رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
الكتاب الاول

النوبي الجنابي :لا أهتم بالكتابة كاهتمامي بالقراءة


عائشة المراغي
12/29/2018 11:37:57 AM

»الميلاد هو المعجزةُ الوحيدةُ التي نعيشها ولا نستطيع التحدث عنها، ربما نصف ملامحها ونتائجها، ولكن نجهل ما الذي يتكون فينا لنصبح ما نحن عليه»‬. بتلك القناعة يعيش النوبي الجنوبي، شاعر الصعيد الذي وُلِد عام 1972 بمحافظة الأقصر »‬قنا سابقا» في مدينة ومركز أرمنت، المدينة التي مازالت تحتفظ بآثار الفراعنة، وتضم بين جوانبها أكبر مصانع السكر من حيث الإنتاج علي مستوي صعيد مصر، هذا المصنع المزعج أحيانًا والمثير للدهشة بالنسبة للأطفال بمداخنه العملاقة وصفيره وأبخرته في أحيان أخري.

ليس هناك شكل معين لقصيدة النثر ولكن أشكال متعددة تنتمي فقط لصاحبها، وفي غياب الرؤية المتعمقة تخرج القصيدة باهتة.

وكأي طفل لا يملك أحقية الاختيار سارت قدماه علي طريق التعليم الإلزامي بجميع مراحله، والتي تعتمد علي التلقين والحفظ، دون وجود المعلِّم الحقيقي الذي يكتشف ميول تلاميذه وطلابه واهتماماتهم وتوجيهها توجيهًا صحيحًا، لذا تخبطته السنون ما بين الحقول والكد المبكّر وبين جفاف الطريقة التعليمية وقسوة القائمين عليها.
في هذه الفترة المبكرة استسلم الجنابي لصوت ياسين التهامي بكل روحانيته ووجدانه، رغم أنه لم يكن يفهم كثيرًا مما يقول، ولكن يشعر بأنّ جسرًا يمتد ما بين روحه وبين هذه الموسيقي الصوفية المتوغلة في العمق بكل ما تصطخب به من تدفق وجداني، هذا التدفق هو الدافع الأول للكتابة.
تكتب منذ سنوات طويلة. لمَ استغرقت كل هذا الوقت لتنشر أول أعمالك ؟
لأسباب كثيرة؛ أهمها أنني لا أعتبر نفسي شاعرًا وأن ما أكتبه ما هو إلا هذيان لروحٍ غوت فهامت علي وجهها في فضاء الله. وثانيها أنّ ما يستحق النشر لم أكتبه بعد، ولهذا لم أطرق أبواب النشر مطلقًا إلا في تجربةٍ وحيدة كان نتاجها ديواني الثاني »‬كالعشاق تمامًا» من خلال النشر الإقليمي.
من تجربتك مع النشر الإقليمي، كيف تقيّمه؟
مشروع عظيم جدًا طرق بابه معظم الشعراء والأدباء، وعندما عرفوا طريقهم وسلكوا مسالكهم تبرأوا منه وقذفوه بالحجارة لضعف مستواه، وهذا لأنهم تركوا الأجيال التي تلَتهم بغير هدي ومن غير التوجيه الصحيح وتفرَّغوا لمصالحهم الشخصية، فخرجت معظم الأعمال دون المستوي المطلوب. فالنشر الإقليمي له أهدافه النبيلة، لكنه يحتاج إلي إدارة واعية ووسط ثقافي سليم.
حدثني عن ذلك الديوان الثاني »‬كالعشاق تمامًا» الذي صدر مؤخرًا.
اعتبره نتاج العلاقة المتوترة ما بين الذات وبين الواقع المعيش بكل تناقضاته، فلا ملاذ لنا غير العشق الذي نتصالح به مع الذات، والذي يكشف لنا ما نجهله عن أرواحنا، هذه الروح التي لا تشف أو تسمو إلا بالعشق.
وماذا عن ديوانك السابق له، الصادر مع أخبار الأدب في الكتاب الأول؟
لأخبار الأدب تاريخ معي، فقد نُشِرت قصيدتي الأولي علي صفحاتها في تسعينيات القرن الفائت منذ صدورها علي يد الأديب الكبير جمال الغيطاني رحمه الله. وها هو التاريخ يعيد نفسه وتنشر أخبار الادب ديواني الأول، ولهذا فرحة كبيرة ترتبط بتاريخ أخبار الأدب وقيمتها ومكانتها.
لماذا لم تدرس اللغة العربية وآدابها بدلًا من الفلسفة لتقترب من العالم الذي تهواه؟
في الحقيقة كنت دائمًا في قسم اللغة العربية حيث الشعر واللغة، لكني التحقت بقسم الفلسفة حبًا ورغبة فيها، حيث قرأت قبل التحاقي بالجامعة للكثير من فلاسفة الإسلام وفلاسفة عصر النهضة والتنويريين وكتابات زكي نجيب محمود وأميرة حلمي مطر في علم الجمال، ومن هنا حدثت الصدمة عندما سمعت وقرأت ما يدرسونه في رحاب الجامعة.
وجدتُ في قصائدك روحًا صوفية عالية، لكن حديثي معك أظهر لي أن تلك الروح ليست في القصائد فحسب، وإنما هي حالة تعيشها علي الدوام. كيف جاء ذلك؟
هذا صحيح، فالحس الصوفي يسيطر ليس علي قصائدي فقط ولكن علي كل ما أشعر به ويتملكني، فهو هذه الحالة التي أعيشها وتعيشني من خلال رؤية الأشياء أو الإحساس بها حتي تتبلور في شكل قصيدة، وقد جاء اهتمامي بالصوفية مبكرًا من خلال سماعي لصوت ياسين التهامي، ومن خلال جلسات الذكر لبعض الطرق الصوفية، وكانت الحالة هي التي تأخذني وليس المعني الذي لم أكن أدركه بعد، وأذكر أنّ أول كتاب قرأته كان كتاب »‬مقارنة بين الحب العذري والحب الصوفي» والذي تاه من ذاكرتي كاتبه. وحتي الآن لا أكتب إلا عندما أكون في حالة ذِكر، وكما قال »‬همنجواي» – أفضل ما يكون الكاتب وهو في حالة حب – وهل هناك أفضل من حالة الحب الصوفي.
تبدو -كذلك- الموروثات الشعبية واضحة في عدد من القصائد. هل استقيتها فقط من واقع معايشتك أم لك قراءات في هذا المجال؟
الموروثات الشعبية هي الإرث الذي نحمله ونتعايش به في كل تعاملاتنا اليومية والحياتية، والذي يتوغل فينا بصوره المختلفة من أمثال وحكم وحكايات وحتي خرافات تجرفنا إليها بدون أي إرادة منا، ولكل أديب أو قارئ محصلته من هذا المورث من خلال قراءته والتي تؤثر في وجدانه وثقافته .  
هل تهتم بحضور الأمسيات الشعرية؟    
في بداياتي كنت حريصًا علي حضورها، واستمعت فيها لكبار الشعراء في الوطن العربي مثل محمد عفيفي مطر وسميح القاسم وأدونيس ورفعت سلام ومحمد الفيتوري  وحلمي سالم، وكنت أخرج من الأمسيات مشبعًا ليس بالشعر فقط ولكن بهذه العوالم التي يخلقها الشعر، أما الآن فنادرًا ما يحدث ذلك ونادرًا ما أجد الشعر في الأمسيات الشعرية، لأن هدفها لم يعد الشعر، وإنما الشعراء، ولهذا فقدت قيمتها الحقيقية وتأثيرها في المتلقي وأصبحت في أغلبها مجاملات فارغة.
أمام الهجوم الذي يلقاه شعر النثر، كيف تري الغَدُ معه؟
ليس هناك مستقبل دون حاضر يضع قدميه علي أرض واضحة المعالم والرؤي، يقول »‬لوركا» واصفًا الشاعر الذي يمضي إلي قصيدته »‬إنه يذهب إلي رحلة صيد ليلية في غابة نائية، عليه أن يتذرع بالسكينة أما آلاف المحاسن والمقابح المقنعة بالحسن مما سيري أمام عينيه، عليه أن يصم أذنيه مثل عوليس عن النداءات الخادعة، التي تطلقها حوريات البحر، ويسدد سهمه تجاه الصور الحية لا الشكلية الزائفة التي تصحبها، عليه أن يثبت أمام تهاويم السراب». للأسف نحن لم نثبت أمام هذه التهاويم وخصوصًا أن ليس هناك أطر معينة لقصيدة النثر، وعلي حد تعبير سوزان برنار هي »‬خلق حر، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجًا عن كل تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية» بهذا المعني ليس هناك شكل معين لقصيدة النثر ولكن أشكال متعددة تنتمي فقط لصاحبها، وفي غياب الرؤية المتعمقة تخرج القصيدة باهتة.
قصيدة النثر هي المستقبل، ولكن هي الآن تشهد تراجعًا خاصة في مصر بعد جيل الرواد، تراجع في الرؤية واللغة والإيقاع، فعندما نقرأ ما يكتبه الشعراء الآن وما كتبه الرواد من أمثال أدونيس وأنسي الحاج ووديع سعادة نشعر بهذه الفجوة وهذا التراجع. أما عن نفسي فأنا لا أجدني في قصيدة النثر كما أجدني في قصيدة التفعيلة، التي تستمد إيقاعها من إيقاع روحي علي السلم الموسيقي الكوني.
ماذا تكتب الآن؟
لا أهتم بالكتابة كما أهتم بالقراءة، الكتابة بالنسبة لي فعل مفاجئ لا أخطط له، وإن كانت هناك أفكار تظل أفكارًا إلي أن تصبح واقعًا. أما الآن فأنتظر ديواني الثالث »‬حديث العشق متفقٌ عليه» ربما يخرج في شكل كتاب وربما لا.