رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
الكتاب الاول

محمود بيومي :أحببتُ أن أكون فيزيائيًا وفوجئت بأنني شاعر


عائشة المراغي
12/29/2018 10:53:53 AM

في العشرين من عمره، تلقي محمود بيومي شهادته التقديرية الأولي للتميز في مجال الشعر، ومن بعدها توالت التكريمات والجوائز، كان آخرها المركز الأول في مسابقة لجنة الشعر بالمجلس الأعلي للثقافة 2018 عن ديوانه العامية »شباكي بيطل ع الإجرام»‬.
قضيت ثلاث سنوات من الصراعات في المدرسة الإعدادية، لا علم ولا فن. وعلي قدر ما تركت هذه الفترة أثرًا سيئًا في نفسي علي قدر ما كانت المرحلة الأولي للتعرض لشراسة الحياة.

يتعجَّب محمود كثيرًا مع كل إشادة بتميُّزه، حيث لم يخبره أحد منذ ميلاده عام 1991 بقرية الأحراز في شبين القناطر أنه موهوبًا. وعندما سألته كيف صِرت شاعرًا؟ نقَل تعجُّبه إليّ قائلًا: في الحقيقة فكرت كثيرًا، ولا أزال، كيف ومتي أصبحتُ شاعرًا، وهل أنا شاعرٌ فعلًا؟! كنت أحب أن أكون فيزيائيًا وفوجئت بأنني شاعر. فكرتُ وراجعت ذاكرتي لأتعلم أول ما أتعلم من تجربتي أنا مع الزمن، لماذا لم أظنُّ ولم يتنبأ أحد أنني سأصبح شاعرًا، رغم أن هذا ما حدث. ما العلامات التي تدل علي ذلك ولم ينتبه لها أحد ولا حتي أنا؟ هكذا أحب أن أفكر بعد أن تتضح الأمور، أعود للماضي لأري كيف كانت تسير هذه الأمور بشكل لم أُلاحظه حتي وصلت لهذا الشكل النهائي لأستفيد من ذلك فيما أُلاحظه الآن. لا شك أنني كنتُ موهوبا بتذوق الفن وإنتاجه أحيانًا، كان ذلك واضحًا في مراحل طفولتي ولكنني كنت أعزفُ أو أبتهل ولم يكن في نيتي أن أصبح عازفًا أو مبتهلا، فقط أستمتع.
يعني ذلك أنك تمارس الفن منذ صغرك، فليس غريبًا أن موهبتك نمَت حتي ظهرت في الشعر.
كل ذلك اندثر في المرحلة الإعدادية، أسوأ المراحل التعليمية، لم يكن بالمدرسة غرفة موسيقية ولم نمارس أي أنشطة وتعرضنا للابتزاز من المدرسين حتي نحضر دروسهم الخصوصية، رغم أنهم هم من يدرِّسون لنا في المدرسة، وإلا سنجد أن عقابًا تلكيكيًا في انتظارنا كل صباح مدرسي. هكذا قضيت ثلاث سنوات من الصراعات في المدرسة الإعدادية، لا علم ولا فن. وعلي قدر ما تركت هذه الفترة أثرًا سيئًا في نفسي علي قدر ما كانت المرحلة الأولي للتعرض لشراسة الحياة، وأفتخر كل الافتخار بموقفي من هؤلاء الجشعاء رغم انحطاط أساليبهم.
وهل انطبق ذلك علي المرحلة الثانوية أيضًا؟
لا. بل كانت مرحلة الحرية الكاملة. أن تكون أو لا تكون، تلك قضيتك. استمتعتُ بدراسة الفيزياء والرياضيات، وتعرضتُ للشعر، هذا الجامع الشامل، في الحقيقة لم تكن المرة الأولي لتعرضي له ولكنها المرة الأعمق– رغم سطحيتها كذلك، لا أعرف هل كان ضالتي ووجدتها أم لا، ولكني وجدتُ به الموسيقي والفلسفة ونقاط عميقة جدًا تثقل الروح أو الذاكرة وجدته يحررها، وجدت به الغناء، والكلام. هذا الأخير الأهم، فالشعر هو كلام الشعراء في رأيي، لذلك لن يكون إلا عن موهبة وهو الأمر الذي أبحث عنه من البداية، كيف كنت موهوبًا في الشعر ولم أكتشف ذلك إلا متأخرًا؟ أم أنني اكتشفته في الوقت المناسب وليس متأخرًا أبدًا؟ إن الجميع يكتبون الشعر، بل يتكلمونه هكذا في كلامهم دون وعي أحيانًا، ولكنهم ليسوا شعراءً، ذلك لأن الشاعر لا يكتب الشعر ولا يتكلمه مصادفةً. إنني هنا لا أحاول أن أضع تعريفًا للشعر، معاذ الله، ولكنه رأيي في هذه الحال وربما غيرته بعد ذلك. علي كل حال فقد أغواني الشعر واحتواني وجمع لي ما فاتني وعرَّفني علي ما سوف يفوتني، وأصبح عزائي.
ماذا عن أسرتك؟ ما قُلته معناه أنهم لم يكن لهم دورًا في اكتشاف ودعم موهبتك.
علي العكس؛ أنا أدين لأسرتي بكل شيء، فقد شكّلوا وجداني وغرسوا القيم والمباديء في روحي، وتركوا لي اتخاذ قرارات حياتي بالشكل الذي يرضيني، وهذا أغلي ما يُمنَح الإنسان. غرس فيّ أبي كيف تصنع لنفسك اسمًا وتبني مجدك لا لشيء سوي لأنك أصلًا عظيم، وأمسكت أمي بيدي وأشارت إلي عظمة الله. وعلَّمني إخوتي إعمال عقلي بعد أن كدتُ مرة واحدة أن أوقفه مع أساطير يقولون أنها من أمور العقيدة. أما الشعر فقد شجعوني كما شجعوني في كل موهبة أو فن فكرت أن أمارسه، فأعظم شهادةٍ نلتها هي شهادة أبي منذ أيام قليلة، قال لي: »‬أنا شايفك ماشي كويس في الشعر، كَمِّل فيه، انت هاتبقي حاجة كبيرة».
تكتب شعر العامية لكن كتابك الأول جاء مختلفًا، رسائل أدبية، كيف وُلِدت تلك التجربة؟
هي في الحقيقة ليست التجربة الأولي، فهناك ديوان شعر عامية عنوانه »‬شباكي بيطُل عَ الأجرام» لكن علي ذلك فقد نُشر كتاب الرسائل ككتابي الأول، وجاء هذا الأمر بترتيبات القدر؛ فديوان الشعر الآن لدي الهيئة العامة لقصور الثقافة ينتظر صدوره خلال 2019، ثم جاءت فرصة نشر الرسائل قبله، وهذا الترتيب لا يشغلني كثيرًا، أنا هو أنا علي كل حال وهذه كتبي. لكني لا أُخفي أيضًا رغم ذلك أنني أري أن كتابي الأول لم يصدر بعد؛ ليس لأني أتبرأ من »‬رسائل الدبران إلي الثريا»، لا سمح الله، ولكن لأن الرسائل طارئة عليا، فقد بدأت في كتابة ديواني من عام 2011 حتي 2017 لا يشغلني سواه، وإذا بي أكتب الرسائل يومًا بعد يوم وساعة بعد ساعة ولم أكن أعلم أنني سأجمعها وأنشرها في كتابٍ، كما لم أكن أعلم أنني سأصبح شاعرًا. هكذا أُفاجأ وأُفاجئ نفسي ولا أخشي من التجربة، هذه حياتي.
الرسائل تجربة مختلفة وربما لم تكن متوقعًا مدي تقبُّل القراء لها. كيف كانت ردود الأفعال تجاهها؟
جاءت ردود الأفعال قليلة إلي حد ما، ذلك لأن لا جمهور لديّ سوي المقربين، ولعل هناك من قرأ الكتاب من جمهور الجريدة ولكن لم يصل إليّ رأيه، وعلي ذلك فإن الآراء القليلة هذه لها أهميتها الكبيرة جدًا عندي فالأمر ليس بالعدد وإنما بالقيمة. وإنني لأشكر الدكتورة هدي عطية علي أن جعلت الكتاب محل دراسة بعض طلاب الليسانس في قسم اللغة العربية جامعة عين شمس.
تبدو رسائل الدبران مستندة علي وقائع وأحداث حقيقية. هل يمكن أن نعتبرها من كتابات السير أم بها جزء من التخييل؟ وهل قد يكون لها ردًا من الثريا يومًا ما أم أنها انتهت من طرف واحد؟
من ضمن ردود الأفعال أن قال صديق مقرب إنه لم يكن عليّ نشر الرسائل الآن، ذلك لأنها تبدو حقيقية. وفي الحقيقة أنا أول من أسأل هل الرسائل حقيقية أم لا؟!! أظن أن الأمر معقدًا وليس بسيطًا حتي أن بطل الرسائل وكاتبها يقول في إحدي رسائله، متحدثا إلي حبيبته، »‬أنتِ حقيقة أم وهم!» ومرة أخري يقول إنه حكي لحبيبته الأولي عن حبيبته الثريا هذة فقالت، وهي طرف ثالث، »‬هل ما تحكي عنها إنسانة أم وردة». ونحن هنا لا نعرف ما حكاه لها عنها، فقط قال حكيت عنك لحبيبتي الأولي؛ فنري اختلاط الأمر علي طرف ثالث في الرواية نفسها. هكذا نجد أن بطل الرسائل نفسه في حيرة ولا يعرف الحقيقة. وإن كانت زهيرة/الثريا شخصية حقيقية والدبران/محمود كذلك والرسائل قد أرسلت بالفعل، هذا لا ينفي كونها عملًا فنيًا أدبيًا إبداعيًا رغم ذلك. هل علي الفنان ألا يعيش عمله الفني؟!! وهذا القول لا يثبت أيضًا أن ذلك ما حدث بالفعل، فقط تلك تساؤلات، وهذه ردود! والحقيقةُ، ما الحقيقة؟! أما لماذا لم نجد ردًا من الثريا وهل هذا ما حدث فعلًا مع البطل/محمود! هذا أيضًا جزء من حالة الارتباك لدي بطل الرواية فبعض الهوامش تدل علي ردودها ولكن ما نراه في الرسائل هو ردود أفعال علي ردودها التي لم نعرفها، وهل سنعرفها أم لا؟ أنا لا أدري.
هل لديك اهتمام خاص بالأساطير والموروثات الشعبية؟
نعم، واهتمامي بها ناتج في البداية من »‬حواديت» أمي، هذه العبقريات التي شقت لنفسها الطريق في الزمن بشكل ممتد سلس ومثير للدهشة حتي أنني أسأل أمي عن مؤلفيها فلا تعرف، ولا أحد يعرف، ولكنها رائعة علي كل حال. رائعةً حتي أنها استوطنت وجدان الناس، وليس أي ناس، إنهم الناس الذين لا يكادون يفقهون لنا قولا إذا حدثناهم عن أشعار أشعر شعرائنا حتي في العامية. لذا أحِّس بالتقصير كلما وجدت أن كتاباتي لا تصل إلي هؤلاء الناس. وشغفي بأسطورة الدبران والثريا نتج عن إطلاعاتي عما يخص علم الفلك، ودراسات النجوم والكواكب والأجرام السماوية، فقد أدهشني وأعجبني هذا المزيج بين الحب وفيزياء النجمين.
ماذا لديك في طور الكتابة أو النشر؟
أنتظر بشغف صدور ديواني »‬شباكي بيطل ع الأجرام» يصدر خلال 2019 ضمن إصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة، وقد حصل علي الجائزة الأولي من المجلس الأعلي للثقافة 2018. ومن فترة قصيرة مضت كتبتُ مسرحيتي الأولي وهي من فصل واحد »‬يشْغلُ أقلَ حجمًا، ويَحمِل أقلَ كُتْلة» لكنني لا أعلم بعد هل وفقت في كتابتها أم لا، فلم أحصل علي رأي آخر فيها غير رأيي، وأنا إن كنت أستند علي رأيي كثيرًا إلا أن مطالعة آراء أخري أمر غاية في الأهمية ولا غني عنه. ولولا ضيق الوقت لكنت انتهيت من كتابة مسرحيتين وربما ديوانًا شعريًا كذلك، لكنه العمل الذي يأخذ وقتي كله ولا يعطيني عوضًا –رغم أنه لا عوض عنه- ولا حتي ما يكفي للحياة واستكمال العمل نفسه.
ألهذه الدرجة يعيق العمل مشروعك الأدبي؟
نعم. أعمل محاسبًا بمكتب خاص، هذا المجال يعوق حركتي في اتجاه الشعر والأدب حتي أنني أتعرض للوم كثيرًا، لذلك أدرس الآن دبلوم التنمية الثقافية بكلية الآداب جامعة القاهرة، لعلني أستطيع أن أترك المجال لمجال أقرب لشغفي. لعل...!