رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
الكتاب الاول

أماني أنور حزين :بيوت الأدب في الصعيد لا تهتم بأبنائها


عائشة المراغي
12/29/2018 11:26:11 AM

كالفراشة التي تقف علي كل زهرة حتي تمتلئ برحيقها، اعتادت »أماني أنور حزين»‬ أن تتنقل بين الأدب والفن. حينما تشتاق روحها لأحدهما تعدو إليه لتنهل منه حتي تكتفي، دون أن تخِّل بأولوياتها، والتي جاءت في مقدمتها، حتي سنوات قليلة مضت، التفوق الدراسي، إلي أن تخرجت عام 2013 وتفرغت لما تهوي.
وُلِدت أماني في قرية السمطا قبلي التابعة لمركز دشنا بمحافظة قنا بصعيد مصر، نشأت في أسرة لعائلة كبيرة ومعروفة ذات نسب شريف لأب شيخ أزهري حافظ للقرآن الكريم وأم متعلمة  وخمسة أشقاء بنين وبنات. درست الأدب الإنجليزي بكلية الآداب جامعة جنوب الوادي، وبعد تخرجها أتبعت الليسانس بدبلوم عام في التربية من نفس الجامعة.

تركت حياة القرية - الزاخرة بتنوع في الثقافات والعادات والتقاليد والفكر - أثرًا عميقًا وواضحًا في نفسها وفي كتاباتها وفي لوحاتها الفنية أيضا. حيث كتبت ديوانًا كاملًا عبَّـرت فيه بتجارب شعرية، بعضها ذاتي وبعضها الآخر عام، عن المعاناة الإنسانية عمومًا والمعاناة العربية خصوصًا، كما كتبت عن حياة القرية في الصعيد بشكل جلي من خلال مجموعتها القصصية الأولي التي لم تعلن عنها بعد.
عهدك بالكتابة ليس بعيدًا، كيف وضعتِ قدمك علي أول الدرج ؟
كتبتُ في البداية أجزاءً كبيرة من رواية قاربت علي المئة صفحة، لكني انقطعت عنها لفترة لأتفرغ أكثر لموهبتي في الفن التشكيلي. ثم بعد فترة عدت للكتابة ثانية وحاولتُ الموازنة جيدًا بين الكتابة والرسم، واستطعت فعل ذلك إلي حد كبير. بعدها اهتممت أكثر بالشعر وخاصة الفصحي منه، ووجدت نفسي أكتبه يسيرًا جدًا، أصبح بالنسبة لي مادة تفريغية كبيرة لما أشعر به سواء في الشأن الخاص أو العام. فالشعر يعتمد علي الإحساس والخيال  الإبداعي المغاير، وكل كلمة فيه نكتبها من داخلنا بعمق وصدق، فننصهر مع أحاسيسنا في بوتقة القصيدة حيث يتجلي  للقارئ المتذوق حالة شعرية فائقة ربما تتشابه مع ما يعاني منه أو مع ما يمر به من تجارب في الحياة.
وفيما قبل ذلك؛ ألم تتجلي تلك المواهب خلال طفولتك أو أثناء الدراسة؟
بلي، وكان لأسرتي دور مهم ورئيسي في تنمية مواهبي الأدبية والفنية منذ الصغر، فهم أصحاب الفضل  الأكبر بعد الله تعالي في تشجيعي علي الرسم والشعر والكتابة عامة، وحضور المؤتمرات الأدبية والندوات الشعرية والثقافية والورش الفنية وغيرها، سواء  في محافظتي أو حتي خارجها. يدعمونني دائمًا في كل مواهبي، وأيضًا في مجال تخصصي في الترجمة والعمل كمحاضِرة للغة الإنجليزية. وأخص من عائلتي أختي الشاعرة الشابة والفنانة التشكيلية هبة أنور - أو توأمتي كما يسمينا أصدقاؤنا الأدباء والفنانون - حيث كان لها النصيب الأكبر في تشجيعي ودعمي، خاصة أننا نمتلك نفس المواهب الشعرية والفنية ونفس مجال التخصص الدراسي من نفس الكلية ونفس الجامعة .
وكان للمدرسة دورها التشجيعي أيضًا، فكثيرًا ما شجّعني أساتذتي علي موهبتي في الرسم، أتذكر كانوا يلقبونني وقتها بالنجمة الأولي في الرسم علي مستوي المدرسة، لأن موهبة الرسم يمكن اكتشافها بسهولة قبل موهبة الكتابة.
هذا يعني أن الفن التشكيلي كان بوابتك لعالم الإبداع.
هو الموهبة الأولي التي اكتشفتها الأسرة عندي منذ الطفولة ومن بعدها اكتشفتها  المدرسة، وقد نميتها وأثقلتها كثيرًا بالممارسة والقراءة، لكني أهملتها لفترة ليست بالقليلة أثناء الدراسة الثانوية والجامعية، إلي أن عدت للاهتمام بممارسة الفن التشكيلي من جديد وبقوة بعد التخرج في الجامعة، ووجدت موهبتي قد نضجت واكتملت وكبرت كثيرًا معي رغم إهمالي الطويل. وها أنا أرسم الآن بكل الخامات؛ بداية من الرصاص وأقلام الجاف والفحم إلي ألوان الخشب والزيت والألوان المائية. وقد افتتحت معرضي الفني الساخر الأول في محافظة قنا هذا العام تحت رعاية وزارة الشباب والرياضة، وأجهِّز الآن لمعرض آخر، مختلف عنه وبخامات جديدة .
لكن عملك الأول الذي قدّم اسمك للحياة الثقافية كان ديوانًا. كيف شعرتِ بميلاده في أخبار الأدب؟
لطالما اعتبرت ديواني هو مولودي الأدبي الأول، ومع نشره أعتبر أن جريدة أخبار الأدب التي قدّمته ككتاب أول هي تلك القابلة الرحيمة والحنونة لذاك المولود الحبيب وبلا أدني مجاملة. فكثيرًا ما نعاني كشاعرات شابات من صعيد مصر ممن قد لا يهتمون بنشر كتاباتنا التي في مهدها وميلادها الأول، أو دعمنا والاعتناء بمجهوداتنا الأدبية في ظل تقاعس قصور الثقافة وأندية أدب الأقاليم عن أداء واجبها تجاه المواهب الشابة وخصوصًا المواهب النسوية منها في محافظة قنا. كما أن جريدة أخبار الأدب تفرَّدت بمشروع الكتاب الأول عن غيرها من الصحف مما أعطي فرصة كبيرة لشباب المبدعين والمبدعات بأن يحصدوا سريعًا نتاج عنائهم الأدبي. كان لذلك أثره النفسي والمعنوي الطيب عليّ ككاتبة شابة من الجنوب لأجد منبرًا أدبيًا متفردًا وراعيًا لتلك المواهب كأخبار الأدب العريقة.
من الواضح أن الجنوب كان له تأثير كبير عليكِ. حدثيني عن ذلك.
كوني شاعرة في الصعيد ربما جعل مني مزيجًا أدبيًا وفنيًا خاصًا، أحمل علي عاتقي ليس فقط هموم الإنسان العادي ومشاكله وصراعه مع الحياة، وإنما أحمل هموم الجنوب وأبنائه وخاصة نسائه. ذاك الجنوب المهمل الذي اعتبرته الدولة المركزية ابنها العاق فحرمته من كل شيء ونفته بعيدًا عنها ولم تكتف بواقعه الجغرافي البعيد أصلًا، وكأن الإبداع والفن لن يخرجا من أحشائه يومًا رغم أنه هو من أنجب العقاد وطه حسين والأبنودي وأمل دنقل وغيرهم من عمالقة الأدب والفكر. ذاك الصعيد الذي ربما جعلني عصارة شعرية وفنية وثقافية لجراحه وأناته وأزماته، فأنا ابنته التي تكتب منه وعنه وإليه.
لكنك عشتِ فترة في الإسكندرية، هل كنتِ ستختلفين لو أكملتٍ حياتك بها؟
أظن لو كنت شاعرة في الإسكندرية أو القاهرة فلربما كان لي حظًا أوفر في الانتشار أو الظهور وإيجاد الفرص المناسبة والداعمة لمواهبي في الأدب والفن أكثر من هنا، خاصة أن بيوت الأدب التابعة لوزارة الثقافة المصرية في قنا والأقصر لا تهتم بأبناء وبنات الصعيد من المبدعين والمبدعات في دعمهم أو نشر أعمالهم الأدبية رغم مسئوليتها الكاملة عن ذلك ومقدرتها، بل علي العكس تمامًا، تلهث تلك البيوت الأدبية وراء أبناء الوجه البحري وتتنكر لما أنجب الصعيد من مواهب كبيرة، رغم أنها مقامة في الصعيد أصلًا لخدمة شبابه المبدعين والمبدعات وليس لاستقطاب من هم في خارج محافظات الصعيد ومن هم ليسوا بحاجة إلي دعم أو انتشار.
يبدو من كلماتك أن لكِ تجربة غير موفَقة مع نادي الأدب في قنا. هل هذا صحيح؟
نعم، للأسف لم يكن لنادي أدب قنا أو نادي أدب دشنا أي دور في اكتشاف أو دعم مواهبي الأدبية أو الفنية، فنوادي الأدب عندنا تتسم بالشللية والتكتلات ولا تخلو من المشاحنات والضغائن. وقد كان لأختي الشاعرة والفنانة التشكيلية الشابة »‬هبة أنور حزين» تجربة جديرة بالذكر مع نادي أدب قنا ولجنة إقليم الجنوب الثقافي بالأقصر والتي رفضت منحها عضوية نادي الأدب بقنا عن ديوانها الفصحي الأول »‬يحمل الموت علي كفيه» هذا العام، علي الرغم من أن  ديوانها هو الديوان الفائز بالمركز الأول في جائزة مركز عماد قطري للإبداع لعام 2018، مما جعلني أحجم تمامًا عن التقدُّم للحصول علي العضوية من نادي أدب قنا أو دشنا لديواني الفصحي الأول »‬غراب يتحدث العبرية» المنشور في أخبار الأدب هذا العام ككتاب أول، لأنني لم أجد من اللجنة المانحة لعضوية نادي الأدب تلك الأمانة الأدبية أو الثقافية المطلوبة تجاه شباب مصر المبدع والواعد هنا، وخصوصًا المرأة المبدعة.
يعني ذلك أنك لم تجدي الدعم الذي تحتاجينه في نادي الأدب لتنمية موهبتك وتطويرها. كيف تعملين علي ذلك إذًا؟
أعمل علي تنمية موهبتي في الكتابة من خلال القراءة في الأدب العالمي كثيرًا والترجمة من الآداب العالمية للعربية، خاصة أن الأدب الإنجليزي والترجمة هما مجالا دراستي الجامعية، مما جعلني أقرب كثيرًا لمعرفة ثقافات الشعوب الأخري، خصوصًا آداب الشعوب الناطقة بالإنجليزية كالأدب البريطاني والأمريكي. لقد درستُ معظم الأعمال المسرحية والشعرية للأديب العالمي الكبير وليم شكسبير وبعضًا من روايات كُتَّاب كبار كتشارلز ديكنز وجورج أورويل وإيرنست هيمنجواي و أشعار إيميلي ديكنسون وتي. إس. إليوت وسيجفريد ساسون وغيرهم الكثير، مما أثري مواهبي أدبيًا وفنيًا وثقافيًا جدًا، وجعلني أتفوق في دراستي، خاصة مادة الشعر الإنجليزي والتي حصلتُ فيها علي الامتياز أكثر من مرة .
كما أهتم بالأدب المصري والعربي أيضًا سواء كان في الشعر أو الرواية أو القصة.
رغم دراستك للأدب الإنجليزي، إلا أنك عملتِ في الصحافة بعد تخرجك. لماذا لم تكملي هذا المسار أو تدرسي الإعلام من البداية؟
أهوي كثيرًا العمل الصحفي والمجال الإعلامي، لكن حبي للغة الإنجليزية وآدابها طغي علي تلك الهواية، كما أن تعدد مواهبي وهواياتي جعلني أتشعب في شتي المجالات دون التقيُّد بفكرة الدراسة. وكثير من كبار الإعلاميين لم يدرسوا في قسم إعلام لكن بزغ نجمهم أكثر من بعض الدارسين له. هي موهبة قبل كل شيء، ودائمًا الموهبة تغلب علي الدراسة.
حديثك ينم عن ثقة كبيرة في مواهبك وطموحات أكبر. هل هي كذلك بالفعل؟
نعم، فأنا أطمح أن تترجَم أعمالي الأدبية للغات عالمية وأن تري لوحاتي النور في المعارض الفنية الشهيرة بباريس وغيرها من البلدان العالمية الكبري المهتمة بالفنون والمقدِّرة لها.
وماذا عن الترجمة؟
ترجمتُ كتابًا في التنمية البشرية لباحث عربي من بلد شقيق، لكنه لم يظهر للنور بعد. كما أعمل حاليًا علي ترجمة بعضٍ من أعمال الشعراء الإنجليز والأمريكان، رغبة وإصرارًا مني علي إثراء الصحف المصرية والعربية بتلك الترجمات المهمة.
ماذا ننتظر منك قريبًا؟
أجهِّز لمعرض فني جديد أفتتحه في نهاية العام المقبل، كما أخط بوادر ديواني الثاني، وقد انتهيت حديثًا من كتابة مجموعة قصصية كأول عمل قصصي لي.