رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

ريادة مُتجدِّدة

كنا نطالع أعماله في مكتبة المدرسة.. وملأ عالمنا بكل ما هو محبب ويدعو للدهشة والمعرفة


فرج الظفيري
2/9/2019 11:50:47 AM

امتدت علاقتنا بالرائد المتألق والأستاذ الكبير يعقوب الشاروني لما يقارب 40 سنة عندما كنا نطالع كتبه المنوّعة في مكتبة المدرسة، كانت كتبه تغطي مجالات شتي، فمنها القصص القصيرة، ومنها القصص الطويلة، ومنها الترجمات المميزة للكتب والموسوعات العلمية المبسطة للصغار، والتي أبدع يعقوب الشاروني في إعادة صياغتها بلغة سهلة ميسورة، فكنا نتلقَّي تلك الكتابات بروح الطالب المتعطّش للمعرفة بدافع من الفضول الحميد. لقد ملأ الأستاذ يعقوب عالم الطفولة بكل ما هو محبب، وبكل ما يدعو للدهشة التي تعقبها المعرفة.. لم تكن تلك اللقاءات بإصدارات الأستاذ الكبير سوي البداية، إذ رحتُ أتتبّع إنتاجه الأدبي المميز في الكتب وفي مجلات الأطفال التي تحتفي بكتاباته في الصفحات الأكثر قراءة في المجلات.
وربما يلاحظ من يقرأون قصص أستاذنا الكبير نزوعه إلي التركيز علي قضايا مهمة جدًا، وتطرُّقه لمسائل حسَّاسة، وقدرته العالية علي المعالجة الحكيمة. مثل إعمال الفكر، وتنمية مهارات التفكير، والابتعاد عن الجمود والتقليد الأعمي، والحث علي تكوين اتجاهات إيجابية نحو المستقبل، والدعوة للخيال العلمي، والحرص علي تحقيق الطموح وعدم الركون إلي الإحباط أو التوقف عند العقبات، والدعوة الدائمة إلي حل المشكلات من خلال الطفل نفسه لا بعوامل خارجية، ولم تكن كتاباته بمعزل عن الواقع بل كانت تعانق الواقع ومشكلاته، فقصصه تدعو إلي قبول الآخر، والتعامل معه بالعدل والإحسان، وتشجِّع علي الحوار البنَّاء، ونبذ العنف بكل أشكاله، ومكافحة الإرهاب، وتدعو إلي العدل في معاملة الطفلة الأنثي، فحقوقها تتساوي مع حقوق الطفل الذكر، إلا فيما يتعلق بالفروق الفردية فيما بينهما، ولم يغفل قضايا البيئة ولا أطفال الشوارع والأطفال العاملين، وذوي الاحتياجات الخاصة.. بل ربما لا نبعد عن الحقيقة إن قلنا إن أستاذنا الكبير تطرق لكل قضايا الطفولة بلا استثناء من خلال كتاباته المتنوعة والرصينة التي تقدّم حلولاً عملية وواقعية لهذه القضايا.
كُتبُ أستاذنا الكبير لا تتوقف عند شكل محدد أو مرحلة عمرية محددة، لقد أخذت أشكالاً إبداعية متنوعة مستفيدًا من كل ما يمكن للمطابع أو جهات الإنتاج عمله، وتوزعت كتاباته علي جميع المراحل العمرية بدءًا من أطفال مرحلة ما قبل القراءة إلي آخر مراحل الطفولة.
ونتيجة لهذا الكم الكبير من الإصدارات ولأن نظرته شاملة وعالمية فإن عددًا كبيرًا من كتبه وجدت طريقها للترجمة إلي لغات أخري كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية وغيرها من اللغات.
فلا عجب أن يحصل أستاذنا الكبير عن جدارة واستحقاق علي الكثير من الجوائز سواء علي مستوي مصر أو الوطن العربي، أو علي المستوي الدولي.
إن اهتمامي بالكتابة للطفل كشف لي شيئًا عن هذا الرائد المبدع يعقوب الشاروني، إذ إن اهتمامي يحتم عليَّ أن أكون مطلعًا علي كل ما يكتب عن أدب الطفل، وهنا ظهر إبداع آخر لأستاذنا الكبير، فهو لم يكتفِ بأن يكون كاتبًا فقط، بكل كانت كتاباته مصقولة بالدراسة العميقة لخبايا أدب الطفل، ففي كل مجال ساهم ببحوث ودراسات علمية ذات عمق ورصانة تتفوق علي كثير مما يقدّمه طلاب الجامعات في دراسات الماجستير والدكتوراه، التي جعلت بحوثه ودراساته مرجعًا لها، وبالنسبة لي كانت بحوثه ودراساته عنصرًا مهمًا في قراءاتي حولي أدب الطفل. إذ فيها ما يميزها عن غيرها، فالأستاذ يعقوب يحرص بشكل كبير علي متابعة كل جديد في المجال، ولا يتوقف عند حدود دولة بعينها، فهو يسند بحوثه ودراساته بإحصائيات حديثة وببحوث تجريبية ومشاهدات شخصية وخبرات الآخرين الذين يلتقي بهم في رحلاته حول العالم.
ولا يمكنني أن أنسي في كل مرة نكون فيها معًا -في مؤتمر أو معرض- كيف يُبهر الحضور بغزارة علمه وسعة اطلاعه، ومتابعته الدقيقة لأحدث المعلومات، وفي كل مرة يتم تجاوز الوقت المحدد للندوة أو المحاضرة برغبة الحضور ومطالبتهم مع استمتاعهم وابتهاجهم.. ومثل هذا يُعدُّ من الحالات الاستثنائية في الندوات.. التي يحاصر فيها الملل الحضور.. إلا محاضرات يعقوب الشاروني.. فهي خروج عن القاعدة.
إن علاقتي بالأستاذ الكبير يعقوب الشاروني تجللها المحبة، وتطوِّقها الصداقة.. فبيته المضياف أحد محطاتي الدائمة عند زيارة للقاهرة.. يستقبلني فيه بترحاب وكرم، فأنهل من علمه وأسترشد بآرائه.
إننا ندعو الله للأستاذ يعقوب الشاروني بعمر مديد، وأن يوفِّقه لكل خير، وأن يواصل عطاءه وإبداعه.. وأن يكون في إنجازاته للسنة الجديدة تتويج بجائزة عالمية، تفتخر بها مصر، وكل العرب.