رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
الكتاب الاول

رغدة مصطفي :كتبتُ النثر دون أن أدري


عائشة المراغي
12/29/2018 11:40:11 AM

»أنا الجنوبية/ التي قفزت في البحر تلهو/ بينما قلبها هناك/ في الجبل البعيد/ وضعته وسط الصخور/ ينز منه الماء/ يسقي الجبل سرًا»‬. أعادت تلك الكلمات الشاعر أحمد طه إلي صباه حينما قرأها لأول مرة، عندما كان عضوًا في لجنة تحكيم فرع شعر الفصحي بجائزة أخبار الأدب منذ عامين، واصفًا مؤلفتها بأنها »‬بركان من المشاعر التي لا تحتاج إلا لعود ثقاب لتشعل العالم»، لكن قبل أن يصدر هذا الديوان »‬سربني لحواسك» عن سلسلة إبداعات بهيئة قصور الثقافة منذ أسابيع، كان لأخبار الأدب السبق في نشر الكتاب الأول للشاعرة رغدة مصطفي »‬نخب الغياب» في العدد الأخير من عام 2017، والذي تضمن عددًا من النصوص النثرية »‬المتمردة»، كما وصفها د.أحمد الصغير.
حين طغي الأسلوب الأدبي علي التناول الصحفي، قررتُ خوض تجربة كتابة القصص، وحين تسربت الموسيقي داخل القصص وعلا صوتها، انتقلت لقصيدة النثر.

وُلِدت رغدة في نوفمبر 1988 بمدينة دشنا في محافظة قنا، ونشأت في المدينة الصناعية التابعة لمصنع سكر دشنا حيث يعمل والدها رئيسًا لقسم الإنتاج، ووالدتها مديرة للمدرسة الثانوية بالمدينة. درست الهندسة المدنية بجامعة أسيوط وتخرجت عام 2010، لتطوي هذه المرحلة من الدراسة التي لم تحبذها، وتكمل مسيرتها الإبداعية مع الشعر، الذي يعينها علي مواجهة مخاوفها، وبات – بمرور الوقت – احتياجًا أكثر منه هواية.
أول نشر لكِ في الصحف كان منذ أربع سنوات، أي في سن 26 عامًا، أين كنتِ من الشعر  قبل ذلك؟
أتصور أن الشعر كان مرافقًا دائمًا لي، ليس في صورة قصائد، هناك مرحلة ما قبل كتابة قصيدة، هذا الخفقان المتلاحق، الشعور بالإثارة الغامضة لمشهد ما أو ذكري، لخاطر عابر أو فكرة ما تتمحور داخلك وتنجلي، قبل أن تولد القصيدة وتصبح كائنًا حيًا. أنا عشتُ فترات طويلة يراودني هذا الشعور دون إنتاج قصائد، بعد سنوات قليلة من كتابة القصائد، أري أن مرحلة ما قبل كتابة قصيدة هي أجمل مراحلها، الأمر أشبه بالحلم قبل أن يتشكل واقع يتم التعامل معه.
لكن مع دخول عالم كتابة الشعر، عندما تمر عليك فترات كتلك، أن تحدث المراودة دون أن تُسلِمك القصائد نفسها، تشعر بالألم. عن تلك الحالة تحديدًا كتبتُ نصًا:
باتت القصائد شعلة نار
كلما لمستها، انطفأت واحترقت يدي.
لا يتبقي لي منها سوي تلك اللسعة.
باتت كشربة ماء
كلما أخذتها بيدي تسربت،
تاركةً يدي مبللة، وروحي عطشي.
ألم تفكري للحظات قبل خوض التجربة أنك تأخرت، خاصة وأنك لم تدركي أن ما تكتبينه قصيدة نثر سوي في 2015 ؟
حقيقةَ وجدتني في هذا العالم دون أن أدري، حتي بعد إدراكي أن ما أكتب يقع ضمن تصنيف »‬قصيدة نثر»، كنت لا أزال أشعر بغرابة تجاه  وصفي بالشاعرة، لقب به من الجمال والجلال ما يجعلك تتردد أمامه وتتشكك، الأمر أشبه بأن تُلقي عليك عباءة النبوة. أما عن التأخر في خوض التجربة من عدمه، فأنا لا أعرف للشعر عمرًا مناسبًا ليظهر، كما الحب يبدو حرًا في مجيئه وذهابه.
بعدما اقتربتِ من عالم شعر النثر وتعرفت بوضوح علي معالمه ووضعه في مصر. ما المستقبل الذي تتوقعينه، له ولكِ؟ خاصة في ظل الهجوم الذي يلقاه من حين لآخر.
قصيدة النثر تفتح آفاقا أوسع في الكتابة مع كل يوم جديد، هي أكثر تحررًا وقدرة علي حرث أراض مغايرة، باتت أكثر قدرة للوصول لشرائح أوسع من القراء بكسرها الكثير من حواجز  العزلة بين الشعر والجمهور. أما عن مستقبلي فيه فلا تصورات لدي. حلمي هو ذاته مع الانتهاء من كتابة قصيدة أحلم بأخري.
كنتٍ في انتظار أن يكون »‬سربني لحواسك» هو ديوانك المنشور الأول، لكن القدر كان له رأي آخر ونُشِر »‬نخب الغياب» أولًا مع أخبار الأدب. كيف كان وقع ذلك عليكِ؟
كنت سعيدة جدًا وأشعر بأني محظوظة أن تتداول نصوصي النثرية الأولي علي نطاق واسع للمهتمين بالشأن الأدبي، حظيتُ بمعرفة آراء كثيرين ممن اطلعوا عليها وتلقيت كثيرًا من التشجيع علي مواصلة الكتابة والتطور.
لكني شعرتُ أن بعض القصائد في »‬نخب الغياب» تقترب من القصة القصيرة أكثر من شعر النثر. هل توافقينني؟
ربما لأن أغلب نصوص الديوان كُتبَت في مرحلة التنقل لديّ بين القصة القصيرة وقصيدة النثر، لهذا كان الغالب عليها الطابع السردي.
حدثيني عن تجربتك مع القصة القصيرة. هل يمكن أن تعودي لها يومًا؟
مع تجربة الصحافة المحلية التي انشغلت بها لسنوات قليلة تنقلتُ بين ألوان مختلفة منها حوارات، تقارير وأخبار، أحببت الفيتشر »‬القصة المصورة» والبورتريه، حين طغي الأسلوب الأدبي علي التناول الصحفي، قررتُ خوض تجربة كتابة القصص، وحين تسربت الموسيقي داخل القصص وعلا صوتها، انتقلت لقصيدة النثر. ولا يوجد ما يمنع عودتي لكتابة القصص، أعتقد أن فكرة النص ما تختار هيئته.
هل تعتقدين أن وجودك في الصعيد يضفي عليكِ بعض الاختلاف عن لو كنتِ شاعرة في القاهرة مثلًا؟
وإن كنت شاعرة في المنوفية أو الإسكندرية، ما الاختلاف أيضًا؟ لا أكتب وفقًا لتلك الاختلافات لأتصور ماذا لو. الفارق الأساسي كون القاهرة تضج بالندوات والمؤتمرات وحفلات التوقيع وهو أمر لا يتماشي مع طبيعتي التي تتجنب الزحام والخوض في حوارات والتعاطي مع غرباء نسبيًا.
تخرجتِ في كلية الهندسة ثم عملتِ في الصحافة، لماذا لم تعملي في مجال دراستك؟
أثناء الدراسة، عرفت أن مجال الهندسة المدنية لن يشغل حيزًا من حياتي بعد التخرج، حتي أنني لم أحاول أن أتقدم لأي وظيفة تخصها رغم وجود فرصة كبيرة أُتيحت لي فور التخرج مباشرةً في مصنع سكر دشنا، فأنا أصنف أبناء عاملين، وكان لهذا أولوية في التعيين. يمكن القول أن أسرار جمال هذا المجال لم تنكشف لي لذلك لم أحبها. رغم محبتي الشديدة للرياضيات، ما قبل الجامعة كانت الرياضيات تأخذ عقلي مع مادة اللغة العربية، بالتعاطي معهما كنت أشعر باتزان عجيب، الإنصات للمنطق مع الرياضيات، وترك العنان للخيال مع اللغة العربية. الغوص في المعادلات والقدرة علي تفكيكها وحلها كان يحتاج لمهارة وتركيز، أنفصل فيه عن عالمي وأدخل متاهات المعادلات وأخرج منها شاعرة بمتعة عظيمة وسلام.
هل يعني هذا أن دراستك أسهمت في إثراء موهبتك؟
ليست دراسة الهندسة في حد ذاتها ما نفعني فيما يخص الكتابة، بل انصرافي عنها ما أتاح أوقاتًا أكثر للقراءة والتجول في شارع المكتبات بأسيوط، قضاء ساعات طويلة في استراحة القسم لقراءة جرائد الصباح متغيبة عن المحاضرات الصباحية دومًا. قبل الجامعة كانت ثقافتي سينمائية بامتياز، مع الجامعة تنوعت مشاربها.
هل لديكِ ما تجهِّزينه للنشر قريبًا؟
أرغب بالتحضير لكتاب يشمل قصص الفيتشر التي كتبتها علي مدار عملي في الصحافة المحلية، كما أسعي لكتابة أكثر من فيتشر بالعودة للعمل علي الأرض. وفي نفس الوقت أواصل كتابة القصائد والتحضير لديواني الثاني.