رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
الكتاب الاول

الأشياء وفضاء القص


د. أماني فؤاد
1/26/2019 4:41:55 PM

تتكون مجموعة »الرقص فوق عتبة الغيبوبة»‬ لنورة أحمد السِيِك من ثلاث وثلاثين قصة قصيرة، وتهيمن علي معظم النصوص مشاعر امرأة تشعر بالفقد والوحدة والهشاشة في هذا العالم، حيث تدور القصص حول تجربة حب من طرف واحد، لتعلق شخصية القص التشكيلية الكاتبة برجل تشغله امرأة أخري يحكي عنها بإعجاب، تحاول أن تتقرب منه لكنه يعاملها بجفاء. ولا يكترث بها بالرغم من أنها تجعله محور بوحها ولوحاتها وخطوطها وفرشاتها، فتعاني آلام الرفض وعذاباته. النصوص مجتمعة تكمل تيمة واحدة وحكاية ممتدة بطول القصص حتي لو أن بعضها جسّد حوارًا مع الطبيعة.
 أبرز ما يلفت النظر النقدي بتلك المجموعة كيفية استبدال القاصة الفقد والإهمال والتعبير عن عذاباتهما بزحام هائل للأشياء في السرد، الأشياء التي تبوح بأنينها وتتماهي مع شخصية القص وفقدها لمن يكمل وجودها، ويجلي ما تكتنزه من معانٍ وجمال.
تقول:» في صوان (صيوان) ملابسها نشبت مشاجرة بين أثوابها..كلهن يتدافعن، ظنًّا منهن أنها تختار منهن (أحدهم)  لارتدائه..ضحكت هي وفضت المشاجرة..لست في طريقي لأي مكان..لدي يوم حافل بالعمل هنا.
الأرضية الملساء حملت جسدها النحيل وهي تتراقص علي الأرضية المبللة...تحاول دفع الماء ،كي تجف الارضية..لكنها تمتعت بالتقافز مرارًا عليها وهي مبللة...كان أثاث المنزل يتبعها بنظراته ..دعت وسادات فراشها لرقصتها المميزة..لكنهن انتابهن الخجل..ولم تمانع حينما شاركها قطها الرقص...كانت تضحك وتبتسم وتتمايل وتعمل..كان يومها مميزًا..وفي المساء مثل سندريلا غلبها النعاس، وعند حلول منتصف الليل لن يوجد موسيقي مميزه، ولا فارس وسيم، ولن تركض من حفلة صاخبة علي أدراج ملساء، ولن يوجد حذاء بلوري..فقط ستبقي هي برفقة أثاث منزلها الأصم..» .  
 يتبدي بهذه المجموعة طريقة خاصة في التعامل مع الواقع، الواقع الذي يهيمن عليه حضور مكثف للأشياء، حشد هائل لا يوصف لذاته، بل يوصف لتتمكن القاصة من تجسيد وحدتها وغربتها في هذا العالم، فهذه الأشياء موصوفة باعتبارها شريكاً وحاملاً لإنسانة متورطة في حدث إنساني مؤلم... وهناك حوار دائم بين شخصية القص والأشياء المحيطة بها، ظهر هذا في بعض القصص بطريقة واضحة، أو قامت بهذه المهمة طريقة الصياغة الأسلوبية وتشكيل المشاهد متضمنه لهذا الحوار الصامت. فالأشياء لا ترد في هذا القص لكونها مجرد أشياء يملكها الإنسان كما كان في السرد البلزاكي أو المحفوظي في مراحله الأولي، كما لا تعد حشوًا أو استكمالًا يصنع طقسًا خاصًا للنص، لكنها أشياء تتمتع بحضورها المستقل الذي يشارك الإنسان حياته. لقد ظل  الإنسان في السرد التقليدي محور النص وعماده، وكان كل مايأتي حوله من وصف للأشياء يعد مكملًا وحشوًا يصور العالم المحيط به.
 في النص ما بعد الحداثي تحضر الأشياء بهيمنة ملحة حتي يقال عن السرد في ملمح عام: إنه لا إنساني، بمعني أن حضور الإنسان أصبح هامشيًا، وصارت الأشياء هي التي تحمل الدلالة وتومئ بها، بل غدت شريكًا رئيسيًّا في البنية الفنية، فبالإضافة إلي صدارة حضورها تشارك في طريقة تعبير الأفراد عن مشاعرهم وما يريدون البوح حوله، الأشياء هي الوسيلة والحامل والطقس الذي يحمل معني وطريقة حياة البشر، وهو ما يمكن أن يرصده النقد لتحولات وتجليات وجود الأشياء بالسرد، وهو ما يمكن أن يكون مُبرَّرًا أيضًا حيث أصبح العالم مكدسًا بالأشياء التي تشاركنا الوجود، لسيطرة أنظمة الرأسمالية العالمية والسوق المفتوح الذي يعتمد علي لانهائية المنتج وتسليع الوجود.
لا تتضمن المجموعة تحليلًا سيكولوجيا علي سبيل المثال لتفسير الاستمرار في الحب من طرف فتاة القص بمفردها، أو تحليلا لشعورها بالوحدة، وتقوقعها في مساحة خانقة لانتظار ما لا يأتي، بل تتوالي الأشياء وأشكال الموجودات المادية والطبيعية وتشترك مع البطلة وتتماهي معها في عذاب الحب من طرف واحد .
ويهيمن علي السرد الوصف المباشر لانفعال البطلة بالعالم من حولها، وهو بداهة عالم أشياء، هو كل ما يوجد أمامها وتنعكس عليه وحدتها في تجربة مجهضة، وكل ما يؤثر في الحواس ويتعامل معها ويشعرها بالفقد، وهنا تتجلي فكرة أن العالم يتحدد بالخارج الموضوعي وليس بالذاتي السيكولوجي، والموضوعي هنا ليس العقلي ولا المنطقي أو الخاضع لمنهج بل فكرة كون العالم خارجيا بالنسبة للبطلة، وينعكس عالمها الداخلي علي الخارجي المتمثل في الأشياء.
 ولقد تمثّل الخارج في الأشياء وليس في التفاعل مع قضايا المجتمع اليومية المختلفة، أو التنوع الذي يجسده القص لعوالم متسعة و قضايا متعددة، تتجاوز نطاق تجربة واحدة يتم التعبير عنها بتنويعات أسلوبية تتكرر وتعاد تيماتها نفسها في معظم قصص المجموعة. وهنا يجب التنويه عن أن اللغة وطريقة بناء الأساليب في قصص المجموعة بحاجة لإعادة التحرير والمراجعة لوجوب التخلص من المفردات الزائدة وتكثيف الجملة وسبكها.
كأن الحب في ظل هيمنة تلك الأشياء ممارسات شعائرية لها طقوسها وأشياؤها، وهي في الحقيقة ليست مفرغة من المضمون أو المحتوي، ولكن المحتوي صار مرتبطًا بالشكل الخارجي والأداء الحركي الذي يرتبط بالأشياء المادية في المقام الأول، وفي المقام الثاني يرتبط كما يظهر من القص في احتياج شخصية القص إلي عيش حالة معينة تتجسد فيها مظاهر الحب تقول:» ربما لم أخبرك عن آلاف الهدايا التي وددت أن أهديك إياها، وقتلتني حينما أتاني صوتك حادًا يطالبني بألا اشتري من أجلك الهدايا، وأن احتفظ بها لنفسي..لم تعلم حينها أنني كنت اشتريها لنفسي..وأنه كان يكفيني أن أراك تمتلك شيئًا من هدايا، اشتريتها أنا لك فيتملكني السرور...
لم أخبرك كم من المرات كنت أتجول في الشوارع التي تعرفني أكثر منك، بمفردي وأستجدي لقائك (لقاءك) مصادفة..وكم من المحلات استهواني استكشافها، فربما كان فيها شيئًا يليق بك..ولا أذكر كم من المرات نسيت أن افكر بنفسي وتذكرتك...لم أخبرك عن مذاق الشيكولاته التي أحبها في فمك» 37
   ويضاف إلي السرد الصور التي تُعلق علي الجدران، أو التي توضع علي وسائط التواصل الاجتماعي: الهدايا والأشياء التي تشتري للحبيب، الأغاني والموسيقي التي تصبح علامات للعلاقة، ودلالات أخذت سمت العرف الاجتماعي.
   ربما السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هل التوغل في تحويل المعاني والقيم لعالم من الأشياء علي هذا النحو والطقوس يضفي نوعا من التفرد؟ أحسب أن طريقة رؤية الأشياء والمنظور الاستكشافي والبحثي المتشكل في النص البعيد عن الجاهزية، وطرق توظيفها في البنية الكلية للنص هو ما يحدد إجابة هذا السؤال، شريطة ألا تتحول إلي طقوس متكررة لدي الجميع، وكأنها صيغ ثابتة معبرة عن الحب، حيث إن التفرد هو الميزة المضافة للعلاقة بين اثنين.
وبالرغم من عرضية الأشياء وكونها زائدة وعديمة الجدوي لكنها حين يشملها انفعال البطلة تصبح لفترة وجيزة ذات دلالة، ثم ما يلبث هذا الانفعال أن يغادرها ويتركها، فتبقي ثاوية في أماكنها أو تتبخر بعد لحظة الانفعال، وهو ما يؤثر في مفهوم الزمن ويجعل إيقاعه أكثر سرعة في القص رغم أن القص يدور حول عالم داخلي نفسي.
ليس هناك تأويل جاهز لهذه الطريقة الخاصة في وصف الأشياء فعمل السارد يعد بحثًا متواصلًا عن شيء لا يُعرف طبيعته ولا كنهه، فليس هناك دلالة جديدة سوي أنها طريقة للتعبير عن حالة ضياع ما، دون أن تمتلك تصورًا عن الخروج من تلك الحالة.
وتمتلك الكاتبة بنية ذهنية قادرة علي صنع مشاهد متجددة تتلمس بعض السحر المأخوذ من غرائبية الرؤية والتكوين، كما في قصة »‬قميص معطر» علي سبيل المثال، وإيجاد علاقات ضمن منظومة تخييلية تبحث حول نقل طبيعة المشاعر الداخلية للبطلة، وملابسات تعقدها، ودخولها في نطاق الصراع مع أخريات إلي لغة شعرية تنطلق من رؤية رومانسية للحياة في أغلب القصص.
تعتمد معظم القصص علي المنولوج الداخلي لبطلة القص وتستخدم ضمير أنا المتكلم، كما أنها قادرة علي استخراج أخريات من ذاتها، ومحاورتهن، وكل واحدة منهن تمثل أحد أقنعتها الكثيرة مثل السرد في قصة »‬تامارا» .
وتعتمد بنية بعض القصص علي حوار شخصية القص مع أخري عن الرجل الذي يدور حوله الصراع في قصة »‬تفاصيل عبثية مغلفة بالدهشة»، كما أنها في قصة ضجيج تنطلق من خيال خصب يحيل كل الموجودات لأحياء يتنفسون ويشعرون، وهو ما يخلق علاقات جديدة، تغني تقنية الحوار وتتيح اتساعا لعالم المجموعة محدود الفضاء.    
قارئ القصص يشعر كما لو أن تلك الأشياء التي يفيض بها السرد تنتمي لعالم غريب ومقلق ومنفصل عن ذات القص، وكأن الشخصية ذاتها لا تعيش هذا العالم، رغم كون هذه الأشياء موجودة بالسرد، وكأننا إزاء سعي حثيث إلي خلق عالم والتعرف عليه غير العالم الذي يلمسه الإنسان العادي وبالطبع القارئ، وهو ما نجده في قصة »‬قميص معطر»؛ فالأشياء من خلال تكويناتها السردية هي التي تتمتع بالثبات، وما تلبث شخصية القص أن تتبخر وكأنها طيف أو تكوين سحري تقول: »‬وحينما فتحت عيناك (عينيك) اختفيت أنا ، وكاني (كأني) شبح..أعرف أنك تساءلت مرارا ، كيف كان قميصك يسقط علي الارض أمامك ببطء ، وكأن  شبح كان يسكنه..وحذاؤك كيف أتي من زاوية الغرفه، واستقر بجوار فراشك..وصورتك كيف هربت من الجدار، ونامت علي المنضده  الرخاميه.. وعطرك المفضل، كيف تبعثر في جنبات الغرفه... كيف كان صوان (صيوان) ملابسك مفتوحًا، رغم أنك احكمت إغلاقه قبل نومك.. ومن ياتري الذي ترك النافذه علي مصراعيها، يتلاعب الهواء بستائرها المخمليه.. لم تعرف أبدا بتسللي.. وسأكرر زيارتي..وسأكرر سرقاتي.. حتي امتلك أشياءك، التي جئت من أجلها، فلا يدهشك حينها اختفائها (اختفاؤها).. »
فهل يتوسل الإنسان المعاصر بهذه الأشياء ليشعر أنه يمتلك ثقلا حتي ولو بدا نسبيًا؟
 كيف نلون هذه الأشياء ونجعلها نابضة بما نحمله من حالات وجدانية أو تصبح هي البديل عن حالاتنا النفسية ؟ تلك تقنيات تختلف من قصاص لآخر، الإبداع لا يكون تطبيقًا لفكرة معروفة سلفًا ومنجزة، بل الإبداع توق وتحرٍ وبحث يخلق نفسه ويفرز أسئلته، نحن نجهل موقعنا من هذا العالم ونلحظ هشاشة حضور الإنسان وانتقاله للهامش في السرد القصصي المعاصر.

نَوره أحمد محمد جاد، مواليد 1986 بمحافظة سوهاج، تخرجت في كلية الخدمة الاجتماعية ثم حصلت علي دبلومة تربوية. بدأت نشر أعمالها  منذ عام  2009 في مجلة أقلام وجريدة صوت سوهاج، وفازت بالمركز الأول في مسابقة القصة القصيرة  بنادي الأدب بأسيوط عن قصتها (الرقص فوق عتبة الغيبوبة) عام 2018، كما حصلت علي المركز الثالث في مسابقة القصة القصيرة التي أُقيمت علي هامش مهرجان القصة القصيرة الأول بسوهاج عام 2017 عن قصة (قميص مُعطر). ولها تحت الطبع مجموعة قصصية بعنوان (رجل فقد احترامي).
لدي نَوره موهبة فنية أيضًا، حيث تملك وتعمل مع شقيقتها في ورشة  دائمة لتعليم الرسم للأطفال، وقد حصلت الورشة و10 من أطفالها علي دبلومة من اليونسكو ومنظمة ايسيسكو بالمسابقة  الدولية بكازاخستان 2017.