رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
الكتاب الاول

هدير شوشة :أتمني ألا أفقد هويتي


عائشة المراغي
12/29/2018 11:31:51 AM

داخل منزل دافئ بقرية التوفيقية، إحدي القري التابعة لمركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، تسكن أسرة مكونة من خمسة أفراد، أب وأم وولدين، وبنت هي الأكبر اسمها هدير سمير شوشة، وُلٍدت عام 1992، ومنذ نعومة أظفارها كان والداها حريصين علي تنشئتها وأخويها بشكل قويم ومعتدل. في الصف الرابع الابتدائي اختارتها مدرستها للمشاركة في إحدي المسابقات التي تنظمها الوزارة لإلقاء الشعر ومن هناك كانت البداية.

»أخبار الأدب»‬ دعمت ثقتي في نزاهة المؤسسات وفي نفسي، وتأكدتُ أن ما عليك إلا أن تكون نفسك دون تكلُّف أو تقليد لأحد.

كانت هدير شغوفة بالمطالعة وتقرأ بنهم شديد ولها عوالمها الخاصة التي شكّلت شخصيتها بشكل عام. وفي المرحلة الثانوية لمعت من خلال مشاركتها في مسابقات الإذاعة المدرسية والمناظرات وجميع الأنشطة الطلابية، إلي أن بدأت كتابة الشعر في الصف الثاني الثانوي، بشعر الفصحي، ثم توقفت، وبعد فترة لا بأس بها عادت للكتابة عندما حان الوقت المناسب.
ما موقف والديكِ من موهبتك حينما ظهرت منذ البداية، الدعم أم الخوف من إلهائك عن دراستك؟
الدعم. أذكر دهشة أمي في أول مرة تقرأ مقالًا لي وسعادتي حينما أتي أبي بالجريدة، حتي إني أذكر نبوءة زوجة عمي لي وأنا في الصف الرابع الابتدائي حينما قرأت أحد موضوعات التعبير واندهشت وحتي الآن تذكِّرني بذلك.
أمي هي أول وأهم قرائي. وكلانا تعرفت علي جوانب جديدة في شخصية الأخري منذ بدأتُ الكتابة. وجدتها ليست متلقية عادية فحسب، فقد كانت أول نقادي وعندها وعي أدبي كبير أدهشني، حتي إني كنت أحيانًا أبادر بشرح فكرة نص ما لها فأجدها قد قرأت ما بين السطور بوعي مدهش. أما أبي فقد أتاح لي فرصة الاحتكاك رغم تحفظه الشديد، فثقته منحتني دفعة قوية، وأجزم أن تربيته لنا في صغرنا وتشكيل ملامح شخصياتنا في سنوات عمرنا الأولي علي هذا النحو هي أهم أسباب وجودنا علي ما نحن عليه الآن.
كيف عُدتِ بعد التوقف؟
منذ عام انضممت لنادي أدب إيتاي البارود وبدأت أسمع رأي نقدي من شعراء حقيقيين. كنت كلما سمعت إطراء أو مدح أثار ذلك قلقي أكثر من فرحتي. فلا ننكر جميعًا أن الوسط الثقافي عامة تحِّفه المجاملات والمبالغات لاعتبارات كثيرة. لكن هناك دائما من أعتبرهم مرآتي أو كما أحب أن أسميهم my fresh eyes .
اللغة الإنجليزية لديك لا تقف عند حدود دراستها في كلية الآداب أو استخدامها في حديثك، بل طالت كتابتك الشعرية أيضًا. ألم تخشِ تعرضك للنقد بسبب ذلك؟
دراستي للغة الإنجليزية لم تكن محض صدفة أو من ترتيب تنسيق الجامعات. لطالما كنت أتعلم الإنجليزية كثقافة ونمط حياة وليست كلغة. والمضحك في الأمر أنني كنت أعتمد بجانب دراستي في حل الامتحانات علي إحساسي الخاص ولعل ذلك هو الرابط المشترك بين حبي للشعر وحبي للأدب الإنجليزي. فقد درست النقد والشعر والقصة والمسرحية والرواية والمقال والترجمة والأدب المقارن وتعرفتُ علي تاريخ كل منهم عبر القرون المختلفة، ودرستُ التحليل النفسي بشكل مستفيض فكان الأمر من أمتع ما يكون. والأدب الانجليزي لا ينفصل عن الأدب العربي بشكل تام، فحتي أصول اللغات جميعها وكيفية تكونها نجد أن اللغات جميعها متصلة بشكل مثير للإعجاب في المفردات خاصة. ولعل ذلك أحد أهم أسباب استخدامي للمصطلحات والكلمات الإنجليزية في نصوصي دون قلق مطلقًا. فالعامية إناؤها أقدر علي استيعاب كافة الثقاقات واللهجات فيخرج من بوتقتها النص مفعمًا بروائح عدة من الصعب فصلها، فلا يسعك إلا الاستمتاع بهذا المزيج فقط. ثم أن العامية من الجمهور وإلي الجمهور ونحن لا نستطيع فصل استخدام المصطلحات الإنجليزية عن حياتنا اليومية الآن. والفكرة في التناول. وأظن أن الجمهور أصبح بارع في هضم الثقافات الأخري بمنتهي السهولة، حتي إن واجهات المحلات وغيره وأحاديث الكبار والصغار وكل الفئات يتخللها هذه المفردات بشكل عفوي وسلس جدا. وأنا من الجمهور وأتعامل وأدوِّن بنفس هذه العفوية، لكن لا أنكر أنه لابد وأن أقيس مدي ألفة الجمهور للكلمة. فاستخدامي لهاندفري مثلًا وآيلاينر أظنه أكثر ألفة للجمهور الآن من كلمة سماعة أذن أو محدد عين. فوقع الأخيرتين علي الأذن كما لو كان هو الأجنبي.
»‬إناء العامية أقدر علي الاستيعاب» ربما هذا صحيح، لكنه غريب أيضًا، فأنت بدأتِ بشعر الفصحي، كيف اخترتِ العامية في النهاية؟
لم أنفصل عن الفصحي تمامًا. كل ما في الأمر أنني مستمتعة بدور الوسيط. يأتي الخاطر الشعري فيكون السفينة والهواء وأكون أنا الشراع بينهما حتي يصلا للوجهة. في بعض الأحيان يأتي الخاطر فصحي فأكتب الفصحي وأحيانًا أخري أجده عامية فلا أتدخل مطلقًا. أحب أن تأخذ الطبيعة مجراها في كل شيء.
كيف سارت تجربتك مع الكتاب الأول؟
تفاجأت حينما طلب مني الأستاذ أشرف قاسم بعض قصائدي فأرسلتها علي اعتبار سماع رأي نقدي ولكنه باغتني وبعثها للنشر في أخبار الأدب. كانت فرحتي كبيرة. وقبل أن تفتر كانت المفاجأة الأكبر حينما طلبت أخبار الأدب أن أجمع نصوصي في ديوان للنشر ضمن الكتاب الأول. صارت فرحتي عارمة؛ فأخبار الأدب مؤسسة لا غبار عليها وتقييمهم بالطبع لا يعرف مجاملة أو محاباة. واختيارهم لي كان أكبر دفعة حقيقية ومنارة كشفت لي الطريق بينما أنا أتخبط وأخشي الوقوع فريسة للمجاملات أو حتي النقد الهدَّام. أظن الأمر أشبه بلوحة مطوية في أحد الأركان فأخذتها يد وعين خبيرة ووضعتها في إطار قيّم وأحسنتُ تقديمها.
يطغي الحس الأنثوي علي قصائد »‬كحل ملون». هل يعني ذلك أن اخترت الإبداع النسوي مسارًا لك؟
نعم،لكن أعتقد أن رغم تصنيفه ضمن الكتابة النسوية إلا أنه لا يثير غضب الفكر الذكوري المتلقي له. حيث إنه يشبه إلي حد كبير توصيل الرسالة مهما كانت قاسية بدلال ما، وأظن ذلك محمودًا في الأنثي وذلك هو فحوي الأمر. فأنا لا أتحدي الرجل في »‬كحل ملون» علي الإطلاق كما يشاع عن الكتابة النسوية. أنا أناضل لأجل أن تحتفظ الأنثي بهويتها وخصوصيتها وأنوثتها. لا أن تزاحم الرجال. الفطرة هي حجر الأساس في ديواني. أسعي لرجوع كل من الرجل والمرأة لفطرته الأولي ليتحقق التناغم في الحياة. ليس بالضرورة أن تعزف كل آلات الأوركسترا معًا حتي يتساوي الجميع. علي العكس فالتناغم نابع من احترام كل منهم لأداء دوره واحترام الآخر. أما إذا كان هناك تنافس لكان الناتج ما هو إلا فوضي مزعجة.
إلام تطمحين في مستقبلك الشعري؟
كل ما أطمح له ألا أكون في المكان الخاطئ، وألا أفقد هويتي. أتمني علي المستوي العام أن ينشأ جيل من الشعراء يستثمر جيدًا وبوعي ما يُتاح له من وسائل الانتشار وأن يحترم الجمهور، بحيث يكون سببًا في الارتقاء بوعيهم ماداموا ملتفين حوله، فأكثر ما يحزنني هو انسياق شعراء شباب وراء الحفلات والتسويق والوقوع في شرك إصدار دواوين خاوية من أي إبداع علي أي مستوي أدبي أو غيره بل إسفاف ممول فقط. ليس من الضروري أن يعجبك كل ما يصفق له العامة. ربما أنت القادم أفضل من كل هؤلاء..من يعلم؟! فجريدة كأخبار الأدب علي سبيل المثال فاجأتني باختيار ديواني وقد كنت حديثة عهد بالوسط الثقافي، ليس لي معارف أو علاقات. أخطو خطواتي الأولي وكلي ثقة أن الموهبة ستنتصر لكن لم أكن أعلم أني سأحظي بهذه الدفعة النفسية العظيمة سريعًا هكذا. »‬أخبار الأدب» دعمت ثقتي في نزاهة المؤسسات ودعمت ثقتي في نفسي وتأكدتُ أن ما عليك إلا أن تكون نفسك دون تكلُّف ودون تقليد لأحد. فأنت مميز حتي بنقاط ضعفك وزلاتك وستُحترَم. أما النسخ المكررة فلا حاجة لها حتي في المستهلكات اليومية للناس، ما بالك المحتوي الأدبي.
ما الجديد لديكِ؟
انتهيتُ من »‬كحل ملون». تفضل مشكورًا كل من د. كمال اللهيب والشاعر أشرف قاسم بمناقشته ومن وجهة نظرهما أن التجربة مكتملة. لم يُطبَع الديوان بعد. فرغم اكتمال تجربته إلا أني مازلت أعاني من فوبيا نشر الديوان الأول، والديوان في شكله الذي طُبِع في أخبار الأدب مقدمة غير كافية للديوان الأول الذي أود نشره، بالتأكيد سأضيف عليه بما يتوازن في فكرة واحدة ولحمة واحدة أطمح من خلالها أن أصعد سلمة من سلالم الشعر، ومع ذلك فأنا أعمل علي ديواني الثاني الذي ربما كان الثالث لولا حذفي الدائم لنصوص من ديواني واستبدالها بغيرها. وأتمني ألا تستهويني الرغبة في الانتشار وأن أقدم محتوي محترماً. وأظل أكتب لنفسي وللمتلقي العادي الذي هو غايتي، فقد أعجبني أن يقال هدير لا تكتب للنقاد.