رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

ذاكرةٌ عذراء


عباس السلامي
1/6/2018 10:56:20 AM


ماذا أفعلُ معَ ذاكرةٍ عذراء؟
ذاكرتي التي لمْ يطمسها النسيانُ أبداً
أعرفُ أنَّ النسيانَ خطيئة
لكني كم تمنيتُ عليها
أنْ تقترفَ تلكَ الخطيئة
كي تكف عن الوخز،
ذاكرتي
التي آذتني.. آه
هل بإمكاني التخلُصَ منها؟
كأنْ أتنازل عنها لإحدي المصحّات
أو أقذفها في بركةٍ، والأفضل أنْ أدسّها في سيل،
أتركها في زاوية ما وأهرب،
أو أضعها في كيسٍ نظيفٍ برّاق لا يثير الشبهات
وأدسُّ الكيسَ تحت مقعدي في الحافلة
وقبل أنْ أصل محطتي
أهبط بلا ذاكرة
 يالَفرحتي!
 وأنا أنظرُ للحافلة وهي تلتهمُ الطريقَ،
تغادرُ مصحوبة بذاكرتي للبعيد!
أسيّرها مثلاً في الزحام علّها تعْلَق بأحد المارة،
أو أصطحبها معي
ولحظة مايكتظّ الشارع بالسيارات
أعبرُ دونَها علي عجلٍ
فأنجو أنا وتموت
ذاكرتي.....
التي تأبي أنْ تموت
رؤيا
تراءي لي أني اتكأتُ عليّ،
 لذ تُ بي، وقلتُ لي بللْ عشبة الروح،
 إرمِ علي الأرض سنارة الوعد،
 هيا اقتربْ،
 فعلي امتداد الرمل هناك
 حشودٌ تعبُّ السراب!
كلماتك منهكة،
 وصوتكَ مغدور،
 وقلبكَ يتقافز كالعصفور،
 وإيقاع نبوءتك يؤرجحك في المهب،
منذ ألفٍ ونيف وهم يعلّقون علي الدرب فزّاعاتهم،
 هنا ليس بإمكانك نزع فتيل الحقد،
حتي لو استحلتَ أنتَ إلي بحرٍ من الودّ!
امضِ لنجمتك الشاردة
 تقصَّ....فهم بإعوجاجهم مازالوا لايرونَ الأرضَ إلاّ مستقيمة،
وأنَّ الأرضَ لايمكن أنْ تكون كالكرة، تدور فيسّاقطون
 وكلّ لمسةٍ منهم ستورقُ مخالب تنهش العابرين
كل حسرة ينفثونها، جمرة في أعين القوم!
خذْ باللغة الطازجة
 وافترشْ صحائفك المشتهاة علي موائد جوعهم الباذخة
 سيلتهمونها بشرهٍ لا يُضاهي،
ويقبضون علي غفلتهم،
 وتفوز أنتَ بالقداسة!
كلّ حرف تفوّهتَ به ينضحُ بالشك
 سيدعسونهُ دون وعي
 ويعبرون كالسيل باتجاهٍ سحيق!
 ستنجو، وخلفكَ موتي بلا شواهد،
 وأمامكَ شواهد بلا موتي،
 ومن كل الجهات دمٌ يتلاطم،
تتوضأُ مازالت منهُ الذئاب!
ياه!
 لا أريد أنْ يطالني رذاذ الوضوء
 ولا أريد أنْ أعوم في الوهم أو أنْ أفرّ من هذا الدم،
 واترك الفرادي مثلي لسطوة الوهم، وسوْرة الدم....
سأستجمع للخلاص ماتبقي من الأيدي التي مادنّسها وضوءٌ كاذب
وسآخذ حتي بتلك التي لم تعرفه!
 لندكّ ما استشري من عبودية مقدسة!تعدو بنا مكبلين إلي الله،
 ونحن عُزّلالاّ من المكابدة
 يا لَوحشة الطريق!أعزلٌ -هو الآخر- حتي من السراب!!
وهم مازالوا يلاعبوننا باللعبة المعتمة
ليغدو للظلام أكثر من صوت!
وتخبو الحناجر في ضجيج الصمت،
حينذاك يسقطون السلاسل الليّنة لتخر لها الرقاب!
 رقاب ليّنة هي الأخري، تترنح تحت طائلة اللاهوت
في معبد كبير تتناسل فيه الشياطين،
 وتفرّ مذعورة منه الملائكة!!
 كل أمنية فيه ملغاة،
 كل رغبة باتجاه القبور مشرعة!
فها نحن ندفع أجسادنا فاتورة لدَيْنٍ قديم!!
هل يخجل الموت، هل يَنْدي لهُ جبين؟
 يوماً ما سأبقرُ بطنَ العتمة، أبقرها بأصبعي هذا المعفَّر بالصدأ
وأخرجُ لهم كنبي لا يعرفهُ أحد!
لستُ بحاجةٍ إلي يقطينةٍ تقيني نظراتهم،
 أو ظل ظليل أتواري فيه بعيداً عن بلادتهم،
 لمْ يكنْ غيابي خرافياً،
 بلْ هو رحلة تغييبٍ في بطن الموت،
 لم أعِ حين ارتضيتُ تلكَ البطن حضناً معتماً لي،
 تساوت فيه اللحظات،
وفيه استغلت أدغال الخرافة سكرتي،
 فتسلَّقت ذاكرتي!
سأخرج لهم مكتمل العري،
 سأغني له،
 وأذكر بفخر خجل ورقة التوت منه!!
لن أنجو إذن الاّ بعريي،
 ولن أهتدي إلاّ بي من هول ماحدث،
 بعد أن تقيَأني الليلُ في لحظة لم أحسبْ لها،
 اللحظة التي ارتجفت لها الأرض،
 وتلعثم أمامها البحر،
 وراحت السماء تماري في زرقتها،
 يا لَهذا الرمل الذي التصق بي
 وأنا أعدُّ العدة لخلع أسراره من ملامحي،
 أيّ سرّ ينام في شفة الرمل؟
في الأيام الأولي لي في بطن العتمة،
 كنت أسمع المذهل عما يدور في غابة الحياة
وأقرأ ما دَوَّنه البحر علي شفاه الموت الذي أحيا في بطنه،
 مِنْ أنَّ أغاني الجن،
 وتكبيرات الملائكة،
ونبرات همس الشياطين،
والأكاذيب الراسخة،والأباطيل
 والحجج الرخوة كلها تزاحمت علي باب الله!
والله لا يفتح بابه لكائن من كان!
هكذا كنت أسمع جدتي تقول وأنا( بعدُ في رحلتي قبل أنْ ألجَ بطن الموت ) هناك أرقب الشيخ الواقف علي الباب!!!وهو يرشّ الجدار ببوله!
 وددتُ لو أتمكن بغتة مِنْ أنْ أنفذ من هذا الباب الأزلي وأفرُّ  إلي الله!
اتسَّخَت روحي من خرف التاريخ،
وأصابَ قلبي زيغٌ من الدوران الأبله للزمن،
 وأنا أقف ُخَجِلاً،مما ارتكب الشيخ،
 ومن زلل خطواتي التي اقتادتني مراراً دون وعي إليه!
 طرق منتهكة، وجباه يبكي سرّها التراب،
 وأرواح عارية تتأرجح في الخراب!
أكوامٌ جاثمة تحتفي بموتها،
 مابين كوم وكوم آصرة
 ومابيني وبينها كلّها هوةٌ سحيقة،
عبثاً أحاولُ ردمَها!
 هاهم يقرعون قلوبهم بخشوع بشع،
 فتهمس السماء ساخرة،
 لا أجد معنيً لعذاباتكم المشرعة منذ ألف علي الوجع،
هزيلة تنساب، لن يتقبلها، فهي ما كانت له،
 ستظل عالقة علي ظهورهم،
 وهم يتراقصون ألماً وخيبة!
ياه!
من أين جاءوا بكل هذه الموالات العتيقة
وتناغموا معها؟
 انْشدّوا،
 وأنْشَدوا لنداءاتها الخفية،
 تمترسوا بالضجيج،
وابتهجوا بقمر لايجيء!.