رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
الكتاب الاول

الكتاب الأول .. أصوات جديدة للحركة الأدبية


محمد سليم شوشة
12/29/2018 11:43:19 AM

والكتاب الأول يمكن رؤيته بهذا الشكل غير بعيد عن جائزة أخبار الأدب التي هدفها الأساسي هو نفسه الكشف عن أصوات أدبية جديدة ومواهب أدبية مبشرة وتقديمها للحياة الثقافية، والحقيقة كذلك أن الجائزة بامتدادها وقدمها ثم هذا المشروع الجديد (الكتاب الأول) لهما علاقة كبيرة بالسياق الثقافي الذي نعيشه وبخاصة مسألة النشر وصعوباته بالنسبة للشباب وكذلك مشاكل زحام النصوص السردية والشعرية لبعض الأعمال الضعيفة أو غياب فكرة التمييز وتأثير هذا الزحام بشكل سلبي علي الأعمال الجيدة بشكل خاص لأنه يقلل من مساحة مقروءيتها ويقلل فرص عرضها علي الجمهور لأن الزحام يشتت القارئ ويجعله في حيرة ما لم تكن هناك جهة تتبني هذا الإنتاج الأدبي. وما يميز الكتاب الأول ويمنحه اختلافا عن الجائزة أن المؤسسة هنا هي التي تبحث بنفسها عن المواهب وتقارن وتميّز ثم تتبني النص أو الأديب الشاب وتقدِّمه، أما في الجائزة فالأدباء أنفسهم هم الذين يتقدمون ويسعون لإيجاد فرصة للحضور وطرح نصوصهم واعتمادها، وقد تكون هناك نصوص جيدة ولا تتسابق لأسباب عديدة سواء مرتبط بالسن أو غيره من الأسباب وهنا يتم تدارك الأمر بطريقة تنقيب أخري كالكتاب الأول الذي هو إرادة خالصة من أخبار الأدب عبر وسائلها الخاصة.
 فيما مضي من أعداد هذا المشروع قدّمت أخبار الأدب أحد عشر صوتا أدبيا جديدا متنوعة بين الأنواع الأدبية كلها تقريبا وإن غلبت أنواع أو هيمنت بحكم توافر هذا النوع وكثرة كتابته وحضوره أو بسبب صعوبة نشر رواية كبيرة مثلا في هذه المساحة الصغيرة نسبيا المتاحة لأخبار الأدب في هذا المشروع. فمن حيث النوع الأدبي جاءت هذه الأصوات الأدبية موزعة كالآتي؛ ثمانية أصوات للشعر موزعة بين الفصحي والعامية، خمسة فصحي وثلاثة عامية، وثلاثة كتب أخري للسرد، اثنان قصص قصيرة، وكتاب واحد رواية قصيرة. فنلاحظ هنا غلبة الشعر وهو من الناحية المبدئية أمر يحتاج إلي تأمل ونظر، فهل هذا الأمر له علاقة بحضور أوسع وأوفر للشعر وهيمنة إنتاج له لم يكن يجد سبيله للخروج إلي النور؟! ثمة اعتبار آخر يكشف عن الحركة الجغرافية لهذه الكشوف الأدبية لأخبار الأدب، فهذه الأصوات موزعة تقريبا علي جسد الوطن كله، وإن غلب الصعيد بدرجة ما، فالأعمال الأحد عشر بينها خمسة للصعيد الجواني تحديدا، وهو تقريبا النصف، وجاءت كلها من أسوان والأقصر وقنا، وثلاثة أعمال للقاهرة الكبري، وثلاثة أعمال للوجه البحري بين الإسكندرية ودمياط والبحيرة، وهذا التوزيع ربما كذلك تكون له دلالته. ومن حيث الأعمار فهؤلاء جميعا من الشباب وأغلبهم دون الثلاثين وأتوقع لهم جميعا مستقبلا كبيرا في الأدب.
من متابعة هذه الأعمال الشابة وقراءتها يمكن تلمس بعض الملامح المهمة لهذه الكتب الأدبية الإبداعية الأولي، أولها أنها جزء من اللحظة الحضارية الراهنة، فتعكس هذه التجارب كثيرا من سمات العصر وملامح الإنسان المصري الآن، تعكس كثيرا من إيقاع هذا الزمن وأدواته ووسائل الاتصال فيه وتشرذم الإنسان وتفككه وآلامه وأحلامه وطموحاته، كما يتجلي في هذه الأعمال إجمالا خطان متناقضان يعكسان حالا من التنوع الفني والثراء أحدهما يتمثل في النزوع إلي التجديد والخصوصية ومجاراة المقتضيات الفنية للحظة الحضارية الراهنة عبر تشكيلات إبداعية محايثة لزمن هذه النصوص وعصرنا الحالي بمستجداته وإيقاعه أو ما جد عليه من اختلافات الفن وتطوره، أما الخط الثاني فيتمثل في قدر من النزوع إلي الكلاسيكية أو القديم وبخاصة في شعر العامية التي غلب علي دواوينها التكوين الموسيقي بملامحه القديمة، فثمة احتفاء في دواوين العامية بالشعر بوصفه ظاهرة صوتية إيقاعية يمثل فيه الوزن والموسيقي شهادة اعتماد وتصديق علي الشعرية وهي مسألة مهمة بالنسبة للكاتب الشاب الذي يبحث عن كل ما يؤكد قيمته الأدبية ورغبته في التأكيد علي أن ما يكتب ينتمي للشعر، وتجلت كذلك هذه الكلاسيكية في عنصر اللغة، حيث كثير من مفردات هذه التجارب الإبداعية ومعجمها يميل إلي القديم نوعا ما وبخاصة لدي محمود بيومي ولدي بعض شعراء العامية التي لها رصيدها المعجمي الدارج الذي كان متكررا، وكذلك في ديواني فصحي اثنين هما ديوان النوبي الجنابي الذي تتجلي فيه لغة التراث الديني بدرجة كبيرة وإن كان هذا التوظيف الفني علي قدر كبير من الجمال الأدبي وكذلك ديوان محمد حسني عليوة الذي ينزع إلي صور رومانسية تتجلي كلاسيكيتها من ملامسة تجارب العذريين القدامي وبعض لمحات العشق الصوفي. علي أن هذه الكلاسيكية بشكل إجمالي ليست عيبا في ذاتها بقدر ما هي سمة من سمات كتابة شبابية، وقد لا تكون عيبا من الأساس لكون التصور التقليدي لمفهوم الأدب عند العقل المبدع في مراحل شبابه إنما يأخذ مفهوما أقرب للكلاسيكية منه إلي العصرية ويميل إلي لغة تبالغ ربما في التعبير عن أدبيتها أو عن تجاوزها للغة الكلام العادي رغبة في حيازة الاعتراف بالأدبية من البداية أو مع العمل الأول. في مقابل هذه النزعة الكلاسيكية يبرز في هذه الأعمال كثير من القيم الجمالية والدلالية والشواغل والقضايا التي تعكس قدر وعيهم بعصرهم وبتطور الفنون والأنواع الأدبية التي يبدعون في حدودها، فيتمردون أحيانا علي هذه الحدود أو يستثمرون ما كان من تمرد سابق، وأحيانا يلتزمون بهذه الحدود، وإن كانت مساحة التمرد هي الأوسع وربما يكون ذلك نابعا من أننا بلغنا منحي معينا من المغايرة والتحول الشديد في الكتابة وبخاصة في دواوين الفصحي.
إذا بدأت من الدواوين الخمسة التي تنتمي للفصحي وهي التي جاء فيها أصوات كل من أماني أنور حزين، والنوبي الجنابي ورغدة مصطفي ومحمد التوني ومحمد حسني عليوة. فيما يخص مجموعة (غراب يتحدث العبرية) لأماني أنور حزين فقد لمسنا صوتا شعريا علي قدر كبير من الاتساع في تمثل آليات إنتاج الجمال الأدبي وفواعل الشعرية، فثمة نصوص ذات بنية شعرية كلية علي قدر كبير من الاتساق والتكامل، بحيث تمثل النصوص حالة شعورية ووجدانية واحدة ولوحة تعكس ألما فرديا ينبني علي استعارات خاصة بها، علي نحو ما نري في (بندقية عوراء تتقيأ الموت)، وتبدو علي درجة من الانشغال بالآخر المختلف لغة ولسانا، وتتعامل مع هذا بلغة رمزية مكثفة وإيحائية علي نحو ما نجد في الغراب الذي يتحدث العبرية الذي ربما لا يكون غريبا أو غامضا علي الذهنية المستقبلة. وتجسد حالا من التفتت والتلاشي تحت ضغط المعاناة والألم، كما نري في (وملامحي سقطت من وجهي فأصبحت بوجه ولسان عجوز)، وكذلك قولها (أقدامي في بعض الأحيان تخونني/ ترفض هي الأخري مرافقتي) فكأن ثمة انقساما في الذات الشاعرة التي بدت مفتتة ومتشظية تحت وهج المعاناة ومطرقة الألم وهي حال عصرية ربما نلمسها لدي شعراء آخرين وتتجلي بقوة عند شعراء قصيدة النثر. ولديها كذلك نزعة درامية تثري القصيدة وتجعل سيرورة إنتاج المعاني تأخذ مسارات غير مباشرة أو صارخة، فثمة معادل موضوعي وذوات أخري تُسقط عليها أحوالها الشعورية وتعبر من خلالها أو تتخذ منها أصواتا بديلة وهو الخيار الأكثر فنية أو هو المظهر الشعري الدال علي موهبة أكبر.
الصوت الشعري الثاني في الفصحي هو صوت النوبي الجنابي في مجموعته (لعبة الضوء وانكسار المرايا) وأبرز ما يبدو لديه من القيم الجمالية الطاقات التصويرية والمعني المراوغ وسيولته ومزج العلامات الكلاسيكية بالمعاصرة في بناء جديد، وقدر بارز من الاحتفاء بالظاهرة الصوتية التي وإن كانت سلبية في جانب فإنها تخلق حالا من الهدير الصوتي الشعري الذي يترك حالا من الونس والتأثر لدي القارئ بحضور هذه الذات الشاعرة التي تعلن عن نفسها بنبرة عالية، وكذلك تتجلي لديه النزعة الفردية والإحساس بالذات في أعلي صور مده واعتداده. ثمة طاقات استعارية لديه تتأسس علي تبديل المعجم بشكل يمثل مفاجأة ومصدرا للإدهاش في هذه الاستعارات علي نحو ما نري في قوله (أزمنة من ماء ونار)، وكذلك (بارز العراء بالعراء) كما نجد لديه وفق هذا النسق أن للذاكرة أعتابا والليل يورق علي شفا الضفائر، وهكذا تبدو الأشياء والمفاهيم متغيرة وسائلة وبصورة مغايرة للمتفق عليه في العقل الجمعي اللغوي وهو ما يمثل جمالا شعريا بذاته وبخاصة إن كان بعيدا عن الافتعال أو الاستعراض وله صلة قوية بالتجربة الشعرية.
ولدي رغدة مصطفي في مجموعتها (نخب الغياب) ثمة طاقات جمالية فريدة ومستوي عال من خصوصية الصوت الشعري القادر علي استثمار التداولي ولغة الحوار العادي والمشاهد اليومية والقدرة علي استنطاق مشاهد سينمائية بالمعني الشعري وجعلها متجاوزة لإطارها السينمائي الهين أو المعتاد بأن تبث فيها روحا شعرية خالصة. وتشير في قدر طريف من البراعة لبعض الأفلام الأجنبية وبعض نجومها بأسمائها وأسمائهم، وفي توظيف خاص لهذه العلامات ومزجها باللوحة الشعرية الأقرب للبورتريه أو الجدارية الممتدة فتنتج عبرها تشكيلا شعريا خاصا يصور فتاة عصرية تصويرا داخليا عميقا بين التوزع والتشتت والتلاشي والحيرة والبحث عن الحبيب والتشكيك فيه في آن، ومناهضة كل هذا عبر حركة مقاومة ومحاولة للتماسك. وتمثل عناوين القصائد بذاتها في مجموعة نخب الغياب مدخلا مهما وعتبة جمالية ودلالية للقصيدة، وتمثل أول فروع القصيدة الوارفة بالمتعة والاستعارات أو القدرة علي التنبيه، فالعناوين بشكل خاص تحتاج إلي تأمل أوسع لأنها انتظمتها بقدر من الوعي واليقظة التي تبدأ بعدها حالة من السباحة داخل جسد الشعرية ودون تحديد لفضاءات القصيدة بشكل مسبق وهو ما يجعل فعل الكتابة الشعرية بعيدا عن التأطير ويتجاوز كل أشكال التوقع أو المقدمات التي يمكن معرفة ما ستفضي إليه من النتائج أو النهايات. علي أن السمة الأبرز لدي رغدة مصطفي تتمثل في رأينا فيما قدرت عليه من خلق التوازن بين جفاف التداولية وسطحيتها وبين اللغة الشعرية التي تركز علي الجوهري والحقيقي من روح الشعر. فكثيرا ما تمثل التداولية ولغة الحياة اليومية التي تتجلي في قصيدة النثر مدخلا للتساهل للقول وعدّ أي قول شعرا، لكن الحقيقة أن صوتها يتجاوز ذلك تماما بأن تمزج ملامح الحال الإنسانية الغائرة بإشارات الحياة اليومية وعلاماتها البسيطة، فتقدر مثلا علي أن تختزل الصعب من المشاعر والمراوغ منها في تعبير دارج وجملة سينمائية متداولة هي (احنا اتقابلنا قبل كدا) حين يتم دمجها في مشهد شعري أوسع وتصبح هذه الجملة بالنسبة للنص المدخل السهل للتفكيك واقتناص المعني.
وفي مجموعة (في سُمك خوصة) لمحمد التوني نبدو أمام صوت شعري يتجلي فيه الوجود بصورة مغايرة تماما للمعتاد والمألوف وفي ظني أن هذه الرؤية والإحساس الجديدين هما جوهر التجديد والخصوصية في أي تجربة شعرية، فكأن إحساس الشاعر وإدراكه للعالم مرآة مغايرة لها مقاييسها الخاصة، أو كأنها مصفاة تزيل عن هذا الوجود ما يشوبه ليبدو أكثر وضوحا وتتبلور المعاني بشكل أبرز كأنها من الأصل، ولكننا نحن الذين كنا في غفلة أو لم ننتبه. ففي هذا الوجود يتضح أن الأشجار مسنة والمقهي مليء بالدهشة والنرد والأطفال الذين هم من رخام يصنعون خرابا ويقلبونه في قهوة الأهل. والأب يمسك طباشيرة ويرسم تكشيرة علي وجهه. وهكذا، في عالم يبدو جديدا، تسرد عنه الذات الشاعرة بكل ديناميكية وهي مفعمة بالحيوية والحركة كما لو أن الذات الشاعرة مصور فوتوجرافيا يعرف أنه يلتقط مشاهد ولقطات غريبة وجديدة ويعمل بكل قوته لكي يحفظ في كاميرته أكبر كم منها لينقله إلي معرضه الشعري ليثريه بها. فيصبح المتلقي محاصرا بهذه التدفقات التصويرية والمشهدية الجديدة التي هي أبرز فواعل الشعرية لدي محمد التوني الذي يبدو ناصع المنطق ينتج الجمال من التداولي ومن الأفكار الجريئة والمتمرد دون أدني حاجة للغموض أو التهويم.
في ديوان محمد حسني عليوة (رقصة أخيرة برفقة ملاك) نحن أمام شعرية تعتمد علي جمال الالتماعات العاطفية المتوهجة وكثافتها الدلالية وتركيزها كما الومضات النورانية، لغة شعرية تستثمر طاقات تعبيرية أقرب للتصوف ولغة الرومانسية الكلاسيكية عند الشعراء العذريين والمتصوفة، وتنحت صورها الخاصة وأساليبها البيانية والبديعية الجديدة. وكذلك يتسم صوته بتجاوز تام للقول المجاني والترهلات التي قد تثقل بدن القصيدة، فتبدو نصوصه الشعرية كالظباء البارقة اللامعة في الصحراء تقفز بكل خفة في فضاء الديوان.
فيما يخص كتب السرد وتحديدا مجموعة هناء بدر يمكنني القول بعد قراءة متعددة لقصصها إنها تمتلك طاقة تخييلية خاصة وجامحة وتشكل أماكن جديدة ترتبط بسردها وحده دون أدني اقتباس أو تكرار للقديم، وهي كذلك قادرة علي توظيف الأسطوري والموروث الشعبي وعلاماتهما المكتنزة للمعني والغرابة فتضيف من هذه العلامات علي تكوين شخوصها، وبخاصة في استثمارها للوشم بأشكال عديدة وكيف ارتكزت البنية الدرامية علي هذا الوشم، وهي كذلك قادرة علي إعادة النظر فيما قد يبدو معتادا ومتوافرا من الطقوس الشعبية علي نحو ما نري في علاقات الابن بالجد في قصة (في سكني الأدوار العليا) التي تم توظيفها بشكل رمزي محرض علي التأويل ويجعل القصة تتجاوز كونها مجرد حكاية. وقصصها برغم تشعبها وكثافة تفاصيلها واعتمادها استراتيجيات سردية متقدمة تأتي علي قدر كبير من العفوية والتدفق الممتعين.
وفي مجموعة (أسماك في الهواء) تتجلي مقدرة هالة صلاح السردية وإمكانية إنتاج حالات من التبدل المظهري للذات الإنسانية التي تبدو متداخلة ومتقاطعة مع ذوات أخري، فالشخصية الرئيسة لديها هي إنسانة عصرية لها أفراحها وأوجاعها وأسئلتها، ولكنها في حالات أخري تبدو كسمكة في بحر الحياة ويحدث تداخل أو مزج بين البحر الحقيقي والمعني المجازي للحياة بالإيحاء بشبهها بالبحر والتبديل بين الصورتين، وفي هذا الإطار من التبدل والاستعارات تنصبغ لغة النسيج السردي بصبغة شعرية وتصبح علي قدر من الكثافة والتركيز التي تجعل اللغة طاقة جمالية إضافية إلي جانب الحدث أو الحركة والبنية الدرامية.
وفي رواية محمود بيومي القصيرة (رسائل الدبران للثريا) تتجلي المقدرة علي السرد عبر لغة نابضة تمزج القديم بالعصري بشكل مدهش، وقادرة علي جعل الرسالة تسهم في تشكيل عناصر القص الأخري وبنائها من شخصيات وزمان ومكان وتحقيق غايات جمالية ودلالية أخري مثل تجسيد ما يطرأ علي حال العشق من التغيرات والتحولات النفسية، وكذلك نقل خلفية واضحة للعالم المحيط ببورتريه العشق الذي تم نقله بدرجة كبيرة من انغلاق الذات المحبة علي حبيبها وكأننا أمام الأرض تدور حول الشمس أو حركة مثل حركة الأفلاك والنجوم والكواكب. وهي رواية مكثفة غنية بالجماليات وقابلة لتأمل يمتد وتطرح تصورا خاصا لفن الرواية والأشكال السردية عموما.
في دواوين العامية لدينا (لون أسود) لمينا جميل شوقي الذي يغزل صوته الشعري الصاخب والمحتفي بأقصي درجة بالإيقاع من الرومانسية ومقاربة تجارب الحب وأحواله ومن تصوير الحزن ونفث الآلام والأوجاع ومحاولة تنفيسها في دفقات شعرية إيقاعية في المقام الأول يستثمر البوح وبعض المحاورات ومخاطبة المحبوبة ومجادلتها، ولديه تتجلي النزعة الخطابية التي تجعل القصيدة قابلة للغناء والإلقاء وتصبح ذات احتمالات تأثير أكبر في المتلقي.
وعند هشام حسين في ديوان (طرف الروح) ربما تبقي ظاهرة الاحتفاء بالنزعة الخطابية والظاهرة الصوتية كما هي، ويزيد هشام في قدرته علي الإفادة من بعض أنساق التعبير في الثقافة الشعبية في السيرة أو المواويل وبخاصة في المقدمات، وتتجلي لديه الرومانسية عبر ميكانيزمات أداء أقل صخبا وضجيجا، وإن كانت القيمة الشكلية الأبرز هي الطابع الغنائي وغلبة الصوت الواحد، ولديه كذلك طابع سردي يفيد القصيدة ويمنحها طاقات جمالية أكبر عبر التسلسل الحكائي والتشويق والحركة.
 وعند هدير شوشة في ديوانها (كحل ملون) تتجلي قدرات تصويرية خاصة وطاقات شعرية متجددة تشتغل علي الرومانسي والرمزي واليومي والدارج أو المعتاد من الحكايات والتراث الشعبي وبخاصة ألعاب الطفولة في المناطق الشعبية التي تستنطقها شعريا بشكل جيد وتستمد منها طاقة حركية وعودة إلي ماضي الطفولة وذكرياتها أحيانا. وفي قصائد هدير شوشة حساسية دقيقة لثقافة اللحظة الحضارية الراهنة ومفرداتها أو لغتها، وقدرة علي إدراك العنصر الشعري في كلمات أجنبية دارجة مثل هاند فري أو آيلاينر وحضن سلو/slow، وكذلك القدرة علي المزج بين الزجل وقصيدة العامية بقدر كبير من المرونة، وتجسيد حالات من الأنثوية بتمثلاتها الراهنة من البحث عن الدفء والتمزق أو التشتت بسبب إحساس غامض بغياب الحب أو ندرته.
وفي هذه التجربة من (الكتاب الأول) التي أطلقتها أخبار الأدب لا يمكن إغفال القيمة الفنية والجمالية الكبري للوحات التي صاحبت هذه الكتب الإبداعية، لما قد يكون من احتمالات التحاور بين الفنون التشكيلية بما جسدت من فن أو لما في هذه اللوحات بالضرورة من معني وجمال فني وبين النصوص الأدبية التي صاحبتها. فالتجربة علي هذا النحو أصبحت مضاعفة القيمة لأنها استثمرت المساحات لنشر أعمال فنية أخري علي نطاق أوسع من المعارض أو الساحات الثقافية المعهودة للفن التشكيلي.