رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

نظرة إيطالية علي عالم الحكَّاء

تدور أحـداث الكثـيـر مـن قصصـه فـي المنـاطـق العشـوائيـة القاهريـة أو بـين أولاد الشوارع


ماريا ألبانو
2/9/2019 11:46:51 AM

في الأدب العربي الحديث المُوَجَّه للأطفال، نجد أن مصر هي الدولة التي تحتل مركز الصدارة لثراء إنتاجها في هذا المجال، وعظمة وقيمة كُتــَّـابها، فقد كانت دائمًا دولة رائدة فيما يتعلّق بميلاد التيارات الأدبية والفكرية الجديدة.
ويُعَدُّ الكاتب المصري يعقوب الشاروني عميدًا لكُتّاب أدب الأطفال والصغار، وقد شغل منصب رئيس المركز القومي لثقافة الطفل. وهو واحد من أهم فناني أدب الطفولة والأطفال، ويرجع له الفضل الأكيد في دفع أدب الطفولة بقوّة في العالم العربي.
إن أعمال الشاروني - في جانب منها - تُركّز بشكل كبير علي إعادة النظر إلي التُّراث الكلاسيكي، وإعادة عرضه بأسلوب جديد مُناسب لتحفيز اهتمام الشباب.
فالكاتب يُعيد صياغة الكثير من »الحكايات الخيالية»‬، لكن، علي عكس سلفه كامل كيلاني، فالشاروني لا يُجدّد فقط في الأسلوب اللغوي، ولكن في مُحتويات القص أيضــًـا.
الحكايات الشعبية وحكايات السحر، كما يقول الشاروني، تجذب دائمًا الأصغر عُمرًا، لأنها تتضمّن روح الزمن، لهذا يجب تجديدها لأن روح الزمن لم تعد هي نفسها، لكن الرمز الذي تحتويه تلك الحكايات يكون دائمًا ذا فاعلية إذا تمّت إعادة صياغتها في ضوء التغيرات الاجتماعية الكبيرة التي يعيشها المُجتمع العربي، والمصري بشكل خاص.
>>>
من إحدي الحكايات الخيالية الشعبية التي يعرضها في إعادة صياغته التـي يحتويها مُجلّد »‬أجمل الحكايات الشعبية»، قصـة »‬الأميـر الجبــان»، وهي تحكـي عـن شجاعـة أميـرة لا تتـردّد فـي ارتـداء ملابـس القائـد، وتتـرأس جيشًـا بأكمله. يقصــد الكاتب إبراز المنزلة الجليلة المُتساوية بين الرجل والمرأة.
>>>
والشاروني أيضــًـا، مثل سلفه كامل كيلاني، أعاد صياغة بعض قصص »‬ألف ليلة وليلة».
وفي روايته »‬معروف في بلاد الفلوس»، يُقدّم إعادة صياغة للقصة الشهيرة »‬معروف الإسكافي» المأخوذة من »‬ألف ليلة وليلة». يُقدّم الشاروني، مُنذ بداية القصة، شخصيّتين غير موجودتين في القصة العربية الأصلية: هما طفلان يطـلبان مـن مـعـروف الإسـكـافـي أن يـحكي لهما قصة بينما يُصلّح الأحذية: سألت الصغيرة نسمة في شغف: »‬ماذا فعل الجنــِّـيُّ بالصياد المسكين؟».
يجيب معروف: »‬تقول الحكاية القديمة إن الصياد نجح في إرجاع العملاق الشرير من جديد إلي الوعاء النحاسي الذي كان سجينــًـا فيه». ثم بعد لحظة أضاف: »‬لكنّني أعرف أيضًا نهاية أخري للقصة».
والبداية في قصة معروف الأصلية مُختلفة تمامًا:
»‬في مصر القديمة كان هناك إسكافي يُصلّح الأحذية القديمة. كان اسمه معروف، وكان لديه زوجة اسمها فاطمة».
وهكذا، في قصة الشاروني، تم استبدال المرجعية الواقعية، بالعناصر الخيالية والوهمية.
>>>
والفضل الكبير للشاروني في إدخال الرواية الاجتماعية في أدب الأطفال في العالم العربي. والهدف هو تنمية الإحساس في ضمائر الأفراد تجاه المُشكلات الاجتماعية في دولة مثل مصر، تتقدّم بخُـطًي ضخمة إلي الأمام في هذا المجال، لكن ما زالت تنقصها الرفاهية كما هي في المفهوم الأوروبي. وتدور أحـداث الكثـيـر مـن قصصـه فـي المنـاطـق العشـوائيـة القاهريـة، أو بـين أولاد الشوارع، أو المضطرين إلي العمل مُنذ الصغر، فهم يمثــّـلون نسبـة عاليـة مـن سُكان المدينة.
وفي قصص أخري، نجد الدعوة البيئية قوية، وكذلك النداء الموجّه للشباب ليُحافظوا علي الطبيعة من التلوّث الذي يُسبّبه الإنسان.
لكن إحساس الكاتب يُركّز خصّيصًا علي الأطفال »‬ذوي الاحتياجات الخاصة». ففي إحدي قصصه »‬حكاية طارق وعلاء»، يحكي الكاتب عن مُقابلة علاء مع طفل آخر، هو طارق، الذي يُعاني من »‬احتياج خاص».
الشاروني لا يتكلّم أبدًا عن الإعاقة بشكل صريح، لكنه يصف شخصية طارق الموهوب جدًّا في الرسم. وفي النهاية سوف يقوم طارق نفسه بمُساعدة علاء وليس العكس.           
إن التركيز لا يكون علي احتياج طارق للتواصل مع الآخرين، لكن علي كفاءة »‬الآخرين» في التواصل مع طارق.
إن قيمة الكتابة تربوية بشكل كبير: تتضمّن القصة طرقــًـا دقيقة للتصرّف والتفاعل مع ما يُسمَّي »‬الاختلاف»، وذلك بهدف اكتشاف »‬المهارات» وليس »‬الإعاقات» للأشخاص الذين يظهرون وكأنهم »‬غير طبيعيين».
في أعمال الشاروني نجد اتهامًا واضحًا تجاه اللامُبالاة أو الشفقة.. الإحساس الاجتماعي ليس مُخصّصًا للقليلين، لكنــّـه واجب علي الجميع.
 »‬كنز جزيرة عروس البحر»:
إن أدب الأطفال والصغار لا يكفي أن تكون له أهداف اجتماعية أخلاقية أو تربوية، فهو وسيلة لمنح الطفل »‬متعة القراءة الخالصة »‬، بتحفيز خياله، للسماح بنمو مُتناغم لشخصيته.
من هذا المُنطلق يكتب الشاروني أيضــًـا قصصًا خيالية خالصة، مثل قصة »‬كنز جزيرة عروس البحر»، وهي أول الروايات العربية التي تترجم إلي اللغة الإيطالية.
 تدور أحداث القصة في المنيا، بمصر العليا.
الأسلـوب روائـي حديـث جـدًّا، الأحــداث مُثيــرة، والشخصيــات الرئيسيــة، أخت وأخ مُراهقان، مما يجعل الرواية مُناسبة تمامًا حتي لسوق كتب كثير المطالب، مثل السوق الإيطالي.
 وصف شخصيات الأبطال وحياتهم اليومية مُثير بشكل خاص، حيث إنها تـُـشبه إلي حدٍّ كبير حياة المُراهقين الذين يعيشون في الدول الأوربية، وهذا يُساهم في إلغاء الكثير من الأحكام الخاصة بجمود المرجعية الاجتماعية والثقافية في الدول العربية، ويُقدّم نماذج عن »‬العربي» و»العربية» يستطيع شباب آخرون ينتمون لدول أخري أن يقارنوا أنفسهم بهم.
وفي الرواية تظهر أيضًا بعض ملامح الثقافة المصرية، وبشكل خاص ما يخص نهر النيل العظيم.
فضلاً عن ذلك، نجد أحداثــًـا مُهمّة يُمكنها تقديم موضوعات تاريخية مثل الحملة الفرنسية لنابليون علي مصر العليا، ويُمكنها أن تـُـثير مُقارنات وتأمّلات حول الاستعمار، وحول تأثير الغرب علي شمال إفريقيا.
لكن أكثر الأشياء البارزة، هي أن العادات، والحياة المدرسية، والعلاقات بين الآباء والأبناء، وعلاقة الأخ مع أخته، كل ذلك يُشبه النماذج المُعاصـرة للأولاد الذين يعيشون فيما نـُـسميه العالم الغربي.
 وحتي في هذه الحالة، استخدم الشاروني عنصر الحلم لتقديم الرمز، بهدف تعظيم القيم العالمية التي تنتمي إلي مُراهقي العالم بأكمله. إن الحيوانات والنباتات الموجودة في الرواية، قد أصبحت رموزًا: الطيور ترمز إلي الحكمة، وزهور عباد الشمس ترمز إلي المعرفة، والضفادع إلي الأوهام الكاذبة.
إن الرحلة الخيالية التي يقوم بها بطلا الرواية - عماد وسماح - في الجزيرة، لاكتشاف أين غرقت السفينة التي يبحث عنها والدهما عالم الآثار، تُصبح رحلة يقوم بها كل مُراهق لاكتشاف نفسه، وبشكل خاص لاكتشاف البُعد العالمي الذي يجمعه بجميع المُراهقين في أي جزء من العالم الـمُـعَاش.
إنهـا قصـة تصــل إلينــا مــن مصــر العريقـة، وبها الكثير لتقوله، وتجعلك تكتشفه.. لكنها مثل جميع القصص، تجعلك تحلم وتلعب وتُفكّر.   
 »‬قليل من الراحة فوق السلالم»:
وتنتمــي للنوع الاجتماعي قصة يعقوب الشاروني »‬قليل من الراحة فوق السلالم» (من يوميات صبي بقال)، حيث يتكلّم الكاتب برفق كبير عن عذاب عمل الأطفال، فيصف يوم طفل مُجبر علي ترك المدرسة ليعمل صبيًّا في متجر بقالة. ويصف عالم الكبار بواقعية قاسية وعدم اكتراث صامت، وذلك لأنه يراه بعين الطفل »‬أبواب كثيرة تـُـغلَق في وجهي، ثم يفتحها الناس مرة أخري لدفع الحساب» تلك الأبواب، أحيانــًـا، تبقي موارَبَة. ويلمح الصغير من خلال فتحة الباب عالمًا مُختلفًا، أكثر ثراءً. إنها فتحة يلمح من خلالها »‬صفوفًا من الكُتب تــُـغطي الجُدران».
وتذبح استجوابات الكبار يوم الطفل، وهي استجوابات قاسية لاذعة، تحتقر الجُهد الضخم الذي يجب عليه أن يتحمّله، والذي لا يُمكن تخفيفه ولا حتي بالجلوس علي إحدي درجات السلالم الكثيرة التي يصعدها:
»‬من أنت؟ ماذا تفعل هنا؟»
»‬لماذا صعدت إلي الطابق الثالث؟»
»‬لماذا تجلس علي سلالم الطابق الرابع؟»
»‬هل أضعت النقود اليوم أيضــًـا؟»
وهو يحاول الإجابة علي الجميع، مُتحمّلاً ألم ساقيه، والبُكاء والإهانات.
لكنه في النهاية لم يعد يتحمّل، ويتساءل هو أيضًا، وهو التساؤل الوحيد له والذي يُعبّر عن أمله المفقود، عن رغبته التي لا تخمد أبدًا: »‬هل أستطيع أن أطلب كتابًا من تلك العائلة التي تعيش في شقّة تبدو كأنّها مكتبة؟».