأ أعماله ولم يته في ردهات »القضية»‬، ولم يشعر بالرهبة وهو يقف أمام »‬القصر»، أو لم يحاول الفرار من »‬مستعمرة العقاب»، ولم يشمئز من تفاهة الوجود البشري وعبثيته وهو يتصفح »‬المسخ» ويتابع المآل التراجيدي للشاب غرغوار سامسا يتحول إلي خنفساء ثم ينسكب في البالوعة مع ما انسكب فيها من ماء قذر؟ كيف استطاع هذا الكاتب المغمور المنعزل غير الواثق مما يكتبه من أوراق، أن يصير له كل هذه السطوة والتأثير في أجيال كثيرة لحقته من الكتّاب في الغرب والشرق؟ وكيف حدث أنّ هذه الآثار الأدبية المتشظية غير المكتملة في كثير منها والتي اعتبرها صاحبها غير جديرة بالخلود والنشر، قد استطاعت أن تصبح أحد المعالم القوية الراسخة في الأدب الغربي المعاصر بل قل في الأدب العالمي؟ لماذا نشعر أنّ كافكا الغريب عنا في أشياء كثيرة، هو قريب إلينا عالقة روحه بنفوسنا وكأنه أخ صغير لنا مات يافعاً وظلت ذكراه حيّة لا تشيخ؟

عنّت بخاطري هذه الأسئلة وغيرها كثير وأنا أقرأ كتاب »‬كافكا والكافكوية والرواية العربية والبحث عن الخلاص» الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، للناقد والأكاديمي العراقي اللامع نجم عبد الله كاظم. والمؤلف هو أحد أبرز النقاد العرب المتخصصين في الدراسات السردية عامة وفي الرواية  والأدب المقارن خاصة، وله في هذه المجالات مصنفات عديدة تجل عن الحصر توّج الكثير منها بجوائز عربية ذات صيت عال، ونذكر من أعماله »‬ مقدمات وأبحاث تطبيقية حديثة في الأدب المقارن»، و»‬أمريكا والأمريكي في الرواية العربية»، و»‬جماليات الرواية العربية»، و»‬الرواية في العراق وتأثير الرواية العربية»، و»‬أيقونات الوهم: الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث»، و»‬رواية الفتيان: خصائص الفن والموضوعات»، و»‬نحن والآخر في الرواية العربية»، و»‬هومسيك، الوطن في غبار المبدعين».
يقع هذا الكتاب إذن في صميم اهتمامات نجم عبد الله كاظم البحثية والنقدية ويمثل تجربة جديدة من تجاربه في الأدب المقارن والنقد التطبيقي. وقد جاء صدوره هذه السنة 2018، في الوقت المناسب حقا. فلئن سبق للنقد العربي أن تحدث عن كافكا منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، فإنّ ذلك الحديث لم يسلم من التناول الإيديولوجي الضيق الذي يُسقط لدي التعامل مع أدب كافكا مشاغلَ الذات القارئة العربية وهواجسها القومية والسياسية الجماعية. ذلك أنّ تناول كافكا بالنظر قد تم في عدد كبير من المقالات والدراسات الأدبية التي توزعت بين التعريف بكافكا حياته وآثاره، أو مهاجمته واتهامه بالصهيونية ومعاداة العرب، أو الدفاع عنه وتبرئته من تهمة الصهيونية. وفي كل الحالات ينتبذ النص الكافكوي ولا يتعامل معه بوصفه نصاً أدبياً في المقام الأول ينبغي معالجته من الداخل وفق آليات النقد الأدبي، فيسقط التحليل في الانطباع ويغدو كافكا مرقاة لمواجهة الخصوم الإيديولوجيين ومقارعة الموقف السياسي بالموقف النقيض. أما دراسة جماليات الكتابة عند كافكا ومميزات البني السردية لديه والتعمق في مضامين مؤلفاته والتساؤل عن السر الذي حيّر النقاد الغربيين قبل العرب، سرّ السحر الذي مارسه كافكا علي كل من قرأه وجعل كبار الكتّاب في النصف الثاني من القرن العشرين يتخذونه إماما لهم، وأما النظر المتأني العميق في أسباب تأثر الأدباء العرب علي اختلاف مشاربهم الفكرية بكافكا رغم ضعف أسباب الشبه بينهم وبينه... فتلك كلها مسائل لم يعطها النقاد العرب كبير اهتمام وعناية ولم يجعلوها مداراً لنقاشاتهم في كافكا.
لذلك فقد جاء هذا الكتاب في الوقت المناسب، ولعله ما كان يمكن أن تظهر هذه الدراسة قبل الآن فعلاً. فمنذ صدور كتاب الناقدة العراقية بديعة أمين »‬هل ينبغي إحراق كافكا؟» سنة 1983، وربما كان أشهر ما يعلق في الذاكرة من الكتب التي خاضت في النقاش الإيديولوجي حول كافكا، جرت مياه كثيرة تحت نهري الرواية والنقد العربيين مثلت مكتسبات مهمة صارت تسمح اليوم موضوعياً بظهور دراسة في جدية دراسة نجم عبد الله كاظم وعمقها. فخلال هذه السنوات الطويلة حققت الرواية العربية تراكماً كمياً مهماً وتطوراً كيفياً لافتاً، وبالتوازي مع ذلك شهدت الدراسات السردية الأكاديمية نقلة نوعية تعمقت فيها مقاربة النص السردي واستفادت من حقول معرفية كثيرة كاللسانيات والسيميولوجيا والعرفانية والتداولية، ووقع استثمار السياقات الحافة بالنص، وانتشرت الدراسات النصانية المهتمة بالتناص في مختلف أشكاله. وغني عن البيان طبعا الإشارة إلي ما عرفه الأدب المقارن في الجامعات العربية ولدي النقاد من اهتمام ومتابعة جعلاه يصير مدخلاً من مداخل قراءة الرواية العربية بعد أن ظل ردحاً من الزمن حقلاً معرفياً مجهولاً.
>>>
هذه العناصر كلها مثّلت عوامل موضوعية ملائمة لظهور كتاب »‬كافكا والكافكوية والرواية العربية والبحث عن الخلاص»، لكن ما كان لهذه الدراسة أن تتم طبعاً لولا توفر عامل موضوعي أساسي لا بدّ منه أشار إليه المؤلف في مقدمة الكتاب، وهو المتعلق بالحضور الكثيف لكافكا والكافكوية في الرواية العربية إن بطريقة مباشرة وإن بطريقة غير مباشرة. فهذا الحضور بارز واضح لا ريب فيه وأكبر دليل يؤكده هو كثرةُ الكتّاب العرب الذين نجد لديهم تأثراً بكافكا وتفاعلاً مع آثاره، وطولُ المدة التي استغرقها تأثير كافكا في الروائيين العرب، إذ ابتدأ هذا التأثير منذ الخمسينيات وما يزال فاعلا إلي اليوم.
بيد أنّ هذه العوامل الموضوعية جميعاً ما كان لها في رأيي أن تنجب هذه الدراسة لولا توفر عامل ذاتي تحدث عنه نجم عبد الله كاظم في المقدمة كذلك بكل حماس وحنين وفخر، ويتصل بمتانة علاقته بكافكا قارئاً ودارساً لمدة تتجاوز أربعين عاما أثمرت بحثين أكاديميين سابقين نشرا في مجلتين أكاديميتين إحداهما تصدر عن جامعة بغداد والثانية عن جامعة دمشق. فهذا الكتاب مخاض عشرة طويلة ومحبة عميقة ومداومة نظر في أدب كافكا وامتداده في نصوصنا الروائية. وهذه كلها أسباب خفية تفسر لنا ما تحقق للعمل من نجح وسداد. وفي هذا أيضا ميزة تميز كافكا وتجعله كاتباً فريداً في تاريخ الأدب العالمي. إنّ كتابا كثيرين نقرؤهم وتستهوينا كتاباتهم ونتعلم منهم الكثير ومع ذلك لا يدخلون قلوبنا ويظلون يتسكعون في الساحة الخلفية من العقل، نتعامل معهم تعاملاً براغماتياً محضاً ونحترمهم ونجلّهم ونحسدهم، لكننا لا نعشقهم ولا نجنّ بشخصهم جنوننا بأدبهم. أما كافكا فالأمر معه مختلف تمام الاختلاف. هذا كاتب لا يتأثر به روائي أو ناقد أو شاعر إلا لأن كل واحد من هؤلاء وغيرهم قد أحبه وشط في حبه، لأسباب غير معروفة في أغلب الأحيان. من أندريه جيد ويونسكو وكامو، إلي رولان بارت وموريس بلانشو ومارت روبير وفيليب روث، فبرنار بينغو وغريزلدا لايرنر وهاروكي موراكامي.. تاريخ طويل من الوله بكافكا ولهاً لم يعرفه أيّ كاتب آخر، ولم يحدث لأي كاتب آخر أن كان بطلاً لأعمال روائية تجل عن الحصر. وقد حاولت الناقدة الفرنسية مارت روبير في كتابها »‬وحيداً مثل كافكا» أن تقدم تفسيراً مقنعاً لهذه الظاهرة فقالت: »‬الغريب أنّ كافكا الذي لم ينتم طيلة حياته إلي أيّ تيار أدبي، صار بعد وفاته قائد كل أولئك الذين يتوقون إلي حل مشكلات عاجلة فصاروا يبدعون أو يسعون إلي بعث طليعة جديدة». ولكن هذا التفسير يظل محدوداً وجزئياً جداً لا يفسر إلا جانباً واحداً من جوانب الحاجة إلي كافكا، ولا نراه يشفي الغليل حقا ويكشف لغز كافكا وقدرة كتاباته علي أن تجتاح كيان القارئ دون أن يرغب في ذلك بل دون أن ينتبه، إلي الحد الذي يصبح فيه كافكا جزءاً من كيان ذلك القارئ. وأدلي رولان بارت في السبعينيات بدلائه في مقاله »‬جواب كافكا» ففرق بين كافكا والكافكوية قائلا: »‬كافكا ليس الكافكوية. منذ عشرين سنة والكافكوية تغذي الأعمال الأدبية الأكثر اختلافاً من كامو إلي يونسكو(...). ولما كانت آثار كافكا واقعية وذاتية في الآن نفسه، فإنها تسعف كل الناس ولا تستجيب لأحد. والحق أنه قلما وضعت أعمال كافكا موضع السؤال والنقاش، لأنه لم يكن المطروح مساءلة كافكا بقدر ما انصب السعي دائما إلي الكتابة في ظل مواضيعه». و لئن حلّ هذا التفسير جانبا كبيرا من اللغز مرجعاً سحر كافكا إلي أسبقيته في فتح دروب جديدة من المواضيع سار علي خطاه فيها من جاء بعده، فإنه لا يفسر لنا ظاهرة غريبة أخري تتصل بالتفريق بين كافكا والكافكوية وهي شمول اللجوء إلي كافكا مجالات حياتية لا صلة لها بالأدب، فيقال »‬هذا كافكوي» دلالة علي كل مسألة معقدة لا حل لها. ويزداد الأمر تعقداً حين نوازي بين سطوة كافكا وسحره وتطور التيارات الأدبية والفكرية والفنية بعد وفاته، فنجد بدءاً من ثلاثينيات القرن العشرين، أن لكل عقد كافكا خاصاً به تبعا للتيار السائد حينها.
>>>
علي هذا النحو نري أنّ نجم عبد الله كاظم كان موفقاً جداً حين بني البحث علي ملاحظة ذكية قاده إليها التباين بين المشارب الفكرية والسياسية للروائيين العرب المتأثرين بكافكا من جهة، والنزعة الفلسفية العامة لأدب كافكا من جهة أخري. ففي حين ينزع هؤلاء الروائيون إلي تبني الفكر اليساري ونزعته الثورية التقدمية في تفسير التاريخ، تسود النظرة التشاؤمية السوداوية في رؤية كافكا للعالم وتعيش شخصياته معزولة مطاردة لا سبيل إلي انصهارها في المجموعة ولا قدرة لها علي الفعل التاريخي والاجتماعي العام. لذلك كان من أهداف الدراسة الإجابة عن السؤال المفصلي الآتي: ما الذي يفسر اندفاع الروائي العربي اليساري الثوري الاشتراكي المتطلع إلي التغيير الجماعي، إلي الافتتان بأدب كافكا واستلهام عوالمه؟
لقد قدم المؤلف حزمة من الإجابات المتضافرة تفسيراً لهذا اللغز، عاد في بعضها إلي طبيعة أدب كافكا الجامع بين نزعات فلسفية كثيرة، وقرأ في بعضها الآخر السياقات الثقافية والفكرية الحافة بالكتابة الروائية العربية بدءا من الخمسينيات وقد تأثرت بنشاط الترجمة والانفتاح الواسع علي الثقافة الغربية، وبحث عن تفسير هذه الظاهرة أيضا في نفسية الكاتب العربي المتطلع إلي إحداث القطيعة مع أنماط التفكير والكتابة التقليدية السائدة فوجد في كافكا أحسن ملهم. بيد أنّ قيمة هذا السؤال لا تكمن في هذه الأجوبة فحسب، بل أساسا في الأسئلة المنهجية التي تولدت عنه وحددت منهج التحليل. فانطلاقاً من ذلك السؤال، انتبه الباحث إلي ضرورة دراسة تأثر الروائيين العرب بكافكا دراسة تقويمية تهتدي بالسؤال الآتي: هل انصاع الكتاب العرب لصبغة السلبية الغالبة علي أدب كافكا أم أخذوا ما يرونه مناسباً لهم بوصفهم عرباً يعيشون ظروفاً خاصة بهم؟
>>>
بناء علي ذلك أقام المؤلف منهجه العام علي المقارنة النصية العينية المباشرة بين نصوص الروائيين العرب ونصوص كافكا وفق ثنائية الائتلاف والاختلاف، بحثاً عما أخذ الروائي العربي من كافكا وعما لم يأخذ منه. وصرح الباحث منذ المقدمة بأنّ هذا الخيار المنهجي يجعله أقرب إلي المدرسة الأمريكية في الأدب المقارن التي تعتمد التحليل النصاني التطبيقي للنصوص المفردة، منه إلي المدرسة الفرنسية التاريخية التي تدرس علاقات التأثر والتأثير بين الآداب واللغات المختلفة. علي أنّ ذلك لم يمنع نجم عبد الله كاظم من السعي إلي التوفيق بين المدرستين وذلك بتأطير البحث المقارني التطبيقي داخل المهاد التاريخي والثقافي العام. وقد تم له هذا الأمر بإنجاز تحليل موسع ضافي العناصر درس فيه الكاتب حركة تلقي كافكا في الأدب العربي ترجمة ونقدا، ودراسة أدب كافكا في حد ذاته والوصول إلي تحليل محاوره الدلالية الأساسية واستخراج أهم الخصائص الفنية المميزة لكتاباته.
علي هذا النحو توزعت فصول الكتاب إلي تهميد وقسمين كبيرين. فتطرق الباحث في التمهيد إلي كثير مما أسلفنا الحديث فيه، إضافة إلي التعريف بأهم النزعات الأدبية والفكرية الملتبسة بأدب كافكا، كما ناقش المؤلف القائلين بأنّ كافكا كاتب صهيوني النزعة سخّر رواياته وقصصه للدفاع عن فكرة الأرض الموعودة لبني إسرائيل في فلسطين. فبيّن خطل هذا الرأي محتجا لذلك بالعودة إلي كتابات كافكا لاسيما رسالته إلي الأب التي عبر فيها عن نفوره من الانتماء اليهودي، وبالتركيز علي دور صديقه ماكس برود الذي رفض تنفيذ وصية كافكا بحرق كتبه فنشرها للناس، وصادف أن صار عند نشرها مقيما في إسرائيل متعصبا للعقيدة الصهيونية، فعمل ما في وسعه علي أن يوجه قراءة أدب كافكا وجهة توهم بتأصل الصهيونية عنده.
في القسم الأول الموسوم بـ»كافكا والكافكوية» صرف الباحث عنايته إلي التعريف في فصل أول بكافكا الإنسان، متلمساً العوامل البيوغرافية والنفسية التي أثرت في أدبه فتوصل إلي تحديد ثلاثة عوامل أساسية هي: العلاقة المتوترة مع الأب، والنفور من الوظيفة البيروقراطية، ثم التعلق الشديد بالأدب والرغبة في التفرغ للكتابة تفرغا مطلقا. أما في الفصل الثاني من هذا القسم فقد درس المؤلف بتعمق وتأنّ أدب كافكا من الداخل، فتحدث طويلا عن الفرق بين كافكا والكافكوية وخلص إلي استصفاء ثلاثة محاور دلالية كبري تستقطب عوالم كافكا هي: البيروقراطية وعوالم اللامعقول، والاغتراب والبطل المغترب، والسلطة والبطل المطارد.
وانبني التحليل في القسم الثاني »‬كافكا والكافكوية في الرواية العربية» علي محورين اثنين: محور عمودي تتبع فيه نجم عبدالله كاظم مسار تأثر الرواية العربية في الزمان بدءا من الخمسينيات إلي نهاية القرن العشرين، وقد أفضي فيه الدرس إلي نتيجة مماثلة لتلك التي رأيناها من تأثر الكتاب الغربيين أنفسهم بكافكا، فالروائيون العرب مثلهم مثل نظرائهم في الغرب لم يقتصروا في التفاعل مع روايات كافكا وقصصه علي مرحلة معينة ولم يأت تفاعلهم في سياق تأثرهم بالفلسفة الوجودية فحسب. أما المحور الثاني الذي قام عليه هذا القسم فهو محور أفقي مثّل جوهر الكتاب وعصبه الرئيسي، وقد امتد ستة فصول خص الباحث كل فصل من الخمسة الأولي لدراسة تأثر أحد الروائيين العرب بكافكا، فانتقلنا من جورج سالم، إلي محيي الدين زنكنه، ومن صنع الله ابراهيم إلي ابراهيم نصرالله، فجبرا ابراهيم جبرا. أما الفصل السادس فجمع فيه المؤلف بين ثلاثة روائيين هم فاضل العزاوي، ويوسف الصائغ، ويحي جواد، وكاتب قصة قصيرة هو الطاهر عبدالله. وقد برر المؤلف عدم إفراد كل من هؤلاء بفصل خاص به، بأنّ تأثرهم بكافكا لم يكن تأثرا عميقا جدا ولم يبد حضور كافكا في كتاباتهم حضوراً بارزاً خالصاً من حضور كتاب آخرين. وبرر إدراجه يحي الطاهر عبدالله القاص في دراسة خاصة بالروائيين، بأن له نصوصاً قصصية مطولة تقترب من الرواية القصيرة أو ما يعرف بالنوفيلا. علي أنّ الإنصاف يفرض علينا التنويه بأنّ الجمع بين هؤلاء الكتاب في فصل واحد لم يفقر التحليل ولم يسقط العمل في الاختزال الشديد. بل علي العكس تماما لقد استطاع الباحث في حيز ضيق بعض الشيء أن يستوفي الموضوع تحليلاً ويقدّم للقارئ فكرة واضحة عن طبيعة تأثر كل واحد من هؤلاء بكافكا.
ووفاء للمنهج الذي أعلن عنه المؤلف ألفيناه أثناء التحليل يدقق المقارنة بين كتابات كافكا وكتابات الروائيين العرب المتأثرين به، منبّها إلي مظاهر الاختلاف المهمة والمعبرة جداً، إذ تؤكد أن الكاتب العربي لم يكن يستنسخ عوالم كافكا كما هي بل يسعي إلي أن يستفيد منها محافظاً علي تميز عوالمه هو في توافق مع سياقاته الثقافية والحضارية الخاصة به. نذكر من ذلك، الاختلافات البينة بين نهاية بطل كافكا ونهاية بطل محيي الدين زنكنه، وانتهاء بطل صنع الله ابراهيم في »‬اللجنة» منتفضاً في وعي ضد البيروقراطية بينما مات بطل كافكا في »‬القضية» سلبياً مستسلماً كـ»‬ميتة كلب»، وتختلف السلطة مفهوماً وتشكلاً في رواية »‬براري الحمي» لابراهيم نصرالله، اختلافاً كبيراً عن السلطة في رواية »‬القضية».
>>>
ولا ينهي نجم عبد الله كتابه دون أن يهدي القارئ، كشأنه في أغلب ما نشر من كتب، مجموعة من الملاحق التي قد تمثل في حد ذاتها مداخل لكتاب جديد. ففي الملحق الأول نجد مسرداً لروائيين وقصاصين عرب كثر عرفوا بنزعتهم الذاتية في الكتابة، ويظفر القارئ في الملحق الثاني بمعجم مركز عرّف فيه المؤلف بأبرز المدارس والتيارات الفكرية والأدبية التي سادت الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين والتبست بأدب كافكا.
ولا شك أنّ هذين الملحقين يؤكدان ما يرتسم في ذهن القارئ وهو يطالع هذا الكتاب المهم، من أنّ الدراسة التي بين يديه مجموعة دراسات في سفر واحد. ففي طيات الحديث عن تأثر الروائيين العرب بكافكا نقرأ دراسة وافية عن هذا الكاتب اللغز المحيّر أمره النقاد والأدباء في الغرب والشرق، وفي الوقت نفسه يغوص القارئ في أعماق الفكر والأدب الغربيين في أزهي عصورهما إذ كثيراً ما أطلعنا الباحث علي معارفه الواسعة في الرواية الغربية والتيارات الفلسفية التي أثرت فيها. وفيما نحن نقرأ تحليل هذه المسألة الجزئية في مسيرة الرواية العربية، نكتشف أنّ المؤلف قد أخذنا في غفلة منّا إلي رحلة طويلة تقصّي خلالها محطات مهمة من مسار تطور الرواية العربية بأكملها في النصف الثاني من القرن العشرين، وكشف بذكاء عن وجوه من التأثرات والتأثيرات الداخلية بين الروائيين العرب أنفسهم. فإذا بالحديث عن العلاقة بين النحن والآخر يكتنز بالضرورة حديثاً عن العلاقة بين النحن والنحن، وإذا بالبحث في علاقتنا بالخارج يردنا إلي النظر في علاقتنا بالآخر، وإذا بتحليل وجوه أخذنا من الغير يتيح لنا أن ندرك قيمة ما أعطينا للآخرين. فكل دراسة لعلاقتنا بالآخر هي خير السبل إلي معرفة الذات. ولعل في هذا الاستنتاج يكمن جوهر الأدب المقارن.