رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

كابوس


أحمد البدري
8/2/2018 4:44:42 PM

ثوبها الأسود ينبئ عن حياة بائسة، عندما اخترقت الجموع بلا مبالاة لم يعقب أحد ولم يهتم، تقدمت أسرعت خطوها  حتي وصلت إليه، جلست القرفصاء حملقت إليه جيدا، وكأنه يراها أو ينهرها كعادته معها، دموعها المتساقطة المختلطة بالخوف والحزن جعلت وجهها أكثر توهجا، تلوك بين شفاه يابسة حروفا مبتورة، وكأن تلك الشفاه لم تلامس الزاد من سنين غابرة، كانت حركتها ثقيلة جدا وبطيئة جدا وكأن تلك حروف حمل ثقيل عليها، مما ساعد علي امتزاج الحروف وتداخلها لا يكاد أن يفقه منها شيئا، إلا أن وجود الغمازات النائمة بجوارها لطفت قليلا  وأضافت بهاء وبريقا خفف من تجهم وجهها المصطنع، بينما تعدل من جلستها وتقتل وحدتها تقدم نحوها رجل كفيف يتلو بعضا من الآيات، لم تكن حروفه أكثر وضوحا كان يخرج طنينا مرتبا، امتدت يديا المرتعشتان نحوها،  هيأت نفسها لمنحه قليلا من النفحات، همس بصوت واهن (رحمة الله عليه) كانت يده الأخري تصطدم بجسدها، أغفلت ما أحست به، ارتفع صوتها عندما وجدت يده تروح وتغدو بين ثنايا جسدها، ودون أن تشعر كانت كفاها تهبطان علي وجهه كالبرق وقد أحدثت صوتا تجمع له زائرو المقابر الأخري، تسلل الأعمي من بينهم كفئران مذعورة، بينما كلمات اللوم والمواساة متشابكة تخرج من الأفواه تقليدية لا تضيف جديدا، وكانت قد ملت سماعها خاصة من الجارات وهي مصاحبة لإماطت شفاههن التي تقتل كلاما كثيرا فوقها، نظرت إلي الشاهد ترسل إليه بعبارات اللوم والعتاب، كلما أوغلت في الحديث تصدع الشاهد وزادت التشققات ،تخيلت أن التصدع يصاحبه أنينا  ومرات زمجرة قط غاضب، ارتجفت..أصابها الرعب مصاحبا لقشعريرة في البدن لم تجد ما تتدثر به ....
من بعيد ..واقفا وحيدا مندسا خلف أحد القبور يتابع ما يحدث بعناية شديدة، بهدوء تقدم إليها داهسا نبتات الصبر أسفل قدميه غير عابئ بأنينها وقلة حيلتها، رسم في عينيه دمعتين، اقترب منها مد ذراعيه رفعها عن الأرض قليلا، بنظرة حانية احتواها .. أباحت له قيادتها دون شرط وقيد، بوقار زائف وحزن مصطنع مغلف بعبارات ودودة قدم لها واجب العزاء، اخترقت عيناه صمتها المتحفز، تكسر ما تبقي من حصونها الهشة، نامت يداها بين راحتيه في سكينة تامة، ازداد وجهها اشتعالا من بريق كلماته في أذنيها، همس إليها أنه صديقٌ و أخٌ  للمرحوم، سرد عنها وعن المرحوم  الكثير .
بث الأمان والطمأنينة في قلبها ..أيقنت صدق كلماته، اتخذا طريقهما للخروج من عالم الموتي، أسكرتهما رائحة الحياة، حاول أن يزيح عنها تراب الماضي، تبدل  حديثهما،لم تنطق الشفاه .. كانت العيون كفيلة أن تقوم بدور استثنائي هذه المرة، اعتذرت منه، اخترقها بابتسامة .. تكتمت أنفاسها المستعرة داخلها،رفعت جفنيها ببطء شديد تشكره، دس بين كفيها عدة أرقام، تمني عليها أن يقدم خدماته و في أي وقت، احتوت الأرقام بصدرها، أرخت جفونها ببطء شديد، تبسمت ورحلت بعيدا عنه .
ظنت أن المسافة بين حدود المقابر ومنزلها أميال، أحست أن خدراً يغزو جسدها، أخذت في الترنح وقد عجزت أقدامها عن حمله، تصاعد أنفاسها وكأنها في مضمار عدو تبحث عن خط النهاية.
ألقت بنفسها علي سريرها الجريدي  وكأنها لم تنم دهرا، ظن أنها بعد هذا اليوم في انتظار زائر الموت، تركت لأناتها المكتومة داخلها حرية الانطلاق، أخذ صدرها يعلو ويهبط، راحت في عالم سحري جديد عليها بعيد عن الآخرين ....
كاد سقف الحجرة ينطبق علي الأرض والجدران تتلامس ووحداتها تتساقط علي وجهها، كثرت حركتها العشوائية محاولة الاستفاقة من هذا الكابوس.
أخذت نفسا عميقا، ضمت ملابسها المبعثرة وبقايا من حطام روحها المبعثرة، نظرت إلي النافذة المفتوحة علي مصراعيها وضوء شاحب يتراقص، لم تقو علي ترك مخدعها، استسلمت للنوم من جديد، أطبقت جفنيها لكن ما زالت صورة الشاهد المتشقق تزاحمها وتلك القطة تموء في أذنيها  وهي تزيح عنها تراب الموت، أحست بأن هذا التراب يخنقها  وأن رائحته قريبة منها، تمد يديها تمسح علي عينيها وتحاول طرد تلك الصورة من داخلهما، تحاول مرات ومرات فلا تفلح،  تيقنت أن القطة تجلس أمامها  وسرعان ما تجسدت صورة المرحوم، نظر إليها موجها إليها قذائف من غضب واستنكار، لفها الخوف والرعب لا تملك  سبيلا لطرد ما هي فيه، تماسكت قليلا بحثت عن تلك الأرقام في صدرها فلم تجد لها أثرا.