رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

يعقوب الشاروني يستعيد أيام البدايات: حينما صفق لي عبدالناصر قررت التفرغ للكتابة

أحب السفر وزيارة الأماكن الجديدة والتعرف علي البشر قبل الحجر


حوار: أحمد عبدالنعيم
2/9/2019 11:58:47 AM

لا يحتاج الكاتب الكبير يعقوب الشاروني إلي تعريف، وجوده بيننا حدث، وإبداعه الدائم حلقة نقاش يومي بين تلاميذه. الشاروني لا يقدم كتابة للطفل يتسلي بها ولكنه يصنع معه غداً أكثر إشراقاً، يقدم له حلمه الدائم باللعب والشقاوة والمرح والمعرفة.. عندما تقرأ للشاروني فأنت تدخل عالماً خاصاً شديد التفرد، هو أيقونة جيلي الذي تربي علي حكاياته. هنا حوار طويل معه، عن البدايات.

هل تتذكر بداياتك الأولي؟
نعم أتذكرها جيداً، وأتذكر أنه منذ سنوات حياتي الأولي أحب السفر وزيارة الأماكن الجديدة، والتعرف علي البشر قبل الحجر. ومنذ كنت في المدرسة الابتدائية وأنا في التاسعة أو العاشرة من عمري، كنت شغوفًا بكتابة القصص القصيرة المستمدة من زياراتي لمختلف الأماكن وتعرفي علي نماذج متعددة من البشر، مستعينًا بما أسجله كل ليلة في »كراس يومياتي»‬ أو مذكراتي. وكان من الطبيعي أن تدور أولي رواياتي القصيرة للأطفال واليافعين حول خبراتي التي عايشتها أثناء زياراتي في العطلات الصيفية لبيت جدي لوالدتي في قرية »‬جزيرة شارونة»، بمحافظة المنيا بصعيد مصر.
وشيئًا فشيئًا بدأت أهتم بقراءة المجلات الأدبية والثقافية، وروايات ومسرحيات كبار الكُـتَّاب، وقراءة كتب علم النفس والفلسفة التي كان يدرسها أخي الأكبر في كلية الآداب بالجامعة.
وماذا عن عالم الكتب والقراءة؟
قبل أن أبلغ الثالثة، كان حولي كثير من كتب الأطفال، كبيرة الحجم، بها رسوم جميلة واضحة بالأبيض والأسود. كانت كتبًا باللغة الإنجليزية، وكثيرًا ما كانت إحدي أخواتي اللاتي تسبقنني في العُمر، تجلس معي، ومع إخوتي الأصغر سنًّاً، تحكي الحكايات التي تدور حولها تلك الرسوم، مثل حكايات »‬سندريلا»، و»ذات الرداء الأحمر»، و»جميلة والوحش»، و»الجميلة النائمة».
وعندما تنتهي أختي من حكاياتها، أمسك بالكتاب، أستغرق في تأمل الرسوم بشغف وإعجاب، كأنما أحاول أن استنطق شخصيات الرسوم، من إنسان وحيوان ونبات. ثم أتطلع في حيرة إلي تلك الرموز المكتوبة بجوار الرسوم، وأسأل نفسي عشرات المرات: »‬متي يكون في استطاعتي أن أفهم هذه العلامات، حتي أتمكن مِن أن أعتمد علي نفسي في فهم ما تدور حوله هذه الرسوم، بغير أن أضطر إلي انتظار فترة فراغ أختي لتحكي لي عنها.
ثم اعتدت أن أبحث عن كل كتاب به رسوم، وأصنع من خيالي حكايات تدور حول تلك الرسوم.. وكانت هذه هي البداية التي بدأ بها خيالي ينشغل بتأليف القصص.
من كان صاحب التأثير الأكبر عليك؟
جدتي لوالدتي التي عاشت معنا بالقاهرة، كانت لا تستطيع السير لتقدمها في السن كثيرًا، كنت أجلس بجوارها لأستمع منها إلي الحكايات الشعبية، خاصة حكايات »‬عقلة الأصبع» أو »‬نص نصيص» التي شغلتني كثيراً وجعلتني أصنع قصصاً بطلها هذا الفتي الصغير الذي لا يزيد حجمه عن إصبع الإبهام، مما يتيح له أن يتحرك بغير أن يلاحظه الناس، وأن يدخل إلي مختلف الأماكن الـتي يتعذر علي غيره أن يدخلها، وأن يتخلص مما يتعرض له غيره من مخاطر معتمدًا علي ذكائه وحجمه الصغير.
وماذا عن تأثير جزيرة شارونة في تكوينك الإبداعي؟
كان جدي لوالدي أحد النادرين في القرية، الذين يمتلكون مكتبة صغيرة، ويحرصون علي مطالعة جريدة الأهرام ظهر كل يوم، يشتريها له العائدون من »‬مركز مغاغة» علي الشاطئ الغربي، بعد أن يعبروا النيل مع الفجر للبيع والشراء، ويعـودون إلي جزيرتهم عند الظهر أو مع العصر.
وجدت في مكتبته نسخة من كتاب »‬ألف ليلة وليلة» طبعة الهند، وبدأت في قراءته في العطلة الصيفية التي أعقبت امتحانات نهاية العام للسنة الثالثة الابتدائية. ومنذ تلك الفترة، لم أكفَّ، حتي الآن، عن معاودة قراءة هذا الكتاب الحافل بثروات الخيال والإبداع الشعبي، والنماذج الإنسانية، وأساليب القص الآسرة.
ما الموقف الذي أثر فيك لدرجة أنك تعتبره دافعك للاستمرار في الكتابة؟
في نهاية سنة »‬تالتة ابتدائي»، وقبل موعد امتحان نهاية العام الدراسي بأسبوع، جمع مدرس اللغة العربية الأستاذ عبد الحق، الفصلين، »‬تالتة أول» و»تالتة تاني»، ليراجع مع تلاميذهما أهم ما في المقرر الذي درسوه.. وهكذا انحشر كل أربعة من التلاميذ علي مقعد لا يتسع عادة إلا لاثنين.
واخترت أن أجلس علي طرف مقعد في أحد الصفوف الخلفية.. جلست ولا يشغلني إلاَّ الانتهاء من كتابة قصة كنت قد بدأتها، وتـَـصَوَّرت أنه في زحام قاعة الفصل أن المدرس لن ينتبه إلي ما أفعل، فأخرجت »‬كراسة مؤلفاتي» ووضعتها فوق ساقي، وانهمـكت فـي الكتابة وقد نسيت تمامًا كل ما يدور حولي.
فجأة وجدت وجه أستاذي يطل عليَّ، وناداني باسمي للإجابة عن سؤالٍ لم أسمعه، ثم اقترب مني وسألني في دهشة: »‬بتكتب إيه؟!» رفعت رأسي وقلت بغير تفكير: »‬رواية!».. وفي دهشة أشد ردد الأستاذ مستنكرًا: »‬بتقول رواية؟! هل بتكتب رواية فعلاً؟!».. أجبت مدافعًا عن نفسي، لكي أتفادي أي عقاب متوقع: »‬هي مش أول رواية أكتبها!».. هنا فوجئت بالأستاذ يقول في لهجة تشوبها سخرية واضحة: »‬طيب اقرالنا جزء من روايتك».. كأنه أراد أن يثير سخرية بقية التلاميذ مني، أنا الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره ويزعم في جرأة، أمامه، أنه يكتب »‬رواية!».. استجمعت شجاعتي، وانطلقت في قراءة الفقرة التي كتبتها...  
وفوجئت بالتغير الذي ظهر علي وجه أستاذي.. بدلاً من أن يتناول الكراس ويمزقه ويلقي به من نافذة الفصل، تَحَوَّل الغضب إلي نوع من الرضا وهو يربت علي كتفي برفق قائلاً: »‬ربنا يفتح عليك.. اجلس وكمل روايتك».
كان أول تشجيع علني أجده من أستاذ متفهم، وكان أول جائزة أفوز بها في حياتي.. بل أقوي حافز لأستمر في الإبداع الأدبي، وأعتبره أهم أهداف حياتي..
كثيراً ما تعبر عن عشقك الخاص للصحافة وربما لا يعرف الكثير أنك كنت أصغر رئيس تحرير..
نعم.. كان عمري 14 عامًا، تم اختياري لأتولي رئاسة تحرير العدد السنوي لمجلة المدرسة. وكان هذا أول احتكاك عملي مباشر لي بالعمل الصحفي والطباعة. ولأول مرة في حياتي المدرسية أتخلي عن التزامي بحضور الحصص الدراسية، لأتابع في المطبعة صدور ذلك العدد.
وهكذا اكتشفت أن كتابة القصة والمقال والعمل الصحفي، هي الإغراء الأكثر جاذبية لي من أي شيء آخر في حياتي!
وقد عدت إلي العمل الصحفي مرة ثانية عام 1951، وأنا في السنوات النهائية بكلية الحقوق، وأصدرت مع زملائي مجلة اسمها »‬الرجاء»، أثار العدد الثالث منها كثيرًا من العواصف لما قيل من أن فيها تحريضًا للطلبة علي الثورة والتغيير، فقد كان فيها مقال غير موقع، انتهي بعبارة »‬تحت السطح يتأهب البركان»، ولم يعرف أحد أن كاتبه هو أنا. كان ذلك قبل ثورة يوليو بشهور.
وقام بالتحقيق معي أساتذة متعاطفون، فانتهي التحقيق بالحفظ. لكن أصحاب المجلة حرصوا علي تحويل المجلة بعد تلك العاصفة إلي شيء مُسلٍّ، فابتعدت غير آسف.
ونحن نتكلم عن ثورة يوليو أتذكر معك جائزة تسلمتها من الرئيس جمال عبدالناصر، جائزة أفضل نص مسرحي، وهو »‬أبطال بلدنا»، وكانت قيمتها تساوي جائزة الدولة التقديرية في ذلك الوقت.   
نعم.. وأتذكر أن الفائز الثاني في تلك المسابقة، كان الكاتب المسرحي المعروف »‬الأستاذ علي أحمد باكثير، كانت الجائزة الأكبر، هي ما أحاطني به الرئيس جمال عبد الناصر من اهتمام وتقدير في حفل تسليم الجوائز.
تسلمت ظرف جائزتي من الرئيس عبد الناصر، وبعدها تسلم الفائز الثاني ثم الثالث جائزتيهما.
عندئذٍ تقدم المعاونون من الرئيس، يدعونه لإلقاء خطابه أمام النصف مليون شخص الذين احتشدوا يهتفون له في أكبر ميادين المنصورة.
كان هناك أكثر من عشرين ميكرفونا لمختلف محطات الإذاعة أمام الرئيس، وبدلاً من أن يتقدم ليقف أمام الميكرفونات، التفت إلي حيث أقف.. وفوجئت به يسألني في ود: هل أعددت كلمة تلقيها يا شاروني؟ ورغم أن السؤال كان مفاجئًا، فقد أجبت بالإيجاب، محاولاً السيطرة علي دهشتي من أن الرئيس يحفظ اسمي!
خطا الرئيس نصف خطوة بعيدًا عن مكبرات الصوت، وبلمسة من يده علي كتفي دعاني أن أتقدم أمامه، وأقف في مواجهة غابة الميكرفونات، لألقي كلمتي، بينما وقف الرئيس يصغي في اهتمام لي.
وعندما انتهت الكلمة صفق لي الرئيس، وانطلقت الجماهير تصفق خلفه بحماس.
في تلك اللحظة شعرت أنني قد دخلت التاريخ.. فها هو زعيم الأمة العربية يقدمني قَبْلَه لألقي كلمة الفائزين بالجائزة، كلمة أخاطب بها الأمة العربية وليس شعب مصر وحده. في تلك اللحظة قررت أن مستقبلي مع الأدب وليس مع القانون.
كيف كان القرار بالتفرغ للأدب وترك منصة القضاء بشكل عملي؟
في عام 1967، أعلـن الدكتور »‬ثروت عكاشة»، وزير الثقافة عندئذٍ، أنه في حاجة إلي عدد من الشباب الموهوبين في الأدب والفن، ليقودوا العمل الثقافي خارج القاهرة، كمشرفين علي قصور وبيوت الثقافة المنتشرة في محافظات مصر.
وكانت تلك هي بداية »‬الثقافة الجماهيرية»، التي أصبحت الآن »‬الهيئة العامة لقصور الثقافة»، والتي حلت محل ما كان يُسمَّي قبل عام 1967 »‬بالجامعة الشعبية».
وعندما طلب وزير الثقافة من وزير العدل انتدابي للعمل في وزارة الثقافة، لم توافق وزارة العدل إلا علي الانتداب لمدة ثلاثة أشهر.
وبعد كل ثلاثة أشهر، تبدأ معركة الموافقة علي مد الانتـداب، إلي أن انتهـي الأمـر في 68 بنقلي نهائيًّا إلي وزارة الثقافة، في ضوء نجاح تجربة عملي الثقافي في بني سويف، وذلك عندما اختارني عضوًا في بعثة طويلة إلي فرنسا، لمعايشة الحياة الأدبية والثقافية هناك. وبعد عودتي من بعثة فرنسا، ومن سنة 1970 حتي 1973، أشرفت علي الإدارة العامة لثقافة الطفل ومسرح الطفل بالهيئة العامة لقصور الثقافة، ثم عملت مُستشارًا لوزير الثقافة لشؤون ثقافة الطفل.
استراح المبدع داخلك للكتابة.. أم كانت الصعوبة أكبر بعد قرار التفرغ؟
قد يكون أصعب شيء في الكتابة بالنسبة لي هو البداية، الصفحة الأولي، بل العبارات الأولي، فقد تمضي أيام وأحيانًا أسابيع والعمل يتقدم ببطء.. ثم تتضح أمامي ملامح كل شخصية، وأستقر علي أهم الخطوط الرئيسية، وفجأة أجد نفسي قد استغرقت في الكتابة إلي أن أنتهي من كتابة المسودة الأولي.
لكنني عادة أتوقف بين كتابة فصل وآخر من فصول الرواية، إلي أن أتعايش جيدًا، في خيالي، بوضوح، مع مواقف وحوار الفصل التالي.
بعد ذلك تبدأ عملية الصقل، وإعادة الكتابة، وإعادة ترتيب بعض الفصول، وأخـذ رأي بعض الأصدقاء فيما كتبت، وقد تستغرق هذه المرحلة شهورًا.
وهنا لا بد أن أكون حازمًا مع نفسي، لكي لا تشغلني مسؤوليات الحياة اليومية عن الاستمرار في نقد وتقويم ما كتبت وإعادة كتابته، وقد أعيد كتابة بعض أجزاء العمل عشر مرات إلي أن أرضي عنه.
 وإذا سألتني عن صعوبات أخري تواجهني وأنا أكتب، فالإجابة أنه طالما يحب الإنسان شيئًا، فليس في قاموسه ما يسمي »‬صعب». إنني أحرص، قبل أن أبدأ في كتابة إحدي رواياتي، علي أن أتعرف علي جميع ما يمكن أن أصل إليه من معلومات حول البشر والمكان والزمان والموضوع الذي أكتب عنه. وقد أصل إلي ألف معلومة، لكنني في النهاية لا أستخدم إلا عددًا قليلاً جدًّا من هذه المعلومات. لكن المعرفة المتسعة تساعدني كثيرًا أثناء الكتابة.. تساعدني علي أن أجد ما أحتاج إليه من معرفة تسعفني في بناء موقف معين أو سمات شخصية ما في العمل الأدبي. إن الكاتب في عصرنا، حتي وهو يستلهم الخيال في بناء العمل الأدبي، لابد أن يغوص في الواقع ويعرفه جيدًا، لكي يكون صادقًا مع نفسه ومع قارئه ومع الحقائق الإنسانية الكبري
ما الروافد التي قربتك من عالم الطفل؟
أهم مصادر معرفتي بعالم الأطفال والشباب الصغير وبكثير من الجوانب التي أحتاج إلي معرفتها وأنا أكتب قصة أو رواية أو دراسة عملي مع الأطفال في قصر ثقافة بني سويف، ثم مشاركتي كرئيس للمركز القومي لثقافة الطفل، وحتي الآن، في الأحداث الثقافية، مثل حضور ندوة أو مؤتمر، أو مشاركة في القيام بتدريب، أو الحرص علي حضور معرض كتاب يقام في مصر أو في دولة عربية أو أوربية أو أمريكية.
التفاعل مع البشر، والاستماع المباشر إلي خبرات الآخرين، ومعايشة البيئات التي يعيشون فيها، والتعرف علي التجارب الحية التي يعبرون عنها، كل هذه روافد أساسية لالتقاط عناصر الشخصيات والأماكن التي أرسمها في أعمالي الأدبية.
كما أنها تمنحني كثيرًا من الخبرات التي تثري اختياراتي، عندما أجد نفسي قد وصلت في عمل روائي إلي موقف يعبر عن الخبرة الإنسانية في مواجهة الحيرة أو التردد أو أسئلة الحياة الكبري. بل إن حضوري بعض المؤتمرات قادني أحيانًا إلي العثور علي »‬المفتاح» أو العقدة التي كنت أبحث عنها لأتناول- في قصة أو رواية- موضوعًا معينًا.
ما الذي يمكن أن يشكل معوقات بالنسبة لك؟
مع ملاحظة أن هناك إجماعًا في دراسات الإبداع علي أن المبدع كثيرًا ما يجد مقاومة أو رفضًا أو عدم ترحيب ممن يحيطون به، في العمل أو المجتمع، فالإبداع، في أحد جوانبه، هو تغيير ما سبق الاستقرار عليه، أو إضافة الجديد له، وأحيانًا يكون ثورة علي ما أصبح من العادات العقلية المتوارثة.
لهذا يجد المبدع مقاومة شديدة ممن حوله، لأنهم يسبغون نوعًا من القداسة أو الاحترام المبالغ فيه علي عاداتهم العقلية والسلوكية، وبالتالي يشعرون أن إبداع الكاتب، بما فيه من تجديد وعدم قبول للمتفق عليه، فيه نوع من التحدي أو الإدانة، يحتاج إلي قمع ومقاومة وتعطيل.
لكن هذا لم يمنعني خلال حياتي من الاستمرار في طريقي، حتي لو تعارض مع ما استقر في أذهان من أتعامل معهم. ولم أكن أهتم كثيرًا عندما تنتهي الأمور بوضع العراقيل في مواجهتي، وفي مواجهة إبداعي.. وقد حدث معي أكثر من مرة، أن أفاجأ بإبعادي عن عملي عندما تبدأ ثمار نجاحه في التبلور والتأثير، لكنني بدلاً من الغضب والثورة، كنت أجدها فرصة لكي أتفرغ للقراءة والكتابة والسفر واكتساب الخبرات الجديدة.
ذلك أنني عندما أقبل تحمل مسؤولية عمل ما، كنت أستغرق فيه بكل طاقتي، مستفيدًا من الخبرة التي يتيحها لي العمل الميداني، سواء مع الصغار أو الشباب، أو مع مَن يعملون معي ويحتاجون إلي تعميق خبراتهم، أو مع المسؤولين الذين كنت أبذل جهدي لكي يتعايشوا مع متطلبات العمل الثقافي مع الأطفال.
هل الدور التربوي للعمل الموجه للأطفال ينبغي أن يُكتب بحرفية حتي لا يقلل من قيمته الفنية؟
نعم.. لا يمكن إغفال الدور التربوي الذي لا بد أن يتواجد في خلفية كل عمل أدبي يقدم للأطفال، لكنه دور يأتي دائمًا من خلال الصياغة الفنية الروائية أو القصصية، بعيدًا تمامًا عن المباشرة.
كاتب الأطفال فنان قبل أن يكون رجل تربية. والفن يقوم أساسًا علي إمتاع القارئ بما في العمل الأدبي من تشويق وجاذبية، وشخصيات حَـيَّة يُعايشها الطفل، وحبكة أو عُقدة تُثير اهتمام العُمر الذي تتوجّه إليه القصة أو الرواية.
لكن كُـلّما كان كاتب الأطفال معايشـًا وعلي دراية بواقع الأطفال- الاجتماعي والنفسي والبيئي واليومي- كُـلّما وجد نفسه يختار موضوع أعماله الإبداعية حول ما يُعايشه الأطفال في واقعهم أو خيالهم.
فإذا كان الفن يأتي أولاً في مجال إبداع أدب الأطفال، فلا يُمكن فصل الفنان الذي يكتب للأطفال عن المُرَبِّي الذي يُدرك أثر كل كلمة يكتبها علي القارئ الصغير.
إن الأدب، بوجه عام، نافذة يستطيع القارئ من خلالها أن يفهم نفسه علي نحو أفضل، وأن يفهم الآخرين أيضًا علي نحو أفضل.
كما أن مؤلف أدب الأطفال، إذا كان مُسلّحًا بالرؤية الواعية لقضايا مُجتمعه وقضايا الطفولة، فلابد أن يُساهم ما يكتبه، علي نحو ما، في التربية وفي التغيّر المُجتمعي.
لكنّنا نعود لتأكيد أن أيّة قيمة تربوية أو سلوكية يتضمنّها العمل الأدبي، لابد أن تأتي من خلال الفن وليس علي حساب الفن.
فمن الخطأ أن يقصد المؤلف للأطفال توظيف عمله الأدبي من أجل إحداث أثر أخلاقي أو تربـوي معين، لكن صِدْق الكاتب مع نفسه ومع القُرّاء لابد أن يترك أثرًا شاملاً في أعماله الأدبية، وبالتالي لا بد أن يؤثِّر في إحداث التغيّرات المُستقبلية في مُجتمعه، وفي نفسية وعقول وسلوكيات القراء من الأطفال والشباب الصغير.