رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

اجتياح العراق


فولاذ عبد الله الأنور
12/23/2017 10:52:30 AM

من الذي دلَّ عليكِ يا بغدادْ
من الذي دلَّ علي أسوارك الشُّم،
تضعضعتْ إلي الترابْ؟
أجهزة التلفاز في البيوت،
تنقل الدُّخان واللهبْ
وتنشرُ السوادْ
....
ما كلُّ هذه الصواريخ التي،
تسقط من عليائها علي العراقْ
وتحتسي من دمه المراقْ؟
....
التتريّ عاد يهتك الحُجُبْ
ويحرق الحدائق المعلقات عن يمينهِ،
وعن يساره يقتلع العُشبْ
كالنار تمشي في الهشيم،
كالذئاب في الدروب،
والجراد في القَصَبْ
....
التَتَريُّ عادْ
كأنه ما كان من قبلُ أتي،
بالجند والعتادْ!
أو أنه ما كان قد ساق أمامه الرياح،
والنيران والحطبْ!
وأشعل القلاع والبيوت والرحابْ
وأغرق النهرين بالأحبار والكتبْ
وهتك الحجابْ.
....
ماء الخليج صاخبٌ
يفور بالجنون والجحيمِ،
يضرب العراقْ
الماء غطته الأساطيل التي،
مدّت مماشيها علي شط العربْ
لتعبر المصفحات والمشاة،
والطوابيرُ إلي حاضرة العربْ
تحت غطاء القاذفاتِ والقنابل التي،
تهطل من فوق السحابْ
وتنحني نازلة كالقوسِ،
فوق هامة البيوت والبشرْ
تدكّ جبهة العراق كالمطرْ
مطرْ
  مطرْ
   مطرْ
وبدرُ شاكر السياب نائم ٌ،
تحت الترابْ
يسفّ من دُخانها يشرب من عبابها،
ويسمع المطرْ
ويسمع القري تئنّ والمهاجرينْ
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوعْ،
عواصفَ الخليج والرعودْ
مطرْ
   مطرْ
      مطرْ
....
الموت والدمار يقبلان بالطبولِ،
والرعود والصخبْ
الموت والدمار يعصفان بالبلادْ
كالنار تمشي في الهشيمِ،
كالذئاب في الدروبِ،
والجراد في القَصَبْ
ويلتوي النخيل عن طينتهِ،
وينحني العسيب
يسقط الرطبْ.
....
وشاشة التلفاز في البيوت،
ترسل الدخان والشّواظ واللهبْ.
ونحن جالسون في البيوت،
نرتقبْ!
....
 التتر الجديد ينهبون أرضنا
ويشربون من بترولنا،
ومن آبارنا،
ويرتوون من أنهارنا،
ويكرعون من مياهنا،
من الفرات والجرار والقِرَبْ!
ويتضلعون من دمائنا حتي التعبْ.
....
التتر الجد يدخلون، يخرجونْ
شدّوا علي بغداد حبلهم،
وجرّروا حرائر العراق من خدورهنّ،
حبلوهنّ علي قارعة النّصُبْ.
ويسقط العراق هيّناً أمامنا،
وينطوي التاريخ، والأمجادُ، والكُتُبْ
....
أبكي علي خاصرة النهرينْ
أبكي علي حاضرة الشرقِ،
ومعقل الأجداد
أبكي عليك يا بغدادْ
أبكي علي أمّ الربيعينِ،
التي تنوء بالدمارْ
ونحن جالسون في البيوت نرتقبْ
ونشهد الخراب والشنار عن كثبْ
....
عيوننا شاهدةٌ،
قلوبنا باردةٌ،
عقولنا ينخرها الحطبْ
....
انكسرت نخوتنا،
وانشطرت عزّتنا،
واحتلنا حكامنا الخشبْ.
....
انتزعوا من قلبنا غيرتنا،
ويبّسوا أقدامنا،
واقتلعوا من فمنا الغضبْ.
اليوم تنطوي بغداد من خارطة العصرِ،
ومن ورائها حلبْ.
....
 أعداؤنا يأتوننا،
من عندنا نحن العربْ
....
وربّما أتوا بعد اغتيال من تولّوا أمرنا،
من زعماء خائنين،
أو موالين عربْ
وربما أتوا بعد إزاحة المهيمنين،
من حكامنا النُّجُبْ
....
وربّما أتوا يطوقوننا من جهة الغربِ،
من البوادي والهضبْ.
أو أنهم ينحدرون نحونا،
علي مسطحات نهر النيلِ،
هابطين من شلالة المصبّ
من كل صوب وحدَبْ.
....
البطل الذي مضي،
وغاب كي يعودَ،
لم يؤُبْ
ونحن مشغولون عن عدوّنا،
ما بين سنّة وشيعة،
وبين كُرد، وعربْ
أو قرشيّ خالصٍ،
أو هاشميّ مُنتسبْ.
أو آخرٍ عروقُهُ رُوميةٌ،
أو حاكمٍ بلا نسبْ
ولا حسبْ.
....
البطلُ الذي مضي وغابَ،
كي يؤوبَ، لم يؤبْ.