رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

قصتان


نجلاء فتحي
3/10/2018 3:26:31 PM

دقات علي الباب
سمعت وقع أقدام بالخارج في حديقة منزلها.. الصوت يقترب أكثر.. يفضحه صوت تكسر أوراق شجر الخريف الساقطة علي الأرض.. لم تدر ماذا تفعل فهي بمفردها.. من سيأتيها في هذا الوقت المتأخر من الليل..
الصوت يقترب.. يخترق الصمت.. ماذا سيفعل بها هذا القادم؟ وكيف ستواجهه؟ أخذت تفكر وتحدث نفسها لابد أن أتعامل معه وأدافع عن نفسي.. لن أختبئ سأمسك بعصا غليظة وأنتظر حتي يدخل ثم أهوي بها علي رأسه..
الصوت توقف أمام بابها وتحول إلي دقات عليه.. تعجبت وتساءلت من سيأتي الآن ؟ لكنها شعرت بالطمأنينة فإن كان يريد بها سوءا لن يطرق الباب..
بصوت متهدج مرتعش تساءلت »مين»‬؟
لم تأتها أية إجابة ..كررت سؤالها وكرر الصمت إجابته.
بخطوات حذرة اقتربت من النافذة.. نظرت إلي الخارج.. لم تر شيئا.. أمعنت النظر لم تر سوي الظلام.. الآن فقط تذكرت هذا الحادث المشئوم الذي أظلم عينيها وكل شيء حولها.. خرجت منها تنهيدة اعتصرت صدرها كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة.. سكن كل شيء ولم يبق سوي صوت حفيف الشجر.
ألبوم صور
بثقلِ من الذكريات المؤلمة رغم سعادتها.. أخذ يتأمل في ألبوم صور كبير بين يديه، لم يكن يتصفحه لكنه كان يعيش فيه لحظات يحفظها.. لا تبارح ذاكرته.
ينظر إلي فتاته التي عشقها منذ صباه متأملاً صورها، هذه صورتها حين كان يدفع أرجوحتها .. وتلك أخري لها علي شاطئ البحر، وفي هذه اللحظة كان قد أغضبها ثم جاء يصالحها ويستسمحها، وهذه التقطها لها بغتة.. وها هي صورة زفافهما الذي تمنياه طويلاً، وأما تلك فصورها بكل ركن من بيتهما الذي حلما به حتي أصبح حقيقة وواقعا ، لم يصدقا حين أغُلق عليهما باب واحد.. عاشا في سعادة عاشقين يختلسان من الحياة لحظات سعادتهما .. تلك كانت حياتهما تمنت إنجاب طفل يشبهه، وهو تمني طفلة تشبهها، تأخر تحقيقهما، لهذا الحلم ، كان يتألم لها حين يراها واقفة أمام مرآتها تتحسس بطنها، ويعلم أن ما يدور برأسها أن تراها منتفخة بثمرة حبهما التي ستكمل سعادتهما.. يقترب منها فيحتضنها من ظهرها قائلاً لها إنه طفلها وإنها طفلته ..تعلم بداخلها أنه يهون عليها لكنه يتمني أكثر منها.
تقف عاجزة أمام تحقيق أمنيته.. لكنها تظل تسعي وراء حلمهما، تعذبت كثيرا لعدة سنوات حتي زُرعت نبتة عشقهما داخل أحشائها.. لم تكد تصدق الطبيب حين قال لها مبروك.. زفت الخبر لحبيب عمرها الذي دمعت عيناه من فرط فرحتها .
ظلت طيلة أشهر تالية تراقب انتفاخ بطنها يوما بيوم.. تُحدث هذا الكائن الساكن مطمئنا داخلها.. يشاركها حياتها تخبره بانتظار خروجه منها، تحكي له قصة عشقها لوالده، تطمئنه أن والديه سيرعيانه خير مراعاة ويوصلانه بر الأمان، تخبره كل يوم بما أحضرته له وما جهزته لتشريفه الحياة.. هذا سريرك وتلك ملابسك ولعبك وحتي هذه حفاضاتك ، لا تخش أي شيء فقط اخرج وستنعم معنا بحياة هادئة سعيدة تكتمل بفرحة قدومك ووجودك فيها.
كانا يحسبان الأيام والساعات لتحديد موعد الولادة، وكانت تتعجل نزع ورق النتيجة المعلقة علي الحائط كل يوم فلا تنتظر حتي الصباح وتنزعها في الليل..
هذه الليلة أربكت الحسابات ففاجأتها آلام المخاض في شهرها السابع.. حركة كثيرة بداخلها كان يريد أن يخرج للحياة الآن، لايستطيع انتظار ما تبقي، فقد أغرته الحياة خارج هذا الرحم ، يريد أن يبدل هذا الغشاء المتدثر به ليتدثر بحضن أمه التي يسمع صوتها كل يوم.. يريد أن يُسمعها صوته هو الآخر ، لتهدهده وتحكي له الحكايات التي وعدته بها.
ذهب بها حبيبها إلي الطبيب الذي أخبره أنه الموعد وأن ابنه ابن سبعة .. يجب إدخالها غرفة العمليات فوراً.. لاحظ الطبيب القلق الذي اعتلا وجهه الذي هربت منها الدماء.. فطمأنه لا تقلق فهذا أمر يحدث كثيراً.
طبع قبلة فوق جبينها ودخلت إلي العمليات لتخرج منها هي وحلمهما الذي انتظراه.. خرج له الطبيب.. لا يعرف كيف يخبره قال له هذا أمر الله شد حيلك.
أجهش بالبكاء واضعاً وجهه بين كفيه حين تذكر هذه اللحظة غير المسجلة بألبوم الصور لكنها مطبوعة بذاكرته.. فلم يكن يعلم أن هذه قبلته الأخيرة لها.
شعر بكف يد صغيرة تربت علي كتفه استدار وجد حلمهما الذي يتألم كلما رآه لكنه هذه المرة احتضنه بكل قوته محتضنا معه ذكريات حياته .