رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

قصتان


حمدان عطية
1/6/2018 10:48:44 AM

النهر الجديد
أري في تدفق الحشود علي أرصفة المترو؛ احتدام العناصر تحت الأرض، تفجر الينابيع الحالمة بالجريان، احتشاد النمل لنقل كنوز مخبوءة، ومن قلب هذه الحشود الفوارة عبر الجهات الأربع؛ أراها تتابع رقصها الأبدي نحو اللانهائي.
وعلي حين بغتة، ضرب نيزك هائج حافة الأرض، فاختل إيقاع الرقص، ففتح في جدار المترو ممرا هرب منه المسافرون فزعين، فراعهم وادٍ من النمل الأبيض، يَجِدُّ في إصلاح ما تحطم من أبنية للتو فرغ من إقامتها؛ جماعات تمضي مسرعة لإحضار القطع المتناثرة، وتعيد رصّها، وجماعات تنظف آثار الضربة المباغتة، وأخري ترمم تماثيل نضالها عبر الأجيال، وحركة دءوب لم تتوقف لندب، أو أسي؛ إنها تعمل، وتعرف أن بتلات الأزهار ستذبل مع نهاية اليوم!
ذُهل المسافرون وأحسوا بالخجل؛ كيف نتدافع هكذا؟! لقد حدث ما حدث؛ لنفهم الأمر، ونتدارك، عادوا إلي الأرصفة فوجدوا ماءً يجري فوق القضبان، وأسماكا تلعب عكس الاتجاه فانخرطوا في الضحك، ارتفاع الماء يزيد بسرعة عجيبة حتي قارب الأرصفة، قفز بعضهم وعبر إلي الجهة الأخري، وآخرون محرومون من منظر الماء الجاري، قفزوا يلهون، والسلطات تنادي عبر أجهزة الإذاعة: لا داعي للقلق والذعر، الأمور تحت السيطرة، نحاول الآن فتح ممرات المياه إلي باطن الأرض، فتضحك الأرض؛ كيف سأعاود الرقص أيها البلهاء، لقد مال جانبي!
تحول المترو في لمح البصر إلي حمام سباحة طويل، كل المسافرين الذين صعدوا، أخبروا ذويهم، جاء الصبية وأبناء المناطق الشعبية، يتوقون للخروج من أماكنهم الضيقة، يقتلهم الصخب علي مهل، وعوادم السيارات، لا شيء أخضر يصافح عيونهم الذابلة، جاءوا إلي النهر الوليد، فهو نهر نموذجي، بكر، لم تعكر صفوه قاذورات المراكب الثابتة ولا السيارة، ولم تعبث به يد بَعدُ، ماؤه أزرق بلون السماء الصافية، ذو شواطئ آمنة، حتي إن بعض النسوة الفقيرات فكّرن في إقامة مرعي قريب، وأخريات في إقامة ملهي ليلي، لكن الرجال مالوا لإقامة فيلات تطل شرفاتها علي النهر الجديد! ليعبوا صدورهم بهواء طازج يمحو ما تراكم عليها من سنين العتمة، الريح تصفر في الأعالي، والتراب الخفيف يغطي الشوارع والناس تتسابق في الهبوط، يقيمون منازلهم الخشبية علي جانبي النهر، جاءت السلطات بخبرائها ومهندسيها لدراسة الأمر، الجموع تتوالي، والتحكم فيهم صار ضعيفا، تتبع الخبراء مصدر المياه؛ لقد كان خلف آخر محطة للمترو جبل، حين اصطدم النيزك الهائل أطاح به؛ فانكشف عن نهر عظيم، تتسلل منه فروع كثيرة جهة البحر، لكن الإطاحة المفاجئة أطبقت عليها جميعا، فانقلب المجري بقوته المتوحشة جهة المترو، أطاح بمتاريسه وتشققت حوائطه، لتشق المياه لها مسارا بفعل الضغط، راحت ينابيعه تتسرب ببطء تحت العمارات الموجودة علي جانبيه أعلي السطح، فتخلي السلطات سكانها وتعلو بالشواطئ، زادت المياه وسطعت الشمس عليها متلألئة والقادمون من المناطق الشعبية احتلوا واجهة المدينة!

القرصة
يلتقيان كل أسبوع عند بائع الكتب ولا يتحدثان، هذا اليوم اكتشفا أن هناك رابطا خفيا ظاهرا؛ انخرطا في حديث عن الكتب السماوية،كان هو  قد سبقه فالتقط نسخة من العهد الجديد لها غلاف زاه، تجلس مريم العذراء ببراءة جذابة تحمل رضيعها، ينظر لأمه في استغراق تام، حدّثه عن بابل القديمة والخروج.
انبهر بحديثه: قرأت عن بابل والبرج الذي فتن الناس، إنهم مولعون حتي الآن بالفكرة، يبنون أبراجا عالية كأنما يتوقون للوصول للسماء والنفاذ إليها!
وقف الرجل مذهولا لفيضه في الحديث مغتبطا، تبدو ملامحه أكبر من صاحبه فلحيته الخفيفة بيضاء بالكامل، أفرغ بائع الكتب عبوة كبيرة من الكتب القديمة وتزاحم القراء ليشاهدوا العناوين، مَدَّ الرجل يده وقرصه في خده قرصة الغبطة والفرح به، مودعا حتي يشاهد ما أفرغه البائع علي الأرض؛ متابعا: لابد أن نلتقي ثانية!
دار دورتين حول الكتب القديمة المتناثرة ومضي، حين اختلي بنفسه أحس بلهيب يدب في موقع القرصة تماما، فوبخ نفسه: لِمَ لم أمنع هذا التجرؤ علي وجهي! ولماذا تخاذلت؟!
لكنه سارع: ليس بيني وبين الرجل عداء، إنه لقاء عابر.
قطع عمله هذا اليوم وعاد إلي بيته
لم يحادث أحدا..
صنع قهوة حتي ينفض هذا الهاجس اللعين الذي يدوّي حوله كذبابة طنانة ملحاح، يطردها من اليمين حتي تأتيه من اليسار؛ أنا تخاذلت ووقفت مستسلما متجمدا كتمثال، وأرقت كبريائي مع رجل علاقتي به عابرة، لماذا أندمج هكذا سريعا مع أناس لا أعرفهم جيدا؟! هذه هي النتيجة تجرؤ فادح، أتعثر فيه، بدا عصبيا، أهمل هندامه حتي إنه ذهب للقاء الأصدقاء ولم يحلق ذقنه لأنه كان خجلا أن ينظر في المرآة!
 فغامت ملامحه الرائقة خلف الشعيرات المتناثرة علي وجهه..
اقترب الموعد الأسبوعي الذي يشاهد فيه الرجل فأسرّ في نفسه خطة؛ حين أشاهده للوهلة الأولي سأصفعه علي وجهه في مكان القرصة تماما وأجري خلف العمارات؛ لكنه استدرك: المكان يعج بالمارة والقراء، سيمسكون بك لا محالة وحينها سيكون الثأر لرجل كبير السن من كل الجهات، راح يقلب الكثير من الافتراضات والخطط: سأذهب للقائه ولابد أن أصل لطريقة أرد بها اعتباري! لا بد أن أمسح الإهانة، كل حين أحس باللهيب، أنا أخشي أن تترك لي ندبة مكان هذه القرصة الشائنة!
هذا هو يوم اللقاء..
جاء الرجل ليسلم عليه، تنحي عنه ولم يرد..
ـ لقد جرحتني جرحا هائلا.
ــ ضحك الرجل: سطحي أم عميق؟
رمقه شذرا ودار بعيدا عنه يشاهد الكتب.
حدّث نفسه: لأصفعْه وأمض سريعا، هذه فرصتك حتي تتخفف من هذا العبء الثقيل!
يراوحه إحساس بالجبن، إنه يحفز نفسه لكن لا يستطيع المضي فيما عزم عليه.
وقف الرجل بجواره قائلا:
ــ كيف جرحتك؟
ــ حين قرصتني.
ارتفعت ضحكة الرجل حتي ارتمي رأسه للخلف.
ثم انحني أمامه مقدما وجهه له: هذا وجهي اقرصني، اقرصني بشدة، حتي يلتئم جرحك،
مد يديه وضغط علي خده، والرجل يضحك ويقول: اضغط بقوة حتي تبرأ تماما!
خجل فاحتضنه وقبل بعضهما الآخر وانخرطا في متابعة العناوين، حين نال منه التعب انسحب ليستكمل يومه في عمله الأساسي، يحادث نفسه:
ــ هل قرصت الرجل؟
ــ هل قرصته بالفعل؟
لقد كان يضحك عاليا..
هل يضحك وهو مقروص في وجنته؟!