رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

البحث عن هدي


جليلة القاضي
12/23/2017 10:54:25 AM


تجلس علي ناصية أهم شارعين في وسط المدينة. تبيع المناديل الورقية. متشحة بالسواد، خمرية اللون، ذات تقاطيع منمّقة. أسرتني منذ النظرة الأولي. صرت ابتاع منها بضاعتها وأجزل في العطاء كي لا أجرح كرامتها. في ليالي الشتاء القارصة، أضع في يدها مبلغا من المال وأهمس في أذنها: روحي يا هدي. صارت علامة مميزة في موقعها أمام الصيدلية. أتجاذب معها أطراف الحديث، أحنو عليها، أود أحيانا لو استطعت احتضانها، أربت علي ظهرها، اصطحبها إلي شقتي القريبة، تأخذ حماما دافئا، أعد لها عشاء ساخنا، أدعوها للنوم في فراش حكيم.... لم أفعل هذا قط.. جبانة أنا، أصنع سيناريوهات في رأسي لا تري النور... اختفت هدي لعدة أسابيع، كنت أمر أمام موقعها، أتوق لرؤيتها، ينتابني قلق بالغ ظهرت هدي مرة أخري، فقدت نصف وزنها، وجهها شاحب، عيناها زائغتان. "السكر هراني يا دكتورة". أضيف المرض للفقر. بدأت هدي تذوي. مع ثورة يناير، واحتلال الباعة الجائلين للأرصفة. فتحت آفاقاً جديدة لهدي. أصبحت تبيع لعبا للأطفال، فقيرة، ورديئة الصنع. قرود تمسك بطبلة، تضرب عليها وهي تتدحرج علي الرصيف، عرائس صغيرة ترتدي أردية وردية، تتحرك بمجرد الضغط علي زر يشغل البطارية. تخلت عن غطاء الرأس. لم أطرح عليها أية أسئلة، استمررت في مساعدتها. أحيانا، كنت أتجاهلها غير متعمدة، أثناء هرولتي لركوب تاكسي العاصمة، أتلافي النظر إليها. أتأسف لها بعد ذلك، تتفهم وتسامحني. بعد.٣ يونيو، ونقل الباعة الجائلين من أماكنهم علي أرصفة وسط البلد اختفت هدي مرة أخري وبدأت رحلة بحثي عنها.
عودتني علي اختفائها وظهورها المباغت. هذه المرة لم تظهر أبدا. ذهبت إلي موقع تجميع الباعة الجائلين الجديد في شارع الجلاء. لم تكن بينهم. سألت عنها في الصيدلية حيث كانت تسوق بضاعتها أمامها. لايعرفون عنها شيئا. جبت شوارع وسط البلد في رحلة البحث عن هدي. أسائل بائعات الليمون والمناديل الورقية والخضار اللاتي سمح لهن بالتواجد علي الأرصفة. في النهاية، عندما بدأ اليأس يتسرب إلي نفسي لاحت بارقة أمل. "أعرفها جيدا"!، قالت العجوز المقددة، "تقطن في القصيرين". يا للمصادفة، نفس الحي الذي تسكن فيه عواطف، مديرة منزلي. القصيرين، إحدي شياخات حي الزاوية الحمراء الذي يقع بين شبرا وحدائق القبة. منطقة عشوائية نشأت علي الأراضي الزراعية، تطل علي شارع بورسعيد. تتابعت في مخيلتي، مشاهد الشارع في فترات زمنية مختلفة: حين كان بعده قناة، ضاربة جذورها في التاريخ القديم. حفرها سيزوستريس أحد ملوك الأسرة الفرعونية الثانية عشرة. مأخذها عند فم الخليج في مصر القديمة، تخترق المدينة متجهة نحو الشمال حتي تصل إلي مدينة القلزم، السويس حاليا، حيث المصب. كانت محاطة بدور أنيقة مزدانة واجهاتها بمشربيات وشرفات خشبية في تناسق بديع، الشارع في نهاية القرن التاسع عشر عند ردمه. احتفظ باسمه، الخليج المصري، الشارع في بدايات القرن العشرين حين سيرت فيه عربات الترام، توسيعه وإزالة كل المباني الجميلة التي كانت تطل عليه، التوسعة الثانية في نهاية الخمسينيات وتسميته ببورسعيد، ثم بناء كوبري غمرة العلوي الذي يخترقه، رحلتي الأسبوعية بالترام في السبعينات إلي شادر السمك واستمتاعي بمشاهدة الباعة وهم يعرضون بضاعتهم علي الركاب: إبر لتسليك وابور الجاز، أمشاط كبريت، مشابك للغسيل، بنس للشعر، شربة الحاج داوود تخلصك من الدود... السوق بأسماكه المتنوعة وهي تتلوي في النزع الأخير من فرط طزاجتها، مساوماتي مع الباعة، ثم رحلة عودتي إلي المنزل سعيدة بغنيمتي وأنا أعد أطباقا شهية في مخيلتي، اختفاء الترام في بداية التسعينات من القرن الماضي، نقل شادر السمك الكائن عند مدخل القصيرين إلي مدينة العبور وتحول موقعه إلي حديقة، " مش قلتلك يا دكتورة، منطقتنا أرقي منطقة في الحتة، ده فيها جنينة كبيرة". انتزعتني عواطف من ذكرياتي، قالت: "ازاي بس يا دكتورة اروح اسأل علي واحدة اسمها هديء ده ممكن يكون فيه ميت هدي.."..."اتصرفي يا عواطف بقي، دا انتوا قبيلة في القصيرين ومن أوائل سكانها، هاتيلي عنوانها وليكي الحلاوة... حاولت أن تسأل علي سبب اهتمامي بها، أوقفتها بحركة من يدي. مر أسبوعان قبل أن تجيي، بعنوان هدي." ده هاني، ابنها، تعب قوي يا دكتورة علي مالقاها...تحبي آجي معاكي لما تروحي، انتي ما تعرفيش القصيرين، دي ساكنة في آخرها، منطقة ما يعلم بيها الا ربنا..." خطفت منها الورقة التي خط بها العنوان، فتحت حاسوبي وحددت العنوان علي الخريطة. ارتديت نقابي حتي لا اثير الفضول، توجهت إلي القصيرين صباح اليوم التالي.
قلت لسائق التاكسي، اذهب بي إلي شارع بورسعيد عند كوبري غمرة. نظر إلي من خلال المرآة، قال، "ما بقاش فيه شارع اسمه كده يا مدام ". لم افهم في البداية، ازاي؟ "ده بقي قناة زي الاول، أصل لا مؤاخذة.." لم اتركه يكمل، قاطعته وأنا غير مصدقة: امتي حصل ده؟.." امبارح، حفروها بليل.." انت بتخرف يا راجل انت؟" الله يسامحك يا حاجة، خدي مني المعلومة السليمة.." نزلت في شارع رمسيس عند الدرج المؤدي لكوبري غمرة. في رحلة صعودي، مع اقترابي من القمة، يصل إلي مسامعي ضجيج، أصوات صاخبة، صراخ أطفال يلهون. عند وصولي لنهاية الدرج، وقفت مشدوهة أمام المشهد الذي انفتح أمامي: تجسد الخليج المصري كما رأيته وقرأته في كتب التاريخ... مسيرة من القوارب تتقدمها مراكب تحمل قناديل ملونة تؤم أمراء وأتابك المماليك، تليها قوارب الأعيان كبار التجار، ثم عامة الشعب. امتلأت الشرفات بالنسوة يزغردن ويلقين بالورد علي الركاب في جو من المرح والبهجة. كان اليوم الاحتفال بفتح الخليج واطلاق مياه الفيضان فيه. لمحت هدي في أحد القوارب علي الرغم من إخفاء وجهها ببرقع خفيف. أخذت أشاور لها وأنا أصرخ باسمها، نظرت تجاهي دون التعرف علي شخصيتي بسبب نقابي. أخذ القارب الذي يقلها يبتعد عن مكاني. قفزت في أحد القوارب الخالية، أخذت أجدف بكل قوتي كي ألحق بها، بدأ ركاب القوارب الآخرون في ملاحقتي. أسرعت، صار قاربي في موازاة القارب الذي تستقله، اقتربت منه، اصطدمت به، اختل توازنه، سقط جميع الركاب في القناة. حدثت جلبة عظيمة، اختلطت فيها أصوت ارتطام القوارب بعضها ببعض، صراخ النسوة في الشرفات واستغاثات من هم علي وشك الغرق. قفز البعض في الماء لانقاذ الركاب. قفزت بدوري، ملأ الماء جلبابي، صرت كالبالونة السوداء. توجهت ناحية هدي لانتشالها، إلا إنها اختفت تماماً وهبطت إلي القاع.
عندما أفقت، وجدت نفسي ممدة علي طاولة في قسم الوايلي. ما زالت ملابسي مبللة، كان أخي يقف عند رأسي، تحدث مع شخص أخر لم أميزه، قال إنه سيأخذني إلي المنزل بعد أن اوقع علي تعهد يقضي بعدم تعرضي لهدي. انفجرت باكية وأنا أهذي مرددة بدون انقطاع أن هدي غرقت في الخليج المصري. ربت أخي علي رأسي واقتادني خارج القسم. لمحت هدي تجلس علي الرصيف، نظرت إليَّ بأسي، حاولت الاقتراب منها بصمت، أشاحت بوجهها عني. جذبني أخي من ذراعي بعنف، أجلسني في السيارة وهويتمتم بكلمات لم أتبينها. في الطريق إلي منزلي، قررت أن أعاود البحث عن هدي في الغد.
اخترت الذهاب للقصيرين بالمترو إثر قضاء مشوار في مصر القديمة. كانت دهشتي عظيمة حين رأيت عربات الترام مصطفة عند فم الخليج، بداية شارع بورسعيد. سألت أحد المارة، قال إنهم أعادوا تسيير الترام بعد عمل متواصل استمر عدة أيام. صعدت في إحدي العربات، جلست بجوار النافذة وأنا أمني نفسي برحلةً ممتعة. أري مدينتي بعيون جديدة. أتأمل العمارة والبشر والترام يتهادي، يرتج ويتوقف. لم أشعر بمرور الوقت، ولا بكوني الراكبة الوحيدة في العربة، سوي عندما توقف الترام تماماً في نهاية الخط، أمام سوق السمك. أعادوه إذن إلي مكانه القديم بعد قضائه عشرين عاما في مدينة العبور. وضعت يدي في جيب جلبابي، قبضت علي الورقة التي تحمل عنوان هدي، اتجهت كالمنومة إلي السوق. كانت الشاحنات تفرغ حمولتها من الأسماك المتنوعة. الباعة يخرجونها من الصناديق ويصفونها علي طاولاتهم بطريقة تلفت النظر، كل يتفنن في عرض بضاعته بشكل متميز. أخذت أتجول وسط عطايا البحر من قشريات وأسماك متفاوتة 

في الحجم والشكل والنوع، كأني في متحف للأحياء المائية. أدور حول الطاولات، أطرب لرؤية أسماك التونة وقشر البياض والقاروص التي تتصدر المشهد، أغازل المرجان والبلطي والبوري والبربوني وهو يتلوي ويقفز لتحيتي، أرنو إلي فواكه البحر من الجمبري والقواقع والكابوريا... كدت أنسي المشوار الذي جئت من أجله. بدأت الرطوبة تتسلل إلي جسدي من فرط تشبع الأرض بالماء. أفقت من حالة العشق الصوفي التي تلبستني علي أصوات مشادة بين بائعين. بدأت بالتراشق بالألفاظ لتتطور إلي تراشق بالأسماك. هرولت تجاه باب الخروج. قبل أن أدلف منه، لمحت هدي أمام إحدي الطاولات في ركن قصي من السوق. اتجهت نحوها ببطء، عند اقترابي منها، لاحظت أنها حامل في شهرها الأخير. لم تلتفت لوجودي بسبب نقابي. تقلص وجهها فجأة، انحنت، وضعت يدها داخل جِلْبابها، أخرجت طفلا وليدا بإحدي يديها، ضاع صراخه وسط ضوضاء السوق، تناولت المقص باليد الأخري، قصت الحبل السري، وضعت الطفل داخل سبت ملقي علي الأرض، والمشيمة داخل كيس، حملت الاثنين، تبعتها عن بعد. شاهدتها وهي تلقي بالاثنين علي كوم فضلات تنظيف السمك والصناديق الفارغة الواقع في الجانب الآخر من الحلقة. عادت مرة أخري لطاولتها، برباطة جأش تحسد عليها. استأنفت عملها. عندئذ، كشفت وجهي، بادرتها قائلة: " ايه اللي انتي عملتيه ده يا هدي، تتخلصي من ضناكي؟" انتفضت عند رؤيتي، تحول وجهها الصبوح الجميل إلي وجه لبؤة شرسة، تجز علي أسنانها وتلمع عيناها قبل الانقضاض علي فريستها. ضربتني في كتفي وهي تصرخ: "انتي ايش حشرك يا ست انتي، هتتبلي علي، غوري من وشي قبل ملم عليكي أمة رسول الله."....فقدت القدرة علي الحركة، أصبت بالبكم، شفاهي تتحرك وفمي مفتوح دون أن يخرج منه أي صوت. استغلت لحظة شللي الوقتي، أخذت تستغيث بزملائها من الباعة ومعلمات السوق،. التفوا حولنا مشهرين المقصات والسكاكين يريدون الفتك بي. عندما استعدت صوتي، حاولت أن أصف لهم ما شاهدت وأنا أشير إلي المكان الذي ألقت فيه بطفلها. اتجهت بعض النسوة إليه،عدن حاملات دليل إدانتي وجنوني، لم يكن هناك أي أثر لطفل حديث الولادة. نعتوني بأقذع الألفاظ، أبشعها أني "أكيد إخوان". تسارعت أياديهم لتمسك بي، جذبوني من جلبابي،أحاول الخلاص من قبضتهم وأنا أصرخ باسم حنفي، بائع السمك الذي يعرفني منذ الطفولة. تعالت ضحكاتهم وتعليقاتهم الساخرة، "حنفي مين يا حاجة، الآنسة ولا إسماعين ياسين".. دفعوا بي حتي باب الخروج وسط سيمفونية من الشتائم والوعيد، في مشهد النهاية، ألقوا بي علي قارعة الطريق. لا أعرف كم من الوقت مضي إثر صدمة ارتطام جسدي بالأسفلت وعودة الوعي ومحاولتي الأولي للنهوض. شعرت بأوجاع في كل أعضائي، أخذت أدلك ساقيَّ وأحركهما للاطمئنان علي خلوهما من الكسور. شعرت بيد تربت علي رأسي وذراعين قويتين تحملاني من الخلف لمساعدتي علي الوقوف. كانت عواطف وابنتها رباب عائدتين إلي منزلهما في القصيرين عندما شاهدتاني مكومة علي الرصيف. "سلامتك يا دكتورة،" قالت عواطف بحزن وشفقة، "مش قلتلك الناس دي لبط وما تروحيش لوحدك "....خرج صوتي مخنوقا متحشرجا، "دي هدي، هدي يا عواطف، شفتها واقفة علي طاولة، بتبيع سمك..." قاطعتني قائلة وهي تنقل نظرها بيني وبين رباب،" سوق سمك ايه يا دكتورة اسم الله عليكي، ده شالوه من زمان، مش شايفة الجنينة اللي مكانه "،.أخرجت موبايلها من حقيبتها، خمنت أنها علي وشك الاتصال بأخي، منعتها قائلة إني بخير، بوسعي العودة للمنزل كما جئت، بالتروماي. صاحت عواطف، "سلام قول رب رحيم، تروماي ايه يا دكتورة.ياريت.لسه موجود. كان رحمنا من الميكروباص، تعالي اركبك تاكسي وروحي علي البيت...."
أثناء انتظارنا لقدوم عربة الأجرة، شاهدت هدي وهي تحمل بين ذراعيها طفل رضيعا تلقمه ثديها وتستعد لركوب الميكروباص. تملصت من قبضة عواطف وجريت نحوها كي ألحق بها، اختفت داخل العربة، حال بيني وبين الصعود المنادي قائلا بفظاظة، "خلاص يا حاجة، كومبليه، خدي اللي بعده.
 ارتديت نقابي وخرجت للبحث عن هدي. تأكدت من وجود العنوان في جيب جلبابي: عزبة عبد القادر، آخر القصيرين. أوقفت سيارة أجرة، طلبت من السائق التوجه إلي شارع بورسعيد في الوايلي. حاسبت ونزلت عند حديقة السندباد الكائنة إمام مدخل القصيرين. قالت عواطف أنها شيدت مكان سوق السمك الذي تم نقله إلي مدينة العبور في التسعينات من القرن الماضي. قالت أيضا إن تذكرة الدخول صارت بعشرة جنيهات، وإن كل لعبة بالداخل سعرها خمسة جنيهات. فهمت الآن لماذا كل الحدائق العامة المسورة خالية من الرواد. الأغنياء لهم حدائقهم الخاصة. الطبقات الوسطي الميسورة تفضل الذهاب للمولات. الشرائح الأدني ترتادها في الأعياد والمناسبات. يظل كورنيش النيل نزهة الفقير.. شعور غريب ينتابني وأنا أتجول كالشبح في الفراغ العام، بلا وجه أو جسد أو هوية أو جنس أو لون. أري الناس ولا يروني. الشارع الرئيسي منتظم، تحفه بعض الأشجار، بناياته ككل بنايات المناطق العشوائية، معظمها بدون طلاء، فقيرة المظهر، تتباين ارتفاعاتها، يحتل دورها الأرضي كل أنواع الحرف والتجارة. كلما توغلت في الداخل، يتغير المشهد:. تضيق عروض الشوارع، وتصبح أقل انتظاما، حتي تتحول إلي متاهة كبيرة من الحارات المتعرجة تكون نسيج بلا معالم واضحة ومنازل واطئة شبه ريفية، غارقة في مياه الترانشات الفائضة. علي تخوم هذا البؤس العمراني، عزبة عبدالقادر حيث مأوي هدي. ناديت علي فتاة صغيرة، كانت تلهو في المياه العطنة، عادت نحوي دون إبداء أي خوف أو انزعاج من نقابي. أعطيتها بعض الحلوي، سألتها عن هدي، مدت لي يدها المتسخة وقادتني إلي منزل غير مكتمل مكون من دورين تعلوهما أعمدة خرسانية، كان البيت الوحيد في العزبة المشيد بالمسلح. قالت أن هدي تقطن في الدور الأول. ضغطت علي زر الجرس عدة مرات قبل أن ينفتح الباب ويظهر رجل أربعيني تبدو عليه علامات الشقاء، والمرض والإدمان والبلطجة، سعل بشدة وبصق في الأرض قبل أن يسألني بصوت أجش: يلزم خدمة؟ قلت إنني أبحث عن هدي، قال: وحضرتك ولا مؤاخذة تبقي مين وعايزاها في ايه؟ كشفت عن وجهي لطمأنته. لخصت له علاقتي بهدي وتطورها وجزعي من اختفائها لذا وددت الاطمئنان عليها ومساعدتها.... كان ما زال واقفا يسد الباب بجسده دون أن يدعوني للدخول. أطرق برأسه، رفعها، رأسه، قال بتحد: بس هدي مش هنا، راحت القرافة. "يا خبر، ده أنا نسيت، النهاردة الخميس يوم الزيارة، طيب، هتيجي امتي، ممكن استناها تحت، أو أرجع مرة ثانية العصر....... قاطعني ببصقة أخري، وجه لي نظرة حادة، ارتفعت نبرة صوته وهو يقول: قلنالك يا مدام راحت القرافة، اللي بيروح هناك ما بيرجعش يا ماما، فهمتي.... شعرت بالرغبة في القئ، كل شئ مقزز هنا، هذا الرجل الفظ، هذا المنزل غير الآدمي، هذا الحي البائس، مسكينة هدي، كان مكانها علي الرصيف، أمام أجزخانة دلمار، أفضل كثيرا من هنا...
إذن ماتت هدي، يمكن مرضت، تعذبت صرخت من الألم، بكت ولفظت آخر نفس دون وداع. يمكن رحلت بهدوء أثناء نومها، داهمتها كومة سكري. يمكن...هرولت علي الدرج قبل أن أفرغ ما في جوفي في وجهه، عند وصولي للدور الأرضي، اخترقت سمعي أصوات سعال انتهيت ببصقة ثالثة، وباب يغلق بعنف. في الخارج، أخفيت وجهي مرة أخري. في طريقي لشارع بورسعيد، صادفت عواطف وابنتها رباب، وحنفي بتاع السمك، وبعض النسوة اللاتي شاركن في طردي من السوق، ومنادي الميكروباص، وأخي، ومعاون قسم الوايلي... لم يتعرف عليَّ أحد بسبب نقابي، لم أفصح لهم عن شخصيتي. كنت حزينة وفي حالة حداد علي هدي.
عند مغادرتي للتاكسي الذي أقلني من شارع بورسعيد إلي  منزلي في وسط المدينة، شاهدتها جالسة في مكانها المعتاد علي ناصية شارعي ٢٦ يوليو وعماد الدين، أمام أجزاخانة دلمار، تبيع المناديل الورقية. ابتعت منها لفتين، وضعت في يدها ورقة بمائة جنيه، وهمست في أذنها، روحي يا هدي….