رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
الكتاب الاول

الرقص فوق عتبة الغيبوبة


نَوْره أحْمد السِيِكْ - الرسوم للفنان: طارق عبد العزيز
1/26/2019 4:53:48 PM


إهداء
إلي ابنتي .. وابني..
صديقيّ الصغيرين ..
إيليف و أحمد
بـهـجة عـمري..
وصباحهما   المُـبتـسم ..
نـَـوره ...

قميص مُعطر
غافلتك ذات صباح، وسرقت قميصك ذاك الذي أحبه، والذي تركته أنت، ملقي  بإهمال علي طرف الفراش مساء أمس..
ارتديته وسرت حافية باتجاه مرآتك.. أراقب منحنيات جسدي في قميصك.. تقول إنك لا تحب ذاك القميص.. هكذا أنت تفضل تلك الأشياء، التي لا أحبها بينما تتجاهل تلك الأشياء، التي تستهويني.. لا تعرف أنت أن تلك الخطوط الطولية ذات اللون الوردي الداكن، تصبح أكثر دلالاً حينما ترتديها.. وتلك الستره التي بلا أكمام، وكأنها خلقت خصيصاً كي تحتضن ذلك القميص، الذي أحبه علي جسدك.. تغازل ابتساماتك..
حسناً سأسرقه منك وأرتديه.. سأضيف له وروداً وغصوناً خضراء، ليصبح حديقة سرية، أختبئ فيها في مواسم العشق
لم تشعر بوقع خطواتي علي الأرضية الملساء.. ولم يوقظك حفيف النسيم، حينما أزحت الستائر جانباً وشرعت في فتح النافذة طلباً للهواء.. ولم تصل إلي أذنيك خطواتي، وأنا أتجه إلي الفراش، أراقب صدرك يعلو ويهبط في انتظام.. ومررت أناملي علي تلك الشعيرات، التي نمت بلا ترتيب علي ذقنك.. ولم يخطر ببالك أن تفتح عينيك لتراني أنحني لأقبل أنفك، وأحتضن بكفي ذقنك بامتلاك. عدت أدراجي إلي صوان ملابسك.. دفنت وجهي في طيات اللون الأخضر، الذي يحتل أكثرها.. عبير حدائقك أزكم أنفي.. أخبرتك قبلاً كم أحب عطرك؟ حسناً أيضا قررت أن أسرق عطرك.. وأنثره علي وساداتي....
وقفت طويلاً أمام صورتك الساكنة، في زاوية منعزلة علي الجدار.. كم تبدو رائعاً.. لكنني أذكر أيضاً أنك لا تحب تلك الصورة.. حسناً سأسرقها وأعلقها علي جدار غرفتي..
جئتك ذلك اليوم لصة، لأستولي علي أشيائك التي أحب.. قررت سرقة حذائك ذاك، ذي النعل البرتقالي.. لأرتديه مساء مع قميصك، ولأسرق تلك القبعة الداكنة التي تتواري فيها خصلات شعرك.. كي أترك شعري منسدلاً أسفلها بتموج كغجرية إسبانية.. لأبدو في نظرك كغجرية تتجول في دروب غرناطة.. وأسلبك ربطة عنقك التي عشقتها.. بلونها الذي يشبه لون زهرة بنفسجية،  نمت في بستان قلعتي، سأتركها حول عنقي بلا إحكام.. جئتك ذلك اليوم لأحمل كل الأشياء التي أحببتها، وخالفتني الرأي فيها. قررت المضي في سرقاتي الصغيرة.. وقد وضعت خطتي للهروب بغنائمي.. ولكن قبل الانسحاب.. أوقعني تنفسك المنتظم.. ووجهك المرتاح علي الوسادة الوثيرة في ورطة.. فوجدت خفقاتي تعلو لتوقظك.. وحينما فتحت عينيك اختفيت أنا، وكأني شبح.. أعرف أنك تساءلت مرارا، كيف كان قميصك يسقط علي الارض أمامك ببطء، وكأن  شبحاً كان يسكنه.. وحذاؤك كيف أتي من زاوية الغرفة، واستقر بجوار فراشك.. وصورتك كيف هربت من الجدار، ونامت علي المنضدة الرخامية.. وعطرك المفضل،  كيف تبعثر في جنبات الغرفة.. كيف كان صوان ملابسك مفتوحا، رغم انك أحكمت إِغلاقه قبل نومك.. ومن يا تري الذي ترك النافذة علي مصراعيها، يتلاعب الهواء بستائرها المخملية.. لم تعرف أبدا بتسللي.. وسأكرر زيارتي.. وسأكرر سرقاتي.. حتي أمتلك أشياءك، التي جئت من أجلها، فلا يدهشك حينها اختفاؤها !
لوحة بيضاء.. وعيناه
أشعر بالدوار، وجسدي كأن قوته تتلاشي تدريجيا.. لم أذق الطعام منذ أيام طوال، ولا عرف النوم طريقه إلي جفوني.. حتي رائحة طعام أمي الذي تُــتَبله  بحنانها لم تعد تثير شهيتي كما السابق...
الآن ستحملني خطواتي إلي الحاج حسين صاحب المكتبة ذي الوجه البشوش.. الذي سيقول لي بصوت غلبت عليه السخرية »أهلا يا أبله»‬ ثم يتبع جملته بقهقهة ساخرة.. وسيمنحني ثلاث أوراق رسم سميكة وعريضة. لا يصدق هو أنني معلمة.. خدعته ملامحي الطفولية، تلك الابتسامة الشقية الملتصقة بشفتيّ.. وجسدي النحيل. في البيت.. اللوحة البيضاء تدعوني لإلقاء نفسي بين زواياها مديرتي تريد مني ثلاث لوحات مكتملة في الغد.. وفي الغد أيضا سأبدأ رسم لوحات قاعتي، قاعة الرسم.. سأزرع في جدرانها لوحات تسيل منها ألوان تشبه لون كوب العصير البرتقالي، الفاقع المرصود أمامي الآن.. ما بالي أحب الألوان الصاخبة.. وكأنها تضج في عينيّ بالحياة ماذا أرسم؟ هكذا سألت قلمي؟ وكلي يقين انه سيخط اشياء عجيبة، لا تشبه تلك الصور المزدحمة في عقلي.. سيسير فوق لوحتي علي هواه.. سيرسم عينيه.. وابتسامة شفافة تنام باستكانة فوق شفتيه.. وصخب حياة.. وهمجية ، مادة اعتقلت كلماته وسجنت سطوره.. وشردت خيطاً من المشاعر كان ينساب في نفسه. لم يقف قلمي للتفكير طويلا.. راح يرسم ويرسم ويرسم.. طلبت المديرة أن أرسم شخصيات كرتونية.. كم أعشق تلك الشخصيات.. أتراني أكون معه كشخصية كرتونية لفأر وهر؟ بظلال رصاصية مسكوبة علي لوحتي البيضاء. اختلطت شخصيات كرتونية بعينين أعرفهما جيدا.. وأحفظ تفاصيلهما جيدا جدا....
دوار خفيف يسرق عينيه من عينيّ ومن أناملي التي يرتعش فيها القلم.... لكن عيناه تأتي تدق بقوة، فتتكشف لي من جديد رويدا رويدا.. تستميت للخروج من خطوط همجية.
ألواني.. تقف علي مقربة مني متأهبة للدخول في معركة حامية الوطيس في ساحة زوايا الورق السميك.
لعنة الله علي ذاك الدوار »‬لم تأكلي شيئا منذ أيام وستمرضين» هكذا قالت أمي حينما دلفت من باب الشقة في طريقي إلي غرفتي.. تجاهلتها متعمدة كما فعلت بذلك الضوء القاني، الذي كان يومض في عقلي...
أحببت عينيه المطلة من خطوطي الرصاصية.. رغم أنها عيون لن تبقي بقربي.. ففي الغد سترحل لوحتي لتصير برفقة شخص آخر.. وتزين جدارا غير جداري. تمكن مني الدوار.. احتضنت الزوايا الأربع للورق الأبيض السميك جسدي.. وغاصت في رمادية خطوطه أحلامي.. ذهبت بعيدا بعيدا من أول نقطة بدأ منها قلمي رسم لوحته قالتها أمي وهي تهزني برفق.. لم أنم. أم فعلت ... هل فقدت الوعي؟.. »‬هل نمتِ؟»
الورق الأبيض أمامي عاد مساحة بيضاء خاوية... عيناه أين هي.. عيناه؟ كدت أبكي.. مسحت الغرفة بعينيّ بحثا عن خطوط رمادية هاربة.. بلا جدوي.. هربت من ذاكرتي كل الشخصيات الكرتونية.. وهدأت ثورة الألوان.. لكن لم الحزن؟ هكذا أفضل.. هكذا لن تبقي عيناه في الغد برفقة شخص آخر.. ولن تزين جداراً آخر.
أحلام بسيطة
صباحات مبهمة أحياناً.. لا تدري إن كانت تود نفض النوم عنه، أم  لم تستعد بعد لاستقبالها.
آه لو استطعت إقناع قدميّ بالمسير تجاه الشرفة، في هذا الجو البارد. وملاحقة الشروق، الذي علي ما أعتقد لم أتطلع إليه أبداً، منذ قدومي إلي تلك الشقة. الجو  لا يشجع أبداً علي قطع تلك المسافة بينما القلب منهك. لا يرغب في النهوض ومسايرة أفكاري..  
كم سيبدو الكون أجمل في ذلك الصباح، لو كان بإمكاني القيام برحلة صغيرة بالسيارة. أحمل معي كوب الشاي المتشح بالحليب. وأنصت إلي موسيقاي المفضلة، والانطلاق دون النظر إلي الوقت. أو ما ينتظرني. أبسط الأحلام رغم بساطتها صعبة...  
يقولون سيصبح كل شيء أسهل. فقط تحلي بالصبر...  
عامان وأنا أتحلي بالصبر. ولم أجن سوي مرارة الصبار، المغروس علي يمين الواقع.  
كلما سقطت قطعة سكر في الكوب المملوء. تصاب بقعة أخري بالمذاق المر.  
خيوط تتشابك أطرافها، فلا تعرف كيف يمكنك فك بعضها عن بعض..  
الكتب غير المقروءة، علي أرفف المكتبة التي كساها الغبار. والمقاعد الملونة المستكينة في الشرفة، بانتظار الجالسين. وأصص الزرع التي قتلتها الوحدة. طاولة الطعام التي لم يُدع إليها أحد. حقائب السفر التي لم تُغادر إلي وجهتها. الجدران التي لم تحتضن صوراً بعد. الستائر المسدلة دوماً دون أن تلتقي بالشمس. كلها تفاصيل صارت مطوية بإهمال.  
الصباح بارد...  
حضن الطفلة الصغيرة دافئ.. يربت علي الحنايا المزججة. ويغازل ما تبقي من تفاصيل بالروح.  
ويَعُد القلب برحلة صباحية. وبكوب شاي بالحليب، وبموسيقي مفضلة،
في المستقبل الذي يخشاه.
مقعد وحيد
مقعد وحيد تغازله لمبة عمود الإنارة، يرتدي ثوبه الأخضر كل ليلة، ويتكئ في كبرياء، عشب الحديقة يسامره حين يكون مزاجه رائقا، لكن زهور الحقل المجاور، تخشي غضباته، حيث ينتفض مبعثرا أوراق الخريف التي تغمره، فيبدو كعملاق استفاق للتو من نومه.
شجرة اللبلاب تحنو عليه، في ساعات الظهيرة، شديدة الحرارة، تمد أغصانها حوله متصنعة عدم الانتباه، كي لا تمنعها غطرسته من فعل ذلك..
وفي المساء، حين يشتد البرد، تزحف إليه مظلة البرجولة القريبة، تدفئه، لمبة عمود الإنارة تلاطفة كل مساء، وترسل له ومضات، وحده يفهم مغزاها، سور الحديقة الواقع في حب لمبة الإنارة، يراقبها منكسرا، فقط يعيد له الأمل كون المقعد الوحيد لا يبادلها المحبة. مقعد وحيد، اعتاد علي وحدته لبعض الوقت، طيب القلب. يدعي الصلابة، بينما هشاشته مفرطة، ومحتملة وعرضة للكسر.. مقعد وحيد، وقع في غرام ساعة الميدان العملاقة، التي ترفع له عقاربها بالتحية كل إسداله ظلام، وفي الصباح تغمز له مبتسمة، لا يبدل مكانه الذي تطل عليه منه، لا يبدل لون خشبه الذي تفضله، مقعد وحيد.. يجلس.. ينصت إلي عزف الموسيقيين، الجائلين في الميدان، بينما ينتفض قلبه، يسمع رنات العملات المعدنية من المارة، إعجابا بالعازفين، يسمع باعة الحرير يتغنون في بضائعهم، ويشم رائحة النقانق وهي تشوي. ساعته العملاقة، تري كل تلك التفاصيل، وتحكيها له مساء، حين يغفو كل شيء، إلا هما، وقد يتخيلان للحظة تجوالهما في الميدان، حيث ينصتان لصوت العازفين، ويصفقا لهما بحرارة، سيمنحونهم عملات معدنية كثيرة، وسيشتري له شالاً حريراً، وتنتقي له ربطة عنق داكنة، تليق بلونه الأخضر، وسيستمتعان سويا بالنقانق. لا يهم كم هو عجيب تجول ساعة الميدان ومقعد وحيد، فربما حين يتعبان من السير، يقف لتجلس هي لبرهة فوق ركبته، فلا يبدو الأمر عجيبا، ساعة تجلس بالجوار..
مقعد وحيد.. يشبهني. يجلس في انتظار المعجزات.
سـيمفونية
1- جلست علي درجة السلم الرخامية... لا يقابلها سوي شجرة عالية تلقي بظلالها علي الباب الخشبي العتيق.... وضعت أوراق الرسم علي ركبتيها... رسمت بخطوط رصاصية... خطوط أولية لذلك المنطاد الهوائي الذي سيستقلانه سويا في عيدهما الأول... بعثرت الألوان علي الدرجات الرخامية بجوارها وراحت تلونه بألوان متألقة.. أخضر بلون ذلك القميص الذي تحبه وهو يحتضن جسده.. أحمر بلون حذائها الرياضي المفضل الذي سيشاركهما الركض معا... بني.. لون عينيه التي تعشقهما...
2- جلس إلي مكتبه العتيق.. يكتب حروفهما علي وريقة بيضاء... عليها. أطلت ابتسامتها وريقته... يتذكر أول يوم التقيا فيه مصادفة.. دوما كانت الصدفة تجمعهما سويا.. لم يتدبرا يوما أمر موعد... كانت مواعيدهما معا قدرية....
تشابك حرفاهما علي الصفحة الناصعة... ابتسم
3- فضت غلاف قطعة الشيكولاتة.. تذكرت أنه شغوف بالشيكولاته مثلها.. عددت بسبابتها قطع الشيكولاتة.. واحدة اثنتان.. ثمانية... شطرت العامود إلي شطرين.. أحتفظت باحدهما له.... ضغطت الإزرار في هاتفها.. وأتاها بعد برهة صوته... ضحكا.. تبادلا القليل من الحديث... وضعت الهاتف مطمئنة.. تناولت القطعة الباقية من عامود الشيكولاتة بابتسامة رضا.
4- كان يجري في حلبة السباق... الشمس توشك علي الهبوط إلي ما خلف البنايات الضخمة... تلاحقه صورتها وشعرها الأشعث الذي تتركه بلا ترتيب حينما تبدأ في الكتابة أو الرسم أو في بعثرة شجاراتها الطفولية علي البشر.... بدأ التعب ينال منه فتسلل إلي المقاعد القريبة تاركا مجالاً أوسع لعقله ليتذكرها... تبدو مجنونة.. ويبدو مجنوناً بها.... علمته أن يخدش سطح الأوراق في غيابها بحثا عنها... أخبرته مرارا أنها جنية الأوراق.. تقطن حيث تتبعثر السطور..
أخرج ورقة صغيرة وراح  ينقش عليها عبارات قصيرة لها.....
5- كانت تصنع قالب حلوي بينما موسيقي ( ياني ) تعلو فتبدو وهي تضع المقادير وكأنها ترقص علي النغمات الهابطة والعالية للحن.... تري ماذا يفعل الآِن تناولت الكريمة المخفوقة وراحت تصنع منها ألوانا مختلفة بالشيكولاتة وبودرة المانجو التي لا تحبها لكنه يحب المانجو... ومن ثم رسمت علي قالب الحلوي أشياء تشبهه.. شمسا.. وحروفا.. وقلبا ضاربا للحمرة..
6- كاد النعاس يتسلل إلي عينيه.. لملم الأوراق التي تكدست بالحروف من أجلها... مرر عليها عينيه.. واستقبل النوم.
7- لملمت شعرها فوق رأسها... لملمت ملامحه... وابتسامته.. عينيه الصافيتين... لملمت خيالاتها... تركت النوم بغلبها.. واستقبلت الحلم..
فارس ترَجّل عن جواده
في تلك الشعيرات النائمة في ذقنه، استوطنت خطاياه.. وفي تلك النظرة التي منحني إياها، والتي منحت لواحدة أخري منذ قليل، ارتسمت عزيمته.. ينتظر بصبر غريب وقوع الفريسة.
 سيأتي.. مادا لي أصابع تتقمص دور الارتعاش.. وستنام بين أصابعي كطفل يحتمي بجدران أحد البيوت، في إحدي ليالي الشتاء الممطرة.
ستقدم لي نبضات قلبك، الآتية من ذلك النبض علي الوريد المسترخي في معصمك.. كربيع يقتحم عباءة الشتاء.. مفتشا عن زاوية صغيرة يسكنها...
ستمنحني ألف كلمة في حديث لايقال عنه قصير.. ألف كلمة ولا واحدة منها تحمل حروف اسمي، تطل من شفتيك..
سيزداد استعار الشوق لسماع اسمي من شفتيك..
هل تعرف كيف يُنطق اسمي؟ هل تريد أن تعرف ما معني اسمي؟
هل أعلمك كيف تنطقه؟
بل سأقبله كيفما كان منك..
سترفع أصابعك أثناء الحديث في الفراغ، حيث تبتعد عن أصابعي، وتشير هنا وهناك.. دون أن أنصت لأي حرف مما تقوله.. وستطلب مني الكثير والكثير، ولا يسعني إلا أن أومئ برأسي موافقة، دون أن أعرف علي ماذا أوافقك الرأي.
ستقول لي.. هل تعلمين كم هي جميلة ابتسامتك؟..
ستحدق في تلك الدماء التي ورّدَت وجنتينا.. وستبتسم أنت بدورك..
سأقول لك كيف اكتشفت تلك الزاوية الصغيرة، بجانب ذقنك التي تظهر حينما تبتسم.. ستبحث عنها مستخدما عيني مرآتك..
سترسمني كفراشة ملونة في حديثك.. وسأحلق في مساحاتك دونما قيود..
ستغلق عينيك وتمنحني نصف إيماءة.. لأُسجن أنا في عينيك، دون أن أطلب منها أن تحررني....
سيرن هاتفك الجوال وستستأذن مني، وتخطو مبتعدا عن دائرتي..
وبينما أنت تخطو مبتعدا سأظل أنا أتخيل كل ما سبق وأعلم جيدا أنك لن تأتي..
ولن تلقي أصابعك في كفي.. ولن تتحدث معي بتلك الألف كلمة التي نسجها خيالي.
 ولن تغمرني بألوانك صانعا مني فراشة ملونة.. ولن تسجنني أهدابك خلف عينيك.. ولن يطاردني حلم الموت، خلف أسوارها بغير رغبة مني في التحرر..
أعلم جيداً أنني كلما أمعنت في الاقتراب منك.. أعود لأشاركك الإمعان في الابتعاد عنك.
زيارة اضطرارية للطبيب
المحارم الورقية مكدسة فوق الفراش، الذي يبدو باردا حيث هاجر الدفء منه.... كانت تشعر في زيارتها الاضطرارية تلك، إلي الطبيب، ببرودة سماعته علي جلدها الدافئ.. منحها نصف نظرة غير مبالية وكانت علي دراية تامة أن نبضها سيخبره الحقيقة... علتها تكمن في ذلك النبض... انتظرت ما سيلي، تعليمات.. وبعض خدوش علي ورقة فارغة. ستأتي بمحتواها من أقرب صيدلية.... هناك حيث ﻻ تباع أقراص تهدئ من حبها ، وﻻ شراب للصمت... ﻻ شيء هناك يمكنه إيقاف سيل أفكارها من التدفق.....
مازال الفراش باردا بعد عودتها.. الطبيب قال ﻻ للتعرض للهواء وﻻ للأماكن الـباردة ... إذن أستنام واقفـة كما الأشجار؟!
لملمت أوراقها المتناثرة.. كلها موقعة باسمه... هي دون أن تدري ترفق اسمه بكل وريقة تملكها... ترسل له تحيات سرية مع السطور التي ﻻ يلتقيها.. هي تختزن اسمه علي علب الدواء.. بل وعلي الأقراص.. في محاولة منها للتشبث بالمعالجة به.
أدوية البرد احتلت حيزا آخر من غرفتها.. أصبحت تملك روتينا جديدا بعيدا عن روتين العمل واﻻستيقاظ قبل أن تصحو الشمس... روتينا آخر لأدوية كل بضع ساعات، غالبا لن تلتزم به
قلبها ذو النبض المرتبك أخبرها بمجيئه.. يحمل لها أدوية جديدة لن تتناولها... اتكأت علي جسدها النحيل الضعيف.. تحاول أن تقطع الخطي إليه في خطوة... رحل قبل أن تصل... لاشيء من أثر مجيئه إﻻ نعل حذائه، حيث كان واقفا، وعلبة الدواء الذي لن يشفيها كما كانت ستفعل رؤياه......
عادت حيث الفراش البارد... أزاحت كل أدوية البرد جانبا... والورق الموشوم باسمه... الطبيب أخبرها أن تبتعد عن الأماكن الباردة... لكن ﻻ مفر... مكانها الوحيد الآمن فراش بارد. ...
استلقت... تدعو النوم للقدوم، حيث ستلتقيه هناك في نقطة الحلم الدافئة، التي تملكها... لتستيقظ إلي روتين عملها بخير... حيث لن تفعل كما قال الطبيب بأن تلزم الفراش.... الطبيب ﻻ يعلم أن الغرفة باردة والفراش أيضا......
الهاتف يحمل لها أصواتهم التي تفتش عن سبب علتها.... ﻻ تمنحهم سببا... الحب. واحد من الأسباب.... تتوكأ علي صوته الآتي من الهاتف... تلتمس. منه بعض الدفء.  تكتفي، بعض الدفء سيجعلها بخير.... نعم ستصبح بخير،... لا أدوية... لا أقراص للنوم... فقط بعض الدفء... تستمده من نبرة مهتمة في صوته،  وتنام علي أمل أن تستيقظ بخير.
الرقص فوق عتبة  الغيبوبة
1- لم أخبرهم أني في رقدتي تلك كنت مدعوة للرقص.. في ذلك الحفل الغامض، الذي ﻻ أعرف من هو صاحبه وﻻ بأي مناسبة دعيت إليه... وكنت أشم أثناء رقصي، مزيجاً من عطور خشب الصندل وزنجبيل... وﻻ أنكر أني كنت سأخبرهم  لكني كنت أخشي أن يتهمونني بالجنون... أخبروني حين أفقت أني كنت صامتة كلوح خشبي... وأكاد أقسم أني كنت أنثني بين ذراعي مرافقي، كسمكة تتراقص تحت الماء... فلم أخبرهم عما اختبرته في غيبوبتي تلك... واختزنته في حقيبة ذكرياتي عند العودة.
2- رائحة البيتادين تلك، كانت تزكم أنفي.. كانت تجذبني من ذراع مرافقي، وتسحبني إلي هوة أخري... أسمع صوت الممرضات يتبادلن الحديث، عن حبيب إحداهن، الذي يأتي سرا في المساء، مستغلا كونه أحد العاملين بالمشفي... يهمس لها بكلمات هيام أثناء نومي.... ولست نائمة.. فقط أنصت لتلك الهمسات وأبتسم... وأعود إلي رقصتي بنصف ابتسامة.
3- أشعر بوخز الإبر.. آمر عقلي.. ﻻ يحرك شعرة من جسدي.. فقط نبض ما بقلبي، يزيد ، خارجا عن سيطرتي.... قررت أن أذهب في جولتي داخل عقلي وحدي.... آثرت  الصمت كلوح الثلج.... لم أختبر ذلك منذ أعوام طوال.. يأتي الطبيب مرة واحدة كل صباح، ويزورني سواه في المساء... يمنحني أسماء أقراص جديدة.... وما زال وخز الإبر يغزو جسدي وأنا في استرخائي... لماذا يزعجونني كل مساء؟
4- كان عليّ أن أبدو أكثر تألقا ذاك الصباح... أحتاج الجلوس علي حافة الروح، أتناول قدحا من الشاي، الغارق في نهر النعناع.. أشعر بيد ناعمة تمشط شعري... لم أخبرهم بأني أحبه منسدلا ببعض حليات ملونة فيه.. ربما لأنهم لم يروه أبدا منسدلا... لم يعد الأمر مهما... مذاق الشاي الساخن بلفحات الهواء الباردة، الآتية من نافذة القلب أكثر أهمية من ذلك الأمر.
5- كان ﻻبد من إفاقة... نصف إفاقة إن كنت أرجو الدقة.. حيث أمنح لعقلي فترة نقاهة يستريح فيها من كل التفاصيل المزعجة... ﻻبد من مساحة أقل لليقظة... حيث علي اﻻرض، يبدو كل شيء مدعاة للقلق.. للألم، ولمزيد من الوجع أحيانا.. علي العقل أن يقف برهة.. ليتمكن من المسير مجددا.... الرقصة علي عتبة الروح مستمرة... بينما رائحة العطر الغامضة، التي ينشرونها علي جسدي كل بضع دقائق، تعيدني إلي الواقع رغما عني... مازلت أود استكمال الرقص... والزهو بثوبي الأخضر قصير الأكمام ذاك.. وبشعري الأسود الناعم، بينما ينساب علي كتفي وأنا أتراقص. صوت الطبيب العالي يفقد الرقص متعته.
6- صوتك.. لم يفارقني، وأصواتهم. كانوا هنا فوق عتبة الروح، معي يرتشفون القهوة ويتضاحكون.. يؤنسون القلب بضحكاتهم... وكنت بينما أتراقص ألقي لهم بالتحية... وأخبرهم أن العزف سيتوقف قريبا وسأجلس بقربهم، أرتشف قهوتي الصباحية، في شرفة تلك الشقة، التي أسسناها سويا... أخبرتهم دون أن ينتبهوا أني قريبا سأعود، لأنتقي ثوب الزفاف، وبدلة العرس. الرقصة علي وشك اﻻنتهاء، والطبيب الذي حقن كل المستحضرات الطبية في جسدي، يتعمد إيقاظي، غير مبال أني نائمة،  وكم تعلم أني أكره أن يوقظني شخص ما من نومي. حين أستيقظ سأصب عليه غضبي.
7- الثرثرة المحببة... واحتضان الكف وعناق الأنامل، ذاك الذي أحصل عليه منهم، بالتوإلي كل إشراقة شمس.... والدمعات القلقة فوق رأسي.. إحساس المحارم المبللة، وهي تدور فوق ملامحي. تفاصيل رتبتها جيدا،  في أرفف الذاكرة، بعيدا عن الأعين الفضولية.
8- أعد لنا وجبة أحبها.. ومقعدين... بل كثيراً من المقاعد، وأجمع كل من أحبهم... فحين تنتهي الرقصة سأخبركم بكل شيء..
قل لي ولو كذبا
علي الشاشة أمامي أطلت صورتك، تلمستها بأصابعي وكأنني أبغي تلمس بعض الدفء فيها.. تخيلتها تبتسم لي وحدي وفجأة رأيتها تبتسم.. توردت وجنتاي، سحبت أصابعي بسرعة إلي جانبي وأسرعت إلي دولابي العتيق أتناول منه وشاحاً ألقيته علي ذراعي المكشوفتين
تصورت هاتين العينين الآتيتين من شاشة حاسوبي تراقباني عدت إلي مقعدي الجلدي دققت النظر
الصورة ساكنة لا روح فيها. سحبت وشاحي وألقيته علي الفراش القريب..  
حررت شعري من عقدته ورحت أكتب في الصفحة البيضاء كلمات ما خرجت لاحد سواك.  
أحبك.. ما بها كلمة ترجني رجا، تبعثر محتويات غرفتي وتقلبها إلي ملاه، واراك بجواري  تشاطرني ضحكاتي الطفولية العابثة. تتشبث بيدي وكأنني سأضيع منك. تخطو معي تجاه الأرجوحة ذات السلاسل. ترفعني وتضعني بكل اهتمام علي المقعد المتأرجح. تراقبها وهي تأخذني بعيدا عنك وتدور بي.  تتعلق بك عيناي ورغم سعادتي، أشعر بالدمع يغزو عيني أكره أن نفترق ولو لثوان، حينما تقف الأرجوحة. أسارع بالهبوط لألقي نفسي بين ذراعيك. 
هاهنا ياسيدي موطني، بين ذراعيك. في عطرك أذوب وأتلاشي، حتي أصبح ذرات غير مرئية، ذرات تختفي تدريجيا، لتعود لتتجسد ذاتي، في تلك الغرفة وأمام تلك الشاشة الساكنة.  
أعود أنا لأتطلع لصورتك، المنبثقة منها وشفتاي ما زالتا تتمتم..  »‬ أحبك »..    
وأنت مازلت في سكونك، فوق الشاشة الصماء، لا تهمس لي..  »‬وأنا أيضا أحبك»
فوضي أقل أم أكثر؟
روتين
كانت تجلس كما الأ؟طفال، في تلك الجلسة التي اعتادتها كثيرا منذ صغرها... متربعة علي فراشها. تحدق إلي الجدار امامها. هي لا تبكي غالبا. ،. تحاول طيلة الوقت استبدال البكاء بالضحك... لا تحاول أن تنبش في توابيت الحزن، أو البحث عن أشياء مفقودة... كانت تجلس الآن وهي تراقب ظلاً اًيعلو ويهبط علي الجدار.. لا تحاول استكشاف مصدره... لم تنهض لإضاءة النور، ولا لرفع صوت فيروز الخفيض، الآتي من حاسوبها الصغير.  
.. تبدو كمن تثلجت أطرافه.. لم تخبره أنها هكذا منذ كانت طفلة.. كل ما يخيفها يبعث في قلبها الصمت والرعشة في أوصالها، والبرد في أطرافها، فتبدو في جلستها الصامتة، كالموتي في القبور.
خذلان
 هي لم تنم منذ يومين... لم تخذل أحداً من قبل... ولم تعط يوما لأحلامها أهمية قصوي.. كانت تنتظر من الشمس أن تهبها أحلامها، وكانت تسأل السحاب عن موعدها.. لكن لم تلح أبدا في الحصول عليها... لم تنم منذ يومين، وتبدو كدمية قطعت خيوطها... في المساء قد تحمل حقائب لحلم حيث جلبتها... وستفرغها... وتطلب من المحيط أن يحملها بعيدا، وأن يأتيها بها تباعا.. لن تتعجل الأحلام مجددا.. وقد تطلب منه أن يغفر لها خذلانها له.... خيبت ظنه.. هي تعلم ذلك.. ولن تفعل مجددا... هكذا وعدت..
حنين
 كانت تحاول أن تفرغ أدراج القلب من محتوياتها، علي الأرضية الملساء للواقع.. اشتاقت لأبيها.. هي حقا تفعل.. تشتاق إلي ذلك الشريك، الذي منحها كل تلك الشظايا العالقة بقلبها... لن يأتي يوما ليلقي عليها التحية، ولن يكون هنا إن هي أرادت كتفا للبكاء... بعثرت كل تفاصيل قلبها.... صورا وكتابات وضحكات وبكاء.... ونساء متشحات بالسواد يبكين رحيله الا هي.. لم تبكه... أيام طوال ولا تبك.. ولا تبال، إلي لومهم لها.. هي لن تبكيه خوفا من ملام.. ستبكيه منفردة في حجرة يفتقدها الضوء.
ضجيج
 الضجيج بالخارج يصنع حاجزا مابين عقلها وكل الأشياء.... ولكن بداخلها ليس أقل ضجيجا.. يبدو الضجيج بالداخل أكثر عمقا.... أكثر وطأة وألما.... يبدو حادا علي ذلك القلب ويبدو القلب هشا في زاويته البعيدة، حيث ينزوي في ركن من الجسد، يحاول أن يبقي هادئا لكن الضجيج لا يبالي...
 فوضي
 لم تتعلم يوما ترتيب الألم حسب قوته كمقاييس الزلازل، التي تهز الكون.... تعلمت فقط أن أكوام الآلام في جعبة واحدة.. لا تعالجها.. تبقيها بجانبها تجنبا للصدام... لم تتعلم أن ترتب التفاصيل أو المقاييس... أو حتي الدموع حينما تنهمر... كل شيء يبدو فوضويا... أحلامها.. أحزانها.. حتي حبها له، يبدو فوضويا مثل  ترتيب. تفاصيلها. يخالف الواقع..... خيالها أن تفعل كما تقول أمها دوما.. رتبي الفوضي.. رتبي الفوضي.
 حب
أحيانا نري الأمور بمقاييس القلب، تلك التي لا تقيس شيئا يشبه الواقع.. تمنحه كما القصص الخرافية بعدا آخرا... تزيده اتساعا.. وكان هو أحد المقاييس التي لم تعيده لواقعها... بل منحتها مقاييس أخري.. أحبته.. في نقطة قصوي من العقل.... ارتجلت كلماتها لأجله وتراقصت معه تحت أمطار ملونة في زمن آخر.. لكن الواقع لا يبدو مألوفا لدي العشاق.... الواقع فوضي أخري علينا التعايش معها.
يوميات مزعجة... لفتاة تغزوها الفوضي
1- تكورت علي نفسها وقد احتضنت ساقيها، مرتكنة بذقنها إلي ركبتيها... مابال تلك الفوضي التي تحتلها بلا ترتيب.. ذكريات ووجوه قد بهتت ألوان ملامحها،  وأخري تتوهج بقوة في واجهة ذاكرتها.. وطن...
تحتاج إلي وطن.. غير ذلك الذي ثاروا من أجله،  في ميدان ازدحم بهويات ولغات وقيم ومبادئ شتي.. تحتاج إلي وطن آخر،  تثور من أجله وحدها،  في ميدان لا يرفع فيه الشعارات سواها.. تبدو بلا وطن..
تبدو وكأن أحدهم سرق منها وطنها... سرق منها شوارعها العتيقة، وذلك المقعد الهزاز وكتبها التي اهترأت من كثرة تجوالها عليها.. تبدو وكأن أحدهم قد تسلل ليلا خلسة وسرق منها زحام الشوارع، الذي يضج في دمها والفتيات ذوات الشرائط الحمراء، اللاتي يتقافزن في ماضيها وسنابل القمح، التي كانت تقف مختاله في حقول أحلامها.... وتحف صنعتها بيديها حينما أحبت ، وأسماء قد حفرتها علي جذوع الأشجار فاستطالت، حينما نمت تلك الجذوع... تبدو وكأن أحدهم قد استباح لنفسه، وأد ثورتها ووأد كل الهتافات في حنجرتها... وكأن هناك من طاوعه قلبه، علي إتلاف مذاق البن المحوج باللبن فوق شفتيها،  ومحا بخار الثلج من فوق نوافذها الشتوية، كي لا تكتب أسماء أخري فوقها.... أحدهم أقدم علي الاستيلاء علي أوطانها وتركها مهاجرة غير شرعية في بلد غريب لا تفقه له لغة.
2-جلست إلي مكتبها صباحا تتحايل علي السحابات كي تزورها، دون أن تمنح دعوة للشمس بالولوج إلي غرفتها.. الشمس ضيف ثقيل يزعجها.. ترتدي ذلك البنطال الكحلي، وتلك البلوزة الخضراء.. ترسم بقلم الكحل بستاناً أخضر في عينيها، وحلما يتسلق نوافذ العشق ويطرقها برفق،  ويقف منتظرا الإذن بالدخول... تنتقي الأشياء التي ستسكن حقيبتها اليوم.. قلم رصاص.. رواية لم نتنه منها بعد.. حافظة نقودها، وبعض أحلام معقدة ستحاول فك عقدها حينما يتسني لها الوقت لذلك... بقايا حلوي.. أوراق للرسم.. عبوة قهوة قد تحتاجها.. ومساحات فارغة، قد تملؤها زهورا وأحلاما وضحكات وحنيناً وعشقاً، إذا ما واتتها الفرصة..
تتناول رشفة أخيرة من كوب قهوتها، وتسحب مفاتيحها من فوق مكتبها، وتمنح قبلة خانقة لذلك القط المشاكس ، القابع علي باب غرفتها ، وتضع سماعات هاتفها في أذنيها تاركة صوت فيروز يلقي بتحية صباحية، علي أذنيها وعلي باب شقتها. ترتدي حذاءها الرياضي وتترك علي الباب دعواتها، لصباح.. مشرقة معلقة كباقة زهر لم ترسل بعد.
3- علي بعد غيمة سكنت هي.. كانت تتحرك بخفة.. احتجزت يديها في جيبي بنطالها... الطريق إلي عملها يبدو قريبا، بخطوات كثيرة... تعلقت عيناها بتلك الغيمة التي ترافقها.. أخرجت يدها اليمني ووضعتها علي شفتيها، لترسل لها قبلة ونصف ابتسامة... هي فتاة تسكن السحابات وتخطو برفقة الرعد، لتضربك بقوة البرق... تستكين في غفوتك.. وتستفيق في مواسم العشق الممنوع.
الشجيرات تحمل لها كما نشرات الطقس، نبأ قصص ستكتبها في أمزجة معتدلة، أو في فصول يشتد بها البرد والغضب.. تخبرها شجرة التوت النائية، أنها ستصنع من بطل روايتها مليكا لبلاد أندلسية، سيعشق فتاة غجرية تملك في شعرها مفاتيح غرناطة.. وفي قلبها اساطيل الفرس... ستدك حصونه وتجتاحه في غفوة منه.... هي منه علي بعد غيمة.. غيمة واحدة.. قد تمطر شتاء علي شجيرات الصفصاف والتوت... تستفيق من خيالاتها، وتترك علي الأشجار أبطال روايتها ، تحاول ألا تتمايل مع النغمات الآتية من سماعات الأذن... لكنها لا تمنع ذراعيها من الاتساع، وكأنها تحتضن العالم بينهما.. وتبتسم... هي حقا تمتلك العالم في كون ورقي ملكها وحدها... لهذا تردد لنفسها دوما.. كوني سعيدة.
 4- لا تقرأني... حينما فكرت أن تمنحه تلك الرواية، التي أوشكت هي علي الانتهاء من قراءتها، فكرت أن تقول له لا تقرأني.. أن تخبره ألا يقرأ تلك السطور، التي قد خطت بالقلم أسفلها.. وألا يقرأ تلك السطور الهامشية، التي تحتل جوانب الصفحات.. فكرت  أن تخبره أن يقرأ الرواية فقط.. ربما كانت تخشي أن يقرأها.. فهي تحتل هوامش السطور.. أو ربما أرادت أن تمنحه فرصة ليقرأها،  وكأن لسان حالها يرجوه اقرأني، فها هنا أنا علي تلك الهوامش، حيث اخترت تلك الجمل دون غيرها.. هي التي اختارت ذلك الجزء الذي يقول (اننا لا نرسم بالضرورة ما نري، وانما ما رأيناه يوما.. ونخاف ألا نراه بعد ذلك أبدا) وكتبت في هوامشها: لهذا رسمتك... هي أوشكت أن تمنحه فرصة قراءتها، ولكنها تعرف مسبقا أنه لا يجيد القراءة بالعربية... فتراجعت عن رغبتها، وفضلت ألا تنتهي من قراءة الرواية الآن.. عساه حينما تنهيها، يكون قد أتقن قليلا من اللغة.. أو حينها ربما يكون قد أتقن قراءتها.
5- ستلقاك في ربيع منصرم.. حيث كانت قد ظنت أنك أرسلت لها تلك الوردة،  التي طارت من يدك.. ستلقاك في ربيع ماض، حيث كانت الأشجار مثقلة بالنوار الأبيض، الذي تعشق هي رائحته، حيث اخبرتك مرة في لحظة نسيان منك، أنها تري في الربيع موسم تفتحها كزهرة برية... ستضرب لها موعدا عند ممر مائي ضيق، يروي تلك الأرض الزراعية الرابضة، بجوار ذلك الحي القديم.. وستذهب هي لموعدها الأول كفتاة مراهقة، تسقط في وله العشق لأول مرة... وعلي غصن بعيد تقف طيور ملونة،  تبارك لقاءكما... في ربيع منصرم، ستحمل لها خبرا بالحب الذي اعتراك، وستقف كالبلهاء، تنصت للخبر بعيون محدِقة، وشفاه مفتوحة كالأسماك... ولن يتسني لك أن تهديها،  تلك الأغنية الموجعة، كوخز الإبر... رائحة العشب المبلل وعطرك وحنينها الدبق إليك، سيعاودانها في ربيع منصرم، لايأتي أبدا، هكذا كتبت في أوراقها بالأمس.
يوم مجنون ومميز في يوميات فتاة مجنونة
كانت تقف علي مقعد الطاولة.. تمرر بقماشة مبللة علي الحائط. تمحو غباراً يقف حائلا بينه وبين لون الحائط المشمشي... تمد جسدها تحاول الوصول لأبعد نقطة.. تدندن مع صوت فيروز.. وتتمايل علي صوتها، فيميل معها حلم فتاة ذهبية يسكنها.... تراقبها مروحة السقف. تنظر لها هي بدورها نظرة مبتسمة.. وتقفز فوق الطاولة وتمر فوق أطراف المروحة.. تمحو ماعلق بها من تراب.. تقطر أطرافها فتمد يدها وتمحو دمعاتها.. لا تبكي.. سأجعلك اليوم متأنقة من أجل نسمات الهواء التي تعانقك، وحينما انتهت منحتها ابتسامة أخري، وقفزت إلي الأرض، لتكمل ما بقي من أعمالها المنزلية... منحت الأبواب ثيابا ناصعة.. ونوافذ المنزل بدت أكثر إشراقا.. صوتها متخم بالحماس. ...
رصت أحذيتها برفق في مأواهما الخشبي،  وراحت تنسج حوارا مع صندالها الجلدي الاسود، بينما كان يسألها عن سبب كثرة مرافقته لها.. (أنا أبدو بك أجمل.. ومعك أكون أكثر أمانا)..
غار حذاؤها الأخضر من حديثها.. فسألها وماذا عني؟فربتت عليه وقالت لا تقلق.. لك مكانتك عندي.. فأنا فتاة تعشق اللون الأخضر... لذا فلك جزء من عشقي.
 في صوان ملابسها نشبت مشاجرة بين أثوابها.. كلهن تتدافع، ظنا منه أنها تختار منه لارتدائه.. ضحكت هي وفضت المشاجرة.. لست في طريقي لأي مكان.. لدي يوم حافل بالعمل هنا.
الأرضية الملساء حملت جسدها النحيل وهي تتراقص علي الأرضية المبللة... تحاول دفع الماء، كي تجف الأرضية.. لكنها تمتعت بالتقافز مرارا عليها وهي مبللة... كان أثاث المنزل يتبعها بنظراته.. دعت وسادات فراشها لرقصتها المميزة.. لكنهن انتابهن الخجل.. ولم تمانع حينما شاركها قطها الرقص... كانت تضحك وتبتسم وتتمايل وتعمل.. كان يومها مميزا.. وفي المساء مثل سندريلا غلبها النعاس، وعند حلول منتصف الليل لن يوجد موسيقي مميزة، ولا فارس وسيم، ولن تركض من حفلة صاخبة علي أدراج ملساء، ولن يوجد حذاء بلوري.. فقط ستبقي هي برفقة أثاث منزلها الأصم.. تحاول بعث الحياة فيه بضحكاتها.
محاولة للنوم بلا أحلام.. بعيداً عن طرقات ملونة بالموت
استلقت علي فراشها وهي ترتب بعناية الأحلام تحت وسادتها، وتربت عليهما بكفها النحيل، ترجوها ألا تتسلل إلي عقلها هذه الليلة.... تود أن تنام مطمئنة لليلة واحدة، بلا أحلام تحمل لها وجهه وعينيه.. بلا كوابيس مزعجة عن فراقهما... لا تريد شيئا هذه الليلة سوي أن تنام.
ودت لو هاتفت صديقها لتطلب منه ان يعيرها الليله ذراعه... ووسادة من سحاب وفراش من قمر... ستسأله عن دواء يحمل لها نوما بلا أحلام... أو عقارات هلوسة يمكنها فيها أن تري ماتشاء.... هي الليلة تبحث عن نوم خال من وجوههم التي لا تنفك تطاردها.. لم تخبر صديقها أنها باتت تراهم كل ليلة في نومها.. وقد يتهمها بالجنون إن قالت له إنها كانت تبحث عن أشلاء ماضيهم في الطرقات التي  زارئها مؤخرا فلم تجد من بقاياهم شيئا.. حتي خفقات قلبها التي ظنتها ستعلو وتفضحها حينما تمر قرب الباب الذي فتح لها  رزمًا من الأحلام والكوابيس التي لم تعد تحتملها.. لم تخفق..
 كانت تبحث عنه خلف الباب المظلم، كطفل يبحث عن شبح أوهموه به في صغره. لم تعد الطرقات تحمل العطر الذي أحبته، ولا الملامح التي تركتها هنا.. لم تعد تنبت الزهور في الحديقة التي قتلوها وأعدموا زهورها... حتي ألوان الجدران يا صديق باتت باهتة كلون القبور.... الدرج الذي كانت ترتقيه كفراشة تعلو وتعلو، حتي تكاد تطير لتلامس السحاب. بات عجوزا واهنا يئن تحت ثقل مرتقيه.... الجدران أخبرتها يا صديق عن وجعها، وسمعت بكاءها، والأبواب لم تعد تعشق مقابضها.. ولا المفاتيح لم تعد تنسج الحكايا عن الأقفال، ولم تعد تحلم بلحظة يتعانقان فيها سويا..... فناجين القهوة هناك، لم يعد السكر يحمل لها مذاقا أفضل.. تبدو مريرة بمذاق لاذع... يطل الصمت المؤلم من جدرانها الخزفية... هناك بات كل شيء يشبه أحلامها، التي لم تعد تريدها الليلة.. كل شيء يبدو شاحبا كالأموات... بلون أصفر باهت كلون الموت، حين يقف بأبواب المرضي ويقتحمها بلا استئذان..... كان كل شيء هناك مقبضا وكئيبا كل شيء. لم يعد يخفق له قلبها الغض... الذي ولد هناك.... لم تعرف ان كان هو أصبح مثل هذه الأشياء مقبضاً وكئيباً.. لم تره لتكتشف إن كان كفه قد صار مِعبَراً للموت أيضا أم للحياة... لم تلتقه لتسأل عينيه. عما رأته هناك، ولم تعرف منها أن كان هو أيضا أصبح واحداً من موتي كثيرين، يسيرون هناك علي أقدامهم في طرقات ميتة.... لم تلتقية وخافت كثيرا أن تلتقيه... وصلّت كثيراً ألا تلتقيه.. خافت يا صديق ان تري الأسطورة التي نسجتها وحدها، تتحول إلي قصة عن أشباح، كتلك التي يخيفون بها الأطفال الصغار.. خافت أن تري ملامح أخري قد احتلت ملامحه، التي زرعتها زهور وفراشات... ورغم خوفها ودت لو تلتقيه.. فربما تجد فيه بعض من حياة، تعزيها عن صمت الموت المخيم علي المكان ذاك، الليلة هي لا تود أن تطاردها وجوههم ووجهه في أحلامها... تود ان تنام كالأطفال هانئة لليل... تود أن تمد رأسها علي ذراع صديق وتتدفأ بأنفاسه لليل.. تود ان تغمض عينيها بلا خوف، وأن تصحو بلا فزع لليلة.. شهور من النوم المؤرق للمضاجع، قد قاسته وحدها.. والليلة تعرف جيدا، أن أشباحهم تقف علي أعتاب عقلها. تتربص بها.... وحالما نامت سيهاجمونها بلا رحمة... وعيناه ستنتظرها،  في الرواق المظلم ليكمل ما بدأته الأشباح... نظرت إلي أسفل وسادتها، وأعادت ترتيب أحلامها وكوابيسها جيدا... تأكدت من سجن ملامحهم أسفل الوسادة... اعتذرت من عينيه... أحكمت الوسادة فوقهم ونامت علي ذراع صديق، منحها ذراعه دون أن يكون هنا.
ضجيج
1- حسنا ما الفائدة من مغالطة نفسي.. لا لست بخير.. نعم مازلت أضحك وأهز الأرجاء بضحكاتي، بينما في داخلي طفلة مذعورة، تترك باب غرفتها مواربا عسي، أن يتسلل إليها بعض الدفء من الغرف المجاورة.
حسنا لست بخير.
.. مازلت أميل إلي عبد الناصر وأصنع من جيفارا رفيقا لأحلامي الليلية، حيث يكون بإمكاني هناك أن أخلع عليه أي لقب. هناك في نقطة الوهم البعيدة أفتقدك؟نعم أحيانا.. حين تقع بين يدي بدون قصد، إحدي قصاصات كتبتها يوما عنك
... أو خطوط لوجهك تركتها لي غير مكتملة، ساحباً منها تفاصيلك التي أحبها.....
حسنا لست بخير..
هناك نقطة فارغة في قلبي، لملمت منها كل أشيائك، وتركتني دون أن تعي حجم الذنب الذي اقترفته بحقي.. وفي طيات الأشياء التي لملمتها، لمملت أشيائي وبقي قلبي فارغا... يملؤه بعض أناس يتحاشون العبور إلي الهوة التي خلفتها وراءك... حسنا لست بخير.. لم أعد أبكي.. فقط جف الدمع.. بكيت آخر مخزون لدي منه حينما صدمتني السيارة، تاركة بقايا حلمي مكسورا علي الطريق... فقط يومها بكيت ألما ووجعا وكمدا، وككل المناسبات التي مرت لم تكن أنت هنا.. كان هناك آخرون،  يحاولون ضمي بدون ذراعين..
2-  أسير في الطريق إلي عملي  بخطوات عسكرية.. أتجاهل الفناء المزدحم بالحيوانات.. أبتسم لكلب يرقد باسطا ذراعيه علي جانب الممر،  المؤدي إلي عملي. يبدو المكان بعيدا كل البعد عن التفاصيل التي أتذكرها... بعيدا عن كل الأماكن التي قد تناسبني... عملي السابق كان محفوفاً بالأشجار،  وأيضا كلب كان يصادفني كل صباح.. يلقي عليّ التحية في نباح هادئ.. الآن أسير وتفاصيلي  تتساقط يوما بعد يوم... قريبا.. لن يصبح لديّ شيء لأتذكره.
3- قررت فجأه أن أتناول قهوتي في ذلك القدح الذي أهديتني إياه، ولم تهدني معه وردة بنفسجية... قررت أن أتناول قهوتي مع تفاصيلك اليوم، لعلني أستعيد بعض السكون بك في ضجيج تفاصيلي.. كان حبك أشجاراً خريفية، لم تمنحني الظل يوما... كانت أغصانه خريفية علي الدوام، لا يكسوها الربيع بأوراقه.. لم تمنحني قليلا من الظل يقي جسدي النحيل، حرارة الانصهار في حب يتيم.
4- يسير ببطء.. يلقي بتفاصيل أوجاعه في قلبي... يبتسم بينما تواري عيناه ألما يوجعني... أسير بجواره بثقة... بإحساس تام بالأمان... نتبادل حديثا عن أشياء، ربما لم يقتسمها معنا أحد من قبل.. هناك دم واحد يسير في عروقنا.. يضج بنفس الطبع الحاد... جميل أن تجد فجأة أشخاصاً فقدتهم علي طريق الماضي، رغما عنك،  فتلقاهم في منتصف الطريق مصادفة، ويتذكرونك وكأنه لم تسقط بينكم سنوات وسنوات.... كان يبدو كأناس أعرفهم.. يحمل نفس العينين ونفس الحزن فيهما... يحمل نفس الضحكة، التي رأيتها علي شفاه شخص رحل.... ليست كل الأيام سيئة، بل هناك أيام تحمل لنا أمواج سعادة، من حيث لا ندري... وليست كل الخسارات سيئة، بل ربما قد تحمل لنا يوما تلك الخسارات مكاسب أكبر.
تفاصيل عبثية..
مُغلفة  بالدهشة
كنت أبدو كصفحة بيضاء بلا سطور.. خاوية.. هكذا أنا أصبحت صفحات خاوية، لا حروف فيها.... تركتها تحكي عنه، وكأنه قصة حبها الأول والأخير... لم تتسلل الغيرة إلي قلبي كعادتي، فقد أيقنت أنه لم يكن لي ولن يكون لها ولا لسوانا.. هو فقط أسير لقصة مضت... ذبحني بها ومضي.... ظلت في حكيها عنه... كم هو رائع كم هو مدهش... وراحت تسرد علي مسامعي تفاصيل يومه، التي أعرفها دون أن يخبرني بها أحد، حتي هو.. نفس التفاصيل التي تطاردني، وكأنني أملك بلورة مسحورة لا تري سواه..
.. لم أندهش لكم التفاصيل التي تملكها عنه... هو يتخذها متكأ لأوجاعه في مرضه، وهي تتخذه ظهرا تحتمي به بعد عودته... كلاهما يبحث عن مصلحة لدي الآخر....
تخبرني أنه يحدثها برقة... وأنها لا تنتظر منه مصلحة... سئمت من ألاعيب الفتيات وسئمت من حماقاته.. ما همي إن حدثها وما همي إن فاض عليها برقته، التي لا أعرفها.... (خليكي ف حالك)هكذا أخبرت نفسي..
ألا تعرفين أخباره؟ طرحت سؤالها في خبث أعرفه جيدا... أومأت برأسي ان نعم.. فاستطردت لماذا؟..
.. حسنا لقد اطمأننت  علي أخباره منك
*إذن لا تتصلين به؟
لا أفعل..
*ولمَ؟؟
لأنه ثار بوجهي آخر مره، حاولت الاطمئنان عليه... كانت إجابتي نصف كاذبة.. بعضها يحمل بعض الحقيقة، ما من سبب أحاول الاحتفاظ به لنفسي، فراحت هي تخبرني أنه يحدثها كل يوم.. وكيف أنه خرج بالأمس منذ مدة طويلة لم يخرج فيها.
.. وإلي أين ذهب وماذا فعل.. ومن يزوره ومن يتصل به.. وكيف يقضي وقته، وكيف أنه بدأ العلاج، ومن يشرف علي علاجه.. تفاصيل دقيقة..
.. أخبرتني وأنا أحاول أن أترك صوت فيروز يغسلني من غضبي.. لست غاضبة منها بل من حماقاته... (انتي اللي غبية) حقا.. هي معها حق.. تخبرني أنه يحدثها برقة وحنان، بينما تخبرني أنه يتعامل معها هكذا، لأنها لا تملك مصلحة من وراء السؤال عنه، بينما أنا أذكر كيف كان يثور بوجهي، كلما اتصلت، فإذا بها تبرر لي ذلك، بأنني فتاة تجري وراء مصلحتها.... ضحكت جدا بسخرية مني..
أخبرتني أنه قال عني إنني فتاة غبية.. آلمتني العبارة.. لكنها لم تصل إلي قلبي (أنا أخدت علي الوجع منه)... قالت إنه يقول لي  إني غبية لأنني حساسة.. لا أمنحه أعذارا.. (المرة دي ضحكت جدا بس بصوت عال)لقد كان غبائي الأكبر سيدي، أنني منحتك أعذارا أكثر مما تستحق..
(آخرها بيقول للغرب إنك غبية.. تستاهلي)كان صوت فيروز يحاول قمع معاناتي. (بناديلك يا حبيبي مابتسمعلي ندا.. ولا التلات القريبة بترجعلي الصدا كأنك ماحدا ضايع بها المدي)....
نعم أنت مجرد صوت ضائع مني في جنبات الحنين....
حديثك الدائم مع الحمقاوات أمثالك (اللهم اني صايمة) يحمل دوما طرقا للحديث عني، لأنتهي بين سطورك مُهانة بعبارة إني غبية.....
إعلان (........) يحمل فرصة (بقول شكراً.. فهل لي أن أضع رقمك بين نجمة وشباك ليصلك شكري؟)
ما أتعجبه حقا أنها تأتي لتبحث عني، لتخبرني ما لا أود سماعه... تجلس مع الكثيرات غيري، وتوزع عليهن تفاصيل حكاياكم، بينما تختصني بالتفاصيل الاكثر دقه... (أنا بس مش عارفة اشمعني أنا اللي تفاصيلك بتدور عليها ؟؟)
لا تمل من الحديث عنك معي.. بينما أحاول التهرب منها... لا تخجل من القول للجميع أنك بخير، وتشكرهم علي سؤالهم، وتحث من لم يسألوا عنك، علي الاتصال بك وكأنها منوطة بفعل ذلك (مش هستغرب.. حقها تعمل كده).. أردت أخبارك شيئا واحدا (لم تفاصيلك بعيد عني...) وغداً تعلم مدي حماقتك... فأنا تلك الغبية، التي كانت تحتمل الألم من أجلك، ولم أكن أبغي شيئا صرت غبية، أستحق أسوأ معاملة (عشان أنا مصلحجية حسب كلامها) بينما هي (بتتشعبط فيك وأنا عارفة ليه) أصبحت ملاكًا حارسًا، من الآخر أنا فعلا غبية.. لكن  بدأت أنمي معدل ذكائي.
كتابة غير متعمدة
كان صوت حليم يأتي منفردا، وكأنه آت من قاع كهف بعيد.. ( ومين ينسي ومين يقدر ف يوم ينسي شعاع أول شرارة حب.. ونظرة من بعيد لبعيد تقول حبيت.. ورمش يقول غلبني الحب غلبني.. ومين ينسي ومين يقدر ف يوم ينسي.. ليالي الشوق ولا نارها وحلاوتها ولا اول سلام بالايد ولا المواعيد ولهفتها.. ولا ننسي ولانقدر ف يوم ننسي حبايبنا أعز الناس)..
هنا سيدي توقفت طويلا وقد توقفت أصابعي تسمرت عن الشيء الذي كنت أقوم به.. وكأني تمثال من شمع في متحف قديم.... لقد تذكرت أننا أبدا لم تلتق أصابعنا.. لم يكن بيننا سلام، تنفرد فيه أصابعنا بعناق دافئ.. ولم نعط يوماً لقلوبنا موعداً للقاء، نظل في ترقب حتي يأتي.... تذكرت أننا لم يكن بيننا أبدا لقاء... وأن كل المواعيد التي بت أرسمها وحدي، وأخطط لما قد أرتديه فيها، كانت كلها مواعيد وهمية كتبتها في مذكراتي عسي يوما أن  تأتي.
تذكرت أن أصابعنا لم تلتق سوي مرة واحدة في مصادفة لم تكن بالحسبان، حينما أرتطمت، دون تعمد، وسارع كل منا بسحب أصابعه بعيدا..
تذكرت سيدي أننا لم نكن أبدا أحباء، وكنت أنا دوما الرسامة، التي رسمت ملامح حبيبها الخيالي، الذي يقطن أوراقها علي وجهك،. في حيلة منها لتنصيبك حبيبا، لم تكن أبدا تصلح لمنصبه... فكيف بالله عليك نصبتك فرشاتي حبيبا؟ وقلبك مع تلك التي لا تنسي أبدا... ؟
لا أنتظر اجابة فكما كتبت بالأمس علي صفحتي.. أحيانا أسأل لكي أتواصل وليس لأني أنتظر الإجابة..
عامان سيدي وأنا رسامة مجهولة، تتجول بفرشاتها علي ملامحك، تبحث عن وطن مفقود.. عن القارة الغارقة التي لم يكتشفها أحد.. عامان من العذاب المنفرد.. عامان أحلم وحدي بلوحة مكتملة.....
رسامة فاشلة.. هكذا كنت أنا... فكيف أرسم علي وجه الماء... علي وجهك ذاك البحر الذي لا يذكر نقشا؟
قل عني رسامة حمقاء وكاتبة غبية.. كتبت عنك لعامين دون أن تخجل... وهي لا تعي أنك مجرد خيال، لم يكن بينها وبينك أبدا لقاء... وأنك كنت طيلة العامين الغائب الحاضر... حاضر علي أوراقها غائب عنها.. قلبك مع تلك غير المنسية.. وقلبي كنت أظنه معك، لأجد أن قلبي كان مرتكنا طيلة العامين، إلي ذلك الحائط القديم من الخيال.. حائط مقام بيني وبينك.. من ذكرياتك معها... قلبي كان مستندا إليه.. وكنت أنا أظنك تأويه..
لا يلومنني أحد علي كلماتي، فلم أتعمد الكتابة اليوم.. صوت حليم هو من دفعني إليها دفعا... يغني أعز الناس حبايبنا.. ولكننا لسنا أعز الناس بالنسبة لهم.. أخرجني من صمتي... وكنت قد قررت أن أرتكن إلي الصمت.
في ذاكرة هاتفي الجديد لم أسجل أرقام من كنت أظنهم يوما أحبائي وأصدقائي.. ذاكرة هاتفي الجديد تحمل أرقاما بلا مشاعر... وقداحتفظت بك معها في هاتفي القديم... حيث كل شيء يبدو شمعيا. ينصهر ببطء تحت وطأة الانتظار.. ويوما ما سيمحي..  
كانت صديقتي تقول إنني صديقة سيئة.. وان إختياراتي سيئة.. هي ليست بأفضل منك حالا.. كانت هي الأخري لوحة غير مكتملة، حاولت أن أرسمها وفشلت.. لا أخجل من الفشل، فكلنا لنا عثراتنا التي لا حيلة لنا فيها..
هي الأخري لا تقطن ذاكرة هاتفي الجديد... لقد اشتريت هاتفا جديدا بذاكرة جديدة، كي يسجل علي سجلاته أحاديث جديدة، لأشخاص جدد، لا تربطني بهم مشاعر.. كي لا أقف كما أقف الآن، أنصت إلي أعز الناس وأتساءل كيف كانوا أعز الناس، ولم أكن أبدا كذلك لهم؟
لا يمكنني القول إنك ستنساني.. أعرف جيدا أنك لم تذكرني يوما... لا أستطيع التيقن أنك يوما ستبحث عني.. فلا وقت لديك سوي للبحث عنها في ذكرياتك.. لا مكان لي لديك.. كل الأماكن لديك مكتملة.. ولا تقل جئتك في وقت خاطئ.. فأنا أبدا لم أكن سأجيء في وقت مناسب.. هكذا أنا.. فتاة غير مناسبة لأوقاتك المناسبة..
سيدي... فرشاتي التي بلا هوية لم تعد تبحث عن وطن... وكلماتي التي كانت تبحث عنك.. أوقفت البحث.. وسجلت محضر بحثي تحت عنوان لم يستدل عليه.
سطور ممزقة بينهما
هو.....
 يطفئ هاتفه ثم يعيد فتحة من جديد، ليعيد غلقه مرة أخري بعدما أتته رسالة تخبره عمن حاولوا الاتصال به.. لا شيء يدور بعقله في تلك اللحظة، أو ربما كل شيء يدور بعقله. مشدودا إلي فراش المرض... تحت الاقامة الجبرية... تجبره حرارة الأجواء، وحرارة جسده علي الأستجابة للنوم... علي الاستكانة.. يظل في جلسته غير المريحة تلك.. تلك الجلسة التي لم يعتد عليها يوما.. متطلعا إلي السقف حينا، وإلي التلفاز حينا آخر... يفتقد ضجيج العمل... صمت الشقة المزعم، يشحنه بالحنين إلي الضجيج... إلي حماقاتها التي تؤدي بهما للشجار.. إلي صوت صديقيه العالي... إلي شجارات تلك الفتيات التي يرأسهن...
الألم يطوف يجسده مبتدئا بساقه المصابة، ومنتهيا برأسه.. يفتك الصداع به... يدخل في صراع يظن أنه سوف يغلبه... ليسقط ف النهاية مهزوما نائما.
هي..  
تكاد أن تصنع من هاتفها قلادة، مخافة أن تضيء شاشتها برقمه، دون أن تسمع رنينها... يكاد يلتصق الهاتف بأناملها الرقيقة، من طول حملها له... تصلي كي يتحول ألمه إليها... تجلس في جلسات اليوغا طويلة المدي، حيث لا تتحرك إلا كي تنظر للهاتف، وتعود لجلستها الصامتة من جديد، وكل ظنها أنها ستصبح شبحا في جلستها تلك.. لتتتسلل إلي غرفته.. ستصنع له كمادات تمررها علي جبينه، لعلها تمتص بعضاً من حرارة جسده... وستمرر أناملها علي ملامحه، لعله يستعيد بعضاً من ابتسامته المفقودة.
في جلسات اليوجا، لا شيء تختزنه في عقلها وتستعيده مرارا، إلا كل مايمت له بصلة، تظل في قلقها طيلة اليوم... تذهب إلي عملها مساء، وكأنها إنسان آلي يتحرك ببطء شديد... عيناها كمصابيح مطفأة، فقدت بريقها منذ سقوطه مريضا.. كانت في آخر شجار لهما قد قررت الانسحاب.. ظنت أنها ستنسي كيف تحبه.. أو ربما قد تنسي أنها أحبته تماما... وأنها ستستعيد قلبها... ظنت أن بعضا من الفراق، سيمنحها عمرا آخر... ظلت في تصنُعها للقوة ذاك، حتي انهار لوح الثلج الذي صنعته، حينما تسلل إليه الألم.. وانهار حاجز كبريائها المزعوم من أن تموت لأجله. حلمها أصبح واحداً استبدلت حياتها و كل أحلامها الأخري به.
هو..
تأتيه رسالتها.. ينظر للشاشة بتعب.. يقرأ حروف رسالتها.. يبتسم ابتسامة منهكة... قد يتساءل للحظة عن مدي قوة تحملها، أو عن كونها تعشقه إلي هذا الحد...
قطة صغيرة تحوم حول فراشة.. وهو لا يتحرك.. تموء فيمرر أصابعه علي جسدها فتغمض عينيها، وقد يغلبها النعاس فتشاركه الفراش... ربما احتلت روحها جسد تلك القطة.
هي..
تكتب رسالتها وتظل تمحوها مرات ومرات.. تارة تكتب أحبك.. عبارة غير مناسبة في وقت غير مناسب... تكتب أنها قلقة.. تخاف أن تزيده قلقا.. تكتب انتبه لنفسك من أجلي.. تخاف أن تكون غير مهمة بالنسبة له، فيهمل في صحته.. تكتب.. دعوات غير مسموعة، ترسلها للسماء، لعلها تأخذ منه بعض الألم، وتستبدل جسده الموجوع بجسدها فيشفي..
قطها الصغير يقف في زاوية بعيدة يراقبها.. تنهض وتقبله باكية... هو الشاهد الوحيد الآن علي دموعها، بعدما انفض الأصدقاء من حولها.. كان هو صديقها الوحيد وحبيبها... الآن قطها الصغير، يقوم بدوره ريثما يعود.
بعض الألم
تجلس مساء.. تستجدي الكلمات أن تتناثر علي صفحاتك.. تبتهل إلي الله أن تفرغ آلامك علي الصفحات بلا جدوي.. علي منضدة قريبة، ترقد أنواع شتي من مسكنات الألم، التي لا تسكن لك ألما.. فقط وجه واحد، يمكن لملامحه أن تعيد لك بعض الراحة.. تحاول أن تمنع يدك من أن تصل للهاتف.. لكنك تصر علي البحث عن صوت واحد، قد يشتت انتباه أجهزتك العصبية، مركز الألم في جسدك. صوت واحد يستطيع..  علي تنحي الألم جانبا، ولو لبرهة قصيرة، بينما يأتيك صوت من الجانب الآخر، لا يشعر كم أنت متألم.. ولا يعي مقدار الصرخات التي تنطقها كل أجزاء جسدك المريض.. يخبرك الصوت أنه لاوقت لديه للحديث.. تعيد الهاتف لموضعه.. بلا كلمات.. بلا دموع، فقط صمتا اعتدت عليه.
كل الكلمات المتراصة في دفاترك لأجله، تبدو حزينة لأجلك.. لكنك تتدبر أمرك.. تبدو أمام المرض قويا.. تصمد أمام إذعاناتهم، بضرورة ذهابك لطبيب.. لكنك ترحب بالمرض.. فالوحدة تبدو كزجاج محطم، تمر ببطء علي قلبك فتمزقه... الضوء يبدو في ردهة المنزل خافتا، ككل الأشياء الجميلة في حياتك.. خافتة... الصوت يبدو معدوما في ساعة كتلك.. فالجميع نيام.. اطمأنوا إلي بقائك ساهرا.. يعلمون أنك تؤنس لياليك بالتأمل في السماء.. مصادقا نجمات تتراقص في ساحة السماء.. كان شيئاً رائعاً حصولك علي أريكة وثيرة أسفل النافذة.. منحتك فرصة مراقبة نجماتك وكواكبك، في غياب نجم أكبر، وهبته الكثير من تأملاتك.... قد يزداد جسدك إنهاكا، وقد يطالب ببعض حبوب النوم، هروبا من ذاك الأرق المتشح بالألم... لكنك ستصر علي معاندة الألم.. ستظل في جلستك المحدقة إلي السماء، حينا وإلي سقف الحجرة المظلم حينا آخر، باحثا في كليهما عنه.. وجه لا يشبه أياً من الوجوه..
السياسة تحتل عناوين الأخبار.. والحزن يحتل عناوينك.. وعنوان واحد يحتل شرايينك.. البحث عن هوية..
احكم رباط معطفك فالليلة قد تكون ليلة باردة.. ولكن ما الفارق وكل الليالي باردة.. فقط يصيبها بعض الدفء حينما يتسلل اليها.
كوب القهوة بأبخرته المتصاعدة، يحكي لك عن أشياء قد تحدث.. يخبرك أن هاتفك سيدق.. فتظل في انتظارك... يخبرك ان غدا ستهدأ آلامك، فيمكنك أن تعود إلي عملك، وتعود إلي الارتماء بين ذراعي الحلم من جديد..
أيضا تظل في انتظارك....
قد تصبح الغرفة الباردة غدا مزدحمة بالزوار.. فتبعد عنك شبح الوحدة قليلا.. سيأتون حاملين باقات من الأزهار، وأنت ستبحث في باقاتهم عن زهرة بنفسج، أرسلت خصيصا من أجلك.
لا تفتش عن بطاقة مُرسلة  لك.. فلا توجد بطاقة..
رشفات من القهوة، قد تعيد لك بعض الراحة.. بعد أن فشلت كل المسكنات في تخفيف ألمك... لم يخبرهم صوتك بمرضك.. فقد اعتاد صوتك علي الكذب.. يكفيه آلامه.. هكذا بررت..
الجريدة التي  تنام علي جانب الفراش.. محتضنة كتبا، كنت قد نويت أن تقرأها، قبل أن يفاجئك المرض.. ترتاح لوجود شيء يشاركك الفراش.. شيء يعي أنفاسك، أو يعي موتك إذا ما كان موتك وحيدا علي فراش كئيبا..
غدا يوم آخر.. صلي كي  يفارقك الألم.. كي لا تعود لاستجداء هاتفك أن يحمل لك صوته.. صلي أن يخف ألمك.. كي لاتزعجه باتصالك، فيخبرك أنه لاوقت لديه للحديث.. صل ، كي تعود غدا صامدا كعادتك.. صامتا.. تحزن في صمت مواريا حزنك عنه...
صل أن تصبح غدا أفضل، كي تعود لعملك، فيلقي بك في دوامة الحلم الذي لا يتحقق.. مرحبا بالروتين.. صل أن تصبح أفضل، كي لا تمل أريكتك، من اضجاعك عليها طيلة الليل، راجيا من نجماتك الراقصات، في ساحة السماء، أن يرحبن بروحك عند صعودها إليهم..
صلي أن تصبح بخير، لكن إن أصبحت بخير، فلا تتوقع زائرين لغرفتك، ولا حاملي بطاقات أزهار.. فقد أصبحت بخير ولن يأتوا للزيارة.. إذن فكن بخير وتحمل وحدتك..
اعتدتك أقوي.. اعتدتك صلبا؟ اعتدتك وحيدا.. فلم التذمر الآن.. تحمل بعض الألم.. فقد تصبح غدا بخير.
رقصة خيالية
لن أكتب اليوم عنك، ، فقد سئمت من رقصكما المتواصل، علي سطرين منفصلين.. مللت من ارتكازها بمرفقها، علي صدر الجدار، بينما تبعد عنها خطوات قليلة، مللت من ملامستها لأصابعك، بينما تفترقان... مللت من ابتسامتك المتكلفة، التي تمنحها إياها مجاملاً..
اليوم ستكتب عنها هي، عن فتاة تعرف كيف تتحرك بليونة، علي نوتة العشق فتتمايل يمنة ويسرة في دلال، تلقي لك نظرة.. ثم تستعيدها لتخبئها في كفيها.. تسحب أصابع قدميها علي الأرضية المنزلقة وتميل بخصرها..
 ذراعاها يدوران حول جسدها ببطء أنثوي مغر.. تترك لخصلاتها حرية الانسدال علي كتفيها فهي اليوم تعترف انها أنثي، تعزف أوتار الدلال.. تثب علي أطراف أصابعها، وتمد لك يدا، تدعوك لمشاركتها الرقص.. تقف متسمرا في مكانك، لكنها لا تقف، تستدير وتحتضن الهواء، وتدور في حلقات سحرية..
ترتقي سطرا آخر وترقص منفردة، لا تبالي إن شاركتها الرقص أو لا.. فقد اعتادت علي الرقص وحيدة، تطفئ بأصابعها شمعة مشتعلة، كانت تلقي بخيوط نورها علي جمهور الأثاث، المرتكن إلي جانب الغرفة..
ثم تعود للدوران وحيدة، وعلي شفتيها ابتسامة متألقة.. وعينان.. واثقة من خطواتها..
مازلت تقف مترقبا....
ومازالت هي ترتقي السطور... والنغمات تتعالي بلا توقف، خطواتها تعرف طريقها علي الارضية اللامعة، خطوة تليها خطوة، ثم تنسحب الأصابع ببطء..
تحتضن كفها الهواء، وكأنها تتشبث بحبيب وهمي، لا تعرف بعد ملامحه... تمد ذراعيها باحثة عن كتفيه....
مازلت انت تقف في سطرك المستوحد، شاهدا علي رقصة، دعُوت إليها فلم تقبل الدعوة.  
مازلت تنتظر أن تتوقف الموسيقي،  لتسقط هي منهكة بين ذراعيك.. ستظل أنت شبحها الوسيم، ستظل مقطوعتها المميزة، ورقصتها المفضلة.. ستظل حروفها المبتكرة، ، ستظل خطوات رقصتها المتعبة، المشبعة بالألم والأمل، ، رغم انك ستظل دائما، مستوحدا علي سطرك رافضا رقصاتها..
ستظل تدعوك للرقص، عساك يوما تقبل.. وستظل أوتارها تعزف مقطوعة مميزة، من أجل رجل مميز..
زهرة
تلك الزهرة البيضاء الرقيقة الرابضة علي مساحة صغيرة في مساحاتي، التي تجهل الشمس طريقها... تبتسم لي بتلاتها في وقت حزني.. وتنشر عبقها بكل رقة حولي.... تظهر لي من حيث لا أدري. تحمل لي املا وإيمانا... تعدني بـ (مج) صغير ملون،  وبخطوات كثيره في حلبة الجري،  التي تشاركناها.. تسير برفقتي طويلا حتي تتعب أقدامنا،
 زهرة، تلك المخلوقة القوية الضعيفة التي تهديني ابتسامة مع قطعة شيكولاتة اشترتها لي من ذلك (المول) الضخم، كي تحاول أن تبعد تفكيري، عن هواجس وأشياء كثيره متبعثره في حناياه.
زهرة..
تلك السحابة العتيقة التي تمطر فراشات ووروداً وأحلاماً.. تلك التي ترافقني في حلبة الجري، تنفض عنا أوزانا لا نكاد نراها ومعها أحزان نستشعرها... تقفز مع خطواتي كنوتة موسيقية تعلو فاعلو واهبط فتهبط..
تهديني رابطا لكلمات قرأتها فتسعدني(عمروسلامة)وتهديني ديوانا لشخصية (غادة خليفة) تكتب ما أحسه فتبهرني... تظهر لي تلك الزهرة، بينما أقف حائرة علي سطر مستوحد وحدي. أكاد لا أعرف إلي أين الطريق فتسلك بي طريقا متعرجا إلي الأمل.. لا يشق عليها حملي علي الابتسام، فهي تتقن تماما كل الطرق المؤدية إلي قلبي... تعرف كيف تواسيني وكيف تضحكني، وكيف تمنحني سلاما مع نفسي.
زهرة..
طفلة في بعض الاحيان، تكاد تخبط الأرض بقدميها إذا غضبت.. تثور وتثور وتنتوي نيات سيئة، وكأنها آلهة يونانية تتعهد بالنيل  ممن أغضبوها.. ومن ثَمَ تهدأ كل عواصفها، فتبتسم.. بكلمة حانية لا أكثر، وتعود كما كانت. تنصت إلي فيروز.. وتلجأ إلي كتابات (نهي محمود) تلتمس فيها بعض الهدوء، أو الفوضي المتعمدة..
.. وتبحث عن صديقتها (لينا النابلسي) لتشاركها شيئا ما.
زهرة..
كائن يقتات علي الكتب.. وعلي ابتساماتها، التي توزعها عن طيب خاطر للآخرين... تحتال علي حزني وعلي غضبي، وتجعلني فقط أنا كما أنا.. تقبلني هكذا بلا تغيير، وبلا محاولة منها في تحسين مزاجي السيئ غالبا، بل كل ما تفعله أن تبتسم، وتمنحني بعض مفاتيحها البسيطة وبعض الأشياء التي تحبها هي، فابتسم.
زهرة..
تلك الزهرة البسيطة التي نمت في غفلة مني، علي نافذتي الموصدة  في شتاء قارس.. زهرة تعشق الشتاء، وتنسج من ثلوجه معاطف صوفية... تلون السموات الداكنة، بألوانها تلك التي تملكها منذ زمن... لم تجف أبدا، سنون أقلامها.. ولم تخذلها الألوان..
صديقتي.... لا أجد ما يناسبك حقا.. فقط أشكرك علي كل شيء ،
غدا ستصبح لديها شجرة
كانت تجلس إلي أغصان شجرة ذابلة.. تستند إلي جذعها القوي. لم تلحظ من قبل أغصانها الجافة.. وأوراقها الذابلة.. ..
كانت الشجرة وحيدة.. حزينة وبائسة.. فأرادت ان تخبر الشجرة بما أبكاها. فلا تسمح للشجرة بأن تكون وحيدة ثانية.. فراحت تحكي وتحكي، حتي روت دموعها الشجرة.. فنمت عروقها حينما بهرتها ألوان شجرتها، التي أورقت، قررت أن ترعاها.. اعتادت علي الاستناد إلي جذعها القوي.. وهي تظن ان ذلك الجذع القوي سيحتمل دموعها طويلا.. سيحتمل استناد جسدها إليه.. كانت تظن أن شجرتها قادرة علي مواجهة الريح.. أخبرت الجميع أن شجرتها لن تنحني إذا ما هزتها الرياح.. ولن تترك أغصانها في مهب الرياح.. نثرت حول شجرتها الزهور.. وعطرتها برحيقها.. وبعثرت عصافيرها علي أغصانها التي كانت جافة.. فصارت شجرتها تتراقص طربا.. ونمت زهورها ونمت أغصانها.... لم تعد ذابلة كما أنها لم تعد تبكي عند جذعها، بل راحت تضحك وتنشر ضحكاتها في الهواء، فتتسلل إلي شجرتها فينتابها السرور..
كانت تلك الشجرة هي ملجـأها حينما تخيفها العواصف.. تلجأ إلي جذعها وتحتمي بالأغصان.. وتتخذ من أوراقها غطاء لها.. حتي انتبهت إلي أن شجرتها لم تعد شجرتها التي تحميها.. بل أصبحت تنحني عند الرياح لتتركها تواجه الريح بمفردها.. لم تعد أغصانها تحميها حينما يهطل المطر، بل تلتف الغصون حول الشجره تاركة جسدها وحدة في مواجهة غضب الطبيعة.. لم تعد تخبرهم أن شجرتها لا تنحني. لم تعد تخبر أحدا عن شجرتها..
حينما هطل المطر آخر مرة، وهاجمتها الرياح لم تلجأ لشجرتها.. لم تعد تعرف الطريق إلي إليها.. فحينما هطل المطر غسل كل ماعلق بذاكرتها عن شجرتها.. غسل وجهها من آخر دموع ذرفتها...
غدا تزرع شجرة في حديقتها.. شجرة لا تذبل.. ولا تنحني للريح.. شجرة تعرف كيف تحميها من الرياح.. وتبعث الطمأنينة في قلبها، إذا ما دوي الرعد.. وتحميها إذا ماهطل المطر. غدا ستصبح لديها شجرة.
سماء ملونة
كم من المرات حاولت أن تلون السماء.. أرادت أن تداري الشمس التي تزعجها.. ستظلل نصف السماء وتترك النصف الآخر مضيئا.. وترسم سحابا أخضر وقمرا أزرق.. ونجوماً صفراء.
أرادت أن تستبدل لون السماء بلون زهري.. فتصبح سماؤها  ملونة.. تسلقت شجرة التين الرابضة في حديقتهم حتي آخر غصن.. لكنها لم تطل السماء....
أطل الحزن من  ملامحها.. ولكنها لم تستسلم.. تركت الأغصان الخضراء وحملت ألوانها إلي سطح منزلهم الكبير.. تسلقت علي النافذة.. وتشبثت بألواحها الخشبية، ومدت يدها بفرشاتها لكنها أيضا لم تتمكن من لمس السحاب....
لم تعرف ما العمل.. كيف ستلون السحاب والقمر والنجوم، فكرت كثيرا......
أخبرت الدمي التي تشاركها فراشها أنها لا تحب سماءها الزرقاء ولا نجومها اللامعة،  ولا قمرها الفضي.. حتي الشمس تود لو منحتها لونا بنفسجياً....
لكنها تحب لون الزروع الخضراء.. وزهورها البيضاء....
اقترح عليها دبها ذو الفراء البني، أن يساعدها في صنع سمائها الخاصة.. لم تعي مايقصده.. لكنه اختطف منها الفرشاة، وراح يرسم علي جدار غرفتها، سماء زهريه وسحابات خضراء وقمرا أزرق، وسمح للسماء بأن يكون نصفها مضيئا بينما نصفها الآخر مظلم.. ونثر فيها نجماتها الصفراء.. وفي النصف المضيء رسم شمساً بنفسجية....
كانت تنظر إلي سمواتها بسعاده بالغة.. أصبح الآن عندها سماء خاصة.. سماء ملونة..
وتستمر الحياة...
تجلس علي مقعد خشبي في ركن بعيد من تلك الحديقة.. تتأمل أشجار الصفصاف التي تلقي بظلها علي وجهها الشارد.. تكاد تتناسي أين هي الآن. تتناسي أصوات غاضبة تضج في عقلها.. تنسي المساحات المزروعة بالألم في قلبها الصغير... فجوات الفقدان وندوب القهر، التي نبتت في مسافات عمرها القليل.. تراه في الأفق بعض ابتسامات.. بعض أوجاع وكثير من الحقيبة.. تنسي من هي للحظات.. لكن حينما تحين عودتها تمسك  الحيوات. تلملم ذكرياتها الحقيبة الموضوعة بجوارها، وتنهض مودعة أشجار الصفصاف وطيفة الذي رافقها للحظات.
يبتسم في سعادة غير مكتملة.. يبدو لها مثل أنصاف حقائق.. طفل صغير يحتاج لمن يحتضن كفه الصغيرة.. تتألق في عينيه لمحات خاطفة لضحكات أخري غير مكتملة.. وغزوات للحزن خرج منها مهزوما مدعيا الانتصار.. ومسرحيات للغضب الصامت لم تسدل ستائرها أبدا.. حينما يلتقيان يفترقان علي غير موعد بينما هي تعلم جيدا إن موعدهما معا في حيوات أخري لم تخلق للوجود بعد.
تحكي عنه كأنما تحكي قصة أسطورية لأبطال بسيوف لامعة وأزياء لم تعد موجودة.. قد تكون تحكي عن بطل روماني أو قائد عربي.. أو واحد ممن فتحوا بلاد الأندلس.. تحكي عن أناقته.. عن رائحة عطرة المميز الذي كان يفوح في الأرجاء.. وعن كونها مازالت تذكر رائحة عطره.. وكيف أنها تذكر صوته العميق الذي رسخ في ذاكرتها.. كيف كانت تحب أن تناديه بابا.. كلماتها دفعتني لاستعادة حروف تلك الكلمة.. كم هي رائعة كلمة بابا.. أعوام طوال منذ آخر مرة نطقت فيها تلك الكلمة.. فجأة نفضت عن رأسي الأفكار ورفضت استعادة ذلك الشعور المبهم.. شعور الألم.. رفضت أن أحاول تذكر تلك الكلمة.. وتركتها تستعيد ذكرياتهما وأنا أنصت باهتمام..
أوقفت منذ زمن طويل ساعتي الموضوعة بالغرفة.. سألتني أمي مرة عن سبب رفضي أن تعود ساعة حائطي للدق.. أخبرتها مرارا أنني أحب عالمي بلا ساعات.. لكنها لا تنفك تكرر علي مسامعي أن الوقت كالسيف.. كم أود أن أخبرها أنه قطعني إلي ملايين القطع، وبعثرني إلي أشلاء، فصرت الآن قاطنة في ملايين الزوايا.. لكنها لا تمنحني الفرصة لإخبارها بذلك.. ومن ثم تلومني علي صمتي.. كنت أري في دقات الساعة وصوت حركة عقاربها البسيط.. مزيجا من الترقب والغضب.. فكم يثير ذاك الدق الخافت عند تحركها الغضب.. يذكرني بكل الأشياء التي فقدتها.. وكل الأشياء التي أعدها للفقدان.. كنت أكاد أسمع ضحكات ثوانيها الساخرة.. تسخر مني.. تراقبني في غدوي ورواحي.. تتابع في هزل رقصاتي في جنبات عالمي المتفرد.. وكأنني طير ذبيح يحتضر.. فتكتم العقارب ضحكاتها الشامتة لكنني أراها. أغض الطرف عنها حينا.. لكنني أموت حسرة في كل الأحيان.. لم أعد قادرة علي تحمل سخرية الدقائق كل لحظة في ساعتي.. فقتلتها.. قتلت الوقت في غرفتي.. لكنها اليوم أعادته للحياة.. لكنني سأقتل ساعتي من جديد، لكن لن أترك جثتها سليمة، كي لا تعيدها للحياه مجددا..
كنت دوما شخصاً منظماً رغم فوضويتي.. أقسم سقف غرفتي إلي أربعة أجزاء، يستضيفني كل جزء فيها يوما، فيحمل عني بعض همومي.. ذلك الجزء الذي يعلو فراشي، استأمنته علي قلبي، فكلما أردت زيارة أحبابي أترك جسدي هناك علي الفراش، وأحلق أنا في سقف قلبي، ولا أعود إلا بعدما أنهي زيارة كل من سكنوه.. واودع عند كل واحد منهم جزءا من وجعي، فيهون عليّ... أما طفولتي فاستودعتها في ذلك الجزء الذي يليه الباب، حتي يكون بإمكاني الخروج من طفولتي سريعا، إذا ما استدعي الأمر الهرب... أجلس علي الأرضية الباردة مستندة بظهري إلي الحائط، واظل في تأمل ذلك الجزء من سقفي.. هناك أراني طفلة بضفائر كستنائية، مغزولة بشرائط حمراء.. أحتضن دمياً صنعتها بيدي، وأحببتها كثيرا وفقدتها سريعا..
في الجزء من السقف الذي يعلو صوان ملابسي، تركت ذكرياتي.. وضحكاتي المستهلكة.. وأرصدة أعذاري.. أفترش سجادتي العتيقة.. وأستعرض كل تلك الذكريات التي مازالت تمر علي سنواتي كالنسيم...
أما ذلك الجزء المتبقي من سقفي، والذي يعلو مكتبي فهو أحب الأجزاء إلي قلبي.. حيث يحلو لي أن أفتح نافذتي وأسدل ستارتي، واطفيء الأنوار حتي ضوء شاشة حاسوبي، وأترك الموسيقي تغسل همومي وجسدي، المضجع علي الكرسي المريح يواجه، سقف أحلامي.. وقدماي تنامان بحريه علي سور فراشي.. أترك أحلامي تأخذني بعيدا.. حيث لا ضجر ولا خوف ولا بشر.. هناك حيث تنتهي علاقتي بالواقع.. فلا أذكر منه شيئا.. أترك هويتي علي الأرض، وأرحل إلي كل مكان أردت الذهاب اليه، وإلي كل حلم أردت تحقيقه.. إلي كل شخص أردت مشاركته أفكاري، وإلي كل ابتسامة أردت أن أبتسمها.. وأعود بعدها محملة بإرادة وقوة لا يسهل كسرها. أنا فتاة تحيا في سقف حجرتها....
تخبرني بموعد رحيلها فأتوه في صمتي.. يدق علي قلبي أوجاع قديمة، وأوجاع دقت قلبي في الصباح... أموت أمامها في صمت كما أموت كل يوم.. يأخذني الصمت بين ذراعيه، حيث لا يشعرني بالأمان سواه.. نقترب من النهاية، كما كل شيء جميل.. وكلما اقتربت النهاية أعرف أني اقتربت من اللا حياة..
تنفجر الثورة بيننا.. فتخبرها دموعي عما أعانيه.. أود لو تجذبني إلي ذراعيها فلا تذهب دموعي سدي.. لكنها لا تتحرك.. تظل في ثورتها.. وأظل أنا في صمتي المحمل بالكلام.. أظل أمسح بكفي دمعاتي.. حينما ينفجر صمتي، فأظل أردد.. كفاية تعبت.. مبقاش فيّ مكان متجرحش.. دمرتوني بجد... لكنها تصم أذنيها عن كلماتي.. وتستمر في ثورتها.. فتعود كلماتي إلي مكانها من حيث أتت.. ويعود صمتي..
لم أخبرك ولن أخبرك.... خطاب إلي رجل أحمق
‏ربما لم تواتني الجرأة أن أخبرك،  كم كنت أرتب أقلامي، كل مساء في انتظار أن أمتلك في الغد صورك، كي أصنع لك منها ألف صورة بخطوطي الرصاصية.. ربما لم أتمكن من أن أقف أمامك لأخبرك أشياء توجعني، أو لأدافع عن اتهامك لي بالجنون، لأنني أنثي تغار علي رجل تحبه..
ربما لم أخبرك أنني كنت أذوب حزنا، وأنصهر ألما كلما اشتممت عطرك في ثيابها، وهي تغدو وتجيء أمام ناظري، في طريقها إليك.. لم أخبرك كيف أنها كانت تطاردني، وكأنني عدوتها الأولي، وكيف أنني تصنعت كراهيتك كي تتركني لشأني، لتحاول بعدها  مصالحتي...
ربما لم أخبرك أنني فتاة، تغلق أبوابها بعيداً عن الأعين الفضولية كي لا يرونك خلف أبوابي.. وأنني كنت أرتعش خجلا كلما خطوت بالقرب منك.. وكلما اتهمونني بعشقك.. لم أخبرك أنك ذبحتني، وأنت تضع ذراعك فوق مقعد صديقتي، وبينما جلدك يوشك علي ملامسة رأسها، كنت أنا أحترق.. وبينما أرجوك أن ترفع ذراعك، كنت كمن يغرق ويتشبث بقشة توشك أن تُغرقه.
ربما لم أخبرك عن آلاف الهدايا التي وددت أن أهديك إياها، وقتلتني حينما أتاني صوتك حادا يطالبني بألا أشتري من أجلك الهدايا، وأن أحتفظ بها لنفسي.. لم تعلم حينها أنني كنت أشتريها لنفسي.. وأنه كان يكفيني أن أراك تمتلك شيئا من هدايا، اشتريتها أنا لك فيتملكني السرور...
لم أخبرك كم من المرات كنت أتجول في الشوارع التي تعرفني أكثر منك، بمفردي وأستجدي لقاءك مصادفة.. وكم من المحلات استهواني استكشافها، فربما كان فيها شيء يليق بك.. ولا أذكر كم من المرات نسيت أن أفكر بنفسي وتذكرتك....
لم أخبرك أن مذاق الشيكولاتة التي أحبها في فمك، يبدو أكثر روعة من مذاقها في فمي.. وحينما أهديك إياها كنت أشعر أن  مذاقها أروع....
لم أمتلك القدرة علي أن أقف أمامك لأخبرك كم أحبك.. ولا ان أحكي لك عن ليلة قضيتها بلا نوم، وأنا أرسم لك صورة، أسعدني ان تنال إعجابك.. ولا سعادتي وأنا أراها تزين الإطار الداكن.. كنت وقت رسمها أنصت لصوت منير، في أول أغنية سمعناها معا، وفنجان قهوتي يحتل رئتي بشذاه المر..
لم أخبرك عن مرات زيارتي لمكتبك، أستجدي منه بعض الدفء.. وخشبه يكاد يواسيني ويئن تحت وطأة صمتي..
كم من المرات مررت أصابعي علي أوراقك، لعلني ألمس بصمة تركتها أنت بلا إرادة منك، ولا تعمد فأضمها عساها تمنحني بعض الأمان..
لم أخبرك كم تمنيت أن يكون لي صديقة تعرف حكاياتي عنك.. فلم أجد إلا أوراقي أشاركها الحكي عنك، دون أن تمل مني.. شعيرات ذقنك الدقيقة تصنع كوكبا ملونا حول ابتسامتك، يبهرني بريقه.. لم أخبرك عن مرات، كان يحلو لي فيها مراقبتك من بعيد.. أختبئ في زاوية بعيدة لا تراني منها، وأشرع في اختزال تفاصيلك.. بينما تتحرك هنا وهناك مبتسما.. وكم من المرات كنت أهرب من لقائك، كي لا أري في عينيك بعضا من حزن، أو ضيق مني.. كنت أود لو ظللت بعيدة، وأكتفي ببعض تفاصيلك تؤنس ذاكرتي الحزينة..
لم أخبرك  كم من الليالي انتظرت أن تهاتفني.. كم قلت لعله يذكرني.. لعله يرفع سماعة الهاتف، ويضغط اتصال فيأتيني صوته.. وكم تعبت في مقاومة رغبتي الاتصال بك، تحاشيا لما أناله في كل محاولة، من فتور وضيق منك باتصالي.. سمعتك تحاور أصدقاءك في الهاتف بكل ذوق ورقة، فاحتضرت أمامك، فلا أسمع منك في كل اتصال، إلا بعض عبارات مهذبة، تنهي بها أمنيات بحوار طويل، ونقاش سياسي منيت نفسي به، ينتهي بكلمة جميلة لن أسمعها..
صرت أشحذ منك اتصالاً كمتسولة، تقف في حافلة مزدحمة، لتلح بالسؤال علي راكب واحد لن يمنحها شيئا..
لم أخبرك عن أولئك الذين  يخبرونني أشياء عنك، أرفض تصديقها.. وكيف أنني كنت أذكر صوت فيروز دوما يحاورني عندي ثقه فيك...
لم أخبرك عن أحلام لم تسألني عنها.. ولم تهتم لمعرفتها.. ولم اخبرك كم من المرات كنت أقف بجوارك، في كل عثرة تواجهك.. وفي كل أزمة.. كنت أقلق عليك كابني، وأود لو أضمك كما لو كنت أمك.. وكم فكرت كثيرا بذاك اليوم، الذي ستجيء فيه إليً، تخبرني عن فتاة أخري تحبها.. وكم فكرت أنني حينها سأموت بصمت، ولن أخبرك.. بل سأشاركك سعادتك..
لم أخبرك يا صديقي عن فتاة أحلامك، التي وقعت في حبها مسبقا، تلك التي كانت حبك الأول، والتي أخبرتني عنها مرارا، وكيف أنني التقيتها مصادفة، دون أن أعلم أنها هي التي اخترتها أنت.. وكيف أنني قارنت بيني وبينها كثيرا، فوجدت أنها تليق بك اكثر مني....
فأنا لست أكثر من زهرة برية نبتت بعيداً عن الفضوليين، وتمنت أن يأتي رجل واحد لقطافها وأنني تمنيتك ذاك الرجل..
أما هي فكانت أجمل.. يكفي أنها استطاعت أن تجعلك تحكي..
لم أخبرك عن آلاف الأشياء التي وددت إخبارك بها..
عذرا سيدي.. تركتك للباقيات، يأخذن منك ما يستطعن حمله.. لعل واحدة منهن تعَرِّفك يوما قيمة مافقدته بفقداني..
فأنت سيدي رجل أحمق، لم تحاول يوما احترام مشاعري.. ولا تقدير قيمة غيرتي.. ولا محاولاتي في حمايتك، ممن لا يليقون بك.. أنت رجل أحمق.. قد يكون التفاف الجواري حوله الآن شيئا جديدا، يلفت انتباهه، لكن سرعان ما ستعي أنهن التففن حولك حبا في الظهور.. أما أنا فكنت دوما أحيا في ظلك، بلا رغبة مني في الفضول..
لن تموت من بعدي.. أما أنا فسيموت قلبي من بعدك.. وابتهالاتي إلي الله، بأن أظل ملاكك الحارس.. ستتحول إلي ابتهالات، بأن اتعلم الحياة بدونك..
 أنا لم أخبرك شيئا ولن أخبرك.. سأتركك لهن، كي لاتضيق بوجودي.. كي أمنحك بعضا من حريتك التي لم أقيدها يوما...
أنا كالمصباح، لا يضيء إلا لطالب ضوء.. فأبقي في ظلامك كما تحب.
سأتركك في عبثيتك.. لن أخبرك برحيلي.. فقد قلت لي مرة.. إن قررتي أن تفعلي شيئا، لا تقولي إنك ستفعلينه، بل افعليه دون كلام. حسنا لقد انتهي كلامي عنك.. سأختزلك في ذاكرتي.. وانسحب..
يوم من أيامنا
في بيتنا الكبير
نستيقظ مع إطلالة الصباح الأولي.. لنفتح نوافذنا المغلقة.. تاركين نسمات الصباح الأولي تتسلل إلي وجوهنا التي يغالبها النعاس فتلمسها برقة فنبتسم.. يلقي علينا عصفور علي غصن شجرة بعيدة تحية الصباح فنرد له التحيه في سرور.. وبينما نلقي بقطرات الماء فوق ملامحنا الناعسة نتذكر أحداث الأمس فنضحك في سخرية مشوبة بالسعادة.. ينظر لنا من حولنا وكأننا قد أصابنا الجنون فلا نبالي بنظراتهم المشفقة....
بينما نرتدي ثيابنا المشرقة نرتدي معها ضحكاتنا.. بإرادة ورغبة منا في تغيير ذلك اللون الداكن الذي صار يلازمنا.. لون أخضر يناسب ضحكة ضحكناها في يوم ربيعي.. ولون أحمر يشبه ضحكة انطلقت منا في يوم مشرق.. ضحكاتنا ملونة مثل كل شيء لوناه في حياتنابألوان صارخة.
حينما نعبر ذلك السور الزهري.. ذا الباب الحديدي الأسود العالي.. نترك علي الدرجات المؤدية إلي داخل المبني كل همومنا.. أصوات أهالينا الغاضبة من صمتنا غير المبرر.. وضغوط الحياة التي ألقت علي كاهلنا أعباء، لم تكن أبدا في الحسبان.. والمسئوليات التي نحاول أن نهرب منها في ضحكاتنا....
بعدما نترك بصماتنا علي ذلك الجهاز الصغير.. وعلي الأبواب والطرقات ووجوه العاملات.. وأيدي الموظفات.. نسرع إلي جدران بيتنا الكبير ذي رائحة الألوان.. وإلي أغاني (منير) ألتي تغسل أحزاننا.. نلقي علي القاعة الكبيرة أجمل تحية صباح.. وعلي الألوان نلقي أجمل ابتسامة.. وعلي الكراسي الصغيرة الحجم نلقي حقيبتينا.. وتحمل كل واحدة منا (مج) من الصيني ونسرع إلي صانع الابتسامة الذي يمدنا بطاقة كبيره للعمل. (مج) من النسكافيه.. وبسمة كبيرة يمنحنا اياها في طيبة غير مفتعلة.. نستعين بها علي أيام أخري أكثر حزنا.. نسأله عن طفلتيه.. وعن كبراهما ذات العينين الزرقاوين.. فيخبرنا أنهما بخير.. فنطمئن ونعود أدراجنا إلي بيتنا الكبير...
في محيط بيتنا الكبير وجوه طيبة.. يغمرها الحزن حينا والسعادة حينا آخر.. وجوه نحترمها.. يسعدنا أنها تبتسم أذا ما رأتنا.. جميل إن يكون بإمكانك أن تجعل شخصا ما يبتسم.. هل رأت تلك الوجوه، كيف أننا تعلمنا الابتسام خلف جدران بيتنا الكبير؟
نظل في غدونا ورواحنا.. نكتسب الصداقات.. ونجمع الكثير من الابتسامات.. ننشر الضحك حيث كنا.. ونختزن المزيد من الذكريات، التي ستكفينا في الغد، إذا ما أراد القدر تفريق جمعنا....
نجتمع معا عند الغداء، فقد نذهب إلي أفخم المطاعم أو أكثرها رداءة.. لا نبالي.. فقط يكفي أننا معا.. نتقاسم الضحكات.. نتذكر موقفا صادفنا في نهارنا فنضحك.. أو نخطط ليوم آت مشبع بالعمل والضحك أيضا.. وشجاراتنا الصغيرة علي ( الحاجة الساقعة)..
شجاراتنا الطفولية تعيد لنا أرواحنا التائهة.. ونقاشاتنا الجادة الطويلة، تمنحنا المزيد من القوة..
الحياة خارج بيتنا الكبير مجرد حياة.. نتعايش معاها وتتعايش معنا.. البشر خارج بيتنا الكبير مجرد بشر.. لا نعرف عنهم الكثير ولا يعرفون عنا.. فقط أنا وهي، نعرف أننا امتزجنا بتلك الجدران، حتي صرنا جزءا منها.. نعمل دون أن نشعر أننا نعمل، بل نحن نصنع سعادتنا في ذلك العمل.. ذابت هويتنا في ذلك المكان، حتي صرنا نحتل مسامات جدرانه.. لا نعرف ماذا يقولون عنا.. ولا نبغي معرفته.. لا نفكر كيف يرانا الآخرون.. ولا نفكر بتغيير فكرتهم.. فيوما ما ستخبرهم الجدران عنا.. يوما ما قد نرحل بعيدا بعيدا.. فلا يبقي منا سوي بضع ذكريات، استقرت في تلك الجدران.. ولا يعد يذكرنا سواها.. لكننا سنظل دوما نذكرها.. لا يرونك خلف أبوابي. وأنني كنت أرتعش خجلا كلما خطوت بالقرب منك..وكلما اتهمونني بعشقك..لم أخبرك أنك ذبحتني، وأنت تضع ذراعك فوق مقعد صديقتي ، وبينما جلدك يوشك ملامسة رأسها، كنت أنا أحترق.. وبينما أرجوك أن ترفع ذراعك، كنت كمن يغرق ويتشبث بقشة توشك أن تُغرقه.
ربما لم أخبرك عن آلاف الهدايا التي وددت أن أهديك اياها، وقتلتني حينما أتاني صوتك حاداً يطالبني بألا أشتري من أجلك الهدايا، وأن أحتفظ بها لنفسي..لم تعلم حينها أنني كنت أشتريها لنفسي.. وأنه كان يكفيني أن أراك تمتلك شيئا من هدايا، اشتريتها أنا لك فيتملكني السرور...
لم أخبرك كم من المرات كنت أتجول في الشوارع التي تعرفني أكثر منك،بمفردي وأستجدي لقاءك مصادفة..وكم من المحلات استهواني استكشافها، فربما كان فيها شيئا يليق بك.. ولا أذكر كم من المرات نسيت أن افكر بنفسي وتذكرتك....
لم أخبرك أن مذاق الشيكولاتة التي أحبها في فمك، يبدو أكثر روعة من مذاقها في فمي..وحينما أهديك اياها كنت أشعر أن  مذاقها أروع....
لم أمتلك القدرة علي أن أقف أمامك لأخبرك كم أحبك..ولا أن أحكي لك عن ليلة قضيتها بلا نوم، وأنا أرسم لك صورة،أسعدني ان تنال إعجابك..ولا سعادتي وأنا أراها تزين الاطار الداكن ..كنت وقت رسمها أنصت لصوت منير، في أول أغنية سمعناها معا، وفنجان قهوتي يحتل رئتي بشذاه المر..
لم أخبرك عن مرات زيارتي لمكتبك، استجدي منه بعض الدفء..وخشبه يكاد يواسيني ويئن تحت وطأة صمتي..
كم من المرات مررت أصابعي علي أوراقك، لعلني ألمس بصمة تركتها أنت بلا إرادة منك، ولا تعمد فاضمها عساها تمنحني بعض الأمان..
لم أخبرك كم تمنيت أن يكون لي صديقة تعرف حكاياتي عنك..فلم أجد إلا أوراقي أشاركها الحكي عنك، دون أن تمل مني..شعيرات ذقنك الدقيقة تصنع كوكبا ملونا حول ابتسامتك، يبهرني بريقه..لم اخبرك عن مرات,كان يحلو لي فيها مراقبتك من بعيد..أختبئ في زاوية بعيدة لا تراني منها، وأشرع في اختزال تفاصيلك..
بعض جنوني
تقف أمام مرآتها طويلا تحاول أن تمحو من ملامحها كل ملمح تركه لها..وتستبعد من شفتيها ابتسامته ..ومن عينيها بقايا نظراته التي نامت طويلا في تلك الاستدارة في عينيها تعيد ترتيب ملامحها..كي تبدو من جديد كما كانت..بلا ملامح..
يشعل سيجارة.. يرسم بدخانها بقايا فتاة حمقاء. سقطت في حبائل حبه.. يستنطقها فلا تجيبه إلا بأربعة أحرف.يقتلها الصمت.. تتسلل مع الدخان إلي رئتيه.. وتسبح حتي تصل إلي قلبه.. تغوص قليلا وتخرج صورتها من دمه.. وتعود من حيث جاءت.. تخرج مع زفرة زفرها . يطرد بها مابقي منها بعيدا عن رئتيه.. فتخرج منتصرة.. تقف قريبا من سيجارته، وتذوب ببطء مع رمادها.. وتنطفي رويدا رويدا.. حتي لا يعد متبقيا منها ولا من سيجارته إلا ذرات من رماد محترق..
تستيقظ صباحا لتراقب قرص الشمس يبدو بعيدا جدا.. تبعثر قطرات الماء علي وجهها، كي تستيقظ من حلم لم تحياه طويلا.. وتبدأ في وضع مكياجها الثقيل.. تزيد الكحل في عينيها.. وأحمر الخدود.. وطلاء الشفاه الوردي، كي تبدو مختبئة خلف زينتها.. تتواري من نفسها بعيدا جدا، في أبعد جزء من ذاكرتها.. تنحني لتلملم بقايا ذكريات في عالمها.. وتحكم طيها.. وتضعها في صندوق صغير.. تعد نفسها الأتعود له ابُدا..
تدير فنجان القهوة بين أصابعها.. تبحث عن وجهه في وجه القهوه.. . تظل تديره في كل اتجاه. لعل ابتسامته تطل من ذلك الموج الداكن علي سطح الفنجان.. الجريدة المطوية بعناية علي يمينه، تحمل بعضا من حروف اسمه.. تلقي بنظرة علي تلك الحروف، لتعود من جديد لمراقبة وجه القهوة.. دقات الساعة تتعإلي في حجرتها.. تشق السكون.. لكنها لا تبالي.. هي مازالت في انتظارها.. الهاتف الميت بجوارها، لا يحمل منه اتصالاً.. لا تتعلق عيناها بالشاشة المظلمة.. تحتضن فنجانها الخزفي بكلتا يديها، وكأنها في صلاة صامتة، تغمض عينيها وهي تتوسل للقهوة القاتم، أن تسحبها إلي موجها.. راغبة في الهروب من تفاصيل الأشياء.. من ملامحه وابتسامته.. من جريدتها إلتي تحمل حروف اسمه.. من أبخرة قهوتها، التي تعيد إلي أنفها شذي عطرة.. تريد أن ترحل بعيداً عن مداه..
ولكنهاحينما فتحت عينيها.. كانت ماتزال تنتظر من قهوتها صورة لوجهه..
تضحك.. فهي تعرف جيداً كيف تضحك.. وكيف تلصق علي شفتيها ابتسامة فتاة اخري.. تعرف متي تتوقف عن الحديث ومتي تتحدث.. تعرف متي تأتي إليك ضاحكة، وكأن شيئا لم يكن.. تعرف كيف تخبر صديقتها، أن لا شيء يوجعها.. بينما هي تسقط بداخلها إلي هاوية الألم.. هي تتقن فن الضحك بينما يموج البكاء في مقلتيها..
يتعالي صوتها الغاضب.. تثير زوبعات من الحزن في صباحاتي.. دون سبب يُذكر.. تحيل ساعاتي القليلة في كوكبها إلي جحيم.. أحاول أن أطرد سخطي عليها . فلا تنفك توبخني وكأن لا هم لها سوي تأنيبي.. هي موقنة أنني سأكتم غضبي كعادتي، وأحتمل ألمي وحدي.. فأنا لست معتادة علي مشاركة وجعي مع أحد.. لكنها لا تبالي.. حينما تأخذ استراحة من صب جام غضبها علي رأسي، أتنفس الصعداء.. وألجأ إلي أوراقي أبثها بعضاً من همي.. وأرمي علي سطورها، قليلا مما أحمله من وجع.. كي أفسح مكاناً لما ستمنحني أياه من غضب جديد.
يحتشدون في غرفات قلبي.. يضجون في شراييني كما يشاؤن.. يتناسون أني أحتاج للنوم أحيانا.. يظلون في غدوهم ورواحهم في طرقات نفسي.. يتجادلون حول من سيمنحني الألم القادم.. ومن سيتفوق علي الآخرين في إراقة دمي.. يتبادلون الأدوار.
في تلك المسرحية التراجيدية، التي سيعرضونها علي جمهور سنواتي..
سيخرج أحدهم من أوردتي، ليلملم حروف خطبته العصماء من واقعي، ويعود من جديد مع أول شعاع شمس سيلامس مسامي..
سيظلون في هرج ومرج، حتي يأتي طيفه فيخلصني منهم.. وبينما يطاردهم حتي آخر شريان، تاركا أثره بدلا منهم.. أظل أنا أقتفي أثره علي أمل بعودته.. بينما كلي يقين أنه لن يعود .
تامارا
كنت قبل مجيئها أحاول أن أختبئ من ذاكرتي.. أغوص في أرجاء النسيان باحثة لي عن أي مأوي أسكنه.. كنت أحاول الاختفاء من هويتي حتي الألوان ماكانت بقادرة علي إعادتي إلي سابق عهدي.. أخبرت صديقتي منذ أيام أني أفتقد إلي تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تخجل من إلقاء التحية علي أي شخص.. تلك الفتاة التي كانت تتقافز كما الفراشة دون أن تسجل في ذاكرتها أي رائحة زهور.. أخبرتها أني أشتاق إلي طفولة تلك الفتاة وعذوبتها وانهماكها في سطور الكتب.. فتاة لم تكن تعرف عن الواقع شيئا.. فجأة تبدل عالمها إلي عالم آخر لن أخوض في الحديث عنه يكفي أن أقوله انه عالم لا هوية لها فيه
ثم أتت هي بكل شراستها ورقتها لتذكرها بتلك الفتاة.. ولتعيد لي بعضا من سعادتي المفقودة..
لا أعرف كيف أصف يومي معها.. ففي الصباح أستيقظ علي مشاكستها لي . تروح وتجيء فوق وسادتي وهي توقظني برقة..
تمرر كفها الرقيق علي وجهي فلأ أملك إلا أن أستيقظ  تغمرني السعادة.
أودعها قبل أن أذهب إلي عملي فتمد رأسها تشم عطري في الثياب وترفع كفها وكأنها تودعني ثم تتركني أذهب وحينما أعود أجدها نائمة فوق فراشي وتستيقظ حالما تسمع صوتي..
تحتل التلفاز ومكتبي طيلة اليوم وتحب مشاركتي الغداء وفي المساء تتسلل إلي الفراش وتختبئ بين ذراعي كطفل صغير.. أحيانا يحلو لي مشاكستها واستفزازها.. فهي تكره الصوت العإلي وتغضب حينما أجذبها من ذراعها أو حينما أمرر يدي علي ذيلها.. تحب أن امشط لها شعرها لكنها لا تحب حينما أنكش لها شعرها كما أحب أن أفعل دوما.. أحببتها سريعا وكأنني كنت بانتظارها لتعيد لحياتي ألوان كثيرة فقدتها.. أعادت الدفء إلي غرفتي الصغيرة.. أصبحت صديقة مقربة لي.. تعلم عني الكثير ويحلو لها إن تنصت لي وأنا أحدثها عن ذكريات كثيرة عشتها.. أصبحت تتسلل كل ليلة إلي ذراعي وتجلس مستكينة تسمع حكاياتي.
هي تعرف عني ما لايعرفه أحد.. هي تعرفني كما لم يعرفني أحد.. هي تشبهني كثيرا جدا..
قد لا تكون رائعة الجمال لكن جمالها يكمن في انجذابي لها.. . هي ليست مجرد قطه شيرازي اتت إلي عالمي بمحض الصدفة.. وإنما هي وجه آخر لي. 

طارق عبد العزيز

حاصل علي ماجستيرمن كلية الفنون الجميلة بالزمالك – جامعة حلوان– قسم الجرافيك وعضو عامل بـ »‬نقابة الفنانين التشكيليين ..و نقابة الصحفيين و جمعية محبي الفنون الجميلة».
أقام العديد من المعارض الخاصة منها
معرض »‬حرية» بقاعة المكتبة الموسيقية بدار الأوبرا  2011 ومعرض »‬صحبة فن» بجاليري وورلد أوف أرت بالمعادي  2013.
كما شارك في عدد من المعارض العامة من بينها : معرض ملصق الاتصال المرئي الجماهيري  »‬2000 عام ثقافة السلام» تنظيم اليونسكو 2002، معرض »‬يوم المرأة العالمي»  بالأوبرا  2012، معرض »‬ملامح مصرية» بمركز الهناجر 2012 ومعرض »‬تحيا مصر» بقاعة صلاح طاهر بالأوبرا 10 / 2014، كما صدر له كتابان: »‬حلوة بلدنا مصر» و »‬مصطفي حسين .. عبقرية فنان» .
نال طارق عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها جائزة الرامح ثلاث مرات أعوام 1998-1999-2000 و جائزة لجنة التحكيم عن مسابقة لتصميم بوستر أقامته اليونسكو عام 2000عن ثقافة السلام. وله مقتنيات فنية في متحف الفن الحديث بدار الأوبرا ومتحف كلية الفنون الجميلة ودار الأوبرا المصرية ودارأخبار اليوم.