رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

مئة عام علي «تجديد ذكري أبي العلاء»: فتح آفاق البحث العلمي الحديث؟ وبداية محاكم التفتيش!


ممدوح فرّاج النّابي
1/5/2019 11:33:36 AM

مرّت  في 21 من ديسمبر الماضي الذكري 110 علي إنشاء جامعة القاهرة، التي بدأت تحت اسم الجامعة الأهلية. وهي الجامعة التي تقدّم إليها طه حسين عام 1914، بأوّل رسالة دكتوراه، تحت عنوان "ذكري أبي العلاء". وقد نشرها طه حسين بعد ذلك في كتاب حمل عنوان "تجديد ذكري أبي العلاء". وقد اُعتبر الكتاب عند صدوره "نموذجًا جديدًا في ميدان الدراسات الأدبية والنقدية".
صدر الكتابُ عام 1919، وهو ما يعني مرور مئة عام علي أوّلِ طبعةٍ له. وقد انقسم الناسُ حوله ما بين مُستحب له وآخر ساخط عليه كل السُّخط. حلول الذكري المئوية للكتاب –مع الأسف- لم يَسترع انتباه دار المعارف، وقد أعادت نشر الكتاب مُجدًّدا بمناسبة الاستعداد لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الجديدة، التي ستنطلق في آواخر الشهر الحالي حتي الأسبوع الأول من فبراير. وبالمثل لم يسترع هذا الحدث الهام انتباه القائمين علي المعرض وهو يحتفل بيوبيله الذهبي في الدورة الجديدة التي تنطلق قريبًا. وكأنّ هذه الريادات أو الأوليات التي يحْمِلها الكتاب وما تكتنزه من دلالات متعددة: كأوّل رسالة جامعية، وأوّل كتاب لطه حسين، وأوّل صدام بين أفكار طه حسين مع الأفكار القديمة، وأوّل دراسة تلتزم المنهج العلمي في الدرس الأدبي والنقدي؛ لا تشفع له عند القائمين.

الكتاب في أصله رسالة الدكتوراه التي تمّت مناقشة الباحث فيها بين يدي الجمهور في 15 مايو سنة 1914، عن أبي العلاء المعري. وتكوّنت لجنة الحُكم علي الرسالة من ثلاثة أعضاء هم: الشيخ محمود فهمي والشيخ محمد الخضري والشيخ محمد المهدي. ورأي الأوّلان منح صاحب الرسالة درجة فائق، وأَبَي الشيخ محمد المهدي؛ ذلك لأن طه حسين قد قال عنه في الرسالة: “وزعم شيخنا محمد المهدي...”، فأسرّها في نفسه. وعارض في منح تلك الدرجة. فحاز في النهاية شهادة العالمية ولقب دكتور في الآداب بتقدير جيّد جدًّا.
بداية الأزمات
لا ترجع أهمية رسالة طه حسين التي طُبعت تحت عنوان “تجديد ذكري أبي العلاء” لكونها أوّل رسالة في الجامعة المصرية، أو حتي أنها أول عمل يختبر ويستجلي فكر طه حسين الذي كان مغايرًا لأساتذته وفقط، وإنما لأنها اعتمدت منهجًا علميًّا، اعتمده طه حسين في البحث والتحليل، ويضعه كأساس لأولويات الدرس الأدبي والنقدي في الجامعة. وهو منهج مُستقي في بعضه من المناهج الأوروبيّة في دراسة الشاعر وعصره. كما أنها كانت بمثابة بالونة الاختبار لأفكار طه حسين الحداثية وصداها علي عقليات الشيوخ الذين درس علي أيديهم في الأزهر، وإن كان اختلف معهم. وهو ما لم يتأخّر كثيرًا.
الشائع أن بداية الصدام بين أفكار طه حسين وشيوخ الأزهر، كانت مع كتاب “في الشعر الجاهلي” الذي أصدره عام 1926، فكما هو معروف أن الكتاب قاد طه حسين إلي المحكمة، بل حرّض معارضيه إلي التشكيك في دينه، حيث اتّهم بالطعن في الدين وأنه “جاهل بقواعد دينه”، وهو ما أثار موجة من الاحتجاجات ضدّ كاتبه، ليس فقط بما فعله الأصوليون من الأزهريين الذين ردوا علي ما كتب طه حسين بكتابات متعدّدة علي نحو ما فعل أنور الجندي والرافعي وغيرهما، وإنما أيضًا في تظاهر طلاب الأزهر أمام البرلمان احتجاجًا علي ما جاء في الكتاب، وهو ما قابله سعد زغلول رئيس البرلمان آنذاك بموقف غامض عكس ما فعل أوّل مرة، حيث خرج وقال للمتجمهرين: "إن مسألة كهذه لا يُمكن أن تؤثّر في هذه الأمة المتمسِّكَة بدينها. هبوا أنّ رجلاً مجنونًا يهذي في الطريق فهل يُغيّر العقلاء شيئًا من ذلك؟ إنّ هذا الدين متين وليس الذي شكّ فيه زعيمًا ولا إمامًا حتي نخشي من شكّه علي العامة. فليشك ما شاء، ماذا علينا إذا لم يفهم البقر؟".
اعتبار بداية الصدام بين طه حسين والأصوليين، إلي أزمة كتاب “في الشعر الجاهلي” الذي انصاع فيه طه حسين لمحاكم التفتيش، فأجري عليه بعد التعديلات ونشره عام 1927 بعنوان جديد “في الأدب الجاهلي” لهو إزورار عن الحقيقة. فالبداية الحقيقية لهذا الصدام، ودخول طه حسين خندق المواجهة، للدفاع عن دينه ومعتقده تارة، وعن أفكاره وحرية البحث العلمي تارة ثانية، أسبق بكثير جدًّا. حيث تبدأ مع رسالة “ذكري أبي العلاء”، وإن كانت الفتنة أُميتت في مهدها.
تبدأ الحكاية بقيام أحد أعضاء الجمعية التشريعية، وهو عبد الفتاح الجمل عن بورسعيد، بالطعن لما جاء في الكتاب علي هيئة سؤال للجمعية التشريعية بعد أن أصدرَ طه حسين الكتاب، يتهم فيه طه حسين “بالإلحاد” ، وبناء عليه طالب: “بحرمان طه حسين من حقوق الجامعيين؛ لأنه ألّف كتابًا فيه إلحاد وكفر. والكتاب المقصود هو رسالته عن أبي العلاء.”
وكانت الأسئلة تقدّم أولاً إلي رئيس الجمعية التشريعية، وكان يومئذ سعد زغلول. فأحضر صاحب السؤال وأقنعه بالعدول عن سؤاله لما يترتب علي ذلك من ضرر سيمتدُّ إلي الأزهر أيضًا، ولن يقتصر علي الجامعة. فماتت هذه الفتنة في مهدها. والغريب أن مَن وقف في المرة الثانية ضدّ احتجاجات طلاب الأزهر أمام البرلمان، وثورة النوّاب، بعد أن وصف النائب الشيخ مصطفي القاياتي كتاب “في الشعر الجاهلي” بأنّ فيه “قبائح متعددة”، ولذا قرّر استجواب رئيس الحكومة عدلي يكن، كان أيضًا سعد زغلول الذي هدّأ الطلاب، وأيضًا منع استدعاء رئيس الحكومة، وإن كان في المرة الأول أخمد الفتنة، إلا أنه في الثانية كان فتيل الأزمة قد خرج عن يده.
ثورة ضد القديم
ما جاء في الكتاب من أفكار تتبني منهجا جديدا في الدرس والتحليل، بمثابة الثورة علي منهج الشيخ سيد بن علي المرصفي الذي اعتمده في محاضراته، وكان يعتمد فيه علي اللغة والبلاغة . أي أنه كان ثورة ضد مذاهب الأزهر. وفي نفس الوقت، هو ضد المذهب المشوّه الذي نشأ في الجامعة بين مذهب الأستاذ المرصفي البلاغي في دراسة الأدب، وبين مذهب الجامعة المصرية، بفضل تأثير الأساتذة من المستشرقين الذين استقطبتهم الجامعة من إيطاليا وفرنسا وألمانيا.
بين هذا (مذهب أساتذة الأزهر) وذاك (منهج المستشرقين)، نشأ مذهب مشوّه، يصفه طه حسين بأنه “مذهب مُختلط ليس بالقديم ولا بالحديث وليس بالنافع في تكوين الملكات الأدبيّة، ولا بالمفيد في تعليم مناهج البحث، هو مذهب العامة من أساتذة الآداب في مدارس مصر، لا يتعمقون في درس الآداب علي المذهب القديم، فيُصْقلوا ذوق الطالب، ويقوّموا ميله إلي النقد الأدبي، ولا يذهبون مذهب العلماء من الفرنج في تحليل الآداب وردّها إلي مصادرها الأولي من المؤثرات في الحياة النفسيّة وغير النفسيّة في الأفراد والجماعات”. (تجديد ذكري أبي العلاء: ص 8)
في الحقيقة المتأمّل لمنهج الدكتور طه حسين، وهو يربط بين دراسة المؤثرات الخارجية في تكوين المبدع ونتاجه، يكتشف أن هذه الأفكار تمثّل واحدة من أساسيات المنهج الاجتماعي عند هيبوليت تين (1828م _ 1893)، الذي يري أن الكاتب أو الشاعر ما هو إلا أثر لمؤثرات الجنس والبيئة والزمان.
أفكار تين التي طرحها عن تأثيرات البيئة والزمان والجنس، متحققة في تطبيقات طه حسين لدراسة أبي العلاء بصورة تكاد تكون منهجه الأساسي، وإنْ كان هناك مَن تشكّك وتساءل في خبث: “كيف توصّل طه حسين إلي قراءة نصوص تين بالفرنسية، وهو حديث عهد بها لا يعرف منها إلا أمورًا  بسيطة لا تمكّنُه بأي حال من ذلك؟ كما أشار عبد الرحمن بدوي في تقديمه لكتاب:”إلي طه حسين في عيد ميلاده السبعين” وأيضًا فيما وجهه الباحث العراقي سامي شهاب أحمد في دراسته “أبو العلاء المعري في مرآة طه حسين: قراءة نقدية” من انتقادات للكتاب. وهي منشورة ضمن دورية جامعة كركوك. (المجلد 1، عدد 4، لسنة 2009)
البحث عن المنهج
الإصرار علي المنهج يُلح عليه، ويؤكده طه حسين في أكثر من سياق. ففي كتاب “قادة الفكر” عام 1925 يقول: “إن هذه الآداب والآراء علي اختلافها وتباين فنونها ومنازعها ظواهر اجتماعية أكثر منها ظواهر فردية: أي أنها أثر من آثار الجماعة والبيئة أكثر منها أثرًا من آثار الفرد الذي رآها وأذاعها”. وتارة أخري يعود في كتاب “خصام ونقد” عام 1955، ويؤكد الأمر نفسه قائلا: “الشاعر والكاتب لا يستمد شخصيته من شخصه وحده. وإنما يستمد أكثر فنه وأكثر شخصيته من أشياء أخري ليس له حيلة فيها – وليس لطبيعته ومزاجه وفرديته فيها كل ما نظن من التأثير. وأكاد أقول مع القائلين إن الفرد نفسه ظاهرة اجتماعية.
ثورة طه حسين علي المناهج التقليدية، وإثاره للمناهج الغربية أو مناهج الأوروبيين علي حدّ وصفه، تأتي من منطلق أنه يراها البديل لإنقاذ الأدب ودراسته في مصر. فيري أن الأدب صدي للحياة بكل ما فيها، ومن ثم فإن دراسته يجب أن تتطرق إلي دراسة مختلف جوانب هذه الحياة البيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والثقافية.. إلخ. وقد صاغ هذه الرؤية الأولية في كتابه مقدمة “تجديد ذكري أبي العلاء” حيث قال:
“إن تفسير الظواهر البشرية - ومنها الأدب – ينبغي أن يتمّ في ضوء محيطها، وحسب الوعي بالقوانين التي تحركها – فهي علّة لمعلول، ومن هذه العلل المادي والمعنوي، ومنها ما ليس للإنسان به صلة، وما بينه وبين انسان اتصال، فاعتدال الجو وصفاؤه، ورقة الماء وعذوبته، وخصب الأرض وجمال الربي، ونقاء الشمس وبهاؤها. كل هذه علل مادّية تشترك مع غيرها في تكوين الرجل وتنشيء نفسه. بل في إلهامه ما يعِنُّ له من الخواطر والآراء، وكذلك ظُلم الحكومة وجورُها ، وجهل الأمة وجمودها، وشدّة الآداب الموروثة وخشونتها. كل هذه أو نقائضها تعمل في تكوين الإنسان علي تلك العلل السابقة” (ص 16).
وهو الأمر الذي يطبّقه علي أبي العلاء المعري فيقول: "هو لم يأتِ من لا شيء وإنما جاء من أسرته أولاً. ولم يكد يري النور حتي تلقته الحياة الاجتماعية فصورته في صورتها وصاغته علي مثالها وأخضعته لمؤثراتها التي لا تحصي. فعنصر الفردية فيه ضيئل لا يكاد يحس إلا أن يمتاز هذا الفرد. وامتيازه نفسه يرد في كثير من الأحيان إلي الحياة الاجتماعية التي أنشأته"
اللافت أن هذا المنهج الذي دعا إليه في دراسته المبكّرة، وطبّقه بوضوح لا ريب فيه في “ذكري أبي العلاء” لازمه في مسيرته العلمية والبحثية وعبّر عنه بوضوح في كتبه المختلفة اللاحقة، مثل: حديث الأربعاء، وفي الشعر الجاهلي، ومع المتنبي وغيرهم. ومع النتائج التي أبرزها هذا المنهج في دراساته إلا أن البحراوي يري أنه كان لاستخدام هذا المنهج في ذكري أبي العلاء، تأثيره السلبي حيث “طغت دراسة هذه الجوانب علي الدراسة الفنية لأدب الرجل”. فانحصرت الأخيرة في المقالة الثالثة (يقصد الجوانب الفنية، حيث تناول فيها أدب أبي العلاء شعره ونثره، في أطواره المختلفة، ومظهرًا أغراض شعره التي تنوّعت بين المدح والفخر والوصف والرثاء والنسب، وأيضًا خصائص نثره ومهارته اللغوية في النقد). فلم يتطرق فيها لدراسة الجوانب الفنية بقدر ما تناولت أغراض فن أبي العلاء.
ومن هنا يتبيّن لنا دقة الخطة التي وزّع عليها الكتاب، فجعل القسم الأول والثاني من الكتاب لدراسة زمان ومكان أبي العلاء، فدرس الظروف السياسية والاجتماعيّة والاقتصاديّة والدينيّة التي عاش فيها أبو العلاء، ومدي تأثيرها عليه، بل إنه خرج بنتائج مهمّة عن فلسفة أبي العلاء وزهده، فجميعها تتصل اتصالاً وثيقًا بهذه العوامل التي كان لها الأثر البالغ علي شخصيته وأيضًا بما سبغته علي أدبه من خصائص، فمال إلي الزهد والسخط والسخرية.
تأثير المنهج الاجتماعي واضح في دراسته لأبي العلاء والظروف المحيطة به، فبيّن أن الرجل خاضع في أدبه وعلمه، لزمانه ومكانه، ومن ثمّ وضع فصلاً في عصر أبي العلاء، وآخر في بلده. كما خصّص فصلاً لأسرته، “حيث كانت الأسرة أشدّ ما يُحيط بالرجل أثرًا فيه”، حتي أنه لا يقف عند أسرته الصغيرة، بل يتوسع ويدرس قبيلته (قضاعة)، وأسرته إلي أمه التي كثر ذكرها في ديوان سقط الزند، مقابل غياب تام لأسرة أبيه التي يقل بل يندر ذكرها، وهو ما فسره طه حسين إلي أن “أيادي أمه وأخواله كانت متظاهرة عليه” في حين “أن معونة أسرته لأبيه كانت منقطعة عنه لفقرٍ أو جفاء” (ص 116)
وكذلك واضح في الكتاب أثر المنهج التاريخي في استقصاء المصادر وتفنيدها بين مصادر قديمة، حيث استقي منها تراجم لأبي العلاء المعري كمعجم الأدباء لياقوت الحموي، و”إنباه الرواة علي أنباه النحاة” للقفطي، ومصادر حديثة كـ”تاريخ آداب اللغة العربية” لجورجي زيدان، ومجلة الهلال، وصولاً إلي المصادر الفرنجية التي يعتبرها تاريخًا حقًّا؛ لما لها من كل خصائص التاريخ كل خصائصه، وكل مناهج البحث.
التأكيد علي المنهج لم يكن حكرًا علي كتاب “تجديد ذكري أبي العلاء”، وإنما نراه يتكرر بصورة لافتة في كتاب “في الشعر الجاهلي” حيث يحدد في مطلع الكتاب منهج البحث كمبحث مُستقل في دلالة لأهمية المنهج للوصول إلي النتائج المبتاغة، وأن ما وصل إليه من آراء ليس محض أقوال مرسلة، وإنما نتيجة بحث وتقصي ودراسة. لذا يُعلن صراحة تبنّيه منهج ديكارت “الذي أثري العلم والفلسفة” بل ويذكر قاعدته الأساسية، وهي “أن يتجرد الباحث من كل شيء ، كان يعلمه من قبل، وأن يتقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوًا تامًا”. كما طالب الباحث أن يتجرد من كل عاطفة أو هوي، فحسب قوله “نعم يجب حين أن نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسي قوميتنا وكل مشخصاتها، وأن ننسي ديننا وكل ما يتصلّ به، وأن ننسي ما يضاد هذه القومية، وما يضاد هذا الدين يجب أن نتقيّد بشيئ ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح”.(في الشعر الجاهلي: ص 12، الطبعة الأولي، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة 1926)
الأدب في مرآة المجتمع
في التمهيد الذي فصّل فيه طه حسين منهجه الذي يعتمده طوال الخمس مقالات، ثمة ترددات لأصداء المنهج الاجتماعي وتأثيراته حيث الأخذ بالعلل (كما أسماها) المادية والمعنوية التي اشتركت في تأليف مزاجه. لدرجة أنه يحذéر “الخطأ كل الخطأ أن ننظر إلي الإنسان نظرنا إلي الشيء المستقلّ عمّا قبله وما بعده،.... ذلك خطأ؛ لأن الكائن المستقلَّ هذا الاستقلال لا عهد له بهذا العالم”.
فالعالم يتألّف من أشياء يتصل بعضها ببعض، ويؤثّر بعضها في بعض، فليس في هذا العالم إلا وهو نتيجة من جهة، وعلة من جه أخري. ولذلك فالإنسان بكل ما له من آثار وأطوار كما يقول طه حسين في تأكيد لما ذهب إليه: “نتيجة لازمة وثمرة ناضجة، لطائفة من العلل اشتركتْ في تأليف مزاجه وتصوير نفسه، من غير أن يكون له عليها سيطرة أو سلطان” وانتهي إلي أنّ أبا العلاء - مثل غيره من الشعراء أو الأدباء – ثمرة من ثمرات هذه العلل “قد عمل في إنضاجها الزمان والمكان، والحال السياسية والاجتماعية، بل والحال الاقتصادية، ولسنا نحتاج إلي أن نذكر الدين، فإنه أظهر أثرًا فيما نشير إليه”(تجديد ذكري أبي العلاء: ص17)
بالطبع هذه الحتمية التاريخية استمدّ طه حسين جذورها من الفكر العربيّ، حيث ابن خلدون “الذي آمن.. في الحقيقة بمبدأ الجبر التاريخي”، وأيضًا من الفكر الغربي حيث إشارة أرسطو عن وصف الإنسان بأنه “حيوان اجتماعي”، ومونتسكيو في “روح القوانين”، وروسو في “العقد الاجتماعي”، وصولاً إلي دور كايم وسان سيمون. وأيضًا مرتبطة بسنوات تشكيله في الجامعة المصرية التي درس فيها علي يد مجموعة من  المستشرقين عام (1910- 1914)  مثل الإيطالي كارلو نالينو. وهو ما يذكره طه حسين قائلاً: “لأول مرة تعلمنا أن الأدب مرآة لحياة العصر الذي ينتج فيه، لأنه إما أن يكون صدي من أصدائها، وإما أن يكون دافعًا من دوافعها. فهو متصل بها علي كل حال. وهو مصوّر لها علي كل حال. ولا سبيل إلي دراسه وفقه إلا إذا درست الحياة التي سبقته فأثرت في إنشائه. والتي عاصرته فتأثرت به وأثرت فيه”
في تأصيل المنهج
طه حسين كما يقول الدكتور جابر عصفور في دراسته “المرايا المتجاورة” يؤكد “أن الظواهر الثقافية – ومنها الأدب – ظواهر اجتماعية أساسًا. ذلك لأن الطبيعة الاجتماعية للإنسان تردّ كل أشكال الثقافة التي ينتجها إلي عصره وبيئته”. وهو ما يشير ولو بإشارات إلي وعي مُبسط لمفاهيم الماركسيين عن العلاقة بين النص وأدوات الإنتاج. وإن كان الدكتور جابر عصفور، يُقلّل من التقارب بين ما طرحه طه حسين وهذه المفاهيم، فيقول: “بالطبع هذا الكلام لن يصل إلي شيء من العلاقة المُعقدة بين البنية الفوقية والبنية التحتية، أو إلي حديث مُحدّد عن العلاقة بين قوي الإنتاج وصلتها بإيديولوجية، تتوسّط بينها وبين الأعمال الأدبيّة” وإنما نحن مع لون من الحتمية الاجتماعية المُبسطة”. (المرايا المتجاورة، ص 81)
لكن بتأمّل دقيق لرفض طه حسين لتقسيم الأدب إلي عصور حسب العصور السياسية، فوفقًا لقوله “إن في ذلك مُبالغة لما بين الآداب والسياسة من صلة، بحيث نجحد المؤثرات الاجتماعية والاقتصادية في الآداب. وبحيث لا تكون خاضعة إلا للسياسة كأن الأدب ظل من ظلال الخلفاء، يتأثر بكل ما تأثروا، ويذعن لكل ما أذعنوا له.... ويناله ما نالهم من الحياة والموت”(تجديد ذكري أبي العلاء، ص39)؛ يتضح أن لدي طه حسين معنيً أعمق للسياسة، وأكثر علمية كما يقول الدكتور البحراوي. فطه حسين في حديثه السابق الذي يأتي في سياق المقالة الأولي عن “زمان أبي العلاء ومكانه”، يرفض أن يكون الأدب تابعًا للحكّام، بل وينادي بأن يُري في حياة البشر العاديين، وليس كظل من ظلال الحكّام، ومن ثم كما يقول البحراوي:”تصبح العلاقة بين الأدب والمجتمع - لديه – أعمق من هذا الفهم الفوقي الذي كان سائدًا قبله. وبالفعل قد تعرّض طه حسين في هذا الكتاب للحياة الاقتصادية والاجتماعية مُشيرًا إلي أثر الحروب والفتن في ضياع العدل وانتشار المجاعات، كما يشير إلي انقسام المجتمع إلي أثرياء ومعدمين” (البحث عن المنهج: ص 53)
وبذلك يكون طه حسين في هذا الكتاب - وفقًا للبحراوي - تحديدًا في فَهمه يقترب من المادية “بمعني التفسير الاقتصادي والاجتماعي الطبقي لحياة البشر والجماعات”، وإن كان مع الأسف تراجع عنه إلي فهم أقرب إلي “الوضعية عبر التفسير بالمؤسسات والأشكال دون جذورها العميقة في التشكيلة الاجتماعية” كما بدا في كتاب “في الشعر الجاهلي” وهو ما يتنافي مع قول جابر عصفور السابق. ومن ثمّ يمكننا القول بإطمئنان إن لدي طه حسين وعيًّا حقيقيًّا بالعلاقة الطردية بين قوي الإنتاج والأعمال الأدبية، حتي ولو لم يستخدم ذات المصطلحات التي راجت فيما بعد، عن البنية الفوقية والتحتيّة والإيديولوجيا وفائض القيمة وغيرها! ويكفي للتدليل علي ما ذهبنا إليه تركيزه الشديد في كتاب “تجديد ذكري أبي العلاء” علي الظروف والمؤثراث الخارجية، ليس فقط علي أعمال المعري، وإنما أيضًا علي سلوكياته الشخصية، كالانعزال والزهد وأيضًا الهجاء والسخط. وهو ما يستفيد منه في الوصول إلي نتائج مهمة حول شخصية المعري وأطوارها.
ويأتي شرح طه حسين للمقصود بالمادية في الهامش حيث يُفسّرها هكذا: “لسنا نريد بلفظ المادية هنا، ما اعتاد الناس أن يفهموا منه، وإنما نريد ما بينه وبين الحسّ اتصال”(تجديد ذكري أبي العلاء، ص 16)، ليشير إلي فهمِه للاختلافات بين ما قصده وما تشير إليه دلالة الكلمة في الاستخدام الرائج آنذاك، حتي أن الدكتور البحراوي، يستخلص من هذا الشرح نتيجة مفادها، أن ثمة تقاربًا بين فَهم طه حسين لها والماديّة الفرنسيّة في القرن الثامن عشر، والتي امتدت عند أصحاب المدرسة الطبيعية في النقد والدراسات الأدبيّة” ويصفها بأنها: “تلك المادية التي كانت تستند، علي الأغلب إلي الفهم الميكانيكي للطبيعة، الذي قدمته علوم الطبيعة في ذلك العصر، وتقوم مأثرتها في التأكيد علي فاعلية المادّة الطبيعيّة، التي لا تحتاجُ إلي دفعة إلهية أولي، وفي اعتبار الحركة قرينة أساسية من قرائن المادّة، لا تنفصل عن وجودها نفسه”.(البحث عن المنهج: ص 53).
النقد الذاتي
تحدث طه حسين في تمهيد الكتاب باستفاضة عن المنهج الذي اعتمده دون أن يشير إلي كلمة منهج بعكس ما فعل “في الشعر الجاهلي”. وقد خالف فيه منهج أساتذته من شيوخ الأزهر، وهو ما ينبي عن جذور التمرد التي كانت حاضرة في عقل طه حسين مبكّرًا، علي مناهج الأزهر التي كان يُكرّس لها الشيخ المرصفي. بل ويمهّد لمنهج الشّك الذي كان بداية لثورة علي تقاليد المناهج القديمة، والذي طبقه إجرائيًّا في كتابه الأزمة “في الشعر الجاهلي” 1926، إلا أن جذوره موجودة في منهجه في نقد أبي العلاء فيقول:”من هنا يعرض لنا أحيانًا، أن نرفض كثيرًا من الروايات التي أحصاها المؤرخون في كتبهم من غير تثبت ولا تحقي؛ لقلة نصيبهم من النقد، أو لانقطاع الوسائل بينهم وبين إصابة الحق. نرفضها إذ دلّ البحث العقلي والاجتماعي علي غير ما تدلُّ عليه”.
ومن ثمّ أعتبرُ أنّ نتائجَ المنهج الذي استقرّه طه حسين في كتاب “في الشعر الجاهلي” هي حصاد ما غرزه في “تجديد ذكري أبي العلاء”، وهو الأمر الذي أكّده طه حسين بشيء من المواربة حين قال إن أحد أسباب نشره الكتاب، لأنه يمثّل “طورًا من أطوار حياته العقلية وهو في الخامسة والعشرين من عمره.”
كما تطرّق في التمهيد إلي الإشكاليات الخاصّة بتناول الموضوع، وحالة الحيرة التي انتابته عند اختيار الموضوع إلي أن اهتدي لأن يدرُسَ أبا العلاء، ومن ثمّ جعل “درس أبي العلاء درسًا لعصره” كما استنبطَ حياته ممّا أحاط به من المؤثرات، بل اتخذ شخصية أبي العلاء مصدرًا من مصادر البحث بعد أن وصل إلي تعينيها وتحقيقها. ومن ثم يصف نفسه وبالأحري المنهج الذي اتبعه بأنه “طبيعيًّا، بل طبعي نفسي” علي حد تعبيره.
والحقيقة أن كل هذه الأمور تبدو لنا معروفة أقصد حياة المعري وشخصيته وأغراض شعره، ولكن من المؤكّد أنّ أبا العلاء كان معروفًا أقل ومستساغًا أقل في أوائل القرن العشرين، حين اختاره طه حسين موضوعاً لأطروحته، تمامًا كما هو حال ابن خلدون، الذي درسه طه حسين أيضاً، وكان من أوائل مجددي الاهتمام به، حين اختاره واختار فلسفته موضوعاً لدراسته اللاحقة في جامعة السوربون.
لعل الأهمية الإضافية التي يمكن هنا أن نسبغها علي دراسة طه حسين الأولي لأبي العلاء، تكمن في أن طه جرّب في دراسته، فلسفة الشك، وإن جاءت في شكل بدائي، تلك الفلسفة التي ستطبع لاحقاً دراساته كلها وإن كانت بمضامين أكثر وضوحاً وعمقاً في الوقت نفسه.
التقصي والاستقصاء اللذان اعتمدهما طه حسين كمنهج لدراسة أبي العلاء، كان لهما الأثر الكبير في الكثير من المسائل المتعلّقة بشخصية أبي العلاء المضطربة والمترددة والاتهامات التي طالت لزومياته. فالكتاب يأتي وكأنّه “تبرئة لأبي العلاء مما لحقه” حيث جعل طه حسين من صعوبة الحياة الاجتماعيّة وثقل الحياة السياسية وتلوّنها المشين علي تكوين شخصية المعرّي ومن ثمّ التأثير في أدبه وسلوكه الاجتماعي.
فكان للتغيرات السياسية التي عصفت بمعرّة النعمان وغيرها من المدن تأثيرها علي الشاعر. فكما يقول “إن هذه الحياة السياسية المملوءة بالفزع والهول، وبالاختلاف والاضطراب، وبالفساد والانتقاض، وبالكيد والخديعة؛ فقد عملت بغير شكٍّ عملاً غير قليل، في تكوين الفلسفة العلائية “ فالخلاصة أنّ كل شيء حوله إنما كان يزهد العقل في الحياة ويرغّبُه عنها، ويملأ نفسه سوء ظن بها، وقبح رأي فيها. كما أن الحياة الاقتصادية التي قسمت الأمة إلي طبقتين متمايزتين لا توسط بينهما، طبقة الأغنياء المثرين والفقراء المعدمِين، وقد مسّ ضُرُّها المعرّي، فتمني أن يشتركَ الناس في النعمة، كما اشتركوا في البؤس.
لا يثنينا دفاع حجاج طه حسين عن أبي العلاء، ألا نقول إن هذا الدفاع قد أوقعه في بعض التعميمات علي حد قول سامي شهاب أحمد، حيث يقول إن “التأثير الفادح الذي نسبه لعصر أبي العلاء في تكوين فكر وفلسفة أبي العلاء، لم يكن أبو العلاء وحده في هذا العصر ليبز دون غيره منفردًا بهذه الصفات التي وصفه بها، فزهد وابتعد عن الفتن والصراعات.”
ويستمر سامي شهاب في قوله : كما أن طه حسين في حديثه عن اللزوميات نسب إلي أبي العلاء أنه صاحب مذهب جديد في الشعر، ألا وهو الشعر الفلسفي. فكما يقول :"فمن الذي يُنكر علينا أن نقول: “إن فنًّا جديدًا من فنون الشعر قد حدث في أيام أبي العلاء ولم يعرفه الناس من قبل؟ وهو الشعر الفلسفي الذي أنشأه أبو العلاء نفسه، فمن الذي يستطيع أن يدلنا علي ديوان أنشيء لغرض إلا لشرح الحقائق الفلسفية وحدها في العصور الإسلامية الأولي إلي أواخر القرن الرابع ذلك رأي نراه وسنثبته عند الكلام علي اللزوميات".
وبالطبع هذا الكلام يغمط حق ابن سينا الذي يذكره طه حسين بأنه "أحد الفلاسفة الإسلاميين وله قصيدة طويلة تحمل ملامح فلسفية خالصة”. والغريب أن طه حسين استبعدها لأنها وحدانية ولاتوجد مثيلات لها قد جمعت في ديوان خاص. إضافة إلي تناقض رأي طه حسين حول المتنبي فقد سبق أن “أقر النقاد بالقمة الفلسفية التي تمتع بها المتنبي من خلال شعره" وهناك من يري أن ديوان سقط الزند “كان مسرحًا لتقليد أسلوب المتنبي وتبني أفكاره.
اللافت أن معظم المؤرخين أشاروا إلي أن ديوان “سقط الزند” للمعري لم يحوِ إلا النزر القليل من الشعر الفلسفي. ومرجع هذا لأن “الفكر الفلسفي لم يختمر في ذهن المعري بالشكل الذي ظهر عليه شعره في اللزوميات”. وما يؤكد هذا الزعم أن طه حسين وهو يستشهد بنماذج من الشعر الفلسفي، يقصر استشهاداته علي اللزوميات، دون أن يستدلَ بشيء من سقط الزند. بل الغريب أنه في كل كتبه عن أبي العلاء، يعود إلي اللزوميات فقط، ويهمل سقط الزند والدرعيات.
الطريف في الأمر أنّ طه حسين قبل أن يتركَ هذه الخطبة كما يصفها، يحصي أوجه القصور التي وقع فيها، ويعدّدها كما وردت في مقالة علي حدّة، فمثلاً يري أن المقالة الأولي فيها إطناب وإسهاب. وعلي العكس تمامًا جاءت المقالة الثالثة التي كانت تحتاج إلي شيء من الإطالة خاصة في المقارنة بين أبي العلاء وبين المتنبي. كما يدرك أنه كان يستوجب أن يضع فاصلاً موجزًا أو مطولاً للمقارنة بين أبي العلاء وبين عمر الخيام، إلا  أنه يذكر أن قصور المصادر العربية عن عمر وآثاره في الفارسية والإنجليزية ممتنعة لجهله بهاتين اللغتين علي حدّ تعبيره. وهذه الإشارة عن المزالق التي وقع فيها، بمثابة إرهاص مبكر لما عرف لاحقًا بنقد النقد، وإن كان المؤلف مارسه علي نفسه.
وإن كنتُ أري أن طه حسين في الكتاب أسهب في الحديث عن الظروف والمؤثرات بكافة أشكالها وتأثيرها علي شخصية المعري، دون أن يتوقف بالقدر الكافي فيها لدراسة إبداعه “نثره وشعره” وربما كان الشعور بالتقصير في دراسة الجوانب الفنيّة التي عاب علي مذهب السابقين (الأزهريين) في إهماله لها، والاقتصار علي النقد البلاغي فقط، كان أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت طه حسين يعود المرة تلو المرة لدراسة المعرّي، وإن كان في الكتاب الأخير، “صوت أبي العلاء” ركن إلي منهج أساتذه سيد المرصفي الذي انتقده في استهلال كتابه “تجديد ذكري أبي العلاء” فدراسته للزوميات كانت أشبه بدراسة لغوية.
إذا عدنا إلي الكتاب والموضوعات التي تناولها طه حسين، فيمكن القول إن طه حسين استعرض فيه حياة أبي العلاء، وكذلك عرض لشعره ونثره وعقيدته وفلسفته وبيئته والحياة السياسية والفكرية في عصره. وقد قسّمه إلي خمس مقالات، هي كالتالي: »زمان أبي العلاء ومكانه»‬ و»‬حياة أبي العلاء» و»‬أدب أبي العلاء» و»‬علم أبي العلاء» و»‬فلسفة أبي العلاء». وقد سبقهم بمقدمة وتمهيد. وكما يشير هو أنه درس أبي العلاء درسًا لعصره، كما استنبط حياته مما أحاط به من المؤثرات، دون أن يعتمد علي المؤثرات الأجنبية وحدها، بل اتخذ من شخصية أبي العلاء مصدرًا من مصادر البحث. فالمعري ثمرة من ثمرات عصره، قد عمل علي إنضاجها الزمان والمكان، والحال السياسية والاجتماعية، والحال الاقتصادية.
كما يوضح طه حسين أن الغرض من كتابه، ليس وصف حياة أبي العلاء وحده، وإنما يريد أن يدرس من خلاله “حياة النفس الإسلامية في عصره” فالرجل وما له من آثار وأطوار نتيجة لازمة، وثمرة ناضجة، “لطائفة من العِلل اشتركت في تأليف مزاجه وتصوير نفسه، من غير أن يكون له عليها سيطرةٌ أو سلطانٌ”.
وفي سياق لاحق لتأكيد أهمية الكتاب في التكوين العقلي له، يصفه بأنه “حياتي العقلية في الخامسة والعشرين”. كما أنه يؤرخ للحركة الأدبية في مصر، فعلي حد قوله لا يعرف “قبل اليوم كتابًا ظهر علي هذا النحو” بل في الآداب العربية حيث وضعه صاحبه علي قاعدة معروفة وخطة مرسومة من القواعد والخطط التي يتخذها علماء أوروبا  عندما يكتبون في تاريخ الآداب
أصوات أبي العلاء
علاقة طه حسين بأبي العلاء لا تتوقف عند رسالته للدكتوراه، وإنما يعود إليه مرتيْن في مناسبتيْن مختلفتيْن: الأولي في عام 1935 بكتاب بعنوان “مع أبي العلاء في سجنه”، عن دار المعارف في 245 صفحة. والمرة الثانية عام 1945 بكتاب في سلسلة إقرأ التي تصدرها دار المعارف بعنوان “صوت أبي العلاء”.
وعلي عكس ما اتبعه من منهج في كتابه الأول “تجديد ذكري أبي العلاء” جاء الكتاب الثاني، فلم يُقدِّم منهجًا علميًّا، وإنما سعي لأن يقدم خواطره التي تَجُول في فكره. فجعل من الكتاب “حوارًا هادئًا مع أبي العلاء يأخذ منه ويتفاعل معه إلي حدّ الإندماج” كما تطرّق إلي مواقف أبي العلاء وموضوعاته التي عالجها في اللزوميات، كما يشير إلي ما جاء في كتاب “الفصول والغايات” الذي كان صدر في تلك الأثناء.
والكتاب بهذا المعني أشبه بصدي لكتابه الأول “تجديد ذكري أبي العلاء”حيث يتأمّل مواقف أبي العلاء من الحياة، فيقف عند ظلم أبي العلاء لنفسه هكذا:»أنا شديد الإشفاق علي أبي العلاء من نفسه قبل كل شيء وقبل كلّ إنسان. فلم يظلمه أحد قطّ كما ظلم نفسه، ولم يكلّفه أحد قط من الجهد والعناء ومن المشقة والمكروه مثل ما كلّف نفسه نحو خمسين عاماً. ولم يفتن أبو العلاء في شيء كما أفتن في ظلم نفسه وتحميلها ما تطيق وما لا تطيق وأخذها بالمكروه في حياتها العملية والعقلية أيضًا».(مع أبي العلاء في سجنه، ص 32)
ويبرّر أسباب اقتناعه بظلمه لنفسه بأنه لم يسجن نفسه في سجن واحد أو اثنين وإنما ثلاثة كما ذكر في بيتي شعره. ويتطرق أيضًا إلي الشك المؤلم الذي أضني أبا العلاء وعذّبه أشدّ العذاب، متخيّلاً فيلسوف المعرّة وشاعرها سائلاً: »‬خالق حكيم، خلق هذا العالم ورتّبه علي هذا النحو الذي رتّبه عليه. ولكن لماذا وما بال هذا الخالق الحكيم الذي منحنا هذا العقل وهدانا إلي التفكير لم يكشف لنا القناع كلّه أو بعضه عن وجه هذه الحكمة التي لا نشك فيها ولا نرتاب؟ لقد قالت الديانات لأبي العلاء أشياء كثيرة ولكنها فيما بينها مختلفة أشدّ الاختلاف، متناقضة أشدّ التناقض. فلأيّها يسمع وبأيّها يؤمن؟»، مؤكداً علي إيمان المعرّي الأقوي بالعقل ودالاًّ لديه علي صفة الكبرياء: »‬أظن أن العلّة الحقيقية التي شقي بها أبو العلاء خمسين عاماً إنّما هي الكبرياء” (مع أبي العلاء في سجنه، ص 48)
وفي “صوت أبي العلاء” الكتاب الثالث، يعترف طه حسين أنه كتبَ وترجمَ عن أبي العلاء كثيرًا، إلّا أنّه في هذه المرة لا يريد أن يقدّم ترجمة لأبي العلاء بقدر ما يريد أن يقدّم شعره إلي الأجيال الجديدة. ففطن إلي لونٍ جديدٍ من ألوان الأدب، يتمثّل في ترجمة شعره ترجمة، وتقديمه للقراء بأسلوب رصين ومسلّ. ومرجع إقدامه علي هذه الخُطوة رغم إدراكه لإنكار الكثيرين لها، باعتبار أنها “تُشيع التشاؤم وتُسبغ علي الحياة ألوانًا قاتمة” أنه وفق ما يري لو نُشرت اللزوميات في عامة المثقفين لما فهمها أكثرهم؛ لأن أبا العلاء لم ينشئ اللزوميات لعامة المثقفين.. ومن ثمّ يتساءل: ما الذي يمنع أن أُيسّر اللزوميات للذين لا يستطيعون أنْ يقرءوا شِعرها العنيف الذي لا يخلو من غرابة، والذي تزْوَرّ عنه أذواق المتعمقين للأدب العربي، فضلاً عن الذين لم يأخذوا من هذا الأدب إلا بأطراف قصيرة” (صوت أبي العلاء، ص9).
وهذه العودة إلي اللزوميات، حتي وإن كانت لأسباب ذكرناها عاليًّا، إلا أنها تشير إلي حقيقة وحيدة تتمثل في إعجاب طه حسين الشديد باللزوميات.علي حساب سقط الزند والدرعيات والفصول والغايات، والأخيرة حظيت بقدر قليل في كتاب “مع أبي العلاء في سجنه” حيث اقتصر الكتاب علي تحليل شخصية أبي العلاء وما ألم به من أزمات وأهوال في الحياة عن طريق شرح ومحاورة أشعاره التي جاءت في اللزوميات.
كتاب "صوت أبي العلاء" هو استكمال لدراسة جوانب شعر أبي العلاء التي سبق وأن تناول موضوعاتها وأغراضها في كتابه الأول “تجديد ذكري أبي العلاء” ثم كشف عن المواقف الفكرية لأبي العلاء علي نحو ما ظهر في الكتاب الثاني “مع أبي العلاء في سجنه” هنا يتوقف عند الجانب اللغوي وتحليل السياق. وهو ما يُعطي للكُتب الثلاثة أهمية كُبري في تقديم أفكار ورؤي المعرّي بجوانبها المُختلفة.
ما يجمع الكتب الثلاثة إلي جانب اشتراك الكاتب والمكتوب عنه وموضوعات الكتابة، أنها أظهرت طه حسين بصورة المُدافع عن المعرّي، والسعي لتبرئة ساحته مما لحِق به من اتهامات. فيرفض تهمّة التكسّب التي أُلصقت بالمعرّي، بل ويري مِن نفي المعرّي لهذه التّهمة، دليلاً كافيًّا لعدم البحث والتحري فالمعري في نظره”صادق مأمون” وبالمثل يلتمس له الأعذار في كل ما صدرَ عنه من أقوال مستهجنة، ويردُّ هذا إلي البيئة التي عاش فيها المعرّي "التي دفعت إليه من ألوان الجدل في الدين والفلسفة، وحسب طه حسين ،فهو مضطر إلي أن يثبت وينفي وإلي أن يعرف ويُنكر وإلي أن يقبل ويرفض" (مع أبي العلاء في سجنه، ص 45).
وبعد...
ألا تحتاج ذكري طه حسين إلي تجديد؟ إذا استعرنا عنوان كتابه الأول! وقد مرت قبل شهرين الذكري الـ 45 علي رحيله (توفي في 28 أكتوبر 1973)، فمرت مرّ السّحاب، في معمعمة مهرجانات الثقافة التي لا تسمن ولا تغني. فالجدير بالتنبيه أن أفكار طه تحتاج إلي إعادة قراءة واعية، بوضعها موضع الدرس والبحث، لاستخلاص الرؤي، واستجلاء حقائق الأمور بعيدًا عن الملابسات التي حاقت بهذه الكتابات أثناء نشرها.