رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

نهر إبداع وإنسانية

لا يمكنني نسيان فضلك في اكتشافي عندما طلبت منا أن نكتب قصة وكنت تغرينا بأن القصة الأفضل ستنشرها في «نصف الدنيا»


أمل الرندي
2/9/2019 11:43:33 AM


كل عيد وأنت العيد أستاذي العزيز يعقوب الشاروني..
كم جميل أن نحتفل معك وبك في يوم ميلادك التاسع والثمانين، فهذا تشريف لنا، واعتزاز بأن نكون معك علي نفس الصفحات!
فكم سررت، من قبل، عندما وجدت نفسي أتشارك معك في أكثر من مؤتمر من مؤتمرات أدب الطفل، وخلف الطاولة نفسها أحياناً.
يظهر أن حظي موفق معك، من اللحظة التي تعرفت فيها إليك، عندما كنت واحدة من تلامذتك في الجامعة، فكأني، من دون أن أدري، مشيت علي خطاك، وعلي درب عطائك، وحاولت أن أرتقي مثلك بثقافة الطفل وأدبه، لكن شتان بين شيخ الطريقة ومريديه، أو بين المعلم الذي ملأ اسمه الدنيا وكاتبة مثلي لا تزال تجتهد وتثابر وتنتج، لتمتلك جزءاً بسيطاً مما تمتلك.
أصدقك القول، إني لم أكن أتخيل يوماً أنني أستطيع أن أكتب قصة للأطفال، أو أقترب من هذا العالم الذي كنتَ تشدّ أنظارنا إليه، وتفتّح عقولنا وحواسنا عليه، وتحفزنا علي اكتشافه، وترتقي بذائقتنا الأدبية ومسيرتنا التربوية نحوه.
لم تكتفِ، أستاذنا، بهذا الدور العظيم الذي كنت تقوم به مع طلابك في تدريس مادة (أدب وقصص ومسرح الأطفال) بكليات التربية في محافظات مصر المتعددة، وأنت تجري كالنهر بين محافظات مصر، من الإسكندرية، إلي جنوب الوادي، إلي طنطا، إلي كفر الشيخ، إلي جامعتنا حلوان (القاهرة)، لتروي العقول العطشي بإبداعك وعطائك وعلمك، فتحرك فينا حب الأدب، والتفاني في العطاء للأطفال، وتسعي بكل جَلَد علي إطلاق مواهبنا.
لا يمكنني أن أنسي فضلك في اكتشاف موهبتي، التي لم أكن أتخيلها يوماً، عندما طلبت منا أن نكتب قصة للأطفال، وكنت تغرينا بأن القصة الأفضل سوف تنشرها في مجلة »نصف الدنيا»‬، كأنك تجسد مقولة الفيلسوف أرسطو:
(الرجل المثالي يشعر بالمتعة في إمداد المعروف للآخرين).
وقد جاءت اللحظة الحاسمة عندما أعلنت في القاعة أن قصتي (الفيل صديقي) هي الرابحة، وأنها القصة التي سوف تنشر في المجلة. يومها نظرت إليك بدهشة غريبة وتعجب، ووقفت أمامك مذهولة، لأنك جعلت شمساً تشرق داخلي، وجعلتني أراجع نفسي من جديد.
كانت لحظة تحوّل ومفترق طريق، لحظةً قلبَتْ تفكيري وكياني. ومنذ ذلك الوقت، وأنا أتذكر نبلك وعطاءك، وتفانيك من أجل هذا الأدب وتلك الطفولة، في كل خطوة أخطوها في طريق الإبداع للطفل، وكل مرة ألتقي بك تسبقك بسمتك، وتشحذ عزيمتي حماستك، وتذهلني رغبتك في التجديد والتطوير التي لا تنضب ولا تذبل، ولا تكل أو تمل، فالعطاء شغلك الشاغل، والارتقاء بثقافة الطفل هدفك الأسمي في الحياة.
أستاذي العظيم..
أُكْبِرُ فيك أنك لم تكن يوماً أنانياً، هدفك المستمر أن تؤسس طلابك علي أن يكونوا شركاءك في مهنة الكتابة والإبداع، وهمك أن تخلق جيلاً بعد جيل من كتّاب أدب الطفل، وأنت أول من أنشأ المسابقة القومية للطفل الموهوب، والندوة الدائمة لأدب وثقافة الطفل، بهدف خلق حركة نقدية حول أدب الطفل. وأصدرت أول مجلة للثقافة العلمية للأطفال »‬النحلة»، وصفحة متخصصة بالأطفال في جريدة »‬الأهرام» بعنوان »‬ألف حكاية وحكاية»، وغيرها الكثير من الإنجازات التي لا تعد ولا تحصي في مجال الثقافة والأدب.
أستاذي العزيز يعقوب الشاروني.. نفتخر بك علامةً مميزة في أدب الطفل، بفكرك المتطور دائماً والمتجدد، ومسيرتك الطويلة التي بدأت منذ أكثر من نصف قرن، ولا يزال إبداعك للطفل مطعماً بالقيم الأخلاقية التي تحرص علي أن تزرعها في عقله وأحاسيسه، من خلال قصصك الغنية بكل المفاهيم التربوية الحديثة، وقد وزعت كتابتك بين حقوق الطفل والمحافظة علي البيئة، ودور المرأة وأهميتها في المجتمع، ومساواتها بالرجل، وكان اقتراحك في الاحتفال باليوبيل الفضي لمجلة »‬علاء الدين»، بأن يصبح عنوانها »‬مرجانة وعلاء الدين»، أو »‬علاء الدين ومرجانة»، دليلاً وبرهاناً علي جرأة طرحك دائماً، في اتجاه فكر تقدمي وتحرري، يساهم في كسر القوالب الجامدة في التفكير.
تضامنت أنت مع مرجانة التي أنقذت علاء الدين في كثير من المواقف في القصص، فهي خير من ساعده وسانده، لتؤكد فكرة المساواة بين الذكر والأنثي، بطريقة سهلة ومبسطة وسلسة للأطفال، حتي تتفتح عقولهم علي المبادئ الراقية في العلاقات الانسانية.
ماذا أتكلم عنك! وأنت من أغنيت المكتبة العربية بأكثر من 400 عمل إبداعي متميز للأطفال ذي مضمون جدي ورؤية ثاقبة، فتُرجِمَتْ إبداعاتك إلي الإنجليزية والفرنسية وسواهما، ونالت أهم الجوائز العربية والعالمية التي لكثرتها لا نستطيع أن نذكرها هنا، إنما نتذكر، علي سبيل المثال، جائزة »‬الآفاق الجديدة» عن كتابك »‬أجمل الحكايات الشعبية»، في معرض بولونيا الدولي لكتب الأطفال بإيطاليا، عام 2002، وجائزة الدولة لأدب الأطفال علي مستوي الوطن العربي من »‬قطر» عام 2014، والكثير من الجوائز والميداليات وشهادات التقدير، من مصر والعالم. وهذا أقل ما يمكن أن يُمنح مبدع وهب حياته للطفولة، وأزهر الطفل الذي يعيش في داخلك مفتوناً بالقصص والحكايات، يتفتح ورده وتزهر روحه مع كل ما سطرته أناملك علي صفحات الحياة والإنسانية.
قليل أن نقول فيك إنك من كبار رواد الإبداع في أدب الطفل علي المستويين العربي والعالمي، فقد تجاوز إبداعك حدود الجغرافيا، وأشرقت شمسك في فضاءات واسعة، وبتنا نذكرك كلما ذكرنا النجوم المشعة في أدب الطفل العربي والعالمي، فنضيف اسمك إلي أحمد شوقي، كامل الكيلاني، سليمان العيسي، وفولتير، وشارل بيرو، والأخوين غريم، وألكسندر بوشكين، وهانز أندرسون، وغيرهم من المبدعين الذين أخلصوا لهذا الأدب وتفانوا من أجله، وتركوا لنا إرثاً لا يزول، نرتشف منه ونتعلم من فنونه، ونجتهد لنكمل بعدهم مسيرة الجمال والخيال الخصب.
كل عام أستاذي.. وأنت أكثر تألقاً وعطاءً، وأطول عمراً، يفوح عطر إبداعك علينا، وعلي كل الأجيال من بعدنا.
ولنا عبرة بالمثل الصيني: »‬يلتصق أريج الزهرة باليد التي تقدمها».